صخب ..

قليلاً من الهدوء لا أكثر هذا ما أحتاجه، ورغم أني أعيش في محيط هادئ، إلا أن الصخب ينتشر في داخلي، فتلك الأفكار والمشاعر والأحلام والخيالات لا تترك لي مجالاً لأن أنفرد بنفسي في هدوء، دون أن يقطع انفرادي حلماً، أو شعوراً، أو فكرةً، أو خيالاً، الصخب لا يكون في الخارج دائماً أحياناً يكمن في داخلنا نحن، باضطراب أفكارنا ومشاعرنا وأمانينا التي نتمنى أن تتحقق، الصخب هو أن تتضارب كل تلك الأمور في داخلك، دون أن تستطيع السيطرة عليها.

ليست مرحلة الضيق التي تمر بالإنسان نتيجة حدث حزين فقط، هذا الأمر حاصل لا شك، لكن الاستمرار في الحزن هو دليل على كمون ذلك الحزن في النفس، نتيجةَ عدم مقاومتنا له أو تجاهلنا إيّاه أو خلق أمور تعطينا الشعور بالسكينة، فيبقى الحزن هو ديدن الإنسان، وإن ضحك أو تكلم وجامل، ويعود ليسيطر عليه بمجرد أن يختلي بنفسه، شأن الحزن في هذا شأن الأحلام والأمنيات والأهداف التي لم تتحقق وتركت فينا أشياء تخرج ما إن نستكين لأنفسنا.

الصخب الداخلي، الذي تتصارع فيه كل الأشياء الموجودة في النفس، هو الذي لا يترك لنا مجالاً لكي نقاومه، ولا أن نمحوه، يحتاج منا الكثير من الوقت والتغاضي والتجاهل، وأن نقتل أحلامنا، ونوقف الأفكار الطارئة، ونبتعد عن كل أمور الدنيا، وربما لا يجدي ما نفعل ويستمر رغماً عنا.

يستغرب الكثيرون من رغبة البعض في الوحدة والانفراد بأنفسهم ظنّاً منهم أن الوحدة حالة مرضية إذا استمرت لفترة طويلة، ولهم الحق في ذلك؛ فالإنسان اجتماعي بطبعه، لكنه يحتاج أن يترك لنفسه مجالاً لكي يرتب ملفاته والأوراق المتناثرة في رأسه، يريد أن يستمع لذلك الصوت الذي في داخله، ليفهم تلك الأفكار الثائرة والخيالات، ويعيد ترتيب أمانيه المدمرة وأحلامه الآفلة، فلا مجال لديه أن يعطي البشر الكثير من وقته، ولا أن يسمح لهم أن يدخلوا إلى مجاله النفسي، فهذه المنطقة محرمة عند من يؤمن بالعزلة والانفراد، ورغم ما يشعر به من راحة حين يكون وحيداً، إلا أنه يواجه ذلك الصخب الذي في داخله ويستسلم له، في كثيرٍ من الأحيان.

بين الترف والحضيض ..

على ماذا نريد أن نمشي، هل نختار أن نمشي على الحرير؟ أم الشوك؟ سنختار الحرير بلا شك، لكننا لا نسأل أنفسنا ما الذي سنتعلمه ونحن مترفون؟ وماذا سنعرف ونحن متعبون؟ هناك فرق كبير بين الترف والشقاء، بين التعب والراحة، هناك قيمة مفقودة في كلا الطرفين لا يمكننا أن نعرفها إن لم نجرب.

اختر الحرير، عزيزي، فالحياة المترفة تعطيك ألقًا وبريقًا، لا تجدهما في حياة التعب والعناء، بل يجعلك تفكر في أظافرك، ولون بشرتك، ومزاج عطرك، وستركب الفاخر، وتجلس على الوسائد، لتنعم بكل الراحة وتشرق، فتتكلم عطراً، وتتحرك كأنك في ماء بسلاسة، وكل هذا من حقك فأنت مترف .

اختر الشقاء عزيزي، فالشقاء كدٌ وتعب، وأيادٍ خشنة، ورائحة عرق، وتفكير مستمر لا ينقطع في الغد، الرغيف له قيمة، والماء له طعم، والعطر يخبرك أن أحدهم مر بجوارك ولم يلتفت لك أو يقترب منك، التعب يلقي بك على الفراش فتنام كأنك في غيبوبة لا تستيقظ إلا بعد أن يسكبوا على رأسك الماء، أو تنفجر السماء فوقك، وتأكل كأنك لم تذق طعاماً قط، وكل شيء له قيمة في نظرك، وكل شيء له جهد في نظرك .

لم تولد الأمجاد من الترف، ولا تولد من الحضيض ومن يخرج من الحضيض يكون طامعاً في الدنيا، ومن يعيش في الترف، يرسم الدنيا على هواه، من يأكل وهو متعب ينهم الأكل لكي يسد جوعه لا يفكر فيما يحتويه، همه الوحيد أن يجد طعاماً، ومن يأكل وهو مترف، يتذوق أجزاء الطعام، ويعكر مزاجه نكهة زادت عن الحد، من يمشي في تعب لعمله يصل مجهداً ليعاقبه مديره، ومن يركب الفاخر، يصل على مزاجه، وفي الوقت الذي يريد، ليرحب به الجميع .

المجد يولد حين تتزن الأمور، بين الترف والحضيض، في هذه المساحة الضيقة، تولد مجموعة، تعرف قيمة الدنيا ، وتدرك قيمة العلم، وتعلم أن الحضيض مقبرة، وأن النعيم مفسدة ، مساحة بها أناس متزنون، حين يفكرون في الرقي يكون العلم وسيلتهم، وحين يفكرون في الربح تكون القيمة ميزانهم، تعيش هذه المجموعة بين الحضيض والترف، يسمونهم الوسطى، الطبقة الوسطى، غيابها يعني التدهور ونموها يعني التقدم.

القهوة ..

الأكواب تتغير .. وربما يتغير مذاق القهوة في بعض الأماكن .. وما يستمر هو بحثنا عن شيء أسود ومر نستسيغه ونحبه، فاللذة والجمال ليست كلها سكرٌ أبيض هناك أشياء قيمتها أعلى بكثير من مجرد مال، فالمعنى أعلى شأناً من الشكل، والمال الذي نشتري به فنجان القهوة لا يوازي لحظات الاستمتاع التي نعيشها ونحن نحتسيها .

دراسات وأبحاث أدبية ..

قرأت دراسات في تحليل الروايات وبالتأكيد تتناول هذه الدراسات بناء الرواية، أسلوبها وعناصرها، وتتطرق للكثير من التفاصيل والمقارنات بين العمل الذي تقوم عليه الدراسات وأعمال أخرى مشابهة أو قريبة وتحمل العناصر نفسها، الدراسات التي قرأتها تذكر المدارس التي ينتمي إليها بعض الكتاب كمرجعية، وهذا شيء جيد يُمنهج العمل الروائي ويضع له قوالب متنوعة ومختلفة ومتطورة، وقابلة للتحول في المستقبل.

تتناول الدراسات المكان والزمان والشخصيات والأساليب والتفاصيل واللغة والحبكة، بأسلوب تحليلي دقيق والجيدُ في هذه الدراسات أنها تتناول الأعمال الأدبية التي بها مضمون قوي وصحيح ككتلة روائية مبنية بشكل سليم، ولا أختلف مع الباحثين في هذه الجوانب، ولا أنكر عملهم، بل أستفيد شخصياً من هذه المواد القيمة، فهي تبين الكثير من الجوانب الخفية في الرواية محل الدراسة وتفكك عناصرها بشكل يثير الإعجاب.

فقط لدي ملاحظات لا تمس الدراسات، وهي تُعني بالكاتب وكيفية تشكيله للرواية، فهو إنسان له ثقافة ومرجعيات ولغة، وحين يبدأ السرد تكون الأهمية الأولى هي العمل الذي يشتغل عليه، حبكة الرواية وشخوصها وأحداثها تفرض على الكاتب أن يخرج أحياناً عن السياق الذي أطر فيه الأفكار الأساسية قبل البدء في الكتابة، مثلاً التعاطي مع الزمن يختلف من عمل لآخر، في بعض الأعمال يكون الزمن عنصراً واجب الحضور، وأخرى يكون الزمن فيها مموهاً أو مائعاً، وكذلك المكان أحياناً يكون محيطاً يحدد موقع الحدث أو القضية وأحياناً أخرى يحمل الكثير من التفاصيل، ويحدد هذه الأهمية العمل نفسه ومدى خدمة تلك العناصر للرواية، فلو افترضنا عملاً أدبياً توثيقياً يتناول مرحلة في الحرب العالمية الثانية سيكون الزمان والمكان واضحي المعالم، بعكس لو كان العمل يناقش قضايا اجتماعية، فيخف وضوح الزمن.

كذلك اللغة، فلغة الرواية البسيطة تجعل القراءة تنساب بسلاسة، لكنها تخضع لمعايير واعتبارات، منها مثلاً المجتمع الذي يعيش فيه الكاتب ويريد أن يوصل فكرته له، عليه أن يجعل اللغة سلسة بعيدة عن التقعير والكلمات غير المستخدمة والمصطلحات الغريبة، ولو اضطر الكاتب لاستخدامها عليه أن يضع لها تفسيراً، كذلك تخضع اللغة لدرجة إجادة الكاتب للغة المستخدمة، وتخضع أيضاً لأسلوبه هو شخصياً، هل هو سلس أم عميق أو مبتذل، الرواية تعكس شيئاً من الكاتب حتى لو أراد أن يخفيه، واستخدام اللغة مهم في الرواية؛ لأنه الأساس الذي ينقل من خلاله الكاتب أفكاره للقارئ فحين تكون اللغة ضعيفة لن تصل الفكرة وحين تكون اللغة مبتذلة يصبح العمل مملاً، التوازن يضعه الكاتب بناءً على تصوراته الشخصية فيما يرى أنه يخدم العمل.

على هوامش الرواية ..

لا توجد هوامش مكتوبة في الرواية إلا لتفسير أمر أو شرح معنى لكلمة، فالرواية كعمل أدبي لا تعتمد على الهوامش، لكن حين تدقق النظر في هذه المسألة تجد أن كل شخصية هامشية في الرواية هي هامش بحد ذاته، وكل فكرة جانبية هامش أيضاً فهوامش الرواية غير مكتوبة على حواشيها، بل متضمنة داخل الرواية يبين الكاتب من خلالها نقطة واحدة، أو يؤصَّل فكرة من خلال شخصية محددة أو موقف.

الرواية نسيج يبدأ من أصغر نقطة ويسير بشكل تسلسلي حتى يكتمل، فتلك الأمور التي أسميها هوامش غير مكتوبة على الأطراف تدخل ضمن نسيج الرواية لتكمله أو تزينه، فيستخدمها الكاتب بشكل غير منتظم في الرواية ليكمل الصورة العامة.

لماذا يعزف المجتمع عن القراءة ؟ ..

علينا أن نطرح السؤال المهم، لماذا يعزف المجتمع عن القراءة؟ وعلينا أيضاً أن نبحث خلف هذا السؤال عن الأسباب الحقيقية التي تجعل مجتمعاً ما يعزف عن القراءة بشكل لافت للنظر، رغم وجود الكثير من المؤلفات التي يمكنه أن يستفيد منها.

لا أحد يملك الإجابة كاملة، ولكل شخص اجتهاده في تخمين الأسباب التي تؤثر في رغبة المجتمع في القراءة والاطلاع وكسب المعرفة أو التسلية والاستمتاع، فالقراءة ليست علماً فقط، فهي تحمل في ثناياها الكثير من المتعة والتشويق.

أحياناً لا توجد هناك قناعة لدى القارئ بجودة المؤلفات، وأحياناً لا تكون هناك قناعة لديه بالمؤلفين، وهذا السبب ربما لا يتناسب مع مجتمعنا، فهناك الكثير من الأقلام الممتازة في كل المجالات، وأظن أن هناك سبباً أكبر في هذا الأمر، وهو أن الوسط الثقافي معزول أو بعيد عن المجتمع الذي ينتمي إليه، لذا لا يوجد تأثير ثقافي يمس المجتمع بشكل مباشر، ويثير حفيظته لكي يقرأ، هذه النقطة لها وجود قوي في مجتمعنا، لكنها ليست النقطة الوحيدة التي تسبب العزوف عن القراءة.

لا توجد مؤسسات ثقافية لدينا تروج للكتب بشكل مؤثر، وهذا ما يجعل الكاتب يجتهد ويروج لعمله بنفسه، حين يكون العمل مؤسسياً تكون النتائج أفضل بكثير، فالمؤسسات الإعلامية والثقافية لها جمهورها من الأساس، كما أنها تنقب في الكتاب، وتبين مزاياه التي لا ينتبه لها القارئ من الوهلة الأولى، وهنا يبرز دور النقد؛ لأنه عملية تقييم فني ومهني لأي كتاب يصدر، فيعطينا دافعاً إما لقراءته أو تركه.

الندوات والمقابلات والحوارات التي يجريها المثقفون لها دور كبير في تشجيع المجتمع على القراءة، وتساعد على انتشار الأعمال الجيدة، والندوات والحوارات والمقابلات يجب أن تشمل كل وسائل الإعلام المرئية والمقروءة ووسائل التواصل الاجتماعي، وهناك قصور كبير في هذا الجانب.

دور النشر لها أهمية ورسالتها أكبر من أن تطبع الكتب وتوزعها، فهي التي تتبنى الأقلام، وتنتج المؤلفين وتحرص على جودة المخرجات، وحين يقتصر عملها على الطباعة والتسويق فقط، تفقد قيمتها ويصبح تأثير مخرجاتها من الكتب في القارئ لا يذكر.

هناك أسباب أخرى لدى المجتمع نفسه تساعده على العزوف عن القراءة والاطلاع، فالمجتمع حين تكون لديه مغريات كثيرة وميسرة، لا يلتفت للكتاب، وأخص هنا جيل الشباب الذي يساعد الترف في تشكيل هويته في الفترة الحالية، الكثير من الملهيات دخلت ضمن نمط حياة الجيل الشاب، وهذه النقطة نتجت عن ضعف دور الأسرة والمؤسسات التربوية والثقافية، ترف المجتمع المادي يجب أن تلازمه الثقافة بدلاً من اللهو.

أيضاً يوجد قياس خاطئ لنسبة القراءة، فالكل يقيس نسبة القراءة بنسبة مبيعات الكتب، ويتناسون أن الكثير من الكتب تنتشر في الإنترنت بشكل مجاني ولها جمهورها الذي يقرأها، وهذه الفئة لا تدخل ضمن الإحصائيات، ولو نظرنا إلى المواقع التي تضع الكتب المجانية كجوجل درايف ومواقع أخرى سنجد أن نسبة المشاهدات جيدة، صحيح أنها لا تقارن بنسبة مشاهدة الأفلام والاستماع للأغاني، لكنها جيدة على العموم.

من وجهة نظري يجب أن يقتحم المثقفون المجتمع، لا أن ينتظروا أن يلتفت إليهم الناس دون أي جهد منهم، الرغبة في المعرفة لا تتولد حين ينزوي العلم في أماكن مغلقة، يجب أن يكون الوسط الثقافي منفتحاً على مجتمعه، ويسعى بكل الوسائل للتأثير فيه، وبناء هويته الثقافية ودفعه لما هو مفيد.

الرواية .. ما تفرضه وما تنفيه ..

تحكمنا النصوص والقضايا التي نطرحها في الرواية، وليس صحيحاً أننا نتحكم في الرواية بشكل تام كما يقال، النص الأدبي محكوم بفكرة أو طرح معين، أو تحدده القضية أو الحدث أو الشخصية التي يناقشها الكاتب في روايته، فيضع إطاراً فكرياً محدداً لتلك الرواية، ومن الصحيح أن الكاتب يقيد نفسه بنفسه، لكن ذلك التقييد يكون مفيداً في أحيان كثيرة، خصوصاً إذا كانت القضايا التي يناقشها ذات طابع خاص، فلو شط وترك فكره يتجول دون إطار محدد سيخرج لا شك عن سياق الرواية، ولن يحقق تلك السلاسة التي تجعل القارئ يسترسل في الحدث بشكل مريح.

أحيانا تحكمنا الفكرة، مثلاً لو أن القضية التي تطرحها محلية لا يمكنك أن تتجاوز القيم والأعراف الموجودة في المجتمع ولا معايير الأخلاق التي تحدد صيغة الخطاب الموجه للقارئ بحيث تخاطب الموروث الثقافي لدى ذلك المجتمع دون تجاوزه أو إدخال أي قيم شاذة، وهذا لا يعني أننا لا نطرح الأفكار الجديدة، على العكس يجب أن تطرح، لكن بالصيغة التي تجعلها مقروءة ومؤثرة، ولا تكون مصدر شذوذ في العمل، هذا بعكس أن نكتب رواية خيالية، فحين ندخل الخيال في العمل، نفتح أمامنا كل مساحات الحرية في معالجة الأمور الحساسة والعلاقات، أو أي شيء بشرط أن يخدم ما نكتبه العمل ولا يشوهه.

أنا أدعي أن الكاتب هو رب الرواية، يحيي شخصياتها ويميتها، وهو من ينفي ويثبت ويُبعد ويُقرب كل ما يريد، لكن يقيني في هذا الأمر يختلف اختلافاً كلياً عما ادعيه ، فالرواية حين نبدأ فيها ننطلق بسرعة فمعظم الأحداث والشخصيات تكون مرسومة في عقولنا، نسترسل في البداية، ننسق أحداثها ونرتبها ونجمع بين الشخصيات، ونفتعل القضايا في الوسط، وهنا تكمن المشكلة فالكاتب بعد أن ينجز البدايات يظن أنه متحكم تماماً في الرواية، إلا أنها تبدأ من حينها تتحكم به، فلا يستطيع أن يتجاوز الشخصيات التي رسمها والأطر التي وضعها، ولا يستطيع أن يتخطى شخصية مؤثرة مثلاً، دون أن يضع أسباباً كافية ومقنعة، ولنفرض أن هناك شخصية مؤثرة يريد الكاتب أن يبعدها عن روايته، لا يمكنه أن يتجاهل ذكرها دون سبب يقنع القارئ، ولو أهملها دون سبب يكون هناك خلل في بناء الرواية والحبكة.

لذا فإن الرواية تتحكم فينا كما نتحكم فيها، وهذا التوازن الذي يحدث يضع النص الروائي في حدود العقل والمنطق، وعلى الرغم من أن للكاتب الحق أن يؤلف كل شيء في الرواية، يكون الحدث في الرواية محسوباً بدقة بعد أن نتجاوز البدايات، ويقيدنا في الكثير من الجوانب.

خلق أحداث من واقع مختلف عن الرواية يجعل بناء الرواية مختلاً أو مهزوزاً، وفي أغلب الأحيان يعتمد الكاتب على إقناع القارئ بالحدث، حين يقحم قضية أو شخصية جديدة في الرواية لم تكن موجودة، ولم يضع لها مؤشرات، فالأحداث تبنى بناءً على شخصيات الرواية وعواملها النفسية، والمؤثرات التي تقع عليها.

الرواية التي تستقي أحداثها من قصص حقيقية يجب ألا يضع الكاتب فيها أي حدث مفتعل، أو يقحم فيها شخصية لا تناسبها، وعلى الكاتب أن يستخدم مهارته في صياغة الرواية ليضفي عليها واقعاً جمالياً، أحياناً يحتاج الكاتب إلى أن يكثف الشرح في نقطة معينة لكي يوصل إلى القارئ الأسباب أو الدوافع التي حركت الأحداث أو أن يصف بتركيز مشاعر الشخصيات لتحقيق القيمة المعنوية في ذهن القارئ لذلك الحدث ومدى تأثيره في المجتمع.

عن المشاعر ..

ربما يكون ما نكتبها عن مشاعرنا مثير للانتباه، أو للسخرية والشفقة، لكنها في كل الأحول تثير شيئاً في النفوس سواء كان هذا الشيء سلبياً أم إيجابياً، فالحديث عن العواطف والمشاعر والحب والألم والسعادة أمور مشتركة لدى كل البشر، مع تفاوت اأهتماماتهم واولويتها في الحياة.

النقد البناء ..

تستطيع أن تكتب أي فكرة تخطر على بالك، لكن حين تنشرها بشكل عام ستحتفظ بجزء بسيط فقط، وتفقد حقوقاً أخرى، تحتفظ بحقك ككاتب للفكرة، وتمنح الآخرين حق القراءة والنقد، وإذا كنت لا تستطيع تحمل هذا، عليك أن تحتفظ بما كتبت في أحد أدراج مكتبك.

النقد عملية تصحيح وله أساليب كثيرة ومدارس ونظريات وفلسفة، فكرته في الأساس بسيطة جداً، وهو إظهار جوانب الضعف أو الخطأ في أي عمل، ربما يتطور النقد ليصبح فكراً، فيبين جوانب الضعف، ويضع تصوراً لتصحيح الخطأ، وفي النهاية يكون النقد قد حقق هدفه الرئيسي وهو تصوّرٌ لعملٍ أفضل في المستقبل.

 الكثير من الكتاب والأدباء يعانون من النقد، فكما ينحرف بعض الكتاب عن المسار الصحيح، ينحرف النقاد أيضاً، وتصبح أقلامهم معاول هدمٍ وتجريح، وربما تتحول من نقد العمل إلى نقد الكاتب في شخصه، وهذا الشيء لا يفقد الأعمال الجميلة بريقها ولا يقتلها.

للقارئ وجهة نظر، ويمكنه أن يقارن، فإن كان النقد صحيحاً سيجد صدى لديه، وإن كان خاطئاً سيتجاوزه دون اهتمام، أما مسألة التطرق للأمور الشخصية في عملية النقد، فهذا خطأ يتعمده بعض النقاد، فلا يعنينا الجانب الشخصي للكاتب في شيء، الذي يعنينا هو ما يطرحه على الساحة من أعمال وقيمتها الفكرية.

 على الكاتب أن يتقبل النقد بصدر رحب، ويمكنه أن يأخذ بما يقوله الناقد أو يتجاهله، وفي كلتا الحالتين له حق النقاش والرد، وليس من حقه أن يرفض النقد، فهو مرحلة مهمة في التطور الفكري، وعندما يقوم نقاش بين طرفين، ينحاز الجمهور للكاتب أو الناقد، أو ينقسم فيؤيد بعضهم الكاتب والبعض الآخر يؤيد الناقد، وهناك فئة من الجمهور ربما تبني أفكاراً جديدة، وتخرج بتصورات أفضل، وعملية الأخذ والرد هي حراك فكري له نتائج إيجابية تنعكس على الساحة الفكرية والثقافية في المجتمع.

غياب النقد عن الساحة الأدبية يمكننا أن نعتبره كارثة؛ فحين يغيب النقد عن الساحة الأدبية لا تُمحّص الأعمال التي تُطرح ولا تناقش ولا يُرد على الأفكار الغريبة والشاذة، وستعاني الساحة الأدبية من الفوضى، القاعدة الصحيحة تقول إن الشيء يتميز بنقيضه، فالكاتب هو الشيء والناقد هو النقيض، فإن كان العمل الأدبي قوياً يميزه النقد، وإن كان ضعيفاً سيقتله، الفكرة القوية تبقى قوية وإن انتُقدت ، والضعيفة لا تتحمل النقد، ولا يمكنها الصمود.

لنعود إلى الأساسيات، فالأساس الأول أن يكون هناك عمل أدبي، بعد ذلك يأتي النقد ليبين جوانب الضعف والخطأ في العمل، ثم مرحلة الرد والنقاش، وبعدها تتكون الصورة كاملة لدى المتابعين، ويُحْكَم على العمل بالنجاح أو الفشل، أو يُقيَّم ويُصنَّف (ضعيف، جيد، جيد جداً، ممتاز) وعلى هذا يكون النقد هو المرحلة الأهم في تقييم أي عمل أدبي على الساحة.

شيء من الهدوء …

عندما يشعر الإنسان بالهدوء يتغلغل في نفسه، تصفو أفكاره من الشوائب، ويتخلص عقله من الضوضاء، فيسمع صداعا يتردد في رأسه حين تتصادم، فتخرج أفكاراً جديدة، وتموت أخرى، يرى صور الذكريات، وهي تغذي الخيالات والتأملات، وتملأ روحه دون ملل ولا إزعاج وبعيداً عن فوضى الذكريات والصور المبتورة التي نرسمها ونغذيها في الخيال لكي تكبر وتتضح.

الحياة تحتاج إلى الهدوء، لا لتستكين فقط، بل لتستقر؛ فالروح استقرارها الهدوء، والعقل استقراره الفكر، والخيال استقراره الصور والذكريات، والنفس، آهٍ من النفس التي تقلبنا بين الرغبات والأهواء.

يعجبني الهدوء؛ أشعر به وهو يقيد نفسي فلا تجمح لأهوائها، بل يجعلها تحت سيطرة العقل، فيتحكم بها في فترة السكينة كما يشاء، ويحركها فتحفزه تارة، وتستفزه تارتاً أخرى، لكنها لا تخرج عن سيطرته.

قهوة …

قهوتي هي البدايات.

وهي النهايات.

قهوتي … تشرب الدقائق …

وأشربها في دقائق …

تعلمني طعم الحياة …

شكرا قهوتي …

نحن هكذا ..

العقل هو الحافظ لكل ما يمر بنا، نجتر منه معارفنا، نعبث في المعلومات التي وضعناها في رؤوسنا، نقرأها، نظيف إليها، نعيد ترتيبها كلما وجدنا لها مكاناً أفضل، ونبحث عن الجديد، ننقب في بطون الكتب، وعقول البشر، نستفز الأقلام والمشاعر، لنحصل على ما نستطيع أن نأخذه، لنضيف إلى ما قرأنا وما عرفنا وما درسنا وما اكتسبنا، ورغم ذلك نكتشف أننا نريد أن نعرف أكثر، ونطلب المزيد.

النقد من منظور إلهي ..

أنهيت قراءة كتاب “موت الناقد لـرونان ماكدونالد” منذ فترة طويلة وكتبت هذه السطور لكني لم أنشرها ، ولن أعلّق كثيراً فمادة الكتاب جيدة وفيها الكثير من المحاور المهمة التي سيستفيد منها القارئ، يتناول نظرياتٍ عدة منها نظرية موت الناقد عبر مراحل مختلفة من خلال كُتّاب ونُقّاد وأكاديميين بين ضفتي الأطلسي، إنجلترا والولايات المتحدة، وينقل الكثير من الآراء لكل مرحلة مر بها الأدب والجمال والثقافة منذ بداية القرن الماضي حتى نهايته، يتعاطى مع النقد بشكل موضوعي في الكثير من المواقع، إلا أنه عاد في نهاية الكتاب لينصّب الناقدَ إلهاً للأدب واللغة والجمال.

نقد تقويمي، نقد تحليلي، نقد فني إلخ. ما لم يتطرق إليه الكاتب هو تعالي النقاد وبيع أقلامهم ومحاباة الأسماء الكبيرة التي يخشون المساس بها، وهذه الأسباب أثرت أكثر من غيرها، وهي التي دعت المجتمعات الثقافية والأكاديمية والشعبية إلى قتل الناقد كصورة من صور الانتقام “من وجهة نظري، لا أرفض منظومة النقد التي تدعو إلى الارتقاء بالعمل الأدبي لكنني أقبل أن ينصب الكاتب نفسه إلهاً في الرواية، فيخلق ما يريد ويقتل من يريد ويفعل ما يشاء لكي يعطي العمل قيمة إضافية، يصنع الأحداث ويكرس المشاعر، ويركز النظر على نقاط يريدها إيصالها إلى المتلقي من خلال مقدرته الإلهية المتواصلة في العمل وجهده.

وحين يتأله الناقد يتعامل مع المخرجات الأدبية تعامل الأب المتسلط والإله الحاكم.

حين ينصب الكاتب نفسه إلهاً يُمكّنه ذلك من الوصول إلى هدفه، وحين ينصب الناقد نفسه إلهاً يخسف بكل ما يراه غير مناسب من منظوره الشخصي، ويغفل أن العمل الأدبي مر بمراحل، واحتاج إلى مجهود وعمل طويل متواصل لكي يخرج إلى النور، بينما يضع الناقد نقده في جلسة في مقهى لا تتجاوز الساعة، ليموت الناقد أو يعيش لا يهم، المهم أن تُراجع المهام النقدية كما تراجع الأعمال الأدبية، وأن توضع لها معايير كما وُضعت للأدب معايير وشروط.

“الناقد كالأستاذ يوجه والتوجيه لا يحتاج إلى إبداع بقدر ما يحتاج إلى مهارة ومعرفة وشعور وإدراك وإحساس بالمسؤولية”

توازنات ..

الإنسان لا يُمنح الفرح، بل يصنعه ويعمل ما يسره وحين تأتي المصائب، فإنها تخترق الظروف المحيطة التي خلقها ليحصل على السعادة.

الأحزان أو المصائب أو الصدمات إعادة بناء للإنسان لينظر في شؤونه من زوايا مختلفة، فالبناء الذي ننشئه ليس بالضرورة صحيحاً بمعنى أن سعادتنا التي بنيناها ربما قامت على تعاسة آخرين، أو تقاطعت مع أحلامهم، ولو حصل إنسان على السعادة كاملة سيحرم منها غيره لا شك في ذلك.

حين نؤمن بشخص لدرجة اليقين ونخلص له حتى النهاية، نشعر بانهيار حين نكتشف أن ذلك الشخص لم يكن على مستوى ثقتنا، هو لم يصنع لنا الصدمة نحن مَن صدمنا أنفسنا بمنحه ثقة أكبر من حجمه الطبيعي؛ لأننا لم ننظر إلى الجوانب السلبية في شخصيته، فلا يوجد إنسان على وجه الأرض لا يخطئ.

كل شيء يهدم يحتاج إعادة بناء وعلينا أن نبني ما يمكنه أن يقاوم أكثر، وأن نؤمن بأن الأشياء التي خسرناها قد انتهى دورها في حياتنا، ربما نتعرض لبعض الصدمات ونعاني من الهموم، لكن علينا أن نبدأ من جديد، وننظر في جوانب الأمور المشرقة والمظلمة، ونخلق توازنات تجعلنا قادرين على أن نستمر بأقل الخسائر.

فراغات ..

الفراغات التي في نفسي لا أظن أن يملؤها الحاضر، فلا شيء أصبح يثير اهتمامي لأجمع ذكريات جديدة تردم الفراغات، ولو حاولت أن أملأها لن أجد في الواقع ما أضعه فيها، تلك المساحات الفارغة رغم أني أتجاهلها لا تزال بها ذكريات لا محل لها في واقعي الآن، لكنها موجودة في نفسي، تحفر في جوانبها، وأنا أدفن ما استطعت.

أذكر جيداً حين صُنعت تلك الحفر في حياتي، كنت أشعر بخواء في صدري وكأنه بئر لا قرار له والمسافة بيني وبين القاع لا تقاس، أتذكر أن الفراغ لم يكن في صدري فقط، بل حولي أيضا، يحيطني، يحاصرني، ويكبلني، لكنه تراجع ليصبح ماضياً، وتقلص في صدري، رغم الوحدة والانعزال.

أعرف أن الفراغ مساحة تائهة، لا يستطيع القلب أن يخرج منها، ولا يستطيع العقل أن يتجاوزها بسهولة، يعيشها القلب ليصطدم بجدرانها، ويتعرف العقل على معنى الضياع، حين يكون هناك شيئاً واحداً يسيطر عليه ولا يستطيع أن يغادره.