قمة وقاع ..

كما أن هناك أبطالٌ في كلِّ زمان، هناك أناسٌ مغمورون لا يلتفت إليهم أحد، لكن حين ننظر إلى الأبطال، علينا أن نعلم أننا ننظر إلى رأس الهرم فقط، دون أن نرى باقية كيانه؛ فالقاعُ الأكبر في الهرم هو أولئك المغمورون الذين تخرج منهم ثقافةُ المجتمعِ العامة.

عندهم الأساطيرُ والخرافات، وعندهم البساطةُ والفقر، ونجد بينهم الصنائعَ والورش. حياةُ الشعوب لا تكمن في الأبطال؛ فربما يكتب الأبطالُ العناوين، لكن العامةَ هم من يكتبون المتن، ويصنعون الصورةَ المنمنمة التي لو دققت فيها، لرأيتَ آلافَ الوجوه.

لنلقِ نظرةً مثلًا على لصوصِ القمّةِ والقاع. لصُّ القاع ربما يأخذ ما في جيبك، أو يسرق جهاز الهاتف، أو يتجرأ قليلًا ويقفز إلى منزلك ليسرق مما تدّخر. أما لصوصُ القمّة، فيختلف الحديث عنهم؛ فهم لا يسرقون شخصًا واحدًا، بل يسرقون الجماعةَ كلها: مقدراتِه، وأقواتَها، وحاضرَها، ومستقبلَها. فلا يتركون لها شيئًا إلا الكفاف الذي يُبقيها على قيد الحياة.

كلُّ إنسانٍ يعمل على قدر إمكاناته؛ فاللصُّ الفقير يسرق ما يعتقد أنه يكفي، واللصُّ الغني لا يكتفي مما يسرق.

هكذا تكون النظرةُ بين القمّةِ والقاع. لذا، علينا ألا نحصر نظرتَنا في الأبطال وحدهم، بل أن نرى المجموعةَ التي في القمّة، بمزاياهم وعيوبهم، بحميدهم وخبيثهم؛ فالقمة، كما تحتوي على الأبطال، تحوي اللصوص أيضًا.

ربما نظنُّ أن القمّة مكانٌ لشخصٍ واحد، ولكن لو دققنا النظر، لوجدناها تجمع كلَّ الرؤوس: رأسِ البطولة، ورأسِ الشجاعة، ورأسِ العلم، وكذلك المجرمين واللصوص. القمّةُ مكانٌ لكلِّ الرؤوس.

لحظات صغيرة ..

الأمور الصغيرة التي تحدث لنا تؤثر فينا أكثر مما نتوقع؛ جرد ابتسامة لطيفة في الصباح يمكنها أن تغير مزاجك طوال اليوم، وتجعلك تنظر إلى الدنيا بتفاؤل، وتبحث عن كل ما هو جميل، ويمكن أيضاً لنظرة اشمئزاز أو نظرة تعالي أو احتقار أن تقلب مزاجك رأساً على عقب، وتنشر التشاؤم في يومك، وتمسح كل الأشياء الجميلة من مخيلتك.

الحياة هي أمور صغيرة تجتمع لتُكون شيئاً أكبر مؤثراً في حياتنا سواء لفترة طويلة أو قصيرة، ولكل حدث ردة فعل عند المتلقي فلا تعني الابتسامة في الصباح الكثير عند بعض الأشخاص، لكنها تعني الكثير عند غيرهم، وبهذا نتأكد أن استقبالنا للأمور الجيدة والسيئة يختلف من شخص لآخر، أو من حين إلى حين، فربما الابتسامة الجميلة نفسها في الصباح لا نستقبلها بالتفاؤل الذي استقبلنا به سابقتها.

الكوارث ثوانٍ أو دقائق، والمصائب أيضاً، تنبني عليها أمور أكثر تعقيداً وأكبر شأناً، لكنها مواقف قصيرة، يتأثر بها من يعيشها، وينظر إليها البعيدون نظرة استغراب ودهشة، وهكذا هم البشر ؛كل شيء يمسهم يصبح مهماً وما يبتعد عنهم يقل تأثيره عليهم.

مجموع هذه الأمور الصغيرة هو الذي يرسم لنا الحياة، اللحظات والدقائق تشكل واقعنا الذي نعيشه وتتراكم في ذاكرتنا، لنعود إليها في لحظات كما عشناها في لحظات، لكننا حين عشناها عشنا بتأثرنا بها، وحين نعود إلى ذكراها نعيشها لفترة أقصر، وكلما بعُد الزمن عنها نعود إليها لفترة أقصر من سابقتها.

كما تعود المادة إلى أصولها يعود الوقت إلى أصله، وأظن أن لا شيء بعد اللحظة، فهي في نظري الكتلة التي يستطيع الزمن أن يُحدث فيها أمراً يبقى ويؤثر في محيطه.

صدمة العاطفة ..

لا توجد حدود للمشاعر ولا قوانين؛ فالشعور شيء غير ملموس لا يمكننا قياس مدى فاعليته من شخص إلى آخر ولا تأثيره في الأشخاص، فأحدنا تؤثر فيه دموع طفل بشكل بالغ وآخر تؤثر فيه تلك الدموع بشكل سطحي، ولكل شخص تبريره الذي يستند إليه ولكل منا نظرته الخاصة للدموع، ممن تصدر ولِمَ صدرت، أمور كثيرة تجعلنا نعطي تلك الأحاسيس قيمة، أو نقلل من شأنها.

هي مشاعر تتفاعل في مساحة من أنفسنا لا يمكننا أن نصل إليها، كتلة كامنة لا ندري متى تنفجر، عاطفة الحب لا نعرف متى تتملكنا، والحنين، وتأثير الذكريات، نقف أمامها عاجزين في أحيانٍ كثيرة، ولا نجد تفسيراً منطقياً يبرر أو يفسر ردّة الفعل على المشاعر المقابلة.

لو أخذنا عاطفة واحدة مثلاً: الحب، لا نعرف متى نتخلص من تأثيره حين نقع فيه، أو متى نفيق من غيبوبته التي نتفاعل معها، دون أن نضع لها حدوداً ولا مدى،  وفي أحيان كثيرة تكون نتائجها كارثية، توصلنا إلى مرحلة الصدمة العاطفية أو الانهيار، نصاب بالصدمة في البداية والنهاية، في البدايات غيبوبة وفي النهايات ضياع، وفي كل منهما لا نتحكم في مشاعرنا سواء في السرور أو الضيق.

يعترف العالم بأجمعه بأن هناك مشاعر، لكنهم لا يعطون تفسيراً واضحاً لتلك الأمور التي لا يمكننا التحكم فيها، وربما يكتشفون إفرازات الغدد بعد حدوث ثورة الشعور، لكنهم لا يستطيعون أن يصنعوا شعوراً واحداً دون اكتمال عناصره.

إلى متى أُحبك …

عندما نتحدث عن العلاقات الشخصية، أو نفكر بها، لا نسأل أنفسنا في أغلب الأحيان لماذا؟ ولا أعني بماذا أن أفكر في الفائدة المرجوة من العلاقة بحيث أن تصبح العلاقة تبادل مصالح، وهي بالفعل تبادل مصالح؛ لكن المصالح المالية والسوقية هي الوحيدة التي تأخذ في الاعتبار في هذا الجانب، لكننا لا ننظر إلى الجزء المعنوي والعاطفي على أنه فائدة أو مصلحة، والعكس هو الصحيح من وجهة نظري؛ الفائدة المعنوية من العلاقة هي التي تعززني وترفع من شأني كإنسان حقيقي على عكس القيمة المادية التي تنمي النظرة المصلحية المتمحورة فيما لدي وما أملك.
لكننا في الحقيقة لا نُقيم احتياجاتنا النفسية بشكل صحيح لكي نعرف ما هي الجرعة الصحيحة التي يجب أن نتلقاها من الأشخاص المحيطين بنا وهل ما يعطونا إياه من مشاعر حقيقية أم ه يستخدمونها للوصول إلى هدف يصبون إليه؟ فالإنسان مركب غريب يختفي جزء منه بمكر ليحقق الجزء الآخر أهدافه، بمعنى أن الماكر يُظهر لك الود، لكنه يخونك في النهاية، وهو يعتبر هذا انتصاراً، وهنا تكمن مشاكلنا مع الآخرين: ثقتنا المفرطة في بعضهم، ونفورنا من آخرين، إذ تتولد لدينا قناعات بأن من نثق بهم هم الصادقون المخلصون، ونحن لا نملك في الحقيقة ما يثبت ذلك في أغلب الأحيان، لكننا نقيس بعواملنا النفسية، ولو نظرنا بعين مجردة إلى قياساتنا في هذا الجانب سنكتشف الكثير من القصور، وسنشك في أقرب المقربين لنا.

 المسألة معقدة، أحياناً تكتشف أن من تحبه وتدنيه يستغلك بفعل عاطفتك الحميمة نحوه، فنقطة ضعفك التي يمكنه أن يستفيد منها هي مشاعرك التي تغمره بها، وبسببها تمنحه الرعاية والاهتمام، بعكس ما يفعل هو؛ حيث يعطيك الرعاية والاهتمام بقدر استفادته المادية، وهنا تتحقق المصلحة بشكل مقلوب، لكنها تتحقق في مستوى معين غير حقيقي، فالحقيقي لا يتغير، وإن شابه بعض العيوب أو التغيير فالقيمة الكامنة فيه نقية.

 بعد فترة من الزمن، وبعد أن نكتشف حقيقة المحيطين بنا ربما لا نستغني عنهم؛ لأننا بحاجة إلى وجودهم في حياتنا، ولو كلفنا ذلك الكثير من الأضرار النفسية والمعنوية.

صخب ..

قليلاً من الهدوء لا أكثر هذا ما أحتاجه، ورغم أني أعيش في محيط هادئ، إلا أن الصخب ينتشر في داخلي، فتلك الأفكار والمشاعر والأحلام والخيالات لا تترك لي مجالاً لأن أنفرد بنفسي في هدوء، دون أن يقطع انفرادي حلماً، أو شعوراً، أو فكرةً، أو خيالاً، الصخب لا يكون في الخارج دائماً أحياناً يكمن في داخلنا نحن، باضطراب أفكارنا ومشاعرنا وأمانينا التي نتمنى أن تتحقق، الصخب هو أن تتضارب كل تلك الأمور في داخلك، دون أن تستطيع السيطرة عليها.

ليست مرحلة الضيق التي تمر بالإنسان نتيجة حدث حزين فقط، هذا الأمر حاصل لا شك، لكن الاستمرار في الحزن هو دليل على كمون ذلك الحزن في النفس، نتيجةَ عدم مقاومتنا له أو تجاهلنا إيّاه أو خلق أمور تعطينا الشعور بالسكينة، فيبقى الحزن هو ديدن الإنسان، وإن ضحك أو تكلم وجامل، ويعود ليسيطر عليه بمجرد أن يختلي بنفسه، شأن الحزن في هذا شأن الأحلام والأمنيات والأهداف التي لم تتحقق وتركت فينا أشياء تخرج ما إن نستكين لأنفسنا.

الصخب الداخلي، الذي تتصارع فيه كل الأشياء الموجودة في النفس، هو الذي لا يترك لنا مجالاً لكي نقاومه، ولا أن نمحوه، يحتاج منا الكثير من الوقت والتغاضي والتجاهل، وأن نقتل أحلامنا، ونوقف الأفكار الطارئة، ونبتعد عن كل أمور الدنيا، وربما لا يجدي ما نفعل ويستمر رغماً عنا.

يستغرب الكثيرون من رغبة البعض في الوحدة والانفراد بأنفسهم ظنّاً منهم أن الوحدة حالة مرضية إذا استمرت لفترة طويلة، ولهم الحق في ذلك؛ فالإنسان اجتماعي بطبعه، لكنه يحتاج أن يترك لنفسه مجالاً لكي يرتب ملفاته والأوراق المتناثرة في رأسه، يريد أن يستمع لذلك الصوت الذي في داخله، ليفهم تلك الأفكار الثائرة والخيالات، ويعيد ترتيب أمانيه المدمرة وأحلامه الآفلة، فلا مجال لديه أن يعطي البشر الكثير من وقته، ولا أن يسمح لهم أن يدخلوا إلى مجاله النفسي، فهذه المنطقة محرمة عند من يؤمن بالعزلة والانفراد، ورغم ما يشعر به من راحة حين يكون وحيداً، إلا أنه يواجه ذلك الصخب الذي في داخله ويستسلم له، في كثيرٍ من الأحيان.

فوق الخمسين ..

سارت بي الحياة لكل مكان، وقابلت آلاف البشر، دون أن أعرف كم سأستمر ولا أدري متى ينتهي مشواري الذي بدأ منذ فترة طويلة، أسير وأدعي أني أتعلم مع أن أغلب الأحداث في حياتي أصبحت مكررة والمتغير الأكبر هو الأماكن والأشخاص، لكن المواقف أغلبها مكررة، تواجهنِ مشكلة أحياناً تكون بسيطة وأحياناً معقدة وهي اللحاق بالركب أو مسايرة الزمن الذي أعيش فيه، ورغم شعوري بأني اكتفيت إلا أني يجب أن أعيش وأستمر إلى متى لا أدري.

ليس من أحد لا يريد الحياة، لكن الروتين الذي يتكرر باستمرار يجعلك تتساءل كيف أستمر؟ وما الذي يمكنني فعله في هذه المرحلة من العمر؟ أنقل خبرتي مثلاً أم اعتزل البشر؟ وأتفرغ للمطالعة أو أذهب لأمور أخرى في الحياة، التجارة مثلاً أو أي عمل يستطيع أن يشعرني بأن الحياة يمكنها أن تمنحني المزيد من الخبرة أو المعرفة.

أنظر إلى الحياة بتفاؤل، وأحياناً انظر لها نظرة ملل، ثم أعود وأدفع نفسي للتفاؤل من جديد، إلا أن نظرة الملل تكبر وتتحول لاحتقار للحياة في بعض الأحيان، وتعود الشمس لتشرق مؤذنه بروتينٍ جديد يتكرر وبأشخاص حفظنا وجوههم وتصرفاتهم، وبشوارع أصبحنا نتوقع فيها كل شيء قبل حدوثه، فالسيارات لا تزال تسير على أربع، كـطفل سريع الحبو، وأتوقع أن تكبر وتمشي على عجلتين بدلاً من أربع.

لا يمكنني أن أرى الأشياء خارج نطاق الواقع أو خارج حدوده، لأني لو نظرت إليها بشكل مختلف أنا متأكد أني سأرسم لها شكلاً جميلاً لا يمكنه الحياة في الواقع ولا أن يستمر، فالحياة خليط بين جميلٍ وقبيح، وبين طيبٍ وشرير، وبين غبيٍ وذكي، بين أناس يتصدرون وأناس يعيشون في الهامش، وأنا أجد نفسي في الهامش أكثر مما أجدها في الطليعة فالهامش الذي يحتقره الكثيرون يعطيني مساحة شخصية لا أتمتع بها لو أني كنت في المقدمة، مساحة تجعلني أتحدث بصوت عالٍ مع نفسي، وتجعلني أنتقل من مكان إلى آخر، دون أن يعرفني أحد.

كائنات بشرية ..

ما أنا إلا إنسان جمعته الأيام وفرقته، أنتشر حين أفرح وأنكمش حين أخاف، لا معنى للشجاعة دون خوف ولا معنى للفرح دون حزن، كل شيء يفسره نقيضه، فيني كل التناقضات والتساؤلات وأمامي الحلول؛ وعليّ أن أختار أحدها، ربما يكون الصحيح أو الأقل صحة، أو ربما يكون اختياري خاطئ.

خطأ، أنا خطأ، أنا مخطئ، أنا مذنب، أنا ما أنا؟ بشر، لا أتميز عن غيري، ولا أدعي، ولا أريد أن أتميز، فلا أرغب أن أكون فوق البشر، لكن لا أرضى أن أكون أسفلهم، حتى لا يضعوا أقدامهم فوق رأسي.

إنسان، لهذه الكلمة معنى قوي في قاموس المصطلحات، ليس في الكتب وحدها، بل في نفسي أيضاً، وأظنها في نفسي أقوى، فالإنسان له تفسير علمي، وآخر منطقي، وآخر فلسفي وديني، والحقيقة أنه يمثل كل هذه التفاسير مجتمعة، فيه التناقضات، يطمع ويَقنع، يخاف ويغامر، يحب ويكره، وبين كل قيمة ونقيضها شعرة، أفسرها أنا بمنظوري، ويفسرها غيري بمنظوره.

لا نتساوى في شيء غير التكوين الجسدي، وفي دواخلنا تختلف أفكارنا، تناقضاتنا، مشاعرنا، رغباتنا، أطماعنا، ونبني الأشياء من خلال ما ترسب في نفوسنا، وما تكدس من ذكرياتنا، نستنتج، نحلل، نخمن، نتوقع، بناءً على تراكم خبراتنا، ورواسب التعلم والذكريات.

جميعنا لدينا مشاعر ورغبات وأطماع، لكننا نختلف، فأنا أستخدم مشاعري وأطماعي ورغباتي بطريقة تعجبني وبأسلوب يخالف استخدام غيري لها، تطغى المشاعر على تصرفاتي، وغيري تطغى على تصرفاته الأطماع، وغيرنا تكتسحه الشهوات، الأشياء نفسها في الداخل والخارج، لكننا مختلفون في استخدامنا لأنفسنا.

الاختلاف أساس الحياة، والاتفاق هو أساس النجاح، من ينجح؟ ومن يفشل؟ هو الإنسان ذاته، تلك النسخة المكررة، في صور مختلفة، وأحجام متباينة، ومشاعر متغيرة، كل واحد منا يحمل صفات البشر، ومعاني الإنسانية السامية، لكن تصرفاتنا تختلف ومعاييرنا تتبدل ونحن نعيش في محيط متغير.

الأثر ..

أتعلمين أني هنا؟ وكيف تعلمين، وقد رحلنا سوياً عن هذا المكان، وقد عدت وحدي لأشتم رائحتك، واقتفي أثر خطواتك التي مشيتِها بجواري.

عزيزتي، لا يعني الرحيل موت المشاعر، لكنه خيار نضطر إليه أحياناً لنعالج أنفسنا من قسوة الحب العنيف الذي لا نستطيع أن نقاومه حين ينتكس علينا بشكلٍ سلبي، فيقلب حياتنا وينغصها ويجعلنا عاجزين عن وضع الحلول المناسبة، أو ربما وضعنا حلولاً عجزت عن معالجة أوضاعنا التي عشناها.

  لنعود إلى آثارك التي لا زلت أقتفيها بدقة، ملامحك ترافقني في هذه الأثناء التي أخطو فيها خلف ذكرياتك المتناثرة في حياتي لكي أجمعها واحتفظ بها لمدة أطول من الزمن، لأتذوق وأعيش لذة الشعور الذي كان ينتابني وأنا أسير بجوارك، وتتخلل أصابعي أصابعك.

ذكريات حبيبتي، هي كما يقولون “ذكريات” لن أتركها، فقد أثرت بصماتك في نفسي أكثر مما تتوقعين، فهي ليست مجرد علامات، لقد طُبعت صورتك في مخيلتي فلا أغمض عيني إلا ووجهك يبرز أمامي دون أي مبررات فهو الشيء الأكثر تأثيراً وهو الذي يتصدر المشهد دائماً، ويطغى على كل الصور سواها.

لا زلت أشمّ رائحة عطرك المميزة دون وجود رائحة عطر، ربما يقترن شعوري بتلك الرائحة المخملية التي أحببتها وكم أنا سعيد؛ لأنها تُشعرني بوجودك معي أكثر وكأن روحك ترفرف في المكان وتشاركني النشوى.

تخيلي هذا المشهد معي؛ شخص يجلس على طاولة في مقهى، ويسند كوعه على الطاولة، ويضع ذقنه على راحة يده وكأنه يتأمل شخصاً جالساً أمامه، هذا أنا أجلس كما كنت في حضورك على الكرسي المقابل، كنتِ تخجلين في ذلك الحين من نظراتي التي تفترس ملامحك، وأنا أستمتع في ذلك الموقف بعلامات الخجل على وجهك، كنت أشعر بلذة مضافة ومتعة لا تعرفينها، وما زالت تسكنني إلى الآن وأنا أتخيل تلك الروعة التي كنت أجدها وأنتِ معي.

في الحقيقة لا شيء يموت، فنحن ننثر آثارنا في الزمان والمكان، وعلى من يحبنا أن يبحث عنا ليجدنا، وأنا جئت إلى هنا لألمس آثارك وأستمتع بصحبتك.

وللماضي سلام..

حيث تكونين سلام، فأنا لا أريد لكِ إلا السلام، فإن كنت مع نفسكِ في سلام فلا تفكري كثيراً فيمن حولك، غالباً هم لا يستحقون تلك الدقائق الثمينة التي ستنفقينها عليهم، ولا يستحقون المساحة التي كان من الممكن أن تخصصيها لهم في قلبك، هم مجرد أشخاص يتحركون في فراغ الذكريات .

استسلمي للسكون واشربي قهوتك في هدوء تام، افتحي تلك الكتب التي أهملتها فترة من الزمن، اقرئي، وأتمنى ألا تجدي أشباح الماضي كامنة بين السطور، وألا يزعجك حين تقرئين شيئاً يثير الشجن، أو يوقظ ذكرياتك، أو شيئاً من الحب، فلا معنى لتلك المشاعر؛ فالسطور والحروف جامدة، ويجب أن تكون مشاعرك أيضاً جامدة.

كل شيء يجب أن يُسخّر لكِ، مكتبك، كُتبك، أقلامك، مفكرتك، وحدتك، فراغك، حتى جنونك، لا تُشركي فيه أحداً، تذكري أنكِ تملكين كل هذه الأشياء، عزيزتي، فلا تفرّطي فيما تملكين، احرصي على أن تكوني وحيدة فالوحدة أبلغ من الصحبة، والفراغ أثمن من الاجتماع، وغالباً ما تكمن قيمة الأشياء الصغيرة في وجودها بين يديكِ.

لا وقت لديك لتنفقيه على أحد، ولا تمنحي قُبلة الحياة لأي شخص فأحياناً، تكون القبلة مميتة، لا تفكري أن تهبيها لأيٍ كان، احتفظي بها لنفسك، لا تغامري، لأنك إما أن تقتلي بها شخصاً أو أن تقتلي بها نفسك.

قولي وداعا ليس لي أنا، أو لأحد ممن كانوا حولك في أحد الأيام، بل وداعا للصخب الذي سببته لكِ، وللأمل الذي دمرته في نفسك، وللحب الذي يقولون إنه أكبر كذبة عرفها التاريخ، قولي له وداعاً، فربما يستحق هذا الوهم الوداع.

الـمـوت ..

إن للموت هيبة، فتجد الإنسان يقف عند مشهد الموت عاجزاً، فلا حركة بعده ولا قضاء يعلو عليه، وإنه يضع الرعب في القلوب قبل وصوله، والاستسلام حين يحل، فلا شيء يقف في طريقه، والكل يجمع على ذلك، لذا فهو الأمر الأخير في شأن كل إنسان، موقن بحدوثه، ولا يستطيع أن يمنعه.

الموت شأنٌ عجيب، لا نعرف له سبباً يقينياً، يصيبنا المرض، أو نموت في حادث سيارة، وأحياناً ننتظر وفاة رجل كبير يعاني المرض، فيموت ابنه الصغير في فراشه دون مقدمات، نسير لا نتوقع الموت ولا يتوقعه لنا أحد، لكننا نسير لذلك القضاء المحتوم، تصدق توقعاتنا أو تخطئ، جميع الاحتمالات واردة لا يستطيع أحد أن ينفي شيئاً منها.

الموت هو نهاية، وبدايته هي الحياة، فما وُجد من عدم، يعود إلى العدم، وكل شيء يُخلق ينتهي لا محالة، ولا يكون الإنسان استثناءً من ذلك، بل مهمته تنحصر في تحسين الحياة، التي ستصل به إلى الموت، ولو عرف متى يموت، لما عمل لذلك ولا اجتهد، فحين يكون الموت غيباً، يترك مساحة الأمل قائمة، لا ينهيها، فيكون الأمل بالحياة هو الدافع للاستمرار.

الموت ربما يكون مرحلة نهاية، ربما، وربما، وربما، قالوا عنه كل شيء، ولم يقولوا عنه شيئاً، هو رحلة، نهاية الرحلة، وقالوا: إنه بداية لرحلة جديدة، وهو الذهاب للعدم، ولا حياة بعد الموت، والحياة الحقيقية بعد الموت، وقالوا، وقالوا، وقالوا، والناس في هذا مذاهب، وكل ديانة تفسّره بطريقتها، لكنهم جميعاً متفقون على شيء واحد، وهو أن الموت سيقع لا محالة، فالجميع يُسلم بحقيقة الموت، مهما اختلفت المذاهب في الخلق أو النشوء والتطور وغيرها، يبقى هو الحقيقة التي يسلم بها الجميع دون جدل، فيختلفون فيما كان قبله، وما سيحدث بعده، ويتفقون على أنه الحقيقة الواجبة الحدوث.

قال تعال: ((نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ))

الحب ..

أجمل ما في الحب أنه يلغي العقل ومنطقه، ويخرجنا من حواجز التفكير، فنجد لذة النظر ورحابة الحياة.

لا متعة في العقل؛ فالعقل منطقهُ آليٌّ، والقلب منطقهُ لذيذٌ رغم ألمه، نخاف منه ونريده، يؤلمنا ونشتاق إليه، يتعبنا ونسعى وراءه؛ تناقضاتٌ لا منطق فيها، لكن اللحظات التي نعيشها في العاطفة تفوق الزمن، فهي تغوص في السنين، وتسافر معنا، ترحل وتعود، كأنها مجدٌ يلازمنا.

ماذا أقول؟ لا أدري، مضى الزمن، والذكريات تربطني بتلك العواطف، مضى الزمن، وما زلت أتوق لأن أجد مساحة تخرجني من أسوار العقل لرحابة العاطفة.

متاهات ..

لا تعرف الحروف دروب المنافي، لكنها تصف التفاصيل بعناية لدرجة أنك تتوه فيها، ولا تستطيع الخروج، فالمنفى ليس طريقاً واحداً، تمشيه وتجتازه بعد فترة، هو تلك الغربة التي تحجبك عن الواقع والحياة، وعن أولئك الذين يدعون أنهم معك والموجودون حقاً معك، ويرسلك بعيداً هناك عند الذين نسوا أنهم تركوك في منفى لن تعود منه أبداً.

عليك أن تصف تلك الدروب جيدً فربما، ربما تجد الطريق الذي تظن أنه يوصلك لهم، انثر حروفك على خرائط الورق، ومرر أصابعك لترسم مساراتها التي لا تنتهي، ثم أحرق كل أوراقك، واكتب الحروف من جديد، على جدران التيه، وأرض المنفى، وعلى غبار الزمن، وتأكد أنها ستبقى في مخيلتك، لك أنت فقط.

تجلس بين الحاجز والوطن، لا تستطيع أن تسكن الأرض، ولا أن تعبر الجدار، فتمشي دون توقف، وتكتب دون شعور، بين جدارٍ وآخر، لا ترى ما خلفه، لا لأن الجدار يعزلك، بل لأن نفسك عشقت أن تبقى خلف خيالك، خارج الحقيقة.

المنفى وطن الضياع، له من المجهول حظٌ، ومن الغياب جزءٌ، ومن الرحيل نصيبٌ، ومن التيه دروبٌ، يجمع تلك المعاني التي تزرع الرغبة في البقاء خلف جدار رُسمت عليه الخرائط، ونُثرت فوقها الألغاز، وعليك أن تجمع شتات الحروف، وتتبع الطريق ليوصلك إلى طريق آخر وآخر، ومن جديد عليك أن تضيع في الوهم، وتنثر نفسك في الدروب، وتدوس الحروف، وتحرق كل أوراقك.

إلى .. ميّ

إلى معلمتي تلك السيدة الجليلة التي جعلتني أنزع ثوب الخوف من على وجه الرواية حين سألتني: ماذا تريد أن تفعل في المستقبل؟ حينها كانت الفكرة الأولى تدور في رأسي حول الرواية ولم أستطيع أن اكسر حواجز التردد والرهبة التي خالطت تلك الفكرة الصغيرة فأجبت: أفكر أن أكتب رواية، فقالت: ما الذي تنتظره؟ وكأنها استشف خوفي من التجربة وهي تقول: ما الذي ستخسره لو فشلت؟ كان هذا السؤال الأخير الذي اخترق كل الحواجز وجعلني أقف أمام نفسي متجرداً وأكرره حتى بدأت.

تلك السيدة الماهرة في قياس كفاءة فريق العمل الذي تديره لم تكسر حواجز التجربة حين كنت أتعلم تحت يديها طرق التدريب وأساليبه، بل استطاعت أن تكشف الجوانب التي لم أجربها وساعدتني أن أتعلم الكثير من المهارات التي لا أزال أحتفظ بها رغم المسافة الزمنية البعيدة التي تفصلني الآن عن تلك المرحلة، فأصبح حاجز الخوف من التجربة شيئاً لا أتطرق إليه فكل عمل جديد أتقبله برضا واجتهد أن انجزه بالشكل الأفضل دون تردد.

لا أقصد أن أشكر الدكتورة ميّ عيسى علي، على تشجيعها لي في فترة العمل ولا على تواصلها معي كشقيقتي الكبرى، فهي تستحق أكثر من ذلك، بل أقصد أن أوصل معنى جعلتني أقتنع به قناعة تامة، أن الإنسان يبني الكثير من الحواجز بينه وبين آماله التي يريد تحقيقها، وهو نفسه قد يكون العقبة الأكبر التي تمنعه من الوصول لتطلعاته التي يصبو إليها، تعلمت منها الدرس الذي أعطاني أكبر قيمة في الحياة.

لم أخطط لأكتب هذه السطور فقط كنت أفكر في البدايات وعندها تكرر السؤال الذي جعلني أقف أمام نفسي وأكرره “ما الذي ستخسره لو فشلت؟” والآن أنظر لتلك البداية في عالم الرواية من بعيد وكأنها رحلة غريبة لكنها ممتعة جعلتني الدكتورة ميّ اخطو فيها الخطوة الأولى فزرعت ثلاث روايات في مسيرتي التي أتوقع أن أستمر فيها حتى النهاية.

رداء المعصية ..

لدي رسائل لا أستطيع أن أرسلها لأحد فكلهم رحلوا، تلك الوجوه التي عشتها وعايشتها قد اختفت منذ زمنٍ بعيد، لكنها لم تتلاشَ من مخيلتي، ولم تهدأ الفوضى التي خلّفها الرحيل في صدري، فتلك الوجوه ما زالت تدور بين أفكاري المبعثرة وأوراقي المطوية، تنقب في الذكريات، وتنبش الماضي، وتنظر إليّ في كل وقت، تتهمني، نظراتها تتهمني، وتذكرني بأخطائي التي ارتكبتها، الأخطاء التي لم أقصدها، وقعت، ودمّرت المحيطين بي ودمّرتني.

أنا، ذنبٌ نبت في شكل بشر، ألبسته الحياة رداء المعصية، فتزين به وتأنق، وتلك الوجوه الراحلة قد أغرتها الذنوب، فجاءت إليّ تبحث عن الخطيئة، وحين وقعْت فيها، اكتشفت حقيقتها فرحلت لمجهولها، وبقيت أنا في ردائي المتشح بالمعاصي.

كيف لي أن ألقيه عن كتفي؟ وقد ثقل بمن علقوا فيه وتعلقوا به، وعليّ أن أحملهم وذنوبي، وأسير حتى النهاية، فلولاي ما أخطأوا وما عرفوا المعصية، أنا الذنبُ المرير الذي لطخهم وشوههم وعرّاهم من بشريتهم الطاهرة النقية، وألقى بهم في متون الرذيلة، أنا ذنبُ من أخطأ ومن لم يخطئ، ذنبُ القادمين والراحلين.

دعوني مع ذنوبي فإنني رغم بغضي لها أرافقها فما لكم لا تتركوني؟ أيتها الأطياف، أيتها الوجوه، أيتها الذكريات، أيها الماضي، أيها الطاهرون، أُقِرّ لكم بذنوبي وبطهركم فارحلوا عني، كيف تجلسون معي وأنا أمثل الخطيئة، اتركوني أغرق في وحلي وحيداً.

إن استطعتِ

أن تعودي إلي من جديد ليس معناه أن نعود كما كنا، فبين رحيلك وعودتك تقف فجوة المشاعر التي حفرها الغياب في نفسي، ربما أريد أن أقفز فوقها لكي أعود أنا ذلك اللطيف الذي تعرفين، لكني لم أتمكن حتى في خيالي أن أفعل ذلك دون أن أقف عند اللحظة التي دمَّرت فيها كلماتك المشهد الأخير، وتركتني أهوي في الفراغ الذي وجدته في كل المسافات، وأسأل نفسي عن الحقيقة لماذا تحولت إلى وهم؟ مرَّ عبر الزمن لتلقيني في الهاوية التي جلست فيها وحدي، وأنتِ توجهين تلك السهام المسمومة إلى أذني لتخترق كل ذكرياتك التي احتفظتُ بها.

أموت عندما أمنع نفسي، وحين أشعر بالحنين، وعندما أسمع صوتك؛ يتحرك الشوق الذي يعصف بي ويجعلني أقترب كثيراً حتى أشعر أن كل شيءٍ مؤلم قد اختفى، ثم ينبعث الخوف ليحرق ذلك الشعور، ويكرر كلماتك الأخيرة، وأسأل نفسي المجنونة، ماذا لو؟ عاودتِ الرحيل؟ وشوَّهتِ الذكريات؟ وألقيتِني في الهاوية؟

كيف لي أن أتحمل صدمات الخوف المتتالية التي أنتجتها الكلمات والألم؟ والفراغ الذي ملأ قلبي بعد ذلك؟ فأنا لا شيء حين اكتشفت أن ماضينا أصبح تافهاً، وألبوم الصور التي تشغّلينه في عقلي قد احترق، لم يحترق من تلقاء نفسه، بل أنتِ من أشعل فيه النار لكي تجعليني بلا هوية ولا وطن.

لا أنكر أنكِ أنتِ، الشهيةَ، البهيةَ، التي كنت معها، ولا أنكر مشاعري، وخوفي من تكرار المأساة، فما العمل؟ هل تملكين الحلول اللازمة لعلاجي منكِ ومن سهامك.

لن أعود كما كنت، ولو أنني أستطيع الاختيار، لكنت مسحتُ الألم، ووضعتك في مكانك القديم قبل الرحيل، حينها كنتِ أول الشوق ومنتهاه وأعذب الحب ومبتغاه، والعواطف بين يديكِ تثيرينها كيفما شئتِ وأينما شئتِ، لا أعرف ما أقول! جمال الماضي، أصبح ماضياً، وخوف اليوم أصبح مريباً، يمنعني من الاقتراب، فالحواجز لا تأتي من فراغ، وأنتِ بنيتِ ذلك الحاجز المرعب، لو أنكِ تقدرين، دمِّريه لأعود كما كنت.