قراءة في رواية “إقامة قصيرة في الجحيم” للكاتب ستيف إل. بك

أنا معجب بهذه الرواية رغم صغرها، فكرتها وتوزيع أدوارها ومراحلها، إلا أنها تجاوزت الكثير من التصورات التي توقعتها، وهذا لا يعني أني أتفق مع المؤلف في كل ما ادّعى أو تبنّى، فأنا اختلف معه في الكثير من النقاط، ورغم ذلك أشهد له بأنه أجاد في خلق تصور يمكنك الاقتناع به وطَرح أفكاراً يجدر الوقوف عندها.

الرواية:

تتجاوز كل الأديان السماوية وتضعها في خانة الشك، والمسألة ببساطة أن بطل الرواية المسيحي المرموني يموت وينتقل إلى مرحلة الحساب ويُحكم عليه بناءً على أحكام الديانة الزردشتية التي سبقت الأديان السماوية بخمسمائة سنة تقريباً، ثم يدخل الجحيم، ذلك الجحيم الغريب الذي ابتدعه الكاتب من رواية لبورخيس اسمها “مكتبة بابل” وهنا يضع الكاتب فكرته الخيالية للحياة في هذه المكتبة على أنها جحيم لا ينتهي، أو ربما ينتهي، حين يجد المحكوم عليه كتاباً يحكي قصة حياته.

لا يعيش بطل الرواية وحيداً، المكتبة بها أناس رجالٌ ونساء، وبها كشك للمأكولات وغرف للنوم ودورات مياه، ورغم كل هذا استطاع الكاتب بأسلوبه الشيق أن يصنع قناعة: أن الجحيم مهما كان جيداً فهذا لا يغير من حقيقته الجهنمية.

الرواية متخيلة لكنها تحاكي الواقع الأمريكي فكل ساكني مكتبة الجحيم هم أمريكيون بيض، ولا توجد معهم جنسيات أخرى أو ملوّنون، ورغم أن الكاتب صرح بأن بطل الرواية مسيحي صالح يتبع الطائفة المورمونية، لم يصرح بديانات أخرى، لكن الأسماء التي اختارها للرواية تحمل رمزية قوية مثل راشيل الجميلة الساحرة، ودان الرهيب وأظنه يقصد النبي دانيال صاحب السفر المعروف في التوراة.

أما اختياره أن يكون سكان المكتبة أمريكيين وذوي بشرة بيضاء، وجدت شرحاً أقنعني بعد البحث في رمزيات الرواية وهو باختصار، أن الكاتب يعتقد أن الفكر في الفترة الزمنية التي تحاكيها الرواية عبر الأبطال هي الثقافة الأمريكية وكأنه يحمل تلك الثقافة الأعباء والأخطاء الثقافية والأدبية لتلك المرحلة ويضعها على عاتق الدولة الأمريكية القوية، رغم أن كتب المكتبة كلها لا تحمل قصصاً أو أدباً مُعتبراً، بل أغلبها رموز لا تقرأ لدرجة أن من يجد جملة مفيدة في كتاب يعتبر أنه حقق إنجازاً.

الزمن في الرواية ممتد وهذا زمن يوافق الخيال في جحيم يجب أن يبقى فيه الآثمون المذنبون إلى الأبد، لكن الأمل بالخروج موجود في الرواية والوصول إليه مجهول الزمن ومعروف الكيفية، فيكفي أن يجد المذنب قصة حياته ويضعها في مكان معين حتى ينتقل إلى الجنة، ورغم بساطة الأمل إلا أنه صعب المنال ولا يحده زمن.

الشخصيات:

سورين يوهانسون: هو بطل الرواية رغم أن اسمه لم يُذكر إلا في بدايتها وهو مسيحي مورموني يحمل إيمانه بقوة ويطبق تعاليم طائفته، فكان لا يشرب القهوة ولا الكحول، ويعتني بأسرته ويرعاها.

راشيل: تمثل العاطفة التي تجاوزت الفترة الأطول في العلاقة مع البطل فكل النساء تغيرن، وتغير مزاج البطل معهن، إلا هذه اللطيفة التي خسرها بسبب صراع ديني داخل الجحيم، ولو عدنا إلى اسم راشيل لا يمكننا أن نغفل وجوده في الكتاب المقدس، التوراة على وجه الخصوص، فهي زوجة يعقوب (عليه السلام) وما قيل عنها وما اتُهمت به، لكنها في الرواية تحمل لذة العاطفة الجميلة رغم أنها في الجحيم.

دان الرهيب: وهذه شخصية ادعت النبوة في مكتبة الجحيم وبعد أن أصبح له اتباع، أصبحت له يدٌ باطشة، يعذب من يخالفه ويجبر الناس على اتباعه بالقوة، وهو سبب رحيل راشيل عن بطل الرواية، واعتقد كما ذكرت سابقاً أن الكاتب يوحي أنه النبي دانيال.

الأسلوب:

في البداية سأقول إنه أسلوب بسيط وهنا تكمن الجودة في العمل، فبساطة الأسلوب وسلاسة الفكرة جعلت الرواية مقبولة وأفكارها مقنعة، الراوي هو البطل وقد أحسن في اختيار هذا الأسلوب لأن طريقة المذكرات تعطي قناعة أكبر بحيث إن هناك شخصاً يحكي ما حدث له، كما أن الكاتب استخدم الفنتازيا وخلق مواقف وشخصيات يمكننا إسقاطها على واقعنا وتاريخنا.

التقييم:

العمل جميل رغم أنه يطرح التساؤلات التالية: هل ما نتبعه هو الحق؟ وهل ما نتبعه سوف ينجينا عند الحساب؟ ومن يحكم الأرض؟ وعند السؤال الأخير وضع الكاتب نقطة مهمة أن من حكم عليه بدخول الجحيم كان شيطاناً، بهذه الأفكار البسيطة ينقلنا الكاتب بين كل أفكار الرواية وتساؤلاتها.

الترجمة:

جيدة لا شك في ذلك لكني وقفت على نقطتين مهمتين في الرواية، إذ إن المترجم وضع مقدمة للرواية، وأظن أن هذا اسلوب لم يعد مقبولاً في عالم الروايات، كما أني وقفت قليلاً عند عدد الأخطاء الإملائية،

عموماً الرواية جميلة ومشوقة وتحمل قيمة اعتبارية وفلسفية ودينية تقع في 133 صفحة من القطع المتوسط صدرت عن دار عرب.