بين حواليس “اليحيائي” وشرطة “يوكو اوغاوا”

من الصدف العجيبة أن تقرأ روايتين بشكل متتالي لشخصين مبدعين استعملا نفس الأسلوب تقريباً في الكتابة، وهو أن يكون بطل الرواية روائياً يكتب رواية داخل العمل، والجميل في هذه المسألة أن لكل مؤلف منهما أسلوبه الخاص، فرغم تشابه الفكرة إلا أن العملين يطغى عليهما أسلوب المؤلف، وبما أن المؤلفين من بيئتين مختلفتين، رسم كل منهما عالمه في عمله.

اليحيائي رسم عالم خيالي اقتبسه من الواقع وحاكت شخصياته الحياة العمانية، ورسمت يوكو اوغاوا عالماً افتراضياً بالكامل يمكنك النظر من خلاله لملامح الواقع، وبهذا تكون المشاهد متباينة بين الكاتبين لكنهما يحاكيان خطاً واضحاً، فهما يخاطبان الشعوب.

اليحيائي كان بطله في الرواية روائي لكنه كان يلتمس لشخصياته أحداثاً من الواقع ولم يكتب روايته داخل الرواية لكنه ترك شخصيات الرواية التي خلقها البطل تتحدث لتضع علامات الاستفهام وتخلق إسقاطاتها في الواقع، أما يوكو اوغاوا فبطلتها كتبت رواية من شخصيتين وآلة كاتبة، لترسم مشاهد واضحة للقصة داخل روايتها ولا تتركها حتى تنتهي منها، إلا أن اليحيائي يوكو اوغاوا، اتفقا على اسقاط شخصياتهما على الواقع.

اليحيائي كانت روايته حواليس وهو اسم لعبة عمانية قديمة، كانت مشاهد روايته مطابقة لذلك الاسم فهي لعبة ملغزة يجب أن تربط خيوطها دون أن يضع اليحيائي إرشاداته لك، ليتركك تلتقط الخيوط وتستنتج ما يريد، بينما رواية شرطة الذاكرة يوكو اوغاوا اعتمدت الفنتازيا بشكل واضح لا لكي تلغي الحقيقة، بل لتجعلك تشاهد الواقع الافتراضي كحياة يقبلها البشر، وتعود لتسقط ما قرأت على الواقع.

اعتمد اليحيائي أسلوباً متداخلاً في الرواية بين شخصياته التي خلقها وشخصيات الرواية التي يكتبها بطل روايته والأحداث القديمة والحديثة، واعتمدت يوكو اوغاوا الأسلوب السلس بشخصيات واضحة سلوكها متسق مع فنتازيا الرواية.

اليحيائي يكتب عن عمان ماضيها وحاضريها، ما كانت عليه وما صارت إليه، يوكو اوغاوا بالتأكيد تكتب عن اليابان لكنك تستطيع أن تنقل أحداث روايتها لأي مكان تريد وفي أي زمن تختار.

انهيت الروايتين في أقل من عشر أيام ولا تزالان في أفكاري، فشخصيات اليحيائي العتيقة والحديثة اختلطت بخيالات يوكو اوغاوا التي رسمت شخصيات افتراضية، فلا انفك انتقل بين القمندان في رواية اليحيائي إلى المعلم في رواية يوكو اوغاوا، ولا ابرح افكر في أحداث عمان في “حواليس” حتى تخترقني أحداث الذكريات في “شرطة الذاكرة”

الروايتان تستحقان الاهتمام فالفكرة حرة يتبناها من يتبناها ولا اظن أن يوكو اوغاوا هي أول من ابتدعت أن يكون بطل روايتها روائي أو روائية، بل لا شك أنها اقتبست الفكرة مما قرأت لكنها بلا شك لم تكتب نسخة كربونية، بل وضعت أفكارها، وكذلك فعل اليحيائي في روايته، فبين اليحيائي يوكو اوغاوا، فكرة لذيذة يمكنك أن تتذوقها وأنت تقرأ.

قراءة في رواية «حواليس» للروائي العماني د. محمد اليحيائي

«حواليس» لعبةٌ بالمعنى الحقيقي للكلمة لدى العُمانيين، ومن الضروري معرفة معنى الكلمة؛ إذ إنّ اليحيائي اختار الاسم بعناية شديدة ليصف روايته بالمعنى المقصود: لعبة. وكأنه يقول لنا إنّ «الحياة لعبة» نشارك فيها جميعًا؛ نموت ونحيا، ونعمل ونبني ونهدم. إنها لعبتنا التي نشترك فيها ونلعبها بإرادتنا أو رغماً عنا.

لن أدقّق في شخصيات الرواية كثيرًا، وأرى أن النظرة العامة الشاملة في الرواية تحقق الهدف أكثر من غيرها من الرؤى. وبما أنّ الرواية خليطٌ بين الماضي والحاضر، وبين شخصيات حقيقية ومتخيَّلة ووهمية، وقد انتقلت مكانيًا من الداخل إلى الساحل ثم إلى الخارج العُماني، وخاطبت شرائح متعددة: فقيرة وغنية، متعلمة وجاهلة، وأيديولوجيات مختلفة؛ فإنّ الأفضل أن نركز على الصورة البانورامية للرواية لنرى التنوع والاختلاف من منظور قصصي واسع وممتع.

تبدأ الرواية بجملة: «سيتركنا ويتفرغ لها»، حيث إنّ بطل الرواية، وهو روائيّ، تعيش معه في شقته شخصياتُ روايته التي استحضرها الكاتب من الماضي، وخلق لها حياة تساير زمنها وتلامس أطراف الواقع الذي يعيشه. ورغم أنه لا يراها ولا يسمعها، فإنها تتابعه باهتمام بالغ؛ لا لتعرف ما الذي سيفعله، بل ليجد لها صلة بالواقع ويرسم لها صورة جديدة تُخرجها من حاجز الموت إلى الحياة. وكأن اليحيائي يقول إنّ الحاجز بين الزمنين شفاف، لكنه يقع ضمن المستحيل؛ فلا نستطيع أن نخترقه، ولا نستطيع أن نتواصل معه إلا بخيالنا.

الحياة لعبةٌ بين أيدينا، نعيش مع شخصياتها ونستخدمها بحسب أهوائنا وظروفنا. وحين تكتب الشخصيةُ الرئيسة أحداثَ رواية لأبطال عاشوا في الماضي، وأيضاً يخلق بطلُ الرواية شخصياته في واقعه الحقيقي، ويتلمس خيوط الواقع ويربطها بالماضي القريب والبعيد. وكأنه يشكّ أن تلك الشخصيات المستلهَمة في روايته تتداخل، في جزءٍ منها، في حياته وتمسّ الشخصيات الحقيقية الموجودة معه. هنا يخلق اليحيائي صورةً مركبةً بين الكاتب الحقيقي وهو (اليحيائي) والكاتب «بطل الرواية»، بحيث تكون الصورة كالتالي: كل شخصيات الرواية خلقها اليحيائي، وبطل الرواية «غانم سالم» يخلق شخصيات أخرى غائبة استحضرها من الموت، وواقعُ حياة البطل يضمّ شخصياتٍ أخرى. وبهذا صنع اليحيائي تركيبةً عجيبة لا يمكن أن نجد لها اسمًا أفضل من «حواليس»، تلك اللعبة التي تُلعب على الشواطئ؛ ليحكي من خلالها ماضي عُمان وواقعها، ويرسم تصورًا لمستقبلها.

أتوقّع أن كل من يقرأ الرواية سيشاهدها من زاوية مختلفة. العاطفة موجودة بقوة في الرواية، متجسدة في المرأة بما تعنيه في الحياة، لكنها صورة تبين سطوة الرجل وجبروته الرغبوي والعاطفي، وتجسد ضعف المرأة وصراعها العاطفي. كذلك يبرز الماضي العُماني بمناطق الساحل والداخل وشخصياته: شيوخه وأئمته وسلطانه. والواقع أيضًا حاضر في بطل الرواية ومحيطه، والمستقبل كأطياف عابرة. أمّا الصراع فهو النقطة المحورية: صراع السلطة، وصراع المال، وصراع العاطفة. وكأن اليحيائي يقول إنّ الحاجز بين الزمنين شفاف، لكنه يقع ضمن المستحيل؛ فلا نستطيع أن نخترقه، ولا نستطيع أن نتواصل معه إلا بخيالنا.

وتنتهي الرواية كما بدأت بجملة: «سيتركنا ويتفرغ لها»، وكأن أهل القبور يئسوا من الأحياء، والأحياء يئسوا من واقعهم.

تقع الرواية في 262 صفحة من القطع المتوسط صادرة عن دار عرب. أنصح بقراءتها مع الكثير من التركيز؛ فالدكتور اليحيائي لا يكتب للمتعة فقط، بل يضع فلسفته في الرواية.

قراءة في رواية “حوض الشهوات” للدكتور محمد اليحيائي.

لن أتحدث عن بداية الرواية، بل سأتحدث من الفصل السادس عن ليلى فهي التي بيدها كل الخيوط وهي التي تتحكم فيها ربما يختلف معي صاحب الرواية لكن ليلى هي التي تحكي تلك القصص وتلك الأحجيات الغرائبية عن عالم منسوخ من عقول الكثيرين الذين لم يعرفوا واقع عمان وما مرّ بها في تاريخها.

محمد اليحيائي الماضي البعيد والحاضر المأمول، والماضي القريب والحيرة، الداخل والخارج وصدام العقل العماني الذي لا ينتهي ولا ينسلخ عن ماضيه سواءً القريب أو البعيد وانتماؤه الضارب في أعماق عمان فمهما سافر وتنكر تبقى في أعماقه تستدعيه حين تشاء فيعود بكل ما يحمل من آمال ليرى أحلامه الميتة على واقع صُنع بشكل لا يتصوره.

ينقلنا اليحيائي لعالم متشظٍ من الداخل والخارج ليرينا كيف ننظر إلى عمان من الجهتين لنرسم صورة ثلاثية الأبعاد بوجود الإنسان العماني الذي رسم البعد الثالث في حكاية أرضه ليشاهد وجهه في مرآة الحياة ويحدثها؛ يصدمها وتصدمه، يخدعها وتخدعه، وكأن كل طرف يُصدر للآخر صورة يريدها بين أن يكون فاعلاً في الحياة أو أن ينكفئ على نفسك في محيط ضيق.

في الرواية الكثير من الشخصيات والهدف واحد، والتصورات كثيرة تتأرجح بين القناعة بالواقع وبين التمرد عليه، وفي أحسن الحالات الصمت وابتلاع الآراء وطمس الأفكار في رفوف الذاكرة لكيلا تنتحر في واقع لا يشارك فيه أحد، عقل واحد وفأسٌ واحدة وأحلام تنتحر على الطرقات.

لا تكتفي هذه الرواية بخلق الأفكار المتمردة أو الهادئة، وجهتا النظر اللتان يعيشهُما المجتمع كأي مجتمع خليجي يدعي أن الحياة تسير والأمور تتحسن والكل راضٍ، بينما في الضفة الأخرى تقف العقول المتمردة عاجزة من أن تُخرج أفكارها وتطلعاتها، بل حتى أحلامها، فخلف الأحلام تقف العساكر لتحبسها في قمقم التمرد والمعارضة.

ربما أجد مجالاً لأنتقد الرواية في تشظيها وكثرة شخصياتها لكني أجد مبرراً لتلك الشخصيات، أما التشظي فعلاجه الوحيد إعادة قراءة الرواية، لكي تجتمع الصورة كاملة في عقل القارئ.

تقع الرواية في في 204 صفحة من القطع المتوسط أنصح بقراءتها بتمهل وتركيز فخلف كل شخصية تقف قضية وحياة.

رواية الحرب للدكتور محمد اليحيائي

قدمت هذه الورقة في جلسة توقيع رواية الحرب في مكتبة الحي الثقافي “كتارا” بتاريخ 13/9/2023

تحكي الرواية بصورة عامة عن حرب ظفار التي تبنّى فيها الثوار الفكر الشيوعي السائد في ذلك الوقت لكن الرواية متجاوزة لهذا الحدث في الكثير من جوانبها حيث خلق الكاتب مجتمعاً عمانياً بكل عناصره تقريباً في الولايات المتحدة تجاوز من خلاله قيود الداخل وفتح الآفاق لنظرة متحررة من كل عقبات وعقد المجتمع والسلطات المحلية، وأعطانا نظرة متفتحة لتصور يُطرح لعُمان بشكل مغاير ومن زوايا مختلفة عبر شخصياته المتحررة.

هناك حروب كثيرة في الرواية فحرب ظفار رغم ثقل وطأتها إلا أنها ليست الحرب الوحيدة فهناك حروب الأئمة والسلاطين وحروب مع المحتل الأجنبي لكن الكاتب وضع الثقل على حرب ظفار لأنها الحرب الأخيرة ولأنها استغرقت الكثير من الوقت والجهد والفكر لكي تنتهي ويمكننا أن نشاهد تأثيرها في الواقع الحالي لو دققنا النظر.

الحرب ليست هدف الرواية إنما الهدف الأسمى هو عُمان الوطن الذي ترغب كل شخصيات الرواية في رسم صورته بشكل جميل وأحداث التغيرات التي تنقل الوطن من مجرد أرض لمعنى يتجاوز تلك الصورة النمطية التي تُفرض على العقول بشكل إجباري في أوطاننا العربية دون أن يكون للمواطن إسهام في وضع ملامحها، ولهذا كان المجتمع العماني في الولايات المتحدة هو الصورة الأقوى والأنجع لوضع تصور صحيح للوطن دون خوف أو ريبة.

لعبت الشخصيات دوراً هاماً في الرواية بحيث إن كل شخصية كانت تعكس شريحة من المجتمع منهم المناضل المحارب الذي دمرته الحرب ومنهم اللامبالي الذي لا يكترث إلا بشؤونه اليومية وعمله، وآخر تضرب عروقُه في التاريخ العماني ويتذكر عهد الإمامة وانهيارها لكنه  منفصل عن القيم ويعيش في تفسخ رغم اعتزازه بتاريخ الوطن والأسرة، ومنهم الموظف الذي يعيش واقع الوطن لكنه انتقل إلى الخارج لفترة قصيرة ومكنه ذلك من خلق المقارنات واكتساب المعرفة الناقصة التي يحتاجها، ومنهم الفتاة المتفتحة بنت المناضل التي تحيا حياة غربية في شكلها وتحمل معها عمق عُمان وحنينها لكنها ترفض أن تعود إليها.

كرستينا سعيد تلك الفتاة الجميلة البهية الشهية الناجحة في عملها التي تربط بين كل شخصيات الرواية وتجمعهم حولها وتهتم بشؤونهم وتراعي مشاعرهم فهي كالأم في احتوائها لأبنائها وهي كالوطن الذي يجمعهم، ورغم أنها فتاة جميلة يحبها الجميع إلا أنها ترسم لنا أكثر من صورة في الرواية فلو تجاوزنا المشاعر العاطفية بين البشر سننظر إلى كرستينا على أنها عُمان الوطن الذي من الواجب أن يُؤوي إليه الجميع وعليه أن يحتويهم، أو ننظر إليها بمعنى آخر يرسمها كالحلم الذي يتمنى الجميع أن تكون عليه عُمان جميلة بهية أنيقة ناجحة يحبها الجميع وتحتوي جميع أطياف المجتمع دون تمييز أو عنصرية.

في واقع الرواية كرستينا هي الرابط بين أجزاء الرواية وشخصياتها فهي ابنة المناضل سعيد علي الذي عاد للوطن بعد أن اقتنع أن المبادئ التي قامت عليها ثورة ظفار لا يمكن أن تتحقق في منطقة الخليج ثم اقتنع أن القيادة الجديدة في البلاد تريد أن تبني مستقبلاً يشارك فيه الجميع، عاد للوطن وأصبح ذا منصب رفيع يرتبط مباشرة بالسلطات العليا ليعيش في ترف القيادة ويبقى هاجس التغيير الذي يعود به للماضي موجوداً في خفايا نفسه حتى يكتب مذكرات الحرب لابنته، وهذه الشخصية تحمل رمزية خاصة في الرواية فهي التي تقع عليها مسؤولية التاريخ القريب وحرب ظفار.

سعيد قيصر لا يمثل شخصية عادية في الرواية فقد وضعه الكاتب ليخط مسار الرواية والاتجاه الذي تسير فيه وهو الشخصية الوحيدة في الرواية التي خرجت من الوطن تحمل الآمال المدمرة ونظر إلى الصورة من الخارج وعاد للوطن ليسحق كل طموحه ويسترجع ذكرياته العاطفية الميتة ومن خلاله وضع الكاتب المشاهد المنعزلة كمشاهد سينمائية منفصلة يُلقي الضوء من خلالها على حدث معين كنقطة تركيز يقف عندها القارئ ويتخيل المشهد ويستنتج من خلاله ما حدث وما يمكن أن يحدث، وسعيد قيصر يُعتبر الأكثر ارتباطاً بالوطن ينظر إليه من خلال معالمه ويزرع فيه آماله التي يريد من خلالها أن يحقق ذاته، دون جدوى، وتبقى في المخيلة كرستينا كآماله المعلقة في الوطن البعيدة المنال، وبهذا ختم الكاتب روايته أن يتركه يكتب “الحرب” دون أن يحدد نوع الحرب ولا زمنها، وتنتهي الرواية والقارئ يفكر في الحرب التي سيكتب عنها سعيد قيصر.

سعيد زاهر التاريخ والحاضر، وجدت في ملامح شخصيته الكثير من التناقض المناسب للعمل من حيث وضعه الاجتماعي وثرائه ونسبه العريق الذي يتصل بنسل الأئمة، ورغم أنه يعشق كل شيء عريق إلا أنه لا يريد عراقة الوطن وأيضاً لا يريد أن يتخلى عن عراقة النسب، وهذه الشخصية لا تأتي من انفصام، لكم في معتقدها أن الوطن مهما كان جميلاً فهو لا يعطيها مستوى الحرية والانفتاح اللامحدود الذي تصبو إليه فتبنى الهرب من فكرة العودة وتمسك بأصالة الوطن في غربته، والتناقض يكمن في تصرفاته التي لو حدثت في الوطن لأصبحت شاذة أو مستنكرة.

سهيل محاد يمثل الأغلبية الصامتة التي لا ترغب في الحديث يعمل ويلهو بأي شيء ليضيع وقت الفراغ دون أهداف زائدة أو طموحات جارفة، نمطية الحياة تملؤه فلا يفكر في المزيد وهو مقتنع أنه بخير، ومن وجهة نظري هو يمثل الشعب البسيط الذي يسير خلف رزقه ولا ينظر لأكثر من ذلك فإن حصل له خير لم يطمح إلى المزيد وإن حصل شر أوى إلى جحره ليتقيه.

عيسى صالح هو كل تراكمات الوطن بحروبه ونزاعاته وتصادماته ومعاركه، تحمل كل تبعات الهزيمة فاختلطت كلها فيه معنوياً وعاطفياً ونفسياً حتى فقد قيمة الإحساس وأصبح يضع الحب في مكان مخالف لحقيقته، يحب كرستينا وفي أعماقه تسكن امرأة أقدم وأعرق منها كانت في البعيد هي الأمل والدافع وهي الرجاء، شخصية مدمرة لا تستطيع أن تحمل تلك الشظايا المتبعثرة من التاريخ والأزمات فتتناثر نفسه في كل الاتجاهات ولا يجد وطناً يأويه، فيعيش في الضياع يبحث ويبحث حتى يكتشف أنه وحيد.

عندما تناقشت مع الدكتور محمد اليحيائي ذكرني بشخصية هامشية في الرواية كانت تعمل في الظل، وكان لها تأثير في شخصيتي الرواية المهمتين زوجها سعيد قيصر وبنتها كرستينا سعيد، أخبرت الدكتور أنه وضعها كشخصية متوارية في الرواية وكأنه لا يريد أن يلتفت لها أحد، فلم يخالفني الرأي لكنه لفت انتباهي إلى تأثيرها فملامح التغيير التي أحدثها في تلك الشخصيات التي عايشتها كانت تحمل التغيير وأيضاً تحمل نظرتها إلى المستقبل.

لا أستطيع مهما حاولت أن أُكوّن فكرة واحدة صلبة في الرواية فكل شخصية وكل حدث في الرواية حين أنظر إليه يتشظى في مخيلتي ويخلق تفسيرات كثيرة لحدث أو شخصية في العمل، وواقع الرواية يدفع بهذا الاتجاه فتشظي السرد الذي نثره الدكتور بين دفتي الكتاب يساعد على خلق تفسير متعدٍ لكل شخصية، ونتائج متباينة لكل حدث، فكرستينا نظرتُ إليها على أنها وطن بينما لا يعتبرها الدكتور اليحيائي ذلك، ولنقس على هذا الأمر كل شخصيات الرواية.

جلسة لقراءة وتوقيع رواية «الحرب» لمحمد اليحيائي في الدوحة – الموقع الرسمي لجريدة عمان

https://www.omandaily.om/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/na/%D8%AC%D9%84%D8%B3%D8%A9-%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D9%88%D9%82%D9%8A%D8%B9-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%AD%D8%A9

جلسة توقيع رواية الحرب

لمتابعة البث المباشر على الانستحرام يرجى زيارة

https://instagram.com/eqraawirtaqi?igshid=MzRlODBiNWFlZA==

قراءة في كتاب رواية الحرب لـ د. محمد اليحيائي

قبل أن أقرأ هذه الرواية توقعت أن أجدها عميقة وتركيباتها تخرج عن المعتاد ولم يخب ظني حين بدأت، فحين تقرأ رواية للدكتور محمد اليحيائي يجب أن تتوقع أنك ستقرأ لشخص يُخرج المعاني من الأعماق وينقلك بأسلوبه الفلسفي بين مواقع مختلفة وأزمنة وشخصيات متنوعة ولا تتوقع أن تكون روايته مجرد سرد لأحداث منتظمة، بل يكون السرد في أفق متحرك بين شخوص الرواية وأحداثها.

الحرب هي الموضوع، ثورة ظفار بما حملته من أثقال ومن قيم ومبادئ لم تتحقق على الأرض، التمرد على الواقع الذي نبتت أفكاره في الداخل ثم تشعبت ليوجهها الخارج لتفقد بذلك الكثير من قيمتها ومعناها الذي قامت من أجله، التغيير في الفكر والتغير السياسة وتصادم أفكار الثوار هي الأسباب التي قوضت الدعائم الأساسية التي قامت عليها الثورة في الجنوب وجعل المحاربين يتخبطون بين الواقع المحلي والواقع الإقليمي، هل يغيرون النظام في عمان أم يغيرون واقع المنطقة بأكمله؟ متناسين أن المواجهة لم تكن مع نظام منعزل، بل نظام تحاول القوى الفاعلة الكبرى حمايته بكل الوسائل.

وحين يفقد الإنسان البوصلة يتوه في أفكاره وهذا ما تجسد بشكل واضح في شخصيات الرواية فمنهم من يعيش أوهام الحرب ومنهم من تخلى عنها وانتقل إلى صف السلطة ومنهم من رفض الواقع الداخلي وخرج ثم أخرج من جوفه كل ما ينتمي إلى الماضي ليعيش حياة لا تمت لانتمائه القديم بصلة، وآخرون كانوا متفرجين يبحثون عن الحقائق التي لم يستطيعوا أن يقدموها للأجيال لتعرف القصة كاملة، وتستمع إلى طرفي النزاع بشكل محايد.

تحار وأنت تقرأ من هي الشخصية الرئيسية في هذا العمل، هل هو سعيد صالح أو سعيد قيصر أم هي كرستينا سعيد أم والدها سعيد علي، ستكتشف أن البطل الحقيقي في الرواية هو الحرب بكل ما حملته من أفكار ومبادئ وبما تعنيه من تمرد أراد أن يكسر الطغيان ويحقق الحلم، الحرب بما حملته من كوارث على أصحابها، وما فعلته في المزاج وما قتلته من أمل، المحور الرئيسي الذي يربط جميع الشخصيات والأحداث هو الحرب التي جرت في الجنوب وكانت تحمل أفكاراً أكبر من الواقع ولا تنتمي لتلك الأرض، فتكسرت بين التغيير السياسي وبين ردة الفعل العنيفة والأطراف التي وقفت في مواجهتها وضعف الأطراف الداعمة لها.

ستكتشف أن الأمل في التغيير باقٍ في النفوس لكنه لم يتبلور بعد، الألسنة ما زالت مربوطة بأعراف وقوانين وخوف يقيد العقول التي تريد أن تطرح مشاكل المجتمعات الخليجية بشكل صحيح وتبحث عن حلول حقيقية تجعل تلك الدول المشتتة كيانات لها أنظمتها التي تحترم مواطنيها وتبني مستقبلها بشكل صحيح تندمج فيه كل المكونات وتُطرح من خلاله كل الأفكار دون خوف.

استخدام ذكي للعاطفة من قِبل الراوي زاوج بين العاطفة والتردد بين البقاء في الوطن والرحيل، ولن يكتمل المشهد أمامك، بل يبقى مبتوراً يحتمل كل التوقعات، كالنتائج التي أنهت الحرب وأبقت احتمالات تجدد الثورة وتجدد الغربة والمعتقدات، لكن الحب كما الأمل في النفوس لا يرحل ولا نهاية له.

المتعة التي ربما لا يتقبلها البعض هي تباعد فصول الشخصيات، فهناك أبطال حضروا بقوة في البداية ثم غابوا بين أبوابها كهوامش ثم يعودون بعد أن يظن القارئ أن دورهم انتهى أو أنهم كانوا مقدمة تمهيدية للدخول إلى عالم الرواية، وكذلك بعض المشاهد التي تخرج عن سياق الرواية كمقال يصف مطعماً إيطالياً، أيضاً العودة إلى البعيد في حرب سابقة بين الإمام والسلطان لكن تلك المسافات الخارجة عن النص تعتبر دمجاً لواقع الشخصيات في المشهد القائم الذي يرسمه الراوي كمشهد عام.

الرواية ممتعة وعميقة وتحمل أسلوباً متميزاً، وتقع في 360 صفحة وأنصح بقراءتها عموماً والمهتمين بالشأن العماني والباحثين في التاريخ السياسي لمنطقة الخليج خصوصاً.

قراءة في كتاب “الربيع الآتي” للدكتور محمد اليحيائي

يعتبر هذا الكتاب الأول الذي أقرأه لـ د. محمد اليحيائي، لكني أجزم أنه لن يكون الأخير فمدى إعجابي بطرحه وأسلوبه السلس وطريقة تعاطيه مع الأمور السياسية المعقدة في عمان والخليج والوطن العربي فاقت تصوري واعتقدت أني أقرأ لفيلسوف غربي تجرد من كل العقد النفسية والأمنية والسياسية والفكرية والثقافية المنتشرة في الشرق الأوسط، فككها وحللها وربط بين الواقع والأفكار وأصّل القواعد التي يجب أن توضع لتُبني القاعدة بشكل صحيح لتصبح واقعاً يعيشه الناس.

الكتاب خليط بين أوراق بحثية قُدمت في مؤتمرات دولة وبين مقالات تتعاطى مع حقيقة الثورات العربية، أسبابها وتطلعاتها والنظر إلى مستقبل الديمقراطية في المنطقة، لكنه خص عمان بالجانب الأكبر فقد حلل القوانين ودوافعها وتبريراتها، ونقض التسلط والاحتكار السياسي ليكشف أن القوانين توضع في الوطن العربي لتكريس الحكم في شخص يكون هو القائد والملهم والأب، بل هو الدولة.

“عن صخرة الاستبداد وكائناتها” في نظري هو المقال الأبرز رغم قصره فقد وضع الدكتور تصوراً صحيحاً للوضع القائم في الوطن العربي مشبهاً إياه بصخرة كبيرة تجثم على الأرض تعيش تحتها كائنات لا تعرف ما يدور حولها ولا تجد الهواء، وحين ترتفع الصخرة وتشم الكائنات الهواء تحدث الفوضى والتصادم لنيل أكبر قدر من النفوذ، في هذا المقال الصخرة هي نظام الحكم المستبد، والكائنات التي أسفلها الشعب، حين ترتفع الصخرة ويشم الشعب رياح الحرية لا يعرف التصرف، فقد غُيبت حقوقه، ومُسح صوته، وكُتمت أنفاسه السياسية والفكرية والاجتماعية على مدى أجيال، في المقال تفسير صحيح ومنطقي لحالة الفوضى التي حدثت بعد الربيع العربي، وما حدث لا يعني أن الديمقراطية شيء سيء، بل يعني أن النظم الحاكمة دمرت كل قواعد الفكر الصحيح لدى الشعوب، فكانت الفوضى هي الواقع.

فوضى في كل شيء، في السياسة، في القانون، والفكر والثقافة، كل تلك الأمور موجودة في الكتاب حتى فوضى العادات والتقاليد، القبيلة وما تشكله من انتماء يفوق الانتماء الوطني، النظرة إلى المواطن والوطن، من يسبق الآخر، الحاكم الإله الأب الملهم الزعيم القائد المبجل، أفكار كثيرة طُرحت في الكتاب تستحق النظر، وحلول واقعية يجدر أن ننظر إليها بعين الصدق والرغبة في التغيير، تغير نظرتنا إلى الأمور، وطريقة تعاملنا مع الواقع المر الذي يقبع فوق رؤوسنا.

تحية لـ د. محمد اليحيائي على هذا الإصدار، وتحية أكبر وأجل لما يقدمه من فكر يستحق الإشادة والتقدير ويستحق أن نأخذ به ونعمل على تطويره.