قراءة في المجموعة القصصية “التبغ الأحمر” للكاتبة فلونا عبد الوهاب.

متنوعة تلك القصص التي قرأتها لدرجة أن كل قصة تنقلك لمحيط مختلف وعالم مختلف وفكر مختلف لذا كان من الواجب استحضار التركيز مع المتعة ليكتمل المشهد التخيلي الكامل أمامي، وقد وجدت أن تلك القصص تحاكي الواقع والمشاعر والخيال والعاطفة، وهذا التنوع الجميل يجعلك تعرف أن الكاتبة استطاعت خلق عوالم خيالية، واستطاعت أن تدمجها في الفكر القصصي اللذيذ، فجمعت بذلك روعة القصة ولذة الحكاية، وأخرجت لنا “التبغ الأحمر”.

من واقع معرفتي بأسلوب الكاتبة فلونا عبدالوهاب كنت مقتنعاً أني سأجد لغة جميلة وراقية حين أقرأ العمل الذي بين يدي، ولم يخب ظني فيما سرت إليه فلغة العمل راقية وجميلة، واستطاعت أن تنقل لنا كل الجوانب المهمة في القصص بوضوح دون ابتذال، استخدمت الكاتبة اللغة القوية البسيطة التي يفهمها الجميع، لم تقعرها ولم تهشمها، وهذه نقطة مهمة أجدها دائماً في أعمال السيدة عبدالوهاب، فهي تتمتع بحس شعري وشاعري يجعل الصياغة لديها سلسة ومنمقة في آنٍ واحد.

في المجموعة القصصية لفتت انتباهي قصة التبغ الأحمر لما تحمله من مشاعر مكثفة رسمت على لسان سيدة تنظر بعين الحب ولذة العاطفة، فكانت بليغة في المواقف الصغيرة التي يمكنها أن تجعلنا ننظر إلى الموقف من زاوية مختلفة، ونتعاطى مع مشاعر صاحبة القصة برغبة في الاستماع للمزيد، لكنني أيضاً وقفت عند قصة رسالة من العالم الآخر رغم أنها خيالية، وربما لا تحدث في الواقع، لكنها جعلتني أؤمن بأن الكاتبة متمكنة فمجرد أن تستطيع جعل القارئ مستمتعاً بخيالك فأنت كاتب تملك الأسلوب والإقناع، وهذا ما جعلني أرفع القبعة للكاتبة فلونا عبدالوهاب.

تحتوي المجموعة القصصية على أربع قصص *سبعة أيام من الجنون *لا تخبر أحداً *التبغ الأحمر *رسالة من العالم الآخر، وتقع في 117 صفحة من القطع المتوسط، أنصح بقراءتها والاستمتاع بها.

الرجل الذي باضت في بطنه النحلة..

في سالف الزمان يحكى أنه كان هناك رجل يحرث في أرضه وقد نال منه التعب ما نال فاستراح إلى جذع شجرة في بستانه، وما إن شعر بالنعاس أحس بشيء يبلل وجهه، فمسح ما أصاب وجهه ونظر إلى الأعلى فإذا هو خفاش قد حل على تلك الشجرة فوقه، وألقى سَلحه على ذلك المزارع، فستشاط المزارع غضباً وأخذ حجراً وألقاه على الخفاش، وكان له من الرمية ما أراد فسقط الخفاش على الأرض فأخذه وسلخه، وطبخه ثم كان وجبةً شهيةً له على مائدة الغداء .

قال أحد التلاميذ: هل يأكل الفرنجة الخفافيش يا أستاذ؟

فأجاب الأستاذ: لم يكن ذلك الرجل من الفرنجة يا أولاد، بل يقال إنه من قوم يأجوج ومأجوج.

قال تلميذ آخر: ومن هم يأجوج ومأجوج يا أستاذ؟

فرد الأستاذ: هم قوم أتوا من شرقيِّ الأرض، استباحوا البلاد وقتلوا العباد، ونشروا الفساد، ثم أصابهم الطاعون فماتوا من دون سائر البشر، ودعوني أكمل لكم حكاية ذلك الرجل.

بعد أن أكل ذلك المزارع النشيط الخفاش بثلاثة أيام قام من نومه في المساء فزعاً فقد رأى فيما يرى النائم أن في بطنه نحلة وأنها قد باضت، ولم يكن في بطنه نحلة لكنه الألم الذي أصابه مما أكل، ثم مرض وشعر بتعب خفيف وألماً في جسده، وكان يسعل بين الفترة والأخرى، ولم يطل ذلك المرض، بل رحل سريعاً كما جاء، فتعافى المزارع وعاد ليحرث أرضه بنشاط، وجهز الغلال وذهب إلى لسوق وباعها كلها بأفضل الأثمان.

كان زمانهم زماناً عجيباُ فقد كان الحديد في زمانهم ينطق ويطير وأنَّ الرجل كان يخاطب الحديد، فيرد عليه صاحبه في الطرف الآخر القول، بل ويجتمع أناس كثيرون حول حديدة يستمعون لمن يتحدث من حديدة أخرى، وقد سمع ذلك المزارع من حديدته أن الناس قد حلموا حلماً واحداً، وهو أن نحلة قد باضت في بطن كل من أكل من التفاح الأحمر، فنظر المزارع إلى بطنه، وتذكر حلمه، فقام وذهب لصاحب تلك الحديدة التي يملكها حاكم البلاد والتي يستمع الناس إلى ما يقوله الجالس وراءها، وأخبره بحلمه، وأنه هو من باع التفاح الأحمر في البلاد .

فقال أحد التلاميذ: هل يوجد تفاح أحمر يا أستاذ؟

فقال الأستاذ: نعم يا أبنائي يقال إن التفاح كان بعضه أحمر، ولذا فقد أصابه المرض لأن به شيئاً من الدم، ودعوني أكمل لكم الحكاية؛ حين وصل الخبر لحاكم تلك البلاد ضحك وهو يسمع تلك الرواية وطلب التفاح الأحمر، وأكل منه ليتأكد بنفسه من النحلة، وأقسم بأنه سيسألها هل يبيض النحل في بطن كل من يأكل من التفاح الأحمر، عاد المزارع إلى أرضه وهو يضحك ويقول، جنَّ الناس، كيف يبيض النحل في بطون البشر، وفي اليوم التالي، عادت الأحلام يتردد صداها عبر الحديد، وكثر الكلام عن النحل، وفي اليوم التالي، تعب الكثيرون، فمنهم من مرض مرضاً شديداً ومنهم من شعر بتعب قليل ومنهم من مات .

استمر النحل يبيض في بطون البشر، وأصبح كل بيت فيه مريضٌ أو ميتٌ، وقد حل موسم الشتاء، فركب الناس الحديد وطاروا على متنه إلى البلاد البعيدة ينشدون الدفء وانتشروا في الأصقاع .

قاطعه أحد التلاميذ: وهل يُجنى التفاح في الشتاء يا أستاذ؟

فرد الأستاذ: الذي يجعل الحديد يتكلم ويطير، يجعل التفاح يُجنى في الشتاء، فسبحانه العلي القدير، ودعوني أكمل لكم الحكاية: حين انتشر أهل تلك البلاد في العالم، بدأت الأحلام تنتشر فيه، وبدأ النحل يبيض في بطون البشر كافة، ومرض الناس، وكان زمانهم عجيباً، ولهم من العلم ما لم يصل إلينا، وقالوا إن لهم من التنظيم ما لم نعرفه في القديم ولا الجديد من الزمان، ويقولون إن الأرض كلها قُسِّمت إلى خمس قطع كبيرة، وأن تلك القطع جزئت إلى قطع أصغر وتسمى كل قطعة دولة، وتسمى القطعة الكبيرة قارة، ولم تسلم قاراتهم الخمس ولا دولهم من الوباء .

انتشر الوباء وحبس جنود الحكام الناس في بيوتهم لكيلا يخرجوا وتنتشر العدوى بين العباد، ويقال إن الناس كانت تموتون من الجوع ولا يؤذن لها بالخروج لأرزاقها خوفاً من الوباء، بقي الحال هكذا طويلاً، وظل النحل يبيض في بطون البشر ثم يعم الوباء، فيموت أناسٌ كثر، إلا أن الوباء لم يكن هو المتسبب في الكوارث التي حلت بعد ذلك .

فقال تلميذ: وماذا حل بعد ذلك يا أستاذ؟

فأجاب الأستاذ: بعد أن حبس الناس في بيوتهم، حبس الحكام الطعام لأنفسهم وجنودهم، ومن لديه فائض من الطعام خزنه وحفظه لكيلا يتلف، والكل ينتظر أن يزول الوباء، لكن بعض تلك الشعوب أصابها الجوع، فثاروا ضد حكامهم، وبعض البلدان غزت بلداناً أخرى لتستولي على الطعام، وبعض الآخر لم يبقَ منها إلى القليل بعد الجوع والوباء، كل هذا حدث بسبب رجل أكل خفاشاً فباضت النحلة في بطنه ومرض ونشر المرض في الأصقاع، انهارت البلدان وانتشر القتل وفني الكثير من العباد .

ويقال إن التفاح الأحمر أصبح محرماً، فلم يأكله أحد بعد ذلك ولم يزرعوه، وأن الناس قتلت النحل والخفافيش فهربت إلى الجبال، وأن الحديد بعدما جرى في تلك الفترة لم يطر، فقد أصبح ثقيلاً بعد أن أصابه المرض، والصمم والبكم فلم يسمعْ ولم ينطقْ بعدها أبداً، وأن الفرنجة هم أكثر من أصابهم الحزن فقد مات منهم الكثيرون، أما أهل الشرق فقد عادوا أقوياء، والعرب أيضاً لم يسلموا من النحل فقد مات الكثيرون إلا أن رحمة الله قد أنقذتهم فثاروا ضد حكامهم، ووزعوا المؤن على العباد، وساد العدل بعد ذلك .

قال أحد التلاميذ: ما اسم ذلك الرجل يا أستاذ؟

فرد الأستاذ : قالوا إن اسمه كورون، وأطلق على ذلك الوباء اسم كورونا نسبة لذلك الرجل ويقال: إن ذلك الخفاش الذي أكله ذلك الرجل أُرسل له من السماء، فحل على رأسه لكي ينشر الوباء، فيموت الظلمة ويبقى الصالحون.

فقال تلميذ: هل الفرنجة صالحون يا أستاذ؟

يقال يا أبنائي إنهم بعد ذلك الوباء وبعد أن ثارت الشعوب، وغزت الدول بعضها بعضاً واستحر القتل ساد السلام وعم الصلحُ الأرض، لكن البشر عادوا إلى فسادهم فيما بعد، فالشيطان لم يمت في ذلك الوباء، جنَّبنا الله الوباء .

ضـغـيـنـة ..

ضـغـيـنـة

أحياناً يحمل الأشخاص ضغينة أكبر مما نتوقع دون سبب …

لم تكن تلك الابتسامات التي كنا نتبادلها مصدر إعجاب، بل كانت تخفي وراءها الكثير من الضغينة، والكثير من الحقد، ربما لا أحقد عليه أنا، لكني دون شك أحمل له من الضغينة ما لا يمكنه أن يتصوره، وحين أعود إلى الواقع لا أجد من ذلك الرجل أي تصرف يثير الضغينة في نفسي، منذ اللقاء الأول كان انطباعي عنه سلبياً، نظراته الحادة، ونبرة صوته المقرفة، جعلتني لا أتقبله على الإطلاق، لذا سعيت منذ اليوم الأول إلى أن أدمره، افتعلت المشاكل في كل عمل يقوم به وأنا أجزم أنه يعلم بأني أقف خلف تلك العقبات المزعجة التي يواجهها، ومتأكد من أنه لو كان بمقدوره أن يدمرني لفعل، عدد الفخاخ التي نصبتها له أوقعته في الكثير من المشاكل التي خرج منها مشوهاً ولولا أن علاقاته لا تزال جيدة ببعض المسؤولين الكبار في المؤسسة، لتم طرده من العمل دون شك.

لا أعرف لماذا أبغضه ولا أعلم لماذا ينمو هذا الشعور في صدري ويكبر كلما رأيته، لا أجد في نفسي سبباً حقيقياً، ورغم ذلك أشعر بالسعادة حين أراه يقع في مشكلة افتعلتها له، إحساسي بالنشوة والرضا عن النفس يفوق شعوري بالسعادة ذاتها، فأكون راضياً كل الرضا عن نفسي في تلك المواقف .

الغريب في الأمر أن ذلك الشخص لم يتهمني بشكل مباشر ولم يقل أي كلمة سيئة في حقي رغم معرفته بمقدار البغض الذي أحمله، وفي يقيني أنه إنسان خبيث يخفي ما يريد ولا يصرح به، بل حين أراه في العمل أشعر بأنه يخبئ سكيناً خلف ظهره ليطعنني.

أخبرني السكرتير اليوم أنه طلب مقابلتي، تجاهلت حديثه لكنه بعد نصف ساعة أخبرني أنه عاود الطلب، فطلبت منه أن يؤخّره قدر المستطاع فأنا أتمنى أن يملَّ ويرحل عن مكتبي دون أن ألتقيه ، ورغم ما فعلت انتظرني ولم يغادر، اضطررت أن أستقبله ولم يكن لقاؤنا طويلاً لأنه جاء كما يقول ليسلّم عليَّ ويشكرني بعد أن قدم استقالته من العمل، وبقيت كلماته ترن في أذني إلى الآن “أشكرك لأني تعلمت منك ما لم أتعلمه من غيرك”

ما أغاضني ليس كلماته الملغزة ولا ملامحه التي لا أطيقها ولا نظراته الحادة المستفزة، ما أزعجني أنه سيرحل وسأفقد برحيله تلك المتعة التي أشعر بها في نفسي حين أؤذيه، وأغضبني أنه سيرحل قبل أن أدمره وأشفي غليلي وأنا أراه ينهار .

لم أدع له بالتوفيق ولم أتمنَّ له الخير حين أخبرني بأمر الاستقالة، حاولت استفزازه، كنت أريد أن تخرج من فمه أية كلمة لكي أصرخ في وجهه وأطرده من مكتبي، لكنه لم يمنحني الفرصة إلا حين صافحني قبل أن يخرج، حينها قال: أنت مريض نفسي ويجب أن تتعالج، سحبت يدي من يده وصرخت في وجهه: اخرج من مكتبي .

جلست على الكرسي واسترجعت كل ما افتعلته له من أذى ومشاكلات، وشعرت أن كل ما فعلته لا يصل إلى أثر كلماته الأخيرة التي جعلتني أتمنى أن أقتله قبل أن يخرج.

مات الأول .. ورحل الثاني …

ظهر قوياً رغم المشاكل التي واجهته في حياته، تغلب عليها ومع قدرته العجيبة على تخطي العقبات لم يستطع أن يتخطى عاطفته، يبكي كطفل لأسباب عادية لمجرد أنها تلامس مشاعره، أو تمس جرحاً قديماً آلمه، رغم بكائه لا يزال صلباً في مواقف الشدة لا يهتز للصدمات، بل يهز الصدمات فينبئها بأنها لن تؤثر فيه ولن تكون المستفيد الأوحد، بل سيستفيد هو أيضاً منها، الأزمات التي مرت به أكسبته الصبر والجلد والقوة والحنكة، لذا أصبح يواجه بها تعقيدات الحياة ومشاكلها من دون إطالة تفكير، يستنتج بشكل سريع، ويعود إلى واقعة منتصراً.

عندما مات ابني لم تدمع عيناه، كنا جميعاً نبكي بحرارة فهو الابن الأكبر الذي تعودنا عليه والذي أعددناه ليشاركنا مشاكل وهموم الحياة ويخفف عنا وطأتها عند الكبر، لم يبكِ أقسمت ابنتي أن أباها لا يحب أخاها أحمد أو بمعنى آخر لم يشعر بالحزن على وفاته رغم الحب الذي كان يبديه لابنه،  ولم ألحظ على زوجي أي شيء سوى أن أول يوم لوفاة أحمد كان واجماً لا يتكلم ثم عاد إلى طبيعته فكان يتحدث معي ومع بناته وبعد أسبوع من هذا الحادث جاءني يمازحني فصرخت في وجهه.

أين تلك الدموع التي تبديها عندما ترى موقفاً مؤلماً، ألا يؤلمك موت ولدك، لم يرد!! أدار لي ظهره وخرج من الغرفة، لعنته ألف مرة وآلاف اللعنات أرسلتها إلى السماء حين خرج، ألا يشعر بما نشعر به من ألم وضيق وكدر، الهموم التي سقطت على رؤوسنا بسبب وفاة ابننا الوحيد، نرى أنه لا يشعر بها، ولا يعاني من فقده.

لحقت به شددته من ثوبه سألته: أين دموعك؟ أجب، لم يلتفت لم يعرني اهتماماً فتشبثت بثوبه وأخذت أبكي التفت إلي أخيراً وقبلني على رأسي كعادته فحدثته بلسان ثقيل خالطه البكاء ألا تشعر بفقد ابنك؟ نظر إلي وهز رأسه بمعنى أنه يشعر.

مر الأسبوع الثاني ولم ألحظ شيئاً إلا أن كلامه قل، لكن ابتسامته الصامتة لم تفارق شفتيه ولا يحب أن ينظر إلى وجوهنا، جاء الأسبوع الثالث، وكنا نجلس معه وهو منشغل بكتاب في يده، نـحدثه فيهز رأسه ليعلمنا أنه يستمع لنا، ثم أسند رأسه إلى الكرسي وأغمض عينيه فرأيت فيه ما لم أره قط وكأنه يذبل .

شغلت عينيَّ بشيء أخر لكيلا أعكر عليه غفوته التي لم أتعود عليها ولم أرها من قبل، أردته أن يرتاح أو يريحني من نظراته التي يظن أنها تسليني، لكن فضولي دفعني إلى أن أذهب إليه فقمت من مكاني ومشيت بتباطؤ ، فكلنا ملأنا الضيقُ منه بعد وفاة أحمد، ولما اقتربت منه بدا شاحباً كست الصفرةُ وجهه، أصابني الرعب وأمسكت يده فإذا هي باردة ، انقبض صدري، أمسكت وجهه بيدي أقلّبه وأناديه باسمه، فكان رأسه يتأرجح بين كفيّ كوسادة خفيفة لا تسكنها الروح صرخت بأعلى صوتي:

خالد ، خالد.

انتبهن إليَّ بناتي وتراكضن، ماذا حصل؟ فسقطت عند قدميه أبكي وهو لا يشعر بنا تداركت كبرى بناتي الأمر فاتصلت بالإسعاف ورافقناه إلى المستشفى وحينها عرفنا ماذا أصابه، ضعف عام وانهيار عصبي حاد ، بسبب الحزن الذي لم يرد أن نشعر به في فقد أحمد مكث في المستشفى أسبوعين وعاد بعدها إلى منزله غريباً لا يتكلم إلا ما ندر، لا يأكل إلا القليل من الطعام، لا يمشي، بل يتحرك كالريشة التي يحركها الهواء، خيال إنسان ما أن نلتفت إليه نجده يبكي في صمت تفضحه دموعه نحدثه فلا يرد إلا بكلمات أو يهز رأسه ويبتسم ابتسامة صامتة.

وذات يوم كنت أرافقه إلى الطبيب حذرني من أنه لو بقي على تلك الحالة فسوف ينهار ولا نستطيع أن نستنتج ما سوف يصيبه، ولم يختلف ظن الطبيب كثيراً فبعد يومين اتكأ على كرسيه المفضل ومسك الكتاب نفسه، ثم رفع رأسه وأسنده على ظهر الكرسي وأغمض عيناه للأبد، مات خالد هماً على ولده وقد اتهمناه بأنه لم يحزن عليه، أتعرفون ما الكتاب الذي كان يقرأه؟ عفواً، القصة التي يقرأها، قصة مدرسية من كتب أحمد كان قد ملأ الحواشي بحروف وقليل من النكت والكثير من الشعر وبعض الواجبات التي كان يجب أن ينجزها، فالكتاب كان أشبه بمذكرات أو ملاحظات كتبها ابني، وبكى بسببها زوجي، فمات الأول وترك كلماته، ورحل الثاني وهو يقرأها.

نشر أول مرة في 10 أبريل، 2017

أنا والذكريات..

كانت تجلس هنا باستمرار، صغيرة الحجم بفستانها المشجر الأنيقة، تُلقي بها أمها كل يوم في نفس المكان، فتجلس تصفق بكفيها كلما علا صوت التلفاز بأغنية وتضرب بكعبيها بارتجال غير منتظم وتهمهم بكلمات لا تجيد نطقها، تزحف وهي تمسك أجزاءً حادةً تجرحني، أشعر بالألم وهي تستمتع بألمي حين ترى ذلك الخط يُرسم على الخشب ويشوهه، لا أنسى يوم وجدت أحمر الشفاه ملقى على الأرض كيف فعلت ذلك بي واللون الأحمر شوَّهني من الأسفل حتى المدى التي تصل إليه يديها الصغيرتين .

أما شقيقها فلا يعبث بي كثيراً إلا في أوقات نادرة لكنه يقوم بفعل يزعجني، يصفق الأبواب بقوة فترتج جدراني، ألا يعلم هذا الطفل العنيف، أني قديم، أَقدم من أسرته كلها، والده الغبي كان يفعل الفعل ذاته في صغره لكني في ذلك الوقت كنت أحمل الكثير من القوة وأستطيع التحمل أما الآن أشعر بأرجائي جميعها تهتز حين يصفق الأبواب بقوة، له تصرفات أخرى غبية لا يفعلها باستمرار كأنْ يحفر ثقباً في جداري أو أن يركلني بالكرة بعنف وبحركات متتالية حتى أشعر بالترنح.

الوحيدة التي أحمل لها ذكريات طيبة هي أمهم، لم أرها وهي صغيرة، جاءت بعد أن تزوجها والدهم، منذ وصلت كانت حانية، تتحرك في داخلي باستمرار إلا أنها تتحرك برفق ورغم كثرة مشاغلها لا تهملني وتهتم بي كثيراً خصوصاً بنظافتي وأناقتي، فتلمعني وتجملني وتزينني باستمرار، وُجدت لتشعرني بالراحة فزوجها الذي لا يكف عن الطرق والقطع في ورشته التي هي جزءٌ مني يسبب لي الكثير من الأذى وحين يعطب شيئاً فيّ يتكاسل ويتلكأ ولا يصلحه وحتى لو أصلحه لا يفعل ذلك بعناية كافية، بل ليسكت زوجته التي تلح عليه ليصلحني.

رغم كل ما تفعله هذه الأسرة من إزعاج وكل ما تتسبب من خراب وعطب في أركاني، إلا أني كنت أريدهم أن يبقوا معي، بمجرد أني أحتويهم أشعر بالدفء، وجودهم وأصواتهم وحركتهم يعطيني الأمل والشعور بأني أصلح للحياة ولم يحن وقت موتي، لم يمنحوني تلك الحياة الدائمة التي كنت أتمنى، في يوم من الأيام جهزوا حقائبهم، فقط حقائبهم، ظننت أنهم سيمكثون في الخارج يومين أو ثلاثة أو أسبوعاً على أكثر تقدير، أحصل خلالها على الراحة التي أريد، الأيام طالت ولم يعودوا، شعرت بالسكون يلفني والصمت المميت يحيط بي من كل مكان، طالت الفترة فبدأت أشعر بتلك الحشرات الصغيرة تتحرك في داخلي، تلك الحشرات التي تكاد أصواتها لا تُسمع تبحث عن الشقوق لتعيش فيها، تنخر عظامي بأنيابها الحادة، ورغم ذلك لم أتضايق كثيراً فقد بدأت أُحس بالأشياء تتحرك، رغم انتشار الغبار لم أشعر بالقذارة فما زلت نظيفاً.

الأيام مرت ولم يعودوا، لا نور يضاء ولا كعبٌ صغيرٌ يضربني ولا طفل أهوج يصفق أبوابي ولا رجل أرعن يتسلى حين يقطعني بآلاته الغريبة، بقيت هكذا حتى مر طفلٌ وألقى حجراً فانكسر زجاج أحد نوافذي كأنه فقأ عيني حينها، شعرت برعشة من البرد تلفح ضلوعي، بعدها مر طفلٌ آخر وألقى حجر كسر نافذةً أخرى وتوالت الأحجار، ثم بدأت أشعر بهم يتسللون داخلي، أعرف أنهم لا يأتون لكي يضعوا أكاليل الزهور، في إحدى المرات تسلل متعاطٍ للمخدرات مكث فيَّ أربعة أيام، كان لا يكلف نفسه أن يذهب للحمام لقضاء حاجته، يفعلها في أي زاوية قريبة منه، كنت أريد أن أصرخ في وجهه “أيها القذر” لكن لا جدوى، أحياناً يتسلل بعض العشاق أو بعض الأطفال، الآن أشعر بمدى قذارتي “أنا قذر” منذ أن حملت تلك السيدة الجميلة حقائبها هي وزوجها وأطفالها وخرجوا، لم أشعر بالنظافة، أبكي مما أنا فيه، كل شيء مهمل ومهشم، حتى ذلك الغبي الذي كان يصلحني بتثاقل أصبحت أشتاق إليه، فعلى الأقل كان يهتم بي حين أُصاب بحجر، ويا ليت تلك الصغيرة تعود وتضرب بكعبيها لتوقظني كل صباح، سأهديها أحمر شفاهٍ جديد لكي ترسم تلك الخطوط على أرضي وجدراني وكي أسمع صوت أمها وهي تصرخ بها وتأتي لتنظفني بلطف.

مات الأمل مع مرور الأيام ولم تتكسر نوافذي فقط، بل تكسرت أبوابي وأكثر من جدار، وأصبح الكثيرون يمرون وينظرون إلي باشمئزاز وخوف وريبة، لا أنتظر الآن إلا أن يلقي فيَّ أحدهم عود ثقاب ليكتب شهادة وفاتي.

كلاكيت ثاني مرة ..

جلس بجوارها ورغم أنه لم يسألها، فقد شعرت بسؤاله: لماذا تبكين.

قالت: هناك شيء يتحرك في نفسي يؤلمني، أحدهم استطاع أن ينتزع مني السعادة، كنت أظن أنه السعادة ذاتها، ظننت أنه يشعر بي.

عادت إلى البكاء من جديد.

ثم صرخت، كنت أحبه بجنون، لكنه رحل.

كان ينظر إليها ودّت لو يسألها: هل كان يحبك بجنون كما كنت أنتِ تحبينه؟

أجابت دون أن يطرح السؤال: الرحيل يدمر كل التوقعات، ويقتل الأمل، الرحيل يجعلني أقسم أني أحبه أكثر من السابق، هل تعرف معنى الرحيل؟ أظن أن الرجال لا يعرفون ما الذي يصنعه الألم في قلب المرأة، لا يعرفون أن الحب حين يسكن قلبها لا يترك مجالاً لغيره، فيرغبن أن يضعن الرجل في كل أرجائهن وهذا ما فعلته؛ لقد وضعته في كل أرجائي، لكنه رحل.

ابتسم رغم أن ألمها قد طغى على المحيط.

أنت أيضاً رجل، لا بد أنك دمرت امرأة، ووأدت فيها الشعور بالحياة، أنت رجل تجلس بجواري وتسألني. لماذا أبكي، ارحل عني، لا أريد أن أتحدث مع أحد.

سمعها ولم يتحرك، كانت ابتسامته تكبر، وعيناه تتألقان أكثر .

نظرت إليه بغضب وقالت: هل تتوقع أن أعتبر جلوسك بجواري مواساة، أم تعتقد أن سأرتمي في حضنك لتمنحني السكينة، أم أن أقول لك كل أسرار الدموع التي تنزل، أو أطلب منك أن تساعدني، ماذا تريد؟

ابتسم، لكنه لم يقل شيء وظل بجوارها.

شعرت بوخزة في قلبها، ابتسامته تطعنها، شعرت أنه يستهزئ بألمها، قامت ونظرت إليه بغضب ثم صفعته، دُهش من تصرفها لكنه لم يتألم ولم يتكلم ولم يتحرك من مكانه، ألقت بجسدها بجواره وغطت وجهها بيدها وانخرطت في البكاء، ثم قالت: وهي تدفن وجهها بين كفيها: أنا آسفة، لا أستطيع التحكم في تصرفاتي.

نظر إليها وابتسم.

صرخت في وجهه: لا تبتسم، بدأت تضربه بكل ما أوتيت من قوة، ثم هدأت وقالت: آسفة، لكنها بعد ذلك قامت من مكانها، غادرت دون أن تنظر إليه .

الحياة رَحلت معها، لم يؤلمه رحيلها الآن، بل رحيلها منذ سنة، حين قال لها إنه يحبها، لم تلتفت إليه في ذلك الحين وقالت بهدوء وبمزاج عالٍ: أنا لا أناسبك، نظرت إليه بعدها وابتسمت وهو يحترق، لم تشعر بنيرانه ولم تعرف ما الذي فعلته حين أدارت له ظهرها ورحلت، الآن لم يأتِ ليشمت، بل هي من طلبت منه الحضور، تحدثت واشتكت، وهي من فقدت السيطرة على أعصابها، وصفعت شخصاً بجوارها وضربته، ثم أدارت له ظهرها ورحلت، شتان بين ذلك الرحيل وهذا الرحيل، في السابق تركته أشلاءً، وفي الحاضر رحلت وهي تلملم أشلاءها.

لم يتحدث لأنه متأكد أن الصمت كان أبلغ، ويعرف أنها ستقول له إنها تتألم، ويعلم مصدر ذلك الألم، فمن منحها ألم الحاضر هو من منحها الهدوء في السابق ليدير لها ظهره ويرحل.

الصمت كان في المرة الأولى مؤلماً، وفي الثانية أيضاً مؤلماً، لكنه يعرف أن ما وصلت إليه لن يمنحه قلبها ولو منحها قلبه من جديد، فقلبها أصبح عند شخص آخر ستطارده وتبحث عن أي شيء يخصه، سيزورها في أحلامها ويقظتها، وسيحتل كل ذكرياتها.

انفجار لحظة .. 

نظرت إليه باستغراب، ومن حقها أن تنظر إليه بهذا الشكل، فعندما تخبر امرأة أنكَ لا تحبها لا تتوقع أن تنظر إليك بنظرة الرضا، حين كانت تجلس بجواره قبل أن تسأله، كانت تشعر أنها الإنسانة الوحيدة في حياته دون أدنى شك في ذلك، لكنها الآن تحمل كل التساؤلات وتنقلها إليه بنظرة الذهول التي تحمل الاستغراب والرجاء والأمل، بل تتجاوز ذلك وتسأل: لماذا؟

لماذا لا تحبني؟ كانت تنتظر الإجابة، رغم أنها لم تطرح عليه السؤال من الأساس، كانت تتوقع أن يتحدث عن السبب الذي لا يجعله يحمل لها مشاعر الحب ولا يبادلها العواطف في تلك اللحظة التي توقعت أن تكون نقطة محورية في علاقتهما، أخبرها بأنه لا يحبها وصمت، كان يعرف تلك الأسئلة التي تريد أن تسأله عنها، ويرى مشهد الدموع في عينيها، لكنه فضل الصمت.

الصمت هو الحيرة التي أرسلها إليها، وهي المتاهة التي وضع نفسه فيها، فانعقد لسانه، ولم يستطع الحديث، وهي رغم الاستفهامات، لم تنطق بكلمة، لم تتجرأ أن تسأله لماذا؟ شعرت بأنها لا تستحق الإجابة، الشخص الوحيد الذي أحبته، لا يريدها، ولا يود أن يصل معها لما يتمنى، بالفعل لا تستحق الإجابة، وهو أيضاً لا يستحق السؤال.

والسؤال يكرر نفسه بينهما فهي تسأل في صمت، وهو يجيب في صمت، ولا يسمع أحدهما الآخر، تريد الإجابة من صنم لا تعرف ما بداخله، وهو يشرح لمساحات الجمود في نفسه الأعذار التي احتجزها لهذه اللحظة، وكلاهما بدأ يتحاشى النظر إلى الآخر، خائفان من أن تخرج الكلمة الأخيرة وتفجر الصمت والدموع.

الدموع، شعر بحاجته للدموع؛ لكنه لا يملك أن يخرجها من نفسه كما يرى دموعها تتدفق على خدها، لديه رغبة قوية في نفسه للبكاء، لكنه لا يعرف كيف يوصلها إلى عينيه، تمنى أن يصرخ، تمنى أن يبكي كطفل، لكنه شعر بالشلل، لسانه لا ينطق ولا يريد أن يحرك أي جزء من جسده، كأن المحيط المقدس الذي يوجد فيه سيتدمر لو قام بأي حركة أو نطق بكلمة، تجرأ ونظر إليها بطرف عينه، يعرف أنها تنفجر من الداخل وهو لا يريد أن يخرج ذلك البركان الذي بداخلها.

انفجرت، ولم تقل شيئاً، صرخ داخلها الحزن والغضب لكنها حين انفجرت لم تجرؤ على طرح سؤال من كلمة واحدة، وقفت، لم تنظر إليه، حملت حقيبتها، وأدارت له ظهرها ورحلت.

قراءة في كتاب .. رواية : لغاية آخر نفس .. للكاتبة ( عائشة الخليفي ) .

لغاية اخر نفس

     حين تبدأ في قراءة رواية مهداة من أحد الكتاب ، يرافقك شعور غريب، هل هذا الكاتب يستحق الإطراء على عمله أم أنك ستضطر للمجاملة، لكن حين بدأت قراءة الرواية لم أتركها حتى أنهيت فصولها الستة، وكانت الرغبة في إتمام تلك الفصول التي زرعتها الكاتب في سطور الرواية وربطتها بأحداث تحكيها المها بطلة الرواية بتناسق فريد، وأسلوب سلس لا يبعث فيك الملل ولا يجنح للأسلوب المعقد الشائك الذي نراه في الكثير من الروايات لمجرد أن الكاتب يريد أن يثبت قدرته على الكتابة فقط .

     هي رواية صغيرة الحجم تقع في 115 صفحة من الحجم المتوسط تتسلسل أحداثها مع البطلة من سن الثامنة عشر، والارتباط بالزواج، ثم الفشل، ثم النجاح وتحقيق الطموح، في تسلسل رائع وأسلوب جذاب، يربطك بالشخصية الرئيسية في الرواية، فتبحث بين السطور عن تلك الصغيرة التي تخرج من عالم صغير نسبياً إلى عالم كبير، بمسؤولياته والتزاماته ومشاكله، لتكتشف مع المها بطلة الرواية أن كل هذا لا يكفي لتحقيق الذات، وأن النجاح لا يتكون وأنت ظل لأحد بل يجب أن تكون أنت النجاح، وأنت الذي ترسم حدود ما تريد الوصول إليه .

     الرواية جميلة ومشوقة، لكنها تفتقر لبعض الأشياء، تفتقر للتفاصيل التي كانت ستعطي الرواية أبعاداً أكبر ومعاني إضافية تجعل وزنها أدبياً أكبر، أتعجب من يملك هذا الأسلوب المشوق المعبر أن يبخل في إضافة المزيد على العمل الأدبي ليعطيه الدافع ليبقى كعمل ذا قيمة لفترة أطول، بل ربما يكون مرجعاً في الأسلوب والفكر .

     تعالج الرواية مسائل في حياة الفتاة القطرية، وذكورية المجتمع، وبعض هذه الجوانب في هذه الفترة شبه اختفى، لكنها تضع بقعة ضوء جميلة، رغم اختفاء تلك العادات التي كانت متأصلة في المجتمع .

     تباعد بعض المراحل، في الرواية يكاد أن يُخرج القارئ من نسق الرواية وكذلك الحوار أحياناً، وأعود وأكرر أن الرواية جميلة جداً لكنها كانت تحتاج إلى تفاصيل تجعل الشعور أعمق وأقوى، وتأصل الشعور لدى المتلقي.

عائشة الخليفي : يجدر بي أن أقدم لكِ التحية على هذا العمل الأدبي الرائع، وأتمنى أن أرى أعمالاً في المستقبل تنقلك من صفة الكاتبة المحلية إلى آفاق جديدة أكبر، القلم الذي يستطيع أن يشد القارئ يملك إبداعاً لا يجب أن ينقطع ، ويجب ألا يخمد، بل يجب أن يستمر . 

قراءة في كتاب ( في ظلال جدي ) للكاتبة د.هيا المعضادي ..

IMG_20191009_194708

كتاب صغير جداً به قصص قصيرة ، ظننت في البداية أني سأعاني حتى أكمله لكن وجدت العكس تماماً ساقني الأسلوب الجميل إلى أن أنهيه في جلسة واحدة، لفت انتباهي قصص البداية التي كتبتها د. هيا المعضادي وهي تروي قصة طفلة تتحدث عن تفاصيل حياتها اليومية ، تتحدث عن الأشخاص الكبار الذين نشاهدهم عظماء ونحن في سنٍ صغيرة تتحدث عن الأشياء العادية التي كنا ننظر إليها باندهاش وانبهار ونحن صغار، كأنها تكتب بدايات الحياة البسيطة لتقول لنا انظروا الفرق الهائل بين الماضي والحاضر، وأظن أن ما كتبته على لسان الطفلة يمثل شيئاً من واقع حياتها هي في الستينيات، ورسخت به تفاصيل الحياة في ذلك الوقت بعين طفلة.

بعض القصص كانت تجمد موقفاً أو تصف موقفاً واحداً فقط لكنها شيقة تثير الأفكار والتساؤلات ، ولفت انتباهي القصة الأخيرة (بعيداً عن الديرة) وهي تتحدث عن أسرة كويتية كانت في ضيافة أسرة قطرية في فترة غزو العراق للكويت ، ولفت انتباهي أنها لم تذكر اسم أي دولة، ولا اسم أي رئيس، ثم اكتشفت أني أركز على الشخصية الرئيسية في القصة (لولوة) فكل شيء يقودك إلى أن تتبع تلك الشخصية.

يمكنها أن تكتب أكثر أو لماذا لم تكتب أكثر؟ هذا بالضبط ما خطر في بالي عندما انتهيت من قراءة المجموعة القصصية فالأسلوب الذي تكتب به د. هيا أسلوب شيق وممتع لم أطلع على إصدارات أخرى لها لكني أتمنى ألا يكون هذا هو الإصدار الأول والأخير.