قراءة في رواية «حواليس» للروائي العماني د. محمد اليحيائي

«حواليس» لعبةٌ بالمعنى الحقيقي للكلمة لدى العُمانيين، ومن الضروري معرفة معنى الكلمة؛ إذ إنّ اليحيائي اختار الاسم بعناية شديدة ليصف روايته بالمعنى المقصود: لعبة. وكأنه يقول لنا إنّ «الحياة لعبة» نشارك فيها جميعًا؛ نموت ونحيا، ونعمل ونبني ونهدم. إنها لعبتنا التي نشترك فيها ونلعبها بإرادتنا أو رغماً عنا.

لن أدقّق في شخصيات الرواية كثيرًا، وأرى أن النظرة العامة الشاملة في الرواية تحقق الهدف أكثر من غيرها من الرؤى. وبما أنّ الرواية خليطٌ بين الماضي والحاضر، وبين شخصيات حقيقية ومتخيَّلة ووهمية، وقد انتقلت مكانيًا من الداخل إلى الساحل ثم إلى الخارج العُماني، وخاطبت شرائح متعددة: فقيرة وغنية، متعلمة وجاهلة، وأيديولوجيات مختلفة؛ فإنّ الأفضل أن نركز على الصورة البانورامية للرواية لنرى التنوع والاختلاف من منظور قصصي واسع وممتع.

تبدأ الرواية بجملة: «سيتركنا ويتفرغ لها»، حيث إنّ بطل الرواية، وهو روائيّ، تعيش معه في شقته شخصياتُ روايته التي استحضرها الكاتب من الماضي، وخلق لها حياة تساير زمنها وتلامس أطراف الواقع الذي يعيشه. ورغم أنه لا يراها ولا يسمعها، فإنها تتابعه باهتمام بالغ؛ لا لتعرف ما الذي سيفعله، بل ليجد لها صلة بالواقع ويرسم لها صورة جديدة تُخرجها من حاجز الموت إلى الحياة. وكأن اليحيائي يقول إنّ الحاجز بين الزمنين شفاف، لكنه يقع ضمن المستحيل؛ فلا نستطيع أن نخترقه، ولا نستطيع أن نتواصل معه إلا بخيالنا.

الحياة لعبةٌ بين أيدينا، نعيش مع شخصياتها ونستخدمها بحسب أهوائنا وظروفنا. وحين تكتب الشخصيةُ الرئيسة أحداثَ رواية لأبطال عاشوا في الماضي، وأيضاً يخلق بطلُ الرواية شخصياته في واقعه الحقيقي، ويتلمس خيوط الواقع ويربطها بالماضي القريب والبعيد. وكأنه يشكّ أن تلك الشخصيات المستلهَمة في روايته تتداخل، في جزءٍ منها، في حياته وتمسّ الشخصيات الحقيقية الموجودة معه. هنا يخلق اليحيائي صورةً مركبةً بين الكاتب الحقيقي وهو (اليحيائي) والكاتب «بطل الرواية»، بحيث تكون الصورة كالتالي: كل شخصيات الرواية خلقها اليحيائي، وبطل الرواية «غانم سالم» يخلق شخصيات أخرى غائبة استحضرها من الموت، وواقعُ حياة البطل يضمّ شخصياتٍ أخرى. وبهذا صنع اليحيائي تركيبةً عجيبة لا يمكن أن نجد لها اسمًا أفضل من «حواليس»، تلك اللعبة التي تُلعب على الشواطئ؛ ليحكي من خلالها ماضي عُمان وواقعها، ويرسم تصورًا لمستقبلها.

أتوقّع أن كل من يقرأ الرواية سيشاهدها من زاوية مختلفة. العاطفة موجودة بقوة في الرواية، متجسدة في المرأة بما تعنيه في الحياة، لكنها صورة تبين سطوة الرجل وجبروته الرغبوي والعاطفي، وتجسد ضعف المرأة وصراعها العاطفي. كذلك يبرز الماضي العُماني بمناطق الساحل والداخل وشخصياته: شيوخه وأئمته وسلطانه. والواقع أيضًا حاضر في بطل الرواية ومحيطه، والمستقبل كأطياف عابرة. أمّا الصراع فهو النقطة المحورية: صراع السلطة، وصراع المال، وصراع العاطفة. وكأن اليحيائي يقول إنّ الحاجز بين الزمنين شفاف، لكنه يقع ضمن المستحيل؛ فلا نستطيع أن نخترقه، ولا نستطيع أن نتواصل معه إلا بخيالنا.

وتنتهي الرواية كما بدأت بجملة: «سيتركنا ويتفرغ لها»، وكأن أهل القبور يئسوا من الأحياء، والأحياء يئسوا من واقعهم.

تقع الرواية في 262 صفحة من القطع المتوسط صادرة عن دار عرب. أنصح بقراءتها مع الكثير من التركيز؛ فالدكتور اليحيائي لا يكتب للمتعة فقط، بل يضع فلسفته في الرواية.