قراءة في رواية “شرطة الذاكرة” للروائية اليابانية يوكو أوغاوا

الأشخاص الذين يسرقون منا أحاسيسنا دون أن نقاومهم، لا لأننا نحبهم، بل لأننا نخاف منهم، يسرقون سجلات حياتنا ويمسحونها ونحن نشاهدهم مستسلمين، حتى أصبحنا نحن بلا هوية ولا ذاكرة، نعيش على السطح بلا عمق يربطنا بذكرياتنا التي نحب، حتى نتلاشى دون أن نشعر، نذوب في استسلامنا حتى النهاية التي تمسحنا من الوجود.

تعيش فتاة في جزيرة تتلاشى فيها الأشياء وتختفي ذاكرتها وينساها البشر، إلا أن هناك أشخاص تبقى ذاكرتهم، ولأنهم احتفظوا بذكرياتهم ولم ينسوا ما تلاشى، فهم محكومون بالسجن والملاحقة من شرطة الذاكرة.

الرواية:

تتحدث الرواية عن كاتبة روايات تعيش في جزيرة تختفي فيها الأشياء، وكل شيء يختفي، تختفي معه مشاعر البشر تجاهه، فلا يعرفونه بعد ذلك، أو أنهم يرفضون معرفته، لمجرد أنهم أرادوا منهم أن ينسوه، تختفي الأدوات، فينسوها، والزمن يمسح فيتجاهلونه، حتى يأتي عليهم وقت ويختفون كما باقي الأشياء، وفي وسط الأحداث تكتب تلك الروائية رواية عن فتاة تتعلم الطباعة على الآلة الكاتبة، ومع مرور الزمن يصبح معلمها حبيبها لكنه يسرق صوتها، ويتركها تكتب له ما تريد بالآلة الكاتبة، حتى تقف الآلة عن الطباعة، وتصمت، وتصمت معها الفتاة للأبد، لا تتكلم ولا تقاوم حبيبها الذي يخلق لها المواقف التي يريد، ويطعمها ما يريدها أن تأكل، يلبسها ما يشتهي هو أن يراه على جسدها، يجردها من كل شيء لكنها رغم ذلك تقع أسيرة لحبه ولا تستطيع أن تتركه أو تقاومه أو أن تفر منه لتعود لحياتها، مستسلمة تبقى حتى النهاية، لكي تتلاشى وتأتي فتاة غيرها.

 شخصيات الرواية:

الآنسة الكاتبة: هي الشخصية الرئيسية في الرواية وهي كاتبة روايات تعيش حياتها منعزلة بعد رحيل أمها وموت أبيها، بما تجنيه من كتابة الروايات، وهي تجسد العمود الفقري للرواية فكل الأحداث تمر من خلالها بشكل مباشر، عيناها هي التي ترسم المشهد كاملاً.

الجد: شخص كبير في السن يمثل في الرواية دور الجد الراعي للبطلة لكنه ليس جدها بالمعنى الحقيقي، ورغم ذلك يبدو الانسجام بينهما تامّ كجد وحفيدته التي يحبها ويرعاها ويدبر شؤونها، وهو الصمام في الرواية فكل مواقف الطوارئ تجده هو من يقف ليواجهها.

مستر “ر”: كان صاحب دار النشر الذي يستلم الأعمال من البطلة وبما أنه لم يفقد ذاكرة الأشياء أصبح مطلوباً لدى شرطة الذكريات، أخفته البطلة في منزلها ووقعت في حبه.

فتاة الآلة الكاتبة: هي البطلة في رواية البطلة فتاة جميلة تتعلم الطباعة على الآلة الكاتبة، وتقع في غرام معلمها، تفقد صوتها، وتستسلم للمعلم في كل انحرافاته.

المعلم: إنسان شاذ يسيطر على الفتيات من خلال تعليم الفتيات الطباعة على الآلة الكاتبة ثم يسرق أصواتهن، ويأسرهن ويتلذذ باللهو والسيطرة عليهن.

الأسلوب:

جميل ومشوق وبسيط رغم أن الإسقاطات التي في العمل كثيرة فمن إسقاط رواية داخل رواية إلى إسقاط شخصيات داخل شخصيات، فالمعلم في رواية البطلة هو الشرطي في رواية “يوكو أوغاوا” والفتاة في رواية البطلة تمثل الشعب في رواية “يوكو أوغاوا” ربما يكون هذا الإسقاط أرادته الكاتبة أو استنتجته من خيالي، لكن الأمثلة قائمة، الشعب المستسلم للسلطة يمسح ذاكرته من الخوف، والشرطة التي تسيطر على الشعب تستغله لآخر لحظة.

فنتازيا كئيبة، بأسلوب بسيط يجعلك تتابع الأحداث باهتمام لتعرف النهاية التي سيختتم بها المشهد الأخير، وهنا تتساوى المشاهد في رواية البطلة ورواية “يوكو أوغاوا” تتلاشى الفتاة ويتلاشى الشعب، وتخرج الذكريات المختبئة والممثلة في الأشخاص الذين حافظوا على ذكرياتهم ولم يمسحوها وكأن الذكريات هي تاريخ الشعب الذي تلاشى.

 تقييم العمل:

لا أعرف كيف أقيم هذا العمل، فأنا أشعر أن العمل باقي في ذاكرتي، أُسقط شخصياته وأحداثه على الواقع الذي أشاهده، تقع الرواية في 374 صفحة من القطع المتوسط من إصدارات دار الأدب.

أنصح بقراءتها.

بين حواليس “اليحيائي” وشرطة “يوكو اوغاوا”

من الصدف العجيبة أن تقرأ روايتين بشكل متتالي لشخصين مبدعين استعملا نفس الأسلوب تقريباً في الكتابة، وهو أن يكون بطل الرواية روائياً يكتب رواية داخل العمل، والجميل في هذه المسألة أن لكل مؤلف منهما أسلوبه الخاص، فرغم تشابه الفكرة إلا أن العملين يطغى عليهما أسلوب المؤلف، وبما أن المؤلفين من بيئتين مختلفتين، رسم كل منهما عالمه في عمله.

اليحيائي رسم عالم خيالي اقتبسه من الواقع وحاكت شخصياته الحياة العمانية، ورسمت يوكو اوغاوا عالماً افتراضياً بالكامل يمكنك النظر من خلاله لملامح الواقع، وبهذا تكون المشاهد متباينة بين الكاتبين لكنهما يحاكيان خطاً واضحاً، فهما يخاطبان الشعوب.

اليحيائي كان بطله في الرواية روائي لكنه كان يلتمس لشخصياته أحداثاً من الواقع ولم يكتب روايته داخل الرواية لكنه ترك شخصيات الرواية التي خلقها البطل تتحدث لتضع علامات الاستفهام وتخلق إسقاطاتها في الواقع، أما يوكو اوغاوا فبطلتها كتبت رواية من شخصيتين وآلة كاتبة، لترسم مشاهد واضحة للقصة داخل روايتها ولا تتركها حتى تنتهي منها، إلا أن اليحيائي يوكو اوغاوا، اتفقا على اسقاط شخصياتهما على الواقع.

اليحيائي كانت روايته حواليس وهو اسم لعبة عمانية قديمة، كانت مشاهد روايته مطابقة لذلك الاسم فهي لعبة ملغزة يجب أن تربط خيوطها دون أن يضع اليحيائي إرشاداته لك، ليتركك تلتقط الخيوط وتستنتج ما يريد، بينما رواية شرطة الذاكرة يوكو اوغاوا اعتمدت الفنتازيا بشكل واضح لا لكي تلغي الحقيقة، بل لتجعلك تشاهد الواقع الافتراضي كحياة يقبلها البشر، وتعود لتسقط ما قرأت على الواقع.

اعتمد اليحيائي أسلوباً متداخلاً في الرواية بين شخصياته التي خلقها وشخصيات الرواية التي يكتبها بطل روايته والأحداث القديمة والحديثة، واعتمدت يوكو اوغاوا الأسلوب السلس بشخصيات واضحة سلوكها متسق مع فنتازيا الرواية.

اليحيائي يكتب عن عمان ماضيها وحاضريها، ما كانت عليه وما صارت إليه، يوكو اوغاوا بالتأكيد تكتب عن اليابان لكنك تستطيع أن تنقل أحداث روايتها لأي مكان تريد وفي أي زمن تختار.

انهيت الروايتين في أقل من عشر أيام ولا تزالان في أفكاري، فشخصيات اليحيائي العتيقة والحديثة اختلطت بخيالات يوكو اوغاوا التي رسمت شخصيات افتراضية، فلا انفك انتقل بين القمندان في رواية اليحيائي إلى المعلم في رواية يوكو اوغاوا، ولا ابرح افكر في أحداث عمان في “حواليس” حتى تخترقني أحداث الذكريات في “شرطة الذاكرة”

الروايتان تستحقان الاهتمام فالفكرة حرة يتبناها من يتبناها ولا اظن أن يوكو اوغاوا هي أول من ابتدعت أن يكون بطل روايتها روائي أو روائية، بل لا شك أنها اقتبست الفكرة مما قرأت لكنها بلا شك لم تكتب نسخة كربونية، بل وضعت أفكارها، وكذلك فعل اليحيائي في روايته، فبين اليحيائي يوكو اوغاوا، فكرة لذيذة يمكنك أن تتذوقها وأنت تقرأ.