إكتاب ..

إكتاب ..

أظن أني أعاني من الإكتاب فما أشعر به الآن من رغبة في الوحدة وشعور خانق بالضيق ، قد عايشته سابقاً ولفترة طويلة ، وها هو الآن يعود ليطرق باب النفس ويغزوها من جديد ، وأنا بلا شك لا أرغب في عودته لكني متأكد أنه سيعود وبقوة ، حيث أن كل الظروف المحيطة تدفعني لأن انطوي على نفسي من جديد وأعيش عزلة أخرى كما التي عشتها من قبل .

ليس الإكتاب مرض ملموس نستطيع أن نعالجه بعقاقير خلال مدة بسيطة بل هو مرض نفسي ربما تخفف بعض العقاقير من اعراضه لكنها بلا شك لا تعالجه ، وكل ما تفعله أنها تكبح جماح المشاعر لكي لا تصل لمرحة التهور التي يفقد فيها المصاب بالإكتاب السيطرة فيتهور ويقوم بأفعال لا يمكنه السيطرة عليها .

الرغبة في البعد عن البشر الرغبة ، في عدم الحديث مع أحد فيصبح اللقاء بأي صديق حمل ثقيل على النفس ترغب في التخلص منه في اقصر وقت ، الشعور بالضيق ، فكل شيء يكون كئيباً في تلك المرحلة وإن كان في الحقيقة جميل أو مسلي ، الرغبة في الابتعاد في الرحيل ، وكلما رحل لأرض وعرف فيها بشر يرغب في مغادرتها ليستسلم لعزلته .

لا أتمنى أن يصل أحد لتلك المرحلة ، لكني متأكد ان الكثيرين يعانون من الإكتاب دون أن يعرفوا ذلك .

ضغينة ..

أحياناً يحمل الأشخاص ضغينة أكبر مما نتوقع دون سبب …

ضـغـيـنـة

لم تكن تلك الابتسامات التي كنا نتبادلها مصدر إعجاب بل كانت تخفي ورائها الكثير من الضغينة ، والكثير من الحقد ربما لا احقد عليه أنا لكني دون شك أحمل له من الضغينة مالا يمكنه أن يتصوره ، وحين اعود للواقع لا أجد من ذلك الرجل أي تصرف سبب هذه الضغينة في نفسي ، فمنذ اللقاء الأول كان انطباعي عنه سيء ، نظراته الحادة نبرة صوته المقرفة ، جعلتني لا اتقبله على الإطلاق ، لذا سعيت منذ ذلك اليوم أن أدمره ، فافتعلت المشاكل في كل عمل يقوم به ، وأنا متأكد أنه يعلم أني أقف خلف تلك الأمور المزعجة التي يواجهها في العمل ، ومتأكد أنه لو كان بمقدوره أن يدمرني لفعل ، فكم الفخاخ التي نصبتها له اوقعته في الكثير من المشاكل التي خرج منها مشوهاً ولولا أن علاقاته لا تزال جيدة ببعض المسؤولين ، لتم طرده من العمل دون شك .

لا اعرف لما أبغضه ، ولا اعلم لما ينمو البغض في نفسي ويكبر كلما رأيته ، لا اجد في نفسي سبب حقيقي لذلك ، ورغم ذلك اشعر بالسعادة حين يقع في مشكلة افتعلتها له ، بل ربما يفوق شعوري السعادة ذاتها واصل لمرحلة الرضا عن النفس ، فأكون راضٍ عن نفسي كل الرضى في تلك المواقف .

الغريب في الأمر أن ذلك الشخص لم يتهمني بشكل مباشر ، ولم يقل أي كلمة سيئة في حقي رغم معرفته بكم البغض الذي احمله له ، وفي إيماني أنه إنسان خبيث يخفي ما يريد ولا يصرح به ، بل حين أراه في العمل اشعر بأنه يخبئ سكيناً خلف ظهره .

اخبرني السكرتير اليوم أنه طلب مقابلتي ، تجاهلت حديثه لكنه بعد نصف ساعة اخبرني أنه عاود الطلب ، فطلبت منه أن يأخره قدر المستطاع ، فأنا أتمنى أن يمل ويرحل عن مكتبي دون أن ألتقيه ، ورغم ذلك انتظر ولم يغادر ، فاضطررت أن استقبله ، ولم يكل لقائنا طويلاً ، لأنه جاء كما يقول ليسلم علي ويشكرني ، بعد أن قدم استقالته من العمل ، وبقيت كلماته ترن في اذني إلى الآن “اشكرك لأني تعلمت منك ما لم اتعلمه في حياتي ” .

ما ازعجني ليست كلماته الملغزة ، ولا ملامحه التي لا أطيقها ولا نظراته الحادة التي تستفزني ، بل ما أزعجني أنه سيرحل وسأفقد برحيلة تلك المتعة التي اشعر بها في نفسي من اذيته ، وأيضاً أزعجني أنه سيرحل قبل أن ادمره ، قبل أن اشفي غليلي وأنا اراه ينهار .

لم ادعو له بالتوفيق ، ولم أتمنى له الخير حين اخبرني بأمر الإسقالة ، بل حاولت استفزازه ، كنت اريد أن يخرج من فمه أي كلمة لكي اصرخ في وجهه وأطرده من مكتي لكنه لم يمنحني تلك الفرصة إلى حين صافحني قبل أن يخرج ، حينها قال : أنت مريض نفسي ويجب أن تتعالج ، حينها سحبت يدي من يده وصرخت في وجهه : اخرج من مكتبي .

جلست على الكرسي واسترجعت كل ما افتعلت له من اذى ومشاكل ، وشعرت أن كل ما فعلته لا يصل لأثر كلماته الأخيرة  التي جعلتني أتمنى أن اقتله قبل أن يخرج .

موسم الندوات ..

أن تعقد ندوة فأنت توصل صوت الثقافة لأشخاص ، وأن تعقد موسم للندوات ، فأنت تقيم مهرجان ثقافي يتواصل فيه الجمهور مع مجموعة كبيرة من العلماء والمثقفين والفنانين والأدباء والمبدعين ، فيجب أن نسعد بأن الثقافة أصبح لها موسم يسلط الضوء على مخرجات العقول المبدعة التي يمكنها أن تعطي المواد التي تتعامل معها قيمة حقيقية تعكس مدى أهميتها فالعالم يفتح لنا نوافذ العلم والفنان يحدثنا عن دوره والأديب يرسم لنا صوره لأعماله والمثقف ينقلنا لتصورات أخرى وأفاق جديدة ، وقس على ذلك كل المجالات وكل التخصصات .

موسم للندوات بحد ذاته أنجاز واعتبر أن موسم الندوات هو الموسم الأبرز وسط مواسم المهرجانات والتسوق والاحتفالات ، التي اكتسحت الأقطار العربية ، فكما للبهجة مواسم يجب أن يكون للثقافة والعلم والمعرفة مواسم ، تحتفي بالعقول وترينا الإبداعات المحلية والعربية والعالمية في كل المجالات ، وتتيح لنا الفرصة لكي نلتقي بالنخب المثقفة ونناقشها ونستفيد من معارفها .

الندوات تتجاوز حدود التنظير وتخلق جو من النقاشات وتبادل الآراء ، وهذه الأمور تقلص فجوة التواصل مع الجمهور وتخلق أجواء جاذبة للشباب من الجنسيين للالتقاء بالرموز في كل المجالات لاكتساب المعارف وتنمية الخبرات لديهم ، وعلينا أن نعمل على أنجاح موسم الندوات بكل الوسائل المتاحة ليحصل هذا الموسم على الزخم الذي يجعله يستمر ويتطور ، فحاجتنا للمعرفة ضرورة يجب أن لا نهملها .

من الجيد أن نجد جمهرة ثقافية في هذا العام الذي ستقام فيه بطولة كأس العالم في قطر فمن الجميل أن تكون هناك فعاليات ثقافية مصاحبة للبطولة العالمية التي جعلت من قطر محط انظار العالم ، وعلى العالم أن يعرف أن الرياضة هي أحد المجالات التي تهتم بها الدولة وأن لدينا اهتمامات أخرى لا تقل أهمية عن تلك البطولة العالمية نهتم بها ونقيم لها فعاليات ، وموسم الندوات مرآة جميلة للمشهد الثقافي في قطر وأتمنى أن تنتقل عدوى الفعاليات الثقافية لكل الدول العربية ، وتصبح الفعاليات والمواسم الثقافية والعلمية والأدبية من الأولويات وتتجاوز مرحلة الخمول الحالية .

رمضان كريم

كل عام وأنتم بخير اعاده الله عليكم بالخير واليمن والبركات .

تغليف الواقع بالوهم ..

تغليف الواقع بالوهم ..

تعتمد الأحزاب في العالم على أساليب عدة لكسب الأصوات منها ، سن قوانين ، مشاريع ، سياسات ، تخفيض ضرائب ، وجزء من هذه الوعود وهمية في الأساس لكن الأحزاب تروجها  لكي تكسب الأصوات وتصل لمقعد السلطة .

وهذه المسألة موجودة أيضاً في عالمنا العربي ، لكن الفرق بين الأحزاب التي تصل للسلطة في نظام انتخابي سليم تختلف كل الاختلاف عن الدول التي تعين فيها الحكومات التي تبيع الوهم للمواطنين ، وفي الواقع لا تستطيع تلك الحكومات أن تحقق وعودها ، ولا يستطيع الشعب أن يحاسب تلك الحكومات .

يختلف الهدف من الانتخابات بين وضع ديمقراطي سليم ووضع ديمقراطي مشوه أو معدوم ، ففي الوضع الديمقراطي السليم ، تستخدم الأحزاب تلك الحيل لكي تصل للسلطة ، وبعد وصولها للسلطة تخضع لنظام رقابي ومحاسبي دقيق ربما يطيح بها إن لم تحقق الوعود التي قطعتها للناخبين في مرحلة الانتخابات ، لذا لا تكون المسائل الوهمية كبيرة في برامجها الانتخابية بل محدودة لا تؤثر على مسألة بقاءها في الحكم .

أما في النظام الديمقراطي المشوه أو المعدوم ، تلجئ الحكومات للترويج لنفسها بأمور وهمية كثيرة ، كادعاء النجاح ، أو عبر مشاريع لا تتحقق ، أو عبر وعود زائفة ، أو إخفاء اخطائها وادعاء النجاح وتحقيق الإنجازات ،  لكي تُسكت الشعب عن المطالبة بحقوقه ، وفي النهاية لا يستطيع الشعب أن يراقب أو يحاسب تلك الحكومات أو أن يزيحها عن السلطة .

أمور كثيرة تُروج للشعوب العربية خارج نطاق الواقع ، كخلق تصور لدى الشعوب بأن التطور هو مجموعة مباني جميلة تزين البلد ، وفي الحقيقة أن التطور يختلف كل الاختلاف عن تلك الصورة البراقة التي تروج لها الحكومات العربية ، ربما يكون العمران جزء من التطور لكنه لا يمثله بشكل حقيقي ، فصيانة القانون وخلق نظم وأليات صحيحة في الإدارة وبناء مؤسسات مجتمع مدني فاعلة ورفع المستوى التعليمي والصحي ، تمثل التطور بشكل حقيقي بعكس المباني التي تعتبر صورة جميلة فقط لا تعكس تطور البلد من معدمه .

وفي السنوات الأخيرة أصبحت الديمقراطية العربية وهم يروج على نطاق واسع ، ولا أقول أن الحكومات تسير في هذا الاتجاه بل هي تعمل على الشيء ونقيضه ، فبينما تدعي الحكومات في بعض الدول العربية أنها تسير للديمقراطية بشكل تدريجي ، تروج أيضاً أن الشعوب لا تحمل الثقافة والفكر الذي يؤهلها للعمل الديمقراطي ، فتخلق مجالس وبرلمانات مشوهة وتفتعل أزمات لتثبت حقيقية ادعائها وتخلق جدل مجتمعي يشوه الديمقراطية ، كأن تقرر انشاء مجالس بصلاحيات ناقصة تكبلها ، او ترشيح أعضاء لا يتمتعون بالكفاءة . فينتقد الرأي العام تلك المجالس بل يتهمها بالتقصير والفشل ، وفي الأساس يكون الفشل مفتعل لكي يثبت فشل الشعب في إدارة العملية التشريعية .

أمور كثيرة تروج لنا في الوطن العربي على انها إنجازات ، لكنها للأسف إنجازات وهمية لا تخدم الدول ولا تصب في صالح الشعوب ، وللأسف لا توجد أصوات حرة نتقد الواقع وتكشف حقائقه ، فكل وسائل الأعلام في الدول العربية مسيسة من صحف ومجلات وقنوات تلفزة ، والمثقفون إما تم شرائهم أو تم زرع الخوف في نفوسهم لكي لا يتحدثون .

الأخلاق مرة أخرى..

الأخلاق مرة أخرى..

من عادتي أن لا أستشهد بالدين كثيراً لكن في مسألة الأخلاق لا مكنني أن أتجاوز الدين وأقفز لأمور أخرى مع اعترافي بأن الأخلاق موجودة قبل أن يبعث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، الذي قال: (إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ) ، وهو إقرار منه عليه السلام بأن الأخلاق الحميدة موجودة وأنه بعث ليتممها ويرسخ قواعدها ويحافظ على استمرارها .

عندما نتحدث عن خلق مجتمع يحترم الأخلاق ويتبناها ويحافظ عليها علينا أن نربي جيل يحمل تلك القيم النبيلة ، وهنا أجد في السيرة النبوية مثال جميل حين كان المصطفى في مكة ، وسط بيئة مناهضة لرسالته ، وحوله مجموعة صغيرة من البشر تؤمن بما يقول ، لم يتجاوز عليه السلام تلك المرحلة بل خاضها دون أن يأس أو ملل وهو يعلم أصحابه على مدى ثلاثة عشر عاماً كاملة لم يحمل أي منهم السيف .

يجب أن نقف عند تلك المرحلة لنعرف أن التربية لها أسس ومراحل يجب أن نمر بها لكي نخلق جيل يتبنى مبادئ صحيحة ويحمل قيّم عالية ، وتكون الأخلاق معيار ذاتي عند افراده ، حين يتجاوز احدهم تلك المعايير يستيقظ ضميره ، فلا يستهويه الخطأ ولا يعيد فعله .

علينا أن نفكر ملياً كيف يمكننا أن نخلق جيل يحمل تلك القيّم ويتبناها وسط فوضى الأخلاق العالمية التي نشاهدها عبر كل الوسائل ، من انحلال أخلاقي وقيمي ، وعلينا أن نقف مع أنفسنا نحن أبناء هذا المرحلة المزعجة التي بدأ يتشابه فيها العالم في كل شيء الصحيح منه والخاطئ الجميل والقبيح ، لنفك لغز التربية المعقد بين الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام بكل فروعها .

أخلاق المجتمع ..

أخلاق المجتمع ..

المجتمع الذي يواجه مشاكله هو المجتمع الذي يستطيع أن يتجاوز المراحل ويسير بشكل سليم في الاتجاه الصحيح ، ولا يعني هذا أن المجتمع ينهار حين يهرب من مواجهة المشاكل بل يستمر مع توطن الخلل في ارجائه ويمكننا أن نضرب مثل في هذا الجانب ، فالفساد موجود في كل المجتمعات ، لكن المجتمعات التي ترى الفساد ولا تخلق آليه صحيحة لمعالجته أو تقليل تأثيره تعاني من استنزاف الثروات والمجتمعات التي وضعت آليات لتحجيم الفساد هي المجتمعات التي استفادة من ثرواتها وخلقت بيئة جيدة .

ويمكننا أن نقيس على ذلك المشاكل الأخلاقية التي يتهرب المجتمع من مواجهتها فلا تفكك تلك المشاكل ولا تعرف أسبابها ولا توضع آليات صحيحة لمعالجتها والنتيجة إما أن ينمو الفساد الأخلاقي في المجتمع شاذة لا يمكن مواجهتها أو يقبل كظاهرة طبيعية ، وما يحدث لدينا أننا لا نقبل الفساد الأخلاقي ، لكننا لا نطرح المشاكل الأخلاقية للبحث النقاش بل ندفن تلك المشاكل لكي تكون صورة المجتمع ناصعة ، والنتيجة التي لا نريد أن نواحه بها انفسنا أن الفساد نما وترعرع وأصبح جذور ثابته في المجتمع ، وله فروع مغرية تستقطب الآخرين .

الفساد الأخلاقي لا يعني الانحراف الجنسي بل الأخلاق تتعدى ذلك المنظور الضيق فالأخلاق مبادئ وهي التي تحمل القيم التي تعطي المجتمع صورته الحقيقية الجميلة فالثقة والأمانة والصدق والوفاء ، كلها نابعة من الأخلاق ، والفساد والانحراف الجنسي ، والسرقة والخيانة ، هي نتائج طبيعية تحدث حين تنحل الأخلاق فلا تجد تلك العناصر السيئة مانع أخلاقي يردعها في المجتمع .

إذاً علينا أن نواجه مشاكلنا الأخلاقية ، إذا أردنا أن نسير في الاتجاه الصحيح ونستمر في نهج التطور والتقدم دون أن يخسر المجتمع تلك المبادئ الأساسية ، التي تحافظ على قيمته كمجتمع صالح ، ولا نكتفي بالردع القانوني ، فمسألة القانون يجب أن تكون هي المرحلة الثانية التي تواجه الانحرافات في السلوك والأخلاق ، والأساس يجب أن تردع أخلاق المجتمع تلك الانحرافات ثم يأتي القانون ليردع الانحرافات التي تتجاوز اعراف المجتمع الأخلاقية .

من الطبيعي أن لا يكون هناك مجتمع صالح بالكامل ، والمجتمع الصالح هو الذي تقل فيه الانحرافات السلوكية والأخلاقية إلى أدنى حد ، ولكي نصل لهذه الدرجة علينا أن نبني أسس أخلاقية وعادات سليمة لكي نضع حد لتغول الفساد في كل المجالات ، ويكون الرادع الذاتي لدى المجتمع المبادئ الأخلاقية والقيم .

المعادلة بين الداخل والخارج ..

المعادلة بين الداخل والخارج ..

علينا أن نشعر بالقلق ، وعلينا أن لا نتجاهل الأمور التي تسببه ، فكل شيء يثير القلق في محيطنا ، الاخبار ، الحقائق ، المشاهد المؤلمة ، الموت ، عالم القوى والصراعات ، لكن كل هذا يحدث في الخارج ، والأهم هو ما يحدث في الداخل ، فالأمور العظيمة تصبح مهمة حين تقترب منا ونستشعرها عن قرب ، حين تأثر تلك الأمور على محيطنا ، من حقنا أن نشعر بالقلق .

تحدث أمور كثيرة في العالم صراع على أراضي وصراعات اقتصادية ، كلها صراعات قوى ، وحين نوازن الواقع نكتشف أننا في المحيط تؤثر فينا كل الأحداث العالمية ، وتزعجنا بل وتتدخل في شؤوننا الداخلية أحياناً ، فلو فرضنا أن روسيا سيطرت على اكرانيا ، سنجد أن شأن النفط والغاز طغى على مسائل الاقتصادية المحلية ، ولو افترضنا أن روسيا امتد نفوذها على المنطقة أكثر ، سنكون في موقع مضطرب من العالم ، ولو افترضنا أن أمريكا رفعت يدها عن الشرق الأوسط ستكون الكارثة أكبر .

من الطبيعي أن نتأثر بما حولنا ، ولكي نتجنب تلك الأحداث يجب أن يكون الصف الداخلي متماسك ، ولا توجد به أحداث تفرق الكتلة الصلبة في المجتمع ، بل يكون المجتمع داعم للدولة ولكي نصل لهذه النقطة يجب علينا أن تعمل على تدعيم المجتمع وتقويته ، ورفع مستواه الثقافي والعلمي ، وربطه بمؤسسات مجتمع مدني قوية يمكنها أن تحارب كل الأفكار التي تزرع بذور الانشقاق داخل المجتمع وتحميه من الشروخ الداخلية وتغول السلطة .

فالمجتمع الداخلي لأي دولة لا ترسمه سياسة حكومة بل يرسمه تصور المجتمع ، ورغم أنه يتأثر بقرارات السلطات إلا أن به قدر من الاستقلالية رغم أنه مربوط بشكل أو بآخر بتلك القرارات وكلما اقتربت السلطات الحاكمة من المجتمع ، كلما قلت الفجوة بين المجتمع والسلطة ، فالمجتمع يحتاج تنظيم السلطات لا شك في ذلك لكن السلطات تحتاج المجتمع الذي يمدها بالقوى البشرية والخبرات لكي يعمل معها على وضع أسس مشتركة لا تكون فيها السلطة معزولة عن المجتمع .

ما نشاهده في الأعوام الماضية أن الفجوة بين القيادة والمجتمع بدأت تتسع ، ولها أسباب بلا شك ، أسباب منطقية وغير منطقية ، فالأسباب المنطقية تكون حين تخالف سياسات الحكومات توجه الشعب في بعض الأمور ، والغير منطقية حين تخالف سياسة الحكومات كل رغبات الشعب أو جلها ، فينتج بذلك صراع خفي ، وأقول خفي لأنه لا توجد وسائل لدى المجتمع لكي يخلق صراع صريح ومعلن مع السلطة ، وعند هذه النقطة يجب أن نتوقف ، فلا توجد مؤسسات مجتمع مدني حقيقية ، ولا توجد نقابات وجمعيات ومنظمات أهلية يمكنها أن تتبنى قضايا المجتمع وتدافع عنه .

على السلطات التي تمنع مؤسسات المجتمع المدني أن لا تبتعد كثيراً عن المجتمع وتطلعاته ورغباته لأنها في تلك اللحظة لن تسمع صوته فدائماً الافواه المكبوتة لا تصدر صوتاً لكنها تتحرك أو تتمرد ، والأفضل أن تترك تلك السلطات المساحة للأفواه أن تصرخ وتحدث الصخب لكي تشعر بوجودها ولا تضطر أن تحدث فوضى لكي تلتفت لها السلطات .

السياسة لعبة كبيرة بها كفي ميزان احدهما خارجي والآخر داخلي ، ولو ركزنا على الكفة الخارجية وتركنا الكفة الداخلية سيكون الخلل واضح ، ولو فعلنا العكس أيضاً سنحدث خلل ، وعلينا أن نعرف أهمية التوازن بين الداخل والخارج لكي يكون هناك توازن صحيح فكفة الميزان الخارجية لا تستطيع السلطات مواجهتها بشكل مفرد بعيداً عن المجتمع ، لكن عليها أيضاً أن تخلق الوسائل التي تعطي المجتمع الحق في مواجهة الخارج ، ولنوضح هذه الفكرة لنفرض أن دولة عظمى فرضت علينا اتفاقية مجحفة ، وقبلت بها السلطات ، ما الذي سيحدث لو أن الدولة لا يوجد بها برلمان حقيقي وفعال ، ستقبل الدولة تلك الاتفاقية وستتحمل هي والمجتمع تبعات تلك الاتفاقية ، لكن لو فرضت تلك الاتفاقية على الدولة في وجود برلمان حقيقي وفعال ، سيكون ذلك البرلمان هو خط الدفاع الثاني الذي يمكنه أن يرفض التصديق على تلك الاتفاقية فيحمي الدولة والمجتمع من الاستغلال العالمي .

أمور كثيرة يمكن للمجتمع أن يساند فيها السلطات ، لكن يجب على تلك السلطات أن تخلق له المساحات التي يستطيع من خلالها أن يصنع له وزن داعم للدولة دون تكميم أفواه أو تكبيل حريات ، ومنع تحركات ، بل المساحة دائماً مطلوبة لكي يشعر المجتمع بقيمته ولا يشعر أنه مهمش وينتظر القرارات فقط .

شيء من الواقع ..

شيء في الواقع ..

على ماذا نتحس في دولنا العربية ، هل نتحسر على مجد قد ضاع من قرون ؟ ام نتحسر على ثروة لم نحسن استخدامها ؟ أم نتحسر على شعوب لا تبحث إلا عن المأكل والمسكن فقط ؟

تستهلكنا الحياه وندور في دوامتها التي افتعلت من حولنا ، لنبقى ندور فيها حتى النهاية ، لا نبحث عن شيء سوى الأساسيات ثم بعد الأساسيات اصبحنا نبحث عن التفاهة والكماليات ، ولا نسأل أنفسنا لما تتجاهل الشعوب العربية في الكثير من الأحيان القضايا الملحة التي تمس الإنسان العربي بشكل مباشر ؟ لكن حين ندقق في الأمور حولنا سنكتشف لما يحدث هذا التجاهل ولما الشعوب العربية إن اهتمت بقضية اهملت عشر قضايا غيرها .

هناك عدة أسباب نستطيع أن نبني عليها التفسير أولها : تفكك الأسرة بسبب عمل الزوج والزوجة وأن الأسرة التي كانت تعتمد في تربيتها على الإسلام ومبادئ الاخلاق أصبحت تعتمد في التربية على أمور أخرى دون أن تزرع العقيدة والمبادئ بشكل أصيل في نفوس الأطفال ، وثانيها : أن الأولويات لا تغرس في الكبر بل تغرس في الصغر ولو انتبهنا للتعليم وما تحتويه المناهج التعليمية لاكتشفنا أن التعليم انحنى لمنحى علمي في الوطن العربي واهمل تلك المناهج الانسانية أو لنقل تم تصفية المواضيع الحساسة من تلك المناهج كالجهاد والقضية الفلسطينية وغيرها من القضايا ، فيخرج الطفل لا يحمل تصور حقيقي لمحيطه الإقليمي ولا يعرف أولوية القضايا التي تمس الكيان العربي والإسلامي أم ثالها : فوسائل الإعلام العربية التي ترى الأحداث المهمة والحساسة دون أن تضعها موضع الاهتمام ، فقنوات الأغاني والأفلام والمسلسلات التي يتعلق بها الشباب على وجه الخصوص ، لا تتوقف مهما حصل في الأمة من كوارث ومصائب وفواجع ، فهي تعمل على الترفيه فقط دون الأخذ بالاعتبار أن التسلية لها موضعها من الحياة ولا تشمل الحياه كلها كذلك لا ننسى أن وسائل الإعلام في الوطن العربي كلها مسيسة ولا تخرج عن التوجيهات التي تأتيها من السلطات الحاكمة .

وحين ننظر للواقع نكتشف حجم الضياع الذي نعيشه فالهوية المشتركة للعالم العربي تفككت وأنحلت واصبح كل قُطر يبني هويته بتوجيهات السلطات الحاكمة ، ويزرع في نفوس النشء ما تريده تلك السلطات التي تضع جدول الأولية للأمن دون غيره من القضايا ، ولا اعني أمن المواطن بالتأكيد بل أمن السلطات نفسها ، فتم زرع الخوف والحذر في نفس الإنسان العربي ليكبل نفسه بنفسه ويفكر ألف مره حين ينظر لنفسه في مرآة الحقيقة ويكتشف أنه لا شيء في الواقع .

علينا أن نعيد الاعتبار للعلوم الإنسانية في عالمنا العربي فالعلوم الإنسانية هي التي تخاطب الإنسان وتجعله يتصرف بشكل سوي ، وعلى الحكومات العربية أن تخفف من واقع الرعب الذي تحبس فيه الإنسان لكي يتحرر عقله ويضع الأمور حسب اولوياتها في حياته ، وأن يعرف أنه لا شيء إن انعزل عن محيطه .

أين الصوت الحكومي ؟ ..

أين الصوت الحكومي ؟ ..

تختلف المواقف وتنهار المبادئ ونعيش زمن خارج حدود المعقول ، فما نراه على الساحة المحلية يجعلنا نتساءل كثيراً عما ستؤول إليه الأمور الاقتصادية والمالية للمواطن ، فالانتقال من وضع الرخاء لوضع الاضطراب المالي يجعل المواطن يشعر بالقلق مما يحدث وفي غياب الشفافية تكون الأمور أكثر تعقيداً ، والتكهنات أكثر صعوبة .

غياب ملامح المستقبل ، ما سيحدث ؟ ولما سيحدث ؟ وما هي استراتيجية الحكومة للمرحلة المقبلة ؟ يجعلنا نطالب الحكومة بأن تصرح عن برامجها ومشاريعها في كل القطاعات لكي لا يقع المحللون في الارتباك ويتجهون لتخمينات غريبة لا يمكن استيعابها من قبل المواطن ، فلا خطط معلنة ولا استراتيجيات واضحة يستطيع أن يرجع لها المواطنون ليفسروا بعض القرارات الحكومية التي تحتاج بالفعل لتفسير واضح يخرج الشارع القطري من مرحلة الغموض الحالية .

نرى سمو الأمير يتحدث كلما كانت هناك مناسبة أو حدث مهم ولا نرى افراد الحكومة إلا عبر الصحف المحلية ، لماذا لا يكون هناك خطاب دوري توضح فيه الحكومة الإنجازات وتشرح الصعوبات التي تواجهها ، لا أريد أن اصور المشهد على أنه قاتم للغاية لكننا نثق في قياداتنا وننتظر منهم أن يبادلونا نفس الثقة ويطلعونا على التطورات التي تمس المواطن وتؤثر في حياته .

توضع الحكومات في الدول لكي تنفذ استراتيجيات الدول السياسية والاقتصادية والتعليمية والصحية وغيرها من القطاعات ، التي توفر الخدمات أو تنظم سير الحياة ، وغياب الصوت الحكومي عن الاعلام يجعل المواطن يتساءل دائماً عما تم إنجازه ؟ ويتلقى الأخبار من مصادر غير موثوقة في اغلب الأحيان مما يتيح فرصة كبيرة لانتشار الشائعات والاخبار المغلوطة بسبب غياب الصوت الحكومي .

إن مبادرة سمو الأمير إنشاء مجلس شورى منتخب يعني بالتشريع في الدولة وضع آفاق جديدة للمستقبل وعلى الحكومة أن تجاري ذلك التطلع الذي تسير إليه الدولة وأن تنتقل من مرحلة الصمت إلى مرحلة الاعلان عن برامجها وخططها الاستراتيجية بشكل واضح .