قراءة في كتاب ( تاريخ الوجودية في الفكر البشري ) لـ المستشار سعيد العشماوي

IMG_20171016_173552.jpg

    لست مختصاً في الفلسفة لكن يمكنني ان اضع بعض الإشارات عن هذا الكتاب في عدة جمل من واقع قراءتي ، مع الاخذ في الاعتبار ان تاريخ الكتاب يعود لعام 1984م أي انه يوجد أفكار عدة طرحت بعدة في نفس المجال ، يناقش الكتاب تاريخ الفكر الوجودي من عدة جوانب لغوياً وتاريخياً عبر الأمم وعبر الفلاسفة ونظرياتهم ، وكذلك وضع لمسته على تلك المفاهيم والنظريات في نطاق إسلامي وربما من منظور صوفي في بعض الاحيان ، بشكل جيد يمكن فهمه ببساطة .

     بعد ان شرح الكاتب معنى الوجودية لغوياً انتقل لتعريفها عبر العصور ، ابتدأ من تاريخ الدولة الفرعونية ، وهنا اسهب الكاتب كثيراً في تلك المرحلة ، واختصر في حضارات أخرى لا تقل أهمية ، بل يوجد لها مراجع اكثر من الحضارة المصرية القديمة ، ومثلا اغفل حضارة ما بين النهرين ، ثم انتقل للحضارات تباعاً اليونانية والرومانية ، والمسيحية والإسلامية ، وأنا أرى لو افرد باباً خاصاً لشرح الوجودية في الديانات لكان الامر اكثر وضوحاً ، فأغلب الفكر الوجودي ينقلنا إلى الالحاد ، والفكر الديني لم يلغي الوجودية بل وضعها في منظور معين له حدود ، وله منطق يختلف عن منطق الفلاسفة .

     ايضاً في باب التاريخي للوجودية يسرد الكاتب التاريخ ويقارن الوجودية في الحضارات ومجدها وانهيارها ويربطها بالوجودية وهذا يخلط الفكر الوجودي بالتاريخ ، وهنا ايضاً كنت اقرأ في هذا الباب تاريخاً يسري بالأحداث وانسى الموضوع الأساسي ، ثم اعود لفكرة الوجودية حين يذكرها الكاتب ، أي انه كان يركز على الحضارات وتاريخها اكثر من  الفكر الوجودي ( موضوع الكتاب الأساسي ) .

    ثم انتقل الكاتب لأبواب أخرى ، الوجودية في الفكر الوسيط ، ثم في الفكر الحديث ، وفي باب الفكر الحديث ، كانت النظرة أوضح بكثير ، وتسلسل الفكر بين نظريات الفلاسفة والمفكرين كان رائعاً ومنطقياً ، فتدرج مع نظريات الفلاسفة المؤثرين في الفكر الوجودي من هيجل وكجارد وهوسل حتى وصل إلى سارتر ، ثم وضع موجز للفكر الوجودي في تلك الفترة .

    ثم انتقل لقصدية الوجود ووضع شرح جيد وفي نهاية الكتاب ، لخص فكرته الأساسية ، النابعة من قناعاته  الإسلامية .

    يعد الكتاب صغيراً بالنسبة لكمية الأفكار التي يطرحها ، وعموماً الكتاب جيد يقع في 153 صفحة ، موزعة على أبواب ، مفيد لمن يحب ان يطلع على بعض جوانب الفكر الوجودي والفلسفي ، صدر في عام 1984 .

 

قراءة في كتاب ( المساواة ) لـ مي زيادة ..

1157.jpg

قراءة في كتاب المساواة لـ مي زيادة

الكتاب صغير في حجمه ثمين في مضمونه ، فلم تتناول المساواة فقط في الحقوق والواجبات او المساواة بين الرجل والمرأة ، بل تناولت المسألة من جوانب أخرى ، وبطرق مختلفة ، تتدرج معك مقالات الكتاب أو ابوابه من الطبقات الاجتماعية ، الارستقراطية ، ثم تعود بك للرق والعبودية وتاريخها ، وتأثيرها ، ثم تتحدث عن الديمقراطية بمنظورها الواسع من بداية ما قاله الفلاسفة حتى واقعها الذي كتبت فيه الكتاب ، ثم تتحدث عن الاشتراكية السلمية ، وإمكانية تحولها ، وتعود للاشتراكية الثورية التي كانت الكاتبة نفسها تعايشها في اوجها ثم تعود للنظريات الفوضوية ، وتميل بك لنظرية العدمية في أبواب متتالية .

تنقلك مي زيادة في هذا الكتاب في الواقع بين كل المذاهب المطبقة في ذلك الحين من الزمن ، نقلاً سلساً بلغة قوية ، وتدخل في جوانب وتفاصيل ، وتضع تصورها في كل باب تطرقه ، لتخرجك من سيطرة الفكرة أو النظرية ، ولتجعلك تنظر لجانب اخر لم تنتبه له ، ومن المفارقات التي وردت في الكتاب أن الكاتبة تنبأت بانهيار الشيوعية رغم انه حياتها كانت في اوج الفكر الشيوعي الماركسي ، إلا انها تنبأت ان الشيوعية ستكتسح العالم ثم تنهار ، ولم يمتد بها العمر لترى أن صراع الشيوعية استمر مع الرأسمالية ، وانهار دون ان ينتصر ، ولكنها تميزت في فكرة الانهيار ، كما انها تحدثت عم المساواة في حقوق المرأة ، واستغلال العمال .

الفصل قبل الأخير من الكتاب كان نقاش بين اشخاص يمثل كل واحد منهم فئة أو طبقة اجتماعية ، او دور يقوم به في مجتمعه ، ويدور الحوار بين المفكر والشيوعي والانسان البسيط والانسان الرأسمالي ، ثم تختم كتابها برسالة احدهم وهو افضلهم في النقاش وطرح الأفكار فيتناول كل تلك المسائل من واقع مقالاتها التي كونت الكتاب ، ويطرح تصوره وما يجب فعله .

يقع الكتاب في 163 صفحة ، كتاب شيق ، بمنحك معرفة عامة من خلال ابوابه المتنوعة ، انصح بقراءته مع الملاحظة ان الزمن الذي كتب فيه الكتاب يختف عن زماننا هذا ، وان الكثير من النظريات والأفكار قد عفا عليها الزمن ، لكن متعة المعرفة في الكتاب قوية جداً .

قراءة في كتاب ( رواية الطنطورية ) لرضوى عاشور ..

قراءة في كتاب ( رواية الطنطورية ) لرضوى عاشور ..

الطنطورية-ملتقى-المرأة-العربية-660x330.jpg

الطنطورية : وأصل الكلمة يرجع لقرية الطنطورة في شمال فلسطين ، وتحكي القصة فتاة طنطورية ، منذ أن كانت في الثانية عشر من العمر ، وما حل بقريتها ، ورحلة الشتات ، والمجازر والقتل التي تمت على يد الصهاينة ، ثم زواجها وانتقالها للعيش في لبنان مع زوجها ، والتي عاصرت خلالها الكثير من الحالات الانسانية والكثير من المجازر التي وقعت في حينها منها مجزرة صبرة وشاتيلا وفقدان زوجها ثم انتقالها للعيش مع ولدها في ابو ظبي ، ثم انتقالها للقاهرة ثم العودة للبنان مرة اخرى حيث تنتهي الرواية .

الرواية تحمل الكثير من الحياة في جنباتها ، والكثير من المشاعر ، وتستطيع وأنت تقرأ الرواية أن تلمس الحياة الفلسطينية البسيطة في القرى ، وتمر مع الكاتبة بلحظات المعاناة ، ولحظات الألم ، وتعيش معها ومع الاسر الفلسطينية في الشتات ، وتعرف كيف كانوا يتعاونون ، ويتكافلون ، ويساعدون بعضهم البعض ، ليتمكنوا من النجاة من الموت .

تحمل الرواية الكثير من الدماء والكثير من القتلى ، والكثير من صور الألم ، وهذا بطبيعة الحال يناسب الاحداث التي تتناولها الرواية ، كرواية توثيقية ، وبناءً على التوضيح في نهاية الرواية فالأحداث كلها حداث واقية جرت بالفعل في تلك الاماكن التي تواجدت فيها بطلة الرواية ، السيدة / رقية ، لكن الاشخاص ، مقتبسون من خيال الكاتبة ، وقد ابدعت رضوى عاشور في تجسيد دور الفلسطينية ، لدرجة انها تشعرك أنها تحكي قصة حياتها الشخصية ، وذلك تلمسه في عمق المشاعر حين تتحدث السيدة / رقية عن ابنائها ، او اخوتها ، او تنقلك للحظات الحنين ، وحين تعود بك لاسترجاع  لحظة مؤلمة أو لحظة اشتياق في حياتها السابقة .

الرواية شيقة لكنها ربما لا تروق لبعض القراء لكثرة الصور العنيفة من القتل والدماء والضحايا ، او لكثرة التوثيق التي سارت بها الكاتبة من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى مدينة اخرى ، لكنها في النهاية عمل ادبي مشوق في صياغته مثير لمن يريد أن يتعرف على أحدث تلك الحبقة من 1948 إلى 1982 ، ومثير أيضاً لمن يرغب في معرفة بعض التفاصيل عن الحياة الفلسطينية قبل الشتات ، وبعده .

من هي رضوى عاشور ؟

رضوى عاشور (ولدت في القاهرة في 26 مايو 1946)، قاصة وروائية وناقدة أدبية وأستاذة جامعية مصرية. يتميز مشروعها الأدبي، في شقه الإبداعي، بتيمات التحرر الوطني والإنساني، إضافة للرواية التاريخي ، زوجة الأديب الفلسطيني مريد البرغوثي، ووالدة الشاعر تميم البرغوثي توفيت يوم 30 نوفمبر 2014 ، لها الكثير من الاعمال الادربية والنقدية والروائية ، من ضمنها رواية الطنطورة التي تحدثنا عنها .