قراءة في رواية “آنا كرنينا” للأديب الروسي ليو تولستوي:

وأنت تقرأ الرواية ستسمع صوت تولستوي يقول لك: هنا روسيا بكل تناقضاتها ومشاكلها وأحلامها وتصوراتها، وهذه هي الطبقة الراقية التي تحكمها وتسوس أمرها، سترى طبقة راقية في روسيا لا ترتقي للمستوى الأعلى فتصل للإمبراطور، ولا تنزل للشعب، لكنها ليست الطبقة الوسطى، فهي طبقة تجمع الأرستقراطيين وكبار الموظفين والكونتات وبعض الأمراء، في مرحلة زمنية ارتفعت فيها تكلفة الزراعة بعد أن تحرر الأقنان ، وقلة الأيدي العاملة، وأصبحت الأراضي عبئ على ملاكها، وكانت روسيا تخوض حرباً مع الدولة العثمانية، المرحلة الزمنية التي اختارها الكاتب مناسبة جداً لطرحها في رواية اجتماعية تكشف التحولات والصراعات في المجتمع الروسي.

زمن الرواية مهم جداً؛ لأنها فترة تحول في الفكر العالمي، ونرى انعكاسه على المجتمع والفكر الروسي، وحرص البعض مثل تولستوي على خلق شخصية للفكر الروسي وعدم الانسياق خلف الأفكار الواردة من الخارج وكما قرأت سابقاً أن شخصية “ليفين” تجسد تولستوي، فقد وجد ذلك صحيح لحد مقنع، وتوصلت لذلك في تتبع فكر تولستوي الديني الذي ينظر إلى الدين أنه رسالة سامية، وأن الله ينظر إلى الجميع ما داموا يحسنون ويخلصون ويؤمنون، بغض النظر عن الدين الذي ينتمون إليه.

الشخصيات الرئيسية في الرواية:

آنا أركاديفنا كارِنينا آنا كارنينا: الشخصية الرئيسية امرأة فائقة الجمال جاءت من طبقة متوسطة متزوجة من رجل يعمل في منصب مرموق في بطرسبرج تقع في حب فرونسكي، وتتمثل معاناتها في النظرة الاجتماعية والأبناء والحب، ليتكون الثالوث الذي يهدم كل شيء في حياتها.

ألكساندروفيتش كارِنين ألكسي: زوج آنا كارنينا، يحتل منصب مرموقاً في بطرسبرغ يكبر آنا بأكثر من عشرين سنة، عنيد، يلجأ إلى التدين في النهاية للهروب من صدمته النفسية.

ألكسي كيريللوفيتش فرونسكي: كونت وأحد ملاك الأراضي الكبار عشيق آنا كارنينا، فارس في الجيش الروسي، لكنه يترك كل شيء ليبقى مع آنا ويحظى بثقتها.

كونستانتين ديميترييفيتش ليفين: كونت ومالك أرض زوج كيتي، لا يرتقي لمستوى فرونسكي، لكنه من النبلاء، ويعتقد أغلب المحللين أن تولستوي جسد نفسه في هذه الشخصية، وأميل إلى صحة ذلك.

كاترين ألكسندروفنا شيرباتسكايا كيتي: أميرة زوجة ليفين وشقيقة دوللي شخصية طفولية مرحة، تحب فرونسكي في البداية، لكنها تصدم نفسياً بسببه.

استيبان أركاديفيتش أوبلونسكي ستيبا: جاء من طبقة وسطى شقيق آنا كرنينا له منصب في الدولة بسبب زواجه بأميرة، متهور مسرف يخسر كل شيء، وتنهار علاقته بزوجته.

داريا ألكسندروفنا أوبلونسكايا دوللي: أميرة وهي زوجة ستيبا شقيق آنا كرنينا، ربة بيت ملتزمة بشكل حازم تجاه أسرتها، تتسم علاقتها بزوجها بعدم الثقة، وتستمر هكذا من البداية حتى تنهار العلاقة وتنتهي.

تعريفات مهمة:

  الأمير: أرستقراطية أصيلة، تميل إلى التقاليد، تتوارث اللقب.

  الكونت: أرستقراطية مكتسبة، تميل إلى الحداثة والانفتاح، تعتمد على المكانة لا الأصل.

المحتوى:

الرواية تعالج الفترة الزمنية ما بين من 1855 إلى 1881، أي النصف الثاني من القرن التاسع عشر في عهد القيصر ألكسندر الثاني، وتوضح التحولات الاجتماعية والاقتصادية والصدامات السياسية بين الجيل القديم والجيل الجديد عبر طبقة راقية من المجتمع الروسي ليست في القمة العليا، لكنها طبقة اجتماعية تجمع الكونتات والأمراء والنبلاء، ونشهد فيها زواج أميرة بكونت أو أحد النبلاء والعكس، لكن الرواية تطرح أمراً مهماً يتمثل في شخصية آنا كرنينا، حقوق المرأة والنظرة الاجتماعية لها، حين تنفصل عن زوجها، وتصور المعاناة النفسية الصعبة التي تمر بها النساء في مجتمع ينظر إلى الأسرة نظرة مقدسة، حتى لو كانت تلك الأسرة منهارة من الداخل، ويخون كلا الزوجين بعضهما، المهم أن يبقى شكل الأسرة حتى تستمر العلاقات الاجتماعية.

توجد ملامح كثيرة للشخصية الروسية في الرواية، وتختلف الشخصيات بحسب طبقتها الاجتماعية ومكان سكنها فشخصية النبيل أو الأمير أو الكونت في الريف تختلف عنها في المدينة والعكس، وكل لقب يحمل صفات تخصه تتمثل الترف أو التدين أو الالتزام بالقيم، ترسم الرواية التحول بين جيلين مختلفين من حيث الثقافة، وتبين مستوى الصراع الناشئ بينهما في المجال السياسي، كما أن الرواية تبين أن الفكر احتل مساحة كبيرة وخف تأثير الدين لدى الطبقات العليا.

وزع تولستوي شخصيات الرواية بحيث تشمل جميع الطبقات النبيلة، أمير، كونت، نبيل، عالم، موظف مرموق، وبذلك لمس جميع مستويات تلك الطبقة التي أراد الحديث عنها، لكنه لم يتكلم عن عامة الشعب إلا من منظور تلك الطبقة، بمعنى أنه تحدث عنهم من الأعلى كيف يراهم النبيل أو الأمير أو الكونت، ورغم ذلك نرى في شخصية ليفين التي تمثل تولستوي في الرواية رسم ملامح تقارب بين النبلاء والعمال، لكنها لا ترتقي لتصف حياة العمال أو معاناتها أو وجهة نظرهم في ملاك الأراضي، وأنا أؤيد نظرة تولستوي، فلو أنه تطرق للعمال ومعاناتهم ومشاكلهم المالية والاجتماعية لما استطاع أن يصف الطبقة العليا بإسهاب، وتداخلت الأفكار واختلت.

شخصية ليفين في الرواية قال عنها المحللون أنها تمثل تولستوي، وأنا أؤيد هذه الفكرة، وأتفق معها فأفكار تولستوي واضحة في هذه الشخصية، وأظنه أراد أن يضع فلسفته من خلالها خاصة حين تكلم عن الإلحاد ثم النظرة إلى الدين والوصول لفكرة مقنعة في نهاية الرواية، لكني أعتقد أنه أخطأ في أن يجعل النهاية مرتبطة بهذه الشخصية التي وضع من خلالها صورة النهائية وأهمل شخصيات في الرواية لم يعطنا التصور النهائي لها مثل ستيبا الذي أشار إليه أنه انهار مالياً.

ربما اختلف مع تولستوي في النهاية المأساوية لآنا كرنينا لكني مقتنع أن هذه النهاية جسدت المعاناة أكثر من أي نهاية أخرى، بل وجعلت لها رسالة متعدية لزمانها، رسم من خلالها ضعف المرأة وصراعها النفسي الكبير بين الزوج والحبيب والأبناء، وبين لنا قلة الحلول التي يمكن اللجوء إليها لذا كانت النهاية الصادمة هي أبلغ رسالة لتجسيد الوضع السيء.

الأسلوب:

محتار وأنا أكتب عن أسلوب تولستوي فالرواية مجموعة حوارات مطولة ترسم الأحداث وهو أسلوب لا أحبه لكني وجدته ممتعاً في الرواية، خصوصاً في الجزء الأول فالشخصيات تتحدث عن نفسها لتقول: أنا موجودة وأتحدث، الأنا في الرواية قوية جداً تجدها في أنانية المرأة والأمير والكونت والنبيل، يظهر صوت الراوي العليم في بعض السطور ليوضح أمراً، أو ينتقل إلى شخصية أخرى، وأقول في النهاية: الرواية ممتعة سواء كانت عبر حوارات مطولة أو سرد مسترسل، فأحداثها تجعلك تقرأها بنهم.

الكاتب:

ليو تولستوي من طبقة النبلاء الروس، وكانت أسرته من أعرق العائلات في روسيا عاش في الفترة ما بين 1828 إلى 1910 عاصر الكثير من الأحداث من أعظم الروائيين الروس، تعتبر روايتاه الحرب والسلم وآنا كارنينا من أعمدة الأدب العالمي جمع في أعماله بين الفلسفة والأخلاق والدين اتجه إلى الزهد في آخر حياته.

تقييم العمل:

لا أستطيع أن أحكم على رواية بهذا القدر من الأهمية، فقط أستطيع أن أقول إنه رواية جميلة ممتعة تثير الشغف، تطلعنا على حقبة زمنية مهمة في تاريخ روسيا، ونعيش من خلالها عالم من المتعة، أنصح بقراءتها، الرواية موزعة إلى جزءين تقريباً 900 صفحة من القطع المتوسط.

قراءة في كتاب “دم وخمر” للكاتب الروسي ليو تولستوي.

لا أستطيع أن أسمي هذا الكتاب رواية، أو مجموعة قصصية؛ لأنه يحمل قصتين فقط، لكنه كتاب قصص كتبه تولستوي في أواسط القرن التاسع عشر، لكن أحداثها تحاكي بدايات القرن.

شخصيات القصة الأولى:

بوليكوشكا: الشخصية الرئيسية من عبد القصر يرعى الخيول ويعالجها، لص لديه زوجة وخمسة أطفال.

اكولينا: زوجة بوليكوشكا امرأة أكبر همها رعاية أسرتها.

السيدة: هي سيدة الأرض والمتحكمة فيها.

ايجور: القائم بأعمال سيدة الأرض، وتعود إليه المهام التي تقع في نفوذ سيدته.

دوتلوف: فلاح يحاول أن ينقذ أبناءه وابن أخيه من التجنيد.

شخصيات القصة الثانية:

الكونت فيدور توربين: ضابط مميز في كتيبة الفرسان الخفيفة متهور راقص ماهر يعشق النساء واللهو.

آنا فيدروفنا: أرملة وسيدة أرض تحمل قدراً كبيراً من الجمال ولها دوران في القصة العشيقة والأم.

ليزا: ابنة آنا فيدروفنا فتاة ريفية عفيفة.

الابن الكونت توربين: ابن فيدور ويحمل صفات أبيه، إلا أنه حريصٌ على المال بعكس والده.

بولزوف: ضابط في كتيبة الفرسان، شريف لديه مبادئ وقيم نبيلة.

الضابط المتقاعد: شقيق آنا فيدروفنا وخال ليزا، لم يكن في كتيبة الفرسان لكنه يدعي ذلك،

المحتوى:

قصتان مختلفتان لطبقتين في المجتمع تعيش إحداها الفقر والعوز والأخرى ترفل في النعيم والترف والملذات والجميل أن لا مقارنات داخل القصص، لكنك بلا إدراك حين تقرأ القصتان ستقارن بين القاع والقمة بين الفقر والغنى بين اللامبالاة عند الأغنياء والهم عند الفقراء، ستفكر في قيمة المال عند الطبقتين، وسترى قيمة الإنسان من زوايا مختلفة.

المقارنات التي تثير الفضول، وتطرح سؤال لماذا؟ يحدث هذا الأمر؟ ولما يحدث بهذا الشكل؟ المؤلم أحياناً والغبي أحياناً أخرى، ففي القصة الأولى ستجد البطل عبد أكبر همه أن يعيش لحظة سعادة، أو يشعر أنه ذو قيمة، وينتهي به المطاف معلقاً بحبل على سور عالٍ، وقد فارق الحياة مشنوقاً، وفي القصة الثانية البطل أمير وفارس اكتسب من مهارات الحياة ما يجعله نجماً، ويعيش حياته حتى يموت ويحمل رايته ابنه بنفس اللقب والصفات، وكأن الكاتب أوحى لنا ما نعرفه أن العبد يلدُ عبداً، والسيد يلدُ سيداً، لن يتغير شيء.

ستعرف في القصص أسلوب التجنيد السائر في ذلك العصر وأساليب المواصلات، وستعيش مع شخوص القصص في الحظائر والبيوت، معادلة الكتاب الأرض + الرقيق = دم، الأرستقراطية + الترف = خمر.

تطرح القصة الأولى مسألة التجنيد الإجباري في ذلك الزمن، وكما يعتقد المجتمع الفقير أن من يذهب للتجنيد لا يعود حياً وتفقد الأسرة احد ابناءها العاملين العائلين لها.

الأسلوب:

اعتمد أسلوب الراوي، ولا يظهر كصوت مستقل إلا في بعض المواضع بجمل قصيرة يوضح فيها معنى محدد، الأسلوب جميل بلا شك، وقد وضع الكاتب القُراء في زاوية المقارنات، دون أن يشعروا وجعلهم ينظرون إلى صورتين متناقضتين، لكنهما موجودتان في نفس المكان، ليخلق كل قارئ صورته وانطباعه الخاص.

الكاتب:

تولستوي كاتب وفيلسوف روسي تبنى مبدأ اللاعنف ركز على العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية أشهر أعماله: الحرب والسلام، آنا كارنينا، البعث.

تقييم العمل:

العمل رائع وممتع يقع في 190 صفحة من القطع المتوسط، أنصح بقراءته.

المترجم:

الترجمة جيدة بوجه عام فقط عانيت مع بعض الكلمات التي لم تعد مستخدمة، ربما لجأ إليها المترجم ليوصل المعنى بدقة.