
القزم، “أن تنظر للعالم من الأسفل” وأنا أعني بالفعل ما أقول: فأنا كنت أنظر لعالم الرواية من الأسفل بعين القزم، ورغم الكرامة الزائفة التي يحاول القزم ترسيخها في نفسه إلا أنه أداة يستخدمها المحيطون، ورغم كرهه الشديد لهم لا يعصي لهم أمراً ولا يخالف لهم رأياً، ينفذ كل ما يطلب منه دون نقاش، ويكتم أسرارهم بحرص أشد من حرصه على حياته.
الرواية:
علينا أن نقر بأن ما سنقرأه كتب على شكل مذكرات، وعموماً الروايات بهذه الصيغة تحمل طابعاً تقريرياً أكثر منه جمالياً، وأنا أقول: بأن الكاتب استخدم الأسلوب المناسب لعمل من هذا النوع.
تحمل هذه الرواية من الرمزية ما يجعلها صورة لواقع تعيس تتجسد فيه أهواء البشر وأطماعهم ورغباتهم المنحرفة التي يسعون لتحقيقها، نقفز في الرواية من الخيانة للفن وللحب، والحرب والدين، لنرى كيف يستخدمها الأشخاص لتحقيق رغباتهم، وكيف تتعامل الطبقات العليا مع العامة السذج وتخدعهم بأشياء وهمية لا تتصف بصفاتها الحقيقية، فنجد الكاتب يجسد صورة الأميرة الماجنة في نهاية الرواية في صورة العذراء التي تأسر قلوب العامة فيلجؤون إليها ويتضرعون لها، لتكشف عنهم بؤسهم.
إلا أن الرواية تتجاوز بمراحل هذه التصورات فشخصية القزم لم تكن إلا الواقع الحقيقي الذي يزيفه الجميع ليخفوا أخطاءهم فهو الشخص الوحيد الذي لم يكن لديه هدف حقيقي ولم يسعَ وراء سلطة أو شهوة، فهو شخصية مجردة من كل الأحاسيس حتى الدينية منها، فينظر للدين على أنه وهم المغفرة، والمغفرة وهم الخطيئة.
الشخصيات:
القزم: جسدت صورة القزم التي وجدناها في التاريخ، ذلك الكائن محدود النمو الذي يستخدم في إضحاك الناس وتسليتهم، وإن تطور به الأمر يصبح خادماً لأسياده، لكنه في الرواية يشاهد العالم من الأسفل ويكشف حقائقه، الخداع والكذب والوهم والزيف والطمع، ويتعامل مع الجميع دون أن يغير تصوراته للحقيقة، فهو رسول المحبين لكنه يكره الحب، يحمل السلاح لكنه لا يحارب، يحتفظ بكل الأسرار دون أن يبوح لأحد بما يعرف.
يعيش خادماً للأمير الذي يستخدم كل أساليبه لكي يرسخ حكمه ويخلد مجده، ورغم أنه يحمل له شيئاً من الكره إلا أنه خادمٌ مطيع لا يعصي أوامره، وينفذ أوامر الأميرة الخائنة ويحفظ أسرارها مع كرهه الشديد لها.
وفي النهاية بعد أن يستخدم الأمير القزم في كل أعماله الدنيئة يحبسه في القلعة مكبلاً على جدار السجن، وبذلك يتحول القزم إلى الحقيقة، حقيقة كل إنسان مخادع يريد أن يخفي أفعاله وآثامه فيبتعد عنها لكنه لا يستطيع أن يتخلص منها، وفي الرواية يتحول القزم لهذه الحالة فهو كاتب أسرار الأمير لكن الأمير لا يقتله ولا يطلقه، وكأن القدر قد ربطهم سوياً.
الأمير: الشخصية الجذابة التي ينظر لها الجميع بإعجاب، تحمل ملامحه الهدوء والغموض والشفقة والحب لكنه مركب عجيب، يفعل كل الآثام في الخلف فيقبل خيانة زوجته، ويخونها بدوره ويسعى لتخليد نفسه بصروح لا تكتمل وصور ناقصة، وأمجاد دامية، ورغم كل هذا يبقى الشعب مرتبطاً به، يراقبه في إعجاب وهو يستخدم كل الوسائل لكي يبقيهم خاضعين، فيستخدم موت زوجته ليحولها إلى رمز ديني يسجد أمامه في خشوع رغم أنه يعرف حقيقة تلك المرأة.
الأميرة: صورة المرأة الخائنة التي تنهار عند موت عشيقها فلا تستطيع أن تواجه الحياة رغم أنها تحمل صفة اجتماعية رفيعة ولها زوج يحبها، فتلجأ للدين وتتضرع وتسجد أمام الصليب تطلب المغفرة، فيأتيها القزم ليكشف حقيقة سجودها وأنها تعتبر كل ما فعلته خيانة إلا ما فعلته مع عشيقها الذي تحبه، وأن حزنها وتضرعها لم تكن تسعى إليه لو لم يمت حبيبها، تجلد نفسها وتعذبها في سبيل ذلك الحب وطلب المغفرة الزائف، وفي النهاية تموت وتتحول في عين العامة لقديسة تسجد أمام صورتها الجماهير في الكنيسة.
برناردو: الفنان الذي يرسم جداريات الكنيسة ويصور مشهد العشاء الأخير للمسيح وهو لا يحمل في نفسه أي يقين ديني، وأظن أن الكاتب تعمد أن يجعله كذلك ولو أردنا أن نسقط شخصيته على الواقع سنجد أن رجال الكنيسة هم الأنسب فهم يستخدمون الدين ليأسروا العامة بالصور التي لا تتصل بالواقع، ويغذون الحروب ويغفرون الخطايا، فالفنان جسد هذه المشاهد في رسوماته في الكنيسة، ورسم الأميرة بملامح عاهرة في حياتها وملامح قديسة بعد موتها، وصنع أسلحة الحرب للأمير.
تقييم العمل:
العمل تقريري أي أن الكاتب استخدم أسلوب المذكرات في رسم مشاهد الرواية وأظنه الأسلوب الأنسب لهذا العمل فقد حقق ما يريد وكانت رسائله قوية وواضحة وعكست الشخصيات الوهمية التي خلقها في الرواية صورة كاملة لواقع افتراضي يرمز لكيانات وشخصيات في الواقع، فالفنان برناردو نراه كأنه دافنشي، والأميرة بصورتها المقدسة التي تخفي حقيقتها بمريم العذراء، والأمير كأنه الإله المتحكم في الجميع يرى أخطاءهم فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، أما شخصية القزم في الرواية فهي تعكس نظرة الكاتب للواقع الحقيقي الذي يخفيه الجميع.
وأنا أقرأ الرواية كنت أتوقع أن الكاتب استند لمذكرات حقيقية في كتابتها لكني وجدت بعد البحث أنه خلق كل شخصيات الرواية من خياله الخصب، وأنه كان يرمز للفاشية، وأنا أختلف مع هذا التوجه فالرواية تضع مشاهد تنتقد الدين في المقام الأول، رغم أن زمن كتابة الرواية في نهاية الحرب العالمية الثانية إلا أن زمن الأحداث فيها قديم، أقدم من تلك الحرب المدمرة.
العمل جميل وممتع ومفيد وكاشف، فالكاتب تعامل مع الشخصيات من منظور نفسي، يحللها بعين القزم الذي يمثل الواقع الحقيقي، تقع في 218 صفحة من القطع المتوسط من إصدارات دار صفحة سبعة للنشر والتوزيع بالمملكة العربية السعودية.
الترجمة: ترجمها للعربية فؤاد حيدر وقد أجاد بشكل كبير فلا تكاد تشعر أنك تقرأ نصاً مترجماً.













