الأدب ..

الكلمات متشابهة، فأنا أملك الحروف والمفردات التي تملكها، وهي هي الحروف نفسها، كلٌ منا يوظفها فيما يريد، ومنا من تخونه الكلمات في بعض المواقف، لذلك فلا فرق بيني وبينك سوى المهارة التي أستعملها أو تستعملها أنت في تشكيل تلك الكلمات والجمل لنجعلها مقنعة، مؤثرة، حزينة أو مفرحة، يشاركنا فيها الخيال ونقرأ تعابير الوجه ونكتبها.

لنتفق على شيء: أن الكلمات موجودة لدى الجميع!! فما الذي يجعل الجملة التي تقولها أنت مؤثرة أكثر من الجملة التي أقولها أنا، أظن أن الذوق والأسلوب هما اللذان يحددان شكل ومعنى الجملة، الفقرة، القصة والمقال أو الموضوع، فهي مسألة ذوق وتمكّن، كما هو الحال في الأزياء أحدهم ذوقه راقٍ، والآخر جميل، وغيرهم لا يحسن اختيار ملابسه.

الذوق مهم، فهو الذي يعطي اللمسة الجذابة، لكننا لا نطلق كلمة ذوق على الجملة، بل نقول جملة متناسقة، أو فقرة محكمة، أو بيت شعر بديع، أو خطاب رائع، وكل هذه النصوص استطاع أصحابها أن يشدوا انتباهنا بأسلوبهم الجميل في اختيار الكلمات المناسبة ليوصلوا ما يريدون دون أن ننفر منها، فهم أصحاب ذوق رفيع في اختيار الكلمات وترتيبها وتنسيقها وحبكها، لذا فهم مبدعون، أو ماهرون في الكتابة.

لا أريد أن أشبه الإبداع الأدبي بالأزياء أو أي نوع آخر من الفنون ذات الذوق الرفيع، أريد أن أرسخ فكرة بسيطة وهي أنه يمكننا أن نوظف الكلمات بالشكل الذي يعجب الجمهور لكي نلفت انتباهه، والكثيرون يمكنهم فعل ذلك، والمعضلة لا تكمن في تبني تصورات الجماهير الأدبية، بل تكمن الصعوبة في أن أَوصل الفكرة التي لا ترغب فيها أنت بشكل يجعلك تتقبلها أو يجعلك تفكر فيها من جديد بشكل مختلف عما كان عليه تفكيرك قبل أن أطرح تلك الفكرة بمنظوري الخاص.

الكثير من الوسائل يمكننا تعلمها في مجال الأدب، والكثير من المهارات أيضاً، كل شيء ممكن، الفرق أن المهارات التي تكون وليدة إبداع مترسخة بشكل أكبر وأعمق من المهارات التي تكتسب دون وجود سابقة لها في النفس، وكذلك التي نكتسبها دون تعلم حين نخضعها لوسائل التعلم تنتظم وتترسخ بشكل عميق يجعلنا نستخدمها بمهارة أكبر.

الأدب كالبحر، مهما أخرجنا من بطنه من كلمات وإبداع يستطيع غيرنا أن يستخرج منه كلمات أجمل وأروع مما أخرجنا، والمهم أن نتقبل ما يكتبه الآخرون، وننظر إلى جماله وما يحمل من إبداع، فالأدب لا يقف عند قلم واحد، ولا شخص واحد، ففي كل تجربة أدبية ألمٌ وجمال، نجاحٌ وفشل، نتعلم ونعود لنكتب من جديد، ويعود الآخرون ليقيموا أعمالنا، ونقيم أعمالهم ونصفق جميعاً للعمل المبدع الجميل دون النظر إلى الأشخاص، فقيمة العمل الأدبي تكمن فيه، وهي التي تميز صاحبه، أسماء الكُتاب لا تميز الأعمال الأدبية، بل الأعمال الأدبية هي التي تميز الكُتاب.

هيا نلعب …

هيا نلعب، حتى يسقط الضعفاء، فنقتسم الغنائم، ونرقص على جثثهم، هيا نلعب بعقول الشعوب، لكي نسيطر على ما يملكون، فنحن كنا المحتلين، ونحن الحاضر ونحن من صنع تاريخ تلك الدول الغارقة في التفاهة وتظن أنها مستقلة، نلعب بهم لكي يروا أننا لا زلنا نسيطر عليهم، وننقلهم كالبيادق بين الرقع السوداء والبيضاء، فنحكم على من نشاء بالإعدام، ونولي من نشاء الحكم.

سنشعل لهم السماء بألعابنا، وتضل أعناقهم عالقة تراقب المشهد، في خوفٍ خاضعين، لكي يتجنبوا ألعابنا الخطرة التي كانوا يظنون أنهم يحسنون استخدامها.

هيا نلعب اللعبة التي نكررها كل عشر سنوات، فنشعل الفتيل، ونتركه مشتعلاً، ولا أحد يستطيع أن يقطعه سوانا، فإما أن نأخذ ما نريد عن طيب خاطر، أو نتركه يصل للبارود، فإن أطاعونا وأخذنا ما نريد، سنعطيهم بعض الألعاب النارية ليحرقوا بعضهم، ولن نتدخل، سنتركهم يتسلون بتلك اللعب حتى يملوا الموت.

هيا نلعب لعبة الأمم التي باعت كل شيء في الخفاء، وخزنت أموالها في البنوك، وحاكت مؤامراتها في الغرف المغلفة، نلعب لكي نكرس السيطرة، ونصنع قوانين جديدة، يعيدون من خلالها بيع ما تبقى من الأوطان، ودعهم يجمعون أموالاً أخرى غير تلك التي أصبحوا لا تعرفون مكانها، وسنساعدهم على نسج الأكاذيب الجميلة من أجل تمجيد العروش.

هيا نلعب، فلا إله في اللعب، ولا مساجد، ولا كنائس، فالألعاب لا يضع قوانينها الرب، ولا يبعث الرسل من أجلها، فتركوا الآلهة بعيداً عن ألعابنا، ألا تروا أن لا إله في الشطرنج، بل هناك ملك، ألا تعرفون أن الرسل جاءوا برسائل، ولم يأتوا بقنابل، ألم تقولوا أن الملائكة لا تحب الكلاب.

هيا، هيا، فكلما تأخرتم، تكون إمكانيات خصومك أكبر، فعليكم أن تلعبوا معنا من البداية، فربما تصلون للأدوار المتقدمة، وأنتم تعرفون بالتأكيد أنكم في النهاية ميتون، لكننا سنخلد أسماءكم “كأفضل اللاعبين الأغبياء”

لحظات صغيرة ..

الأمور الصغيرة التي تحدث لنا تؤثر فينا أكثر مما نتوقع؛ جرد ابتسامة لطيفة في الصباح يمكنها أن تغير مزاجك طوال اليوم، وتجعلك تنظر إلى الدنيا بتفاؤل، وتبحث عن كل ما هو جميل، ويمكن أيضاً لنظرة اشمئزاز أو نظرة تعالي أو احتقار أن تقلب مزاجك رأساً على عقب، وتنشر التشاؤم في يومك، وتمسح كل الأشياء الجميلة من مخيلتك.

الحياة هي أمور صغيرة تجتمع لتُكون شيئاً أكبر مؤثراً في حياتنا سواء لفترة طويلة أو قصيرة، ولكل حدث ردة فعل عند المتلقي فلا تعني الابتسامة في الصباح الكثير عند بعض الأشخاص، لكنها تعني الكثير عند غيرهم، وبهذا نتأكد أن استقبالنا للأمور الجيدة والسيئة يختلف من شخص لآخر، أو من حين إلى حين، فربما الابتسامة الجميلة نفسها في الصباح لا نستقبلها بالتفاؤل الذي استقبلنا به سابقتها.

الكوارث ثوانٍ أو دقائق، والمصائب أيضاً، تنبني عليها أمور أكثر تعقيداً وأكبر شأناً، لكنها مواقف قصيرة، يتأثر بها من يعيشها، وينظر إليها البعيدون نظرة استغراب ودهشة، وهكذا هم البشر ؛كل شيء يمسهم يصبح مهماً وما يبتعد عنهم يقل تأثيره عليهم.

مجموع هذه الأمور الصغيرة هو الذي يرسم لنا الحياة، اللحظات والدقائق تشكل واقعنا الذي نعيشه وتتراكم في ذاكرتنا، لنعود إليها في لحظات كما عشناها في لحظات، لكننا حين عشناها عشنا بتأثرنا بها، وحين نعود إلى ذكراها نعيشها لفترة أقصر، وكلما بعُد الزمن عنها نعود إليها لفترة أقصر من سابقتها.

كما تعود المادة إلى أصولها يعود الوقت إلى أصله، وأظن أن لا شيء بعد اللحظة، فهي في نظري الكتلة التي يستطيع الزمن أن يُحدث فيها أمراً يبقى ويؤثر في محيطه.

صدمة العاطفة ..

لا توجد حدود للمشاعر ولا قوانين؛ فالشعور شيء غير ملموس لا يمكننا قياس مدى فاعليته من شخص إلى آخر ولا تأثيره في الأشخاص، فأحدنا تؤثر فيه دموع طفل بشكل بالغ وآخر تؤثر فيه تلك الدموع بشكل سطحي، ولكل شخص تبريره الذي يستند إليه ولكل منا نظرته الخاصة للدموع، ممن تصدر ولِمَ صدرت، أمور كثيرة تجعلنا نعطي تلك الأحاسيس قيمة، أو نقلل من شأنها.

هي مشاعر تتفاعل في مساحة من أنفسنا لا يمكننا أن نصل إليها، كتلة كامنة لا ندري متى تنفجر، عاطفة الحب لا نعرف متى تتملكنا، والحنين، وتأثير الذكريات، نقف أمامها عاجزين في أحيانٍ كثيرة، ولا نجد تفسيراً منطقياً يبرر أو يفسر ردّة الفعل على المشاعر المقابلة.

لو أخذنا عاطفة واحدة مثلاً: الحب، لا نعرف متى نتخلص من تأثيره حين نقع فيه، أو متى نفيق من غيبوبته التي نتفاعل معها، دون أن نضع لها حدوداً ولا مدى،  وفي أحيان كثيرة تكون نتائجها كارثية، توصلنا إلى مرحلة الصدمة العاطفية أو الانهيار، نصاب بالصدمة في البداية والنهاية، في البدايات غيبوبة وفي النهايات ضياع، وفي كل منهما لا نتحكم في مشاعرنا سواء في السرور أو الضيق.

يعترف العالم بأجمعه بأن هناك مشاعر، لكنهم لا يعطون تفسيراً واضحاً لتلك الأمور التي لا يمكننا التحكم فيها، وربما يكتشفون إفرازات الغدد بعد حدوث ثورة الشعور، لكنهم لا يستطيعون أن يصنعوا شعوراً واحداً دون اكتمال عناصره.

إلى متى أُحبك …

عندما نتحدث عن العلاقات الشخصية، أو نفكر بها، لا نسأل أنفسنا في أغلب الأحيان لماذا؟ ولا أعني بماذا أن أفكر في الفائدة المرجوة من العلاقة بحيث أن تصبح العلاقة تبادل مصالح، وهي بالفعل تبادل مصالح؛ لكن المصالح المالية والسوقية هي الوحيدة التي تأخذ في الاعتبار في هذا الجانب، لكننا لا ننظر إلى الجزء المعنوي والعاطفي على أنه فائدة أو مصلحة، والعكس هو الصحيح من وجهة نظري؛ الفائدة المعنوية من العلاقة هي التي تعززني وترفع من شأني كإنسان حقيقي على عكس القيمة المادية التي تنمي النظرة المصلحية المتمحورة فيما لدي وما أملك.
لكننا في الحقيقة لا نُقيم احتياجاتنا النفسية بشكل صحيح لكي نعرف ما هي الجرعة الصحيحة التي يجب أن نتلقاها من الأشخاص المحيطين بنا وهل ما يعطونا إياه من مشاعر حقيقية أم هو غاية يستخدمونها للوصول إلى هدف يصبون إليه؟ فالإنسان مركب غريب يختفي جزء منه بمكر ليحقق الجزء الآخر أهدافه، بمعنى أن الماكر يُظهر لك الود، لكنه يخونك في النهاية، وهو يعتبر هذا انتصاراً، وهنا تكمن مشاكلنا مع الآخرين: ثقتنا المفرطة في بعضهم، ونفورنا من آخرين، إذ تتولد لدينا قناعات بأن من نثق بهم هم الصادقون المخلصون، ونحن لا نملك في الحقيقة ما يثبت ذلك في أغلب الأحيان، لكننا نقيس بعواملنا النفسية، ولو نظرنا بعين مجردة إلى قياساتنا في هذا الجانب سنكتشف الكثير من القصور، وسنشك في أقرب المقربين لنا.

 المسألة معقدة، أحياناً تكتشف أن من تحبه وتدنيه يستغلك بفعل عاطفتك الحميمة نحوه، فنقطة ضعفك التي يمكنه أن يستفيد منها هي مشاعرك التي تغمره بها، وبسببها تمنحه الرعاية والاهتمام، بعكس ما يفعل هو؛ حيث يعطيك الرعاية والاهتمام بقدر استفادته المادية، وهنا تتحقق المصلحة بشكل مقلوب، لكنها تتحقق في مستوى معين غير حقيقي، فالحقيقي لا يتغير، وإن شابه بعض العيوب أو التغيير فالقيمة الكامنة فيه نقية.

 بعد فترة من الزمن، وبعد أن نكتشف حقيقة المحيطين بنا ربما لا نستغني عنهم؛ لأننا بحاجة إلى وجودهم في حياتنا، ولو كلفنا ذلك الكثير من الأضرار النفسية والمعنوية.

بين لحظتين ..

لا أدري: هل أحمل قلمي لأكتب، أم يحملني قلمي على الكتابة؟ فالدوافع كثيرة والقلم واحد، وكلنا نكتب، بعضنا لديه غاياتٌ سامية وبعضنا لديه أهداف كبيرة وبعضنا أحلامُه صغيرة، ربما أكون الأخير، وربما أكون الأول، لكني أكتب لأملأ ذلك الفراغ المتنامي في نفسي بين الواقع الميت والفراغ، بين ما أريد وما أنا عليه فعلاً، فهناك نقطة يبحث عنها الإنسان طوال حياته، ولا يدركها وإن أدركها شارف على النهاية؛ لأن الكمال يعني النهاية التي لا تأتي قبل أن نصل إلى قمة معينة نستطيع أن نسقط من فوقها.

الفكرة التي تأتي لا ترحل، فهي تخرج من تلك الصراعات الغريبة في نفوسنا التي تُّصدر أشيائها من الـ لا شيء لتزعجنا وتعكرنا أو تسعدنا، وفي الحالتين، النفس تشغلنا بتلك الأشياء التي تتولد من لا شيء، ومن كل شيء، فالذكريات فينا، لكنها لا تستطيع الحركة، والنفس تلعب لعبة المكعبات تجمع تلك القطع في لحظات لتشكل لنا الصورة، ثم تعود وتبعثرها؛ ثم تشكلها من جديد وتنسفها وتنسفنا معها، وكأن الفراغ الكامن فينا يتجمع ليُصَدر لنا ما يريد وأحياناً يخدعنا ليوهمنا بما نريد، ونحن البشر نسير خلف دوافعنا الداخلية، غاياتنا وأهدافنا وأحلامنا، لا ندري ما الذي سيحدث في الغد فقط، بل في الدقيقة التالية، فالتالي مجهول والراحل ذكريات، ونحن نعيش لحظتنا فقط بقناعتنا أو رغماً عنا، سنعيشها.

الزمن ليس أنا وأنت؛ الزمن هو التراكم الذي نُحدثه خلفنا لنرسم الماضي المختفي من لحظاتنا، فأكون أنا كما رأيتموني، ونكون نحن كما رأونا، ونكون دولة، ونكون أمة بين لحظتين: فائتة وقادمة ونحن فقط اللحظة الوسطى التي تجمع بينهما، بين الماضي المحتشد بالذكريات والمستقبل الفارغ، وكأننا صفحات تُكتب؛ فالصفحة التي تمتلئ تُقلب لتخرج لنا صفحة جديدة فارغة ونحن الأقلام التي تملؤها.

لا أدري هل هي فوضى مشاعر أم فوضى أفكار، وأظنها فوضى الفراغ المتصارع مع المحسوس، الفراغ الذي ينصب لنا الكمائن من الذكريات لننطوي على أنفسنا، وننكفأ ثم نتلاشى.

لا روابط .. لا روابط ..

لا روابط .. لا روابط ..

ليس بين الموت والأشواق رابط

ولا بين العيون الدامعة

والإحساس رابط

ولا العواطف

ولا بين المشاعر والأحبة .. أي رابط

ولا بين الأماني والدروب

ولا القلوب

التي ماتت مشاعرها وذابت

بين التجاهل والهروب

لا روابط لا روابط

فالحب كان المبدأ المفقود دوماً

بين أزهار اللقاء

وأشواك الرحيل

وتلك العيون الرقصات

الباكيات

بين ضحكات الهوى

وصرخات الضياع

لا روابط لا روابط

لماذا يعزف المجتمع عن القراءة ؟ ..

علينا أن نطرح السؤال المهم، لماذا يعزف المجتمع عن القراءة؟ وعلينا أيضاً أن نبحث خلف هذا السؤال عن الأسباب الحقيقية التي تجعل مجتمعاً ما يعزف عن القراءة بشكل لافت للنظر، رغم وجود الكثير من المؤلفات التي يمكنه أن يستفيد منها.

لا أحد يملك الإجابة كاملة ولكل شخص اجتهاده في تخمين الأسباب التي تؤثر في رغبة المجتمع في القراءة والاطلاع وكسب المعرفة أو التسلية والاستمتاع فالقراءة ليست علماً فقط، فهي تحمل في ثناياها الكثير من المتعة والتشويق.

أحياناً لا توجد هناك قناعة لدى القارئ بجودة المؤلفات، وأحياناً لا تكون هناك قناعة لديه بالمؤلفين، وهذا السبب ربما لا يتناسب مع مجتمعنا فهناك الكثير من الأقلام الممتازة في كل المجالات، وأظن أن هناك سبب أكبر في هذا الأمر وهو أن الوسط الثقافي معزول أو بعيد عن المجتمع الذي ينتمي إليه، لذا لا يوجد تأثير ثقافي يمس المجتمع بشكل مباشر، ويثير حفيظته لكي يقرأ، هذه النقطة لها وجود قوي في مجتمعنا، لكنها ليست النقطة الوحيدة التي تسبب العزوف عن القراءة.

لا توجد مؤسسات ثقافية لدينا تروج للكتب بشكل مؤثر، وهذا ما يجعل الكاتب يجتهد ويروج عمله بنفسه، حين يكون العمل مؤسسياً تكون النتائج أفضل بكثير، فالمؤسسات الإعلامية والثقافية لها جمهورها من الأساس، كما أنها تنقب في الكتاب، وتبين مزاياه التي لا ينتبه لها القارئ من الوهلة الأولى، وهنا يبرز دور النقد؛ لأنه عملية تقييم فني ومهني لأي كتاب يصدر، فيعطينا دافعاً إما لقراءته أو تركه.

الندوات والمقابلات والحوارات التي يجريها المثقفون لها دور كبير في تشجيع المجتمع على القراءة، وتساعد على انتشار الأعمال الجيدة، والندوات والحوارات والمقابلات يجب أن تشمل كل وسائل الإعلام المرئية والمقروءة ووسائل التواصل الاجتماعي وهناك قصور كبير في هذا الجانب.

دور النشر لها أهمية ورسالتها أكبر من أن تطبع الكتب وتوزعها، فهي التي تتبنى الأقلام، وتنتج المؤلفين وتحرص على جودة المخرجات، وحين يقتصر عملها على الطباعة والتسويق فقط، تفقد قيمتها ويصبح تأثير مخرجاتها من الكتب على القارئ لا شيء.

هناك أسباب أخرى لدى المجتمع نفسه تساعده على العزوف عن القراءة والاطلاع، فالمجتمع حين تكون لديه مغريات كثيرة وميسرة، لا يلتفت للكتاب، وأخص هنا جيل الشباب الذي يساعد الترف في تشكيل هويته في الفترة الحالية، الكثير من الملهيات دخل ضمن نمط حياة الجيل الحالي، وهذه النقطة نتجت عن ضعف دور الأسرة والمؤسسات التربوية والثقافية، ترف المجتمع المادي يجب أن تلازمه الثقافة بدلاً عن اللهو.

أيضاً يوجد قياس خاطئ لنسبة القراءة، فالكل يقيس نسبة القراءة من نسبة مبيعات الكتب، ويتناسون أن الكثير من الكتب تنتشر في الإنترنت بشكل مجاني ولها جمهورها الذي يقرأها، وهذه الفئة لا تدخل ضمن الإحصائيات، ولو نظرنا إلى المواقع التي تضع الكتب المجانية كجوجل درايف ومواقع أخرى سنجد أن نسبة المشاهدات جيدة، صحيح أنها لا تقارن بنسبة مشاهدة الأفلام ولا الاستماع للأغاني، لكنها جيدة على العموم.

من وجهة نظري يجب أن يقتحم المثقفون المجتمع، لا أن ينتظروا أن يلتفت لهم المجتمع دون أي جهد منهم، الرغبة في المعرفة لا تتولد حين ينزوي العلم في أماكن مغلقة، يجب أن يكون الوسط الثقافي منفتحاً على المجتمع يسعى بكل الوسائل للتأثير فيه، وبناء هويته الثقافية ودفعه لما هو مفيد.

الرواية .. ما تفرضه وما تنفيه ..

تحكمنا النصوص والقضايا التي نطرحها في الرواية، وليس صحيحاً أننا نتحكم في الرواية بشكل تام كما يقال، النص الأدبي محكوم بفكرة أو طرح معين، أو تحدده القضية أو الحدث أو الشخصية التي يناقشها الكاتب في روايته، فيضع إطاراً فكرياً محدداً لتلك الرواية، ومن الصحيح أن الكاتب يقيد نفسه بنفسه، لكن ذلك التقييد يكون مفيداً في أحيان كثيرة، خصوصاً إذا كانت القضايا التي يناقشها ذات طابع خاص، فلو شط وترك فكره يتجول دون إطار محدد سيخرج لا شك عن سياق الرواية، ولن يحقق تلك السلاسة التي تجعل القارئ يسترسل في الحدث بشكل مريح.

أحيانا تحكمنا الفكرة، مثلاً لو أن القضية التي تطرحها محلية لا يمكنك أن تتجاوز القيم والأعراف الموجودة في المجتمع ولا معاير الأخلاق التي تحدد صيغة الخطاب الموجه للقارئ بحيث تخاطب الموروث الثقافي لدى ذلك المجتمع دون تجاوزه أو إدخال أي قيم شاذة، وهذا لا يعني أننا لا نطرح الأفكار الجديدة، على العكس يجب أن تطرح، لكن بالصيغة التي تجعلها مقروءة ومؤثرة، ولا تكون مصدر شذوذ في العمل، هذا بعكس أن نكتب رواية خيالية، فحين ندخل الخيال في العمل، نفتح أمامنا كل مساحات الحرية في معالجة الأمور الحساسة والعلاقات، أو أي شيء بشرط أن ما نكتبه يخدم العمل ولا يشوهه.

أنا أدعي أن الكاتب هو رب الرواية، يحيي شخصياتها ويميتهم، وهو من ينفي ويثبت ويُبعد ويُقرب كل ما يريد، لكن يقيني في هذا الأمر يختلف اختلاف كلي عما ادعيه ، فالرواية حين نبدأ فيها ننطلق بسرعة فمعظم الأحداث والشخصيات تكون مرسومة في عقولنا، نسترسل في البداية، ننسق أحداثه ونرتبها ونجمع بين الشخصيات، ونفتعل القضايا في الوسط، وهنا تكمن المشكلة فالكاتب بعد أن ينجز البدايات يظن أنه متحكم تماماً في الرواية، إلا أنها تبدأ من حينها تتحكم به، فلا يستطيع أن يتجاوز الشخصيات التي رسمها والأطر التي وضعها، ولا يستطيع أن يتخطى شخصية مؤثرة مثلاً، دون أن يضع أسباباً كافية ومقنعة، ولنفرض أن هناك شخصية مؤثرة يريد الكاتب أن يبعدها عن روايته، لا يمكنه أن يتجاهل ذكرها دون سبب يقنع القارئ، ولو أهملها دون سبب يكون هناك خلل في بناء الرواية والحبكة.

لذا فإن الرواية تتحكم فينا كما نتحكم فيها، وهذا التوازن الذي يحدث يضع النص الروائي في حدود العقل والمنطق، كما يحق للكاتب أن يؤلف كل شيء في الرواية يكون الحدث في الرواية محسوباً بدقة بعد أن نتجاوز البدايات، ويقيدنا في الكثير من الجوانب.

 خلق أحداث من واقع مختلف عن الرواية يجعل بناء الرواية مختلاً أو مهزوزاً، وفي أغلب الأحيان يعتمد الكاتب على إقناع القارئ بالحدث، حين يقحم قضية أو شخصية جديدة في الرواية لم تكن موجودة، ولم يضع لها مؤشرات، فالأحداث تبنى بناءً على شخصيات الرواية وعواملها النفسية، والمؤثرات التي تقع عليها.

الرواية التي تستقي أحداثها من قصص حقيقية يجب ألا يضع الكاتب فيها أي حدث مفتعل، أو يقحم فيها شخصية لا تناسبها، وعلى الكاتب أن يستخدم مهارته في صياغة الرواية ليضفي عليها واقعاً جمالياً، أحياناً يحتاج الكاتب أن يكثف الشرح في نقطة معينة لكي يوصل للقارئ الأسباب أو الدوافع التي حركت الأحداث أو أن يصف بتركيز مشاعر الشخصيات لتحقيق القيمة المعنوية في ذهن القارئ لذلك الحدث ومدى تأثيره في المجتمع.

حقيقة القهوة ..

القهوة
لونها أسود ..
لماذا نصورها بشكل جميل؟
هي تدل على نفسها؛ بطعمها اللاذع ومذاقها المر ..
ومع ذلك نحبها ..

النقد البناء ..

تستطيع أن تكتب أي فكرة تخطر على بالك، لكن حين تنشرها بشكل عام ستحتفظ بجزء بسيط فقط، وتفقد حقوقاً أخرى، تحتفظ بحقك ككاتب للفكرة، وتمنح الآخرين حق القراءة والنقد، وإذا كنت لا تستطيع تحمل هذا، عليك أن تحتفظ بما كتبت في أحد أدراج مكتبك.

 النقد عملية تصحيح وله أساليب كثيرة ومدارس ونظريات وفلسفة، فكرته في الأساس بسيطة جداً، وهو إظهار جوانب الضعف أو الخطأ في أي عمل، ربما يتطور النقد ليصبح فكراً، فيبين جوانب الضعف، ويضع تصوراً لتصحيح الخطأ، وفي النهاية يكون النقد قد حقق هدفه الرئيسي وهو تصوراً لعملٍ أفضل في المستقبل.

 الكثير من الكتاب والأدباء يعانون من النقد، فكما ينحرف بعض الكتاب عن المسار الصحيح، ينحرف النقاد أيضاً، وتصبح أقلامهم معاول هدمٍ وتجريح، وربما تتحول من نقد العمل إلى نقد الكاتب في شخصه، وهذا الشيء لا يفقد الأعمال الجميلة بريقها ولا يقتلها.

للقارئ وجهة نظر، ويمكنه أن يقارن، فإن كان النقد صحيحاً سيجد صدى لديه، وإن كان خاطئاً سيتجاوزه دون اهتمام، أما مسألة التطرق للأمور الشخصية في عملية النقد، فهذا خطأ بحيث يتعمده بعض النقاد، فلا يعنينا الجانب الشخصي للكاتب في شيء، الذي يعنينا هو ما يطرحه على الساحة من أعمال وقيمتها الفكرية.

 على الكاتب أن يتقبل النقد بصدر رحب، ويمكنه أن يأخذ بما يقوله الناقد أو يتجاهله، وفي كلتا الحالتين له حق النقاش والرد، وليس من حقه أن يرفض النقد، فالنقد مرحلة مهمة جداً من مراحل التطور الفكري، وعندما يقوم نقاش بين طرفين، ينحاز الجمهور للكاتب أو الناقد، أو ينقسم فيؤيد بعضهم الكاتب والبعض الآخر يؤيد الناقد، وهناك فئة من الجمهور ربما تبني أفكاراً جديدة، وتخرج بتصورات أفضل، وعملية الأخذ والرد هي حراك فكري له نتائج إيجابية تنعكس على الساحة الفكرية والثقافية في المجتمع.

 غياب النقد عن الساحة الأدبية يمكننا أن نعتبره كارثة؛ فحين يغيب النقد عن الساحة الأدبية لا تُمحّص الأعمال التي تُطرح ولا تناقش ولا يُرد على الأفكار الغريبة والشاذة، وستعاني الساحة الأدبية من الفوضى، القاعدة الصحيحة تقول إن الشيء يتميز بنقيضه، فالكاتب هو الشيء والناقد هو النقيض، فإن كان العمل الأدبي قوياً يميزه النقد، وإن كان ضعيفاً سيقتله، الفكرة القوية تبقى قوية وإن انتقدت، والضعيفة لا تتحمل النقد، ولا يمكنها الصمود.

 لنعود إلى الأساسيات، فالأساس الأول أن يكون هناك عمل أدبي، بعد ذلك يأتي النقد ليبين جوانب الضعف والخطأ في العمل، ثم مرحلة الرد والنقاش، وبعدها تتكون الصورة كاملة لدى المتابعين، ويُحْكَم على العمل بالنجاح أو الفشل، أو تقييمه وتصنيفه (ضعيف، جيد، جيد جداً، ممتاز) وعلى هذا يكون النقد هو المرحلة الأهم في تقييم أي عمل أدبي على الساحة.

شيء من الهدوء …

عندما يشعر الإنسان بالهدوء يتغلغل في نفسه، تصفو أفكاره من الشوائب، ويتخلص عقله من الضوضاء، فيسمع صداعا يتردد في رأسه حين تتصادم، فتخرج أفكاراً جديدة، وتموت أخرى، يرى صور الذكريات، وهي تغذي الخيالات والتأملات، وتملأ روحه دون ملل ولا إزعاج وبعيداً عن فوضى الذكريات والصور المبتورة التي نرسمها ونغذيها في الخيال لكي تكبر وتتضح.

الحياة تحتاج إلى الهدوء، لا لتستكين فقط، بل لتستقر؛ فالروح استقرارها الهدوء، والعقل استقراره الفكر، والخيال استقراره الصور والذكريات، والنفس، آهٍ من النفس التي تقلبنا بين الرغبات والأهواء.

يعجبني الهدوء؛ أشعر به وهو يقيد نفسي فلا تجمح لأهوائها، بل يجعلها تحت سيطرة العقل، فيتحكم بها في فترة السكينة كما يشاء، ويحركها فتحفزه تارة، وتستفزه تارتاً أخرى، لكنها لا تخرج عن سيطرته.

نحن هكذا ..

العقل هو الحافظ لكل ما يمر بنا، نجتر منه معارفنا، نعبث في المعلومات التي وضعناها في رؤوسنا، نقرأها، نظيف إليها، نعيد ترتيبها كلما وجدنا لها مكاناً أفضل، ونبحث عن الجديد، ننقب في بطون الكتب، وعقول البشر، نستفز الأقلام والمشاعر، لنحصل على ما نستطيع أن نأخذه، لنضيف إلى ما قرأنا وما عرفنا وما درسنا وما اكتسبنا، ورغم ذلك نكتشف أننا نريد أن نعرف أكثر، ونطلب المزيد.

الوقت

كل شيء له وقت
ولو طورنا المسألة سنقول الزمن وكل شيء له زمن بداية ونهاية ونحن البشر ومضات نسير على السطح في وقت محدد ووننطفأ في وقت محدد

الأثر ..

أتعلمين أني هنا؟ وكيف تعلمين، وقد رحلنا سوياً من هذا المكان لكني عدت لأشتم رائحتك، واقتفي أثر خطواتك التي مشيتيها بجواري عزيزتي لا يعني الرحيل موت المشاعر، لكنه خيار نضطر إليه أحياناً لنعالج أنفسنا من قسوة الحب العنيف الذي لا نستطيع أن نقاومه حين ينتكس علينا بشكلٍ سلبي، فيقلب حياتنا وينغصها ويجعلنا عاجزين عن وضع الحلول المناسبة، أو نضع الحلول التي تعجز عن معالجة أوضاعنا التي نعيشها.

  لنعود إلى آثارك التي لا زلت اقتفيها بدقة فملامحك ترافقني في هذه الأثناء التي أخطو فيها خلف ذكرياتك المتناثرة في حياتي لكي أجمعها واحتفظ بها لمدة أطول من الزمن، لأتذوق لذة ذلك الشعور الذي كان ينتابني وأنا أسير بجوارك، وتتخلل أصابعك أصابعي.

ذكريات حبيبتي هي كما يقولون “ذكريات” لن أتركها، فقد تَركتْ بصماتك في في نفسي أكثر مما تتوقعين من مجرد علامات أو آثار، طبعت صورتك في مخيلتي فلا أغمض عيناي إلا ووجهك يبرز أمامي دون أي مبررات فهو الشيء الأكثر تأثيراً الذي يتصدر المشاهد، ويطغى على كل الصور التي احتفظ بها في عقلي.

لا أزال اشتم رائحة عطرك المميزة دون وجود أي آثار لعطر ربما يقترن شعوري بك بتلك الرائحة العطرة التي أحببتها وكم أنا سعيد؛ لأنها تشعرني أكثر بوجودك معي وكأن روحك ترفرف في المكان وتشاركني ذكرياتي، تخيلي هذا المشهد معي شخص يجلس على طاولة في مقهى، ويسند كوعه على الطاولة، ويضع ذقنه على راحة يده وكأنه يتأمل شخصاً جالساً أمامه، هذا أنا سيدتي اجلس كما كنت أجلس في حضورك على الكرسي المقابل، كنتِ تخجلين في ذلك الحين من نظراتي التي تفترس ملامحك، وأنا استمتع بملامح الخجل على وجهك، في ذلك الموقف كنت أشعر بلذة مضافة ومتعة لا تعرفينها، لكنها تسكنني الآن، وأنا أتخيل تلك الروعة التي كنت أجدها وأنتِ معي.

في الحقيقة لا شيء يموت، فكلنا ننثر آثارنا في الزمان والمكان، وعلى من يحبنا أن يبحث عنا ليجدنا وأنا جئت إلى هنا لألمس آثارك واستمتع بصحبتها.