تلطف ..

ألا تعرف أن من سواك قد أتاحك للنظر، فعين العالمين تراك إن كنت لا تدري، فتلطف فما النظر إلا لحظات نغيب فيها عما يشغلنا أو نبحث فيما يشغلنا، وإنك أحد اللقطات الواقفة في طريق طويل، ربما تتكرر في طريقي كثيراً، أو لا تعود صورتك لي مجدداً.

أنا وأنت صور 📷 التقطتها أعينٌ كثيرة، منهم من رآنا بدهشة أو احتقار، وغيرهم بإعجاب وحب، يجعلون الصورة ملونة أو عادية، فمن يحدد لون الصورة لسنا نحن، بل الآخر بحسب ما يراه فينا.

الدنيا صور، نصور ونتصور، يصوروننا ونصورهم، نجمعهم في الذكريات ويجمعوننا، ربما، أقول ربما نحذف بعضهم وأيضاً يحذفنا بعضهم، فالآخرون يملكون نفس إمكانياتنا، لذا تلطف فصورتك غزاها القِدَم وصورتي عتيقة، وأنا أحبها تلك العتيقة، أحبها بمن أحبها ومن كرهها فهي أنا وصورتك هي أنت، عليك أن تحبها.

القهوة ..

الأكواب تتغير .. وربما يتغير مذاق القهوة في بعض الأماكن .. وما يستمر هو بحثنا عن شيء أسود ومر نستسيغه ونحبه، فاللذة والجمال ليست كلها سكرٌ أبيض هناك أشياء قيمتها أعلى بكثير من مجرد مال، فالمعنى أعلى شأناً من الشكل، والمال الذي نشتري به فنجان القهوة لا يوازي لحظات الاستمتاع التي نعيشها ونحن نحتسيها .

الرواية “الشخصيات الوسطى”

لا أجد وصفاً أجمل من مسرح العرائس للشخصيات الوسطى في الرواية التي تنتقل أحياناً لدور البطولة ثم تخبو، وتختفي دون أن يكون لها تأثير في مجرى الرواية، فيخلق الكاتب حبيبة للبطل أو حبيب للبطلة، عدواً، صديقاً أو معلماً أو أي شخصية تتناسب مع أحداث روايته، وتدعمها في مراحل معينة، دون أن يقلق الكاتب من وجودها، فمثلاً لو كانت الشخصية شريرة، استمرارها في الرواية لفترة طويلة سيجعل الرواية تتحول لصدام، فيخلقها الكاتب كشخصية وسطى تؤدي دوراً مرحلياً، ثم يتخلص منها بالشكل المناسب الذي يدعم فكرته.

ببساطة الشخصيات الوسطى يخلقها الكاتب في وسط الرواية، أو في أولها، أو في نهايتها، ويرفع من أهميتها، أو يحط من شأنها، ويمكنه من خلال تلك الشخصيات إضافة بعض الجوانب التي يشعر أن روايته تحتاجها، ولا بد من معالجتها كالجوانب العاطفية أو النفسية، مثلاً يرى الكاتب أن النص تنقصه المشاعر، فيضخم دور العاطفة بوضع شخصية تلعب هذا الدور، وتؤثر في البطل أو البطلة في الرواية.

الشخصيات الوسطى عكس الشخصية الرئيسية فالشخصيات الرئيسية هي التي تسير مع الكاتب من البداية إلى النهاية، أما الشخصية الوسطى فهي مرحلة، ربما تدخل في مراحل متقدمة في الرواية، وتحتل مركزاً في البطولة، لكنها لا تكون محور الحدث، بل تكون ملازمة لإحدى الشخصيات الرئيسية، من الشخصيات الوسطى في الرواية شخصية الحكيم مثلاً أو المعلم، يضعها الكاتب كمرجع ليغير دفة الأحداث، فيكون التغيير مقنعاً، وهذه الشخصية لا تكون موجودة باستمرار، تظهر بين فترة وفترة، ثم تختفي من جديد، وتسير الأحداث دون وجودها.

لا نستطيع أن نصنف الشخصيات الوسطى في دور أعلى كالبطولة، ولا نستطيع أن نحط منها لنجعل دورها هامشياً، الإبداع أن يخلق الكاتب هذه الشخصيات، كما هي في الواقع، فكل إنسان لديه في حياته الطبيعية أشخاص في القمة وأشخاص في الوسط وأشخاص هامشيون، والإجادة في خلق الشخصيات الوسطى والتخلص منها بشكل مطابق أو قريب من الواقع يجعل الرواية تلامس شعور القارئ، وتوصل الرسائل التي يريد الكاتب أن يوصلها من خلالها.

كل شخصية توضع في الرواية تؤثر فيها، والكاتب هو الميزان ومهارته في السرد والتعبير هي التي تجعل لكل شخصية في الرواية رونقها الخاص، فحين يرفع الكاتب شخصية وسطى في الرواية عليه أن يجيد رسمها بالشكل الذي يناسب روايته لكيلا يراها القارئ أو النقاد كنشاز.

“الرواية” الشخصيات الهامشية ..

في كل قصة توجد شخصيات هامشية، وهذا لا يعني أن الشخصية الهامشية ليست مهمة، بل تعتبر مكوناً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه إلا حين تُهمش أو تُتجاهل في الروايات التي تصف المشاعر، أو تتحدث بصيغة النفس دون التطرق للكثير من الشخصيات التي من المفترض أن تكون موجودة في الروايات التي تكون بصيغة الراوي العليم.

الشخصيات الهامشية يمكن أن تلعب دوراً مهماً، فبعض الأحداث الضئيلة التي يوضح الكاتب من خلالها أفكاراً صغيرة تستثمر فيما بعد في الرواية كأسباب، أو توضح الرأي العام إذا احتاج الكاتب للتطرق لذلك في روايته.

كما تُرقّى الشخصيات الوسطى لمستوى البطولة في الرواية يمكن ترقية بعض الشخصيات الهامشية أيضاً لتحتل أدوار وسطى، أو تكون مع الشخصيات الرئيسية، بحسب سير الأحداث ونظرة الكاتب لأهمية خلق شخصية تحرك الأحداث، أو تتطرق لجوانب جديدة في العمل.

الشخصيات الهامشية كما في الواقع البشري لا يمكن الاستغناء عنها، وفي الغالب تكون أدوارها مكملة للشكل العام للرواية، ويمكن إغفال أحدها في أي لحظة، دون أن ينتبه إليها القارئ، أو يعير لغيابها أي اهتمام.

الرواية: الشخصيات في الزمان والمكان ..

عندما أكتب نصاً قصصياً أو روائياً وأصف مكاناً أو شخصاً أو يكون هناك حوار يناقش قضية مهمة انتبه لعمر الشخصية التي تتحدث، ولجنسها، ذكر، أنثى، والثقافة التي ينتمي إليها.

ولأشرح هذه المسألة قليلاً، لنفرض رجلٌ في الخمسين يتحاور مع شاب في العشرين من العمر، من المهم أن يكون فكر الشاب مواكباً لعمره وزمانه وثقافته، وكذلك الرجل الخمسيني، يجب ألا يخرج عن نظرة الرجل الكبير ذي الخبرة والوقار مثلاً، وعلينا أن نغير الشخصيات قليلاً لنكتشف بعض الفروق، لو كان رجل في الخمسين من العمر يحاور رجلاً في الأربعين، من الطبيعي إن نوعية الحوار ستختلف لتتماشى مع الشخصيات، فعمر الأربعين أكثر اتزاناً من عمر العشرين، واندفاع الشاب، أقوى من اندفاع الشيخ.

مرة أخرى لنغير المشهد، ونجعل الشخصيات تصف مكاناً لنفترض إنه مقهى، تصفه ثلاث شخصيات، شاب، ورجل كبير في السن، وامرأة في الثلاثين من العمر، فما الذي سيلفت انتباه الشاب؟ وما الذي سيلفت انتباه الشيخ؟ وما الذي سيثير المرأة الثلاثينية في المكان؟ ولنضع حسب نظرتنا إلى الأشخاص تصوراً لما ستنتبه له الشخصيات الثلاث، فالشيخ الكبير سيعجبه الأثاث العتيق في المقهى الذي يعطيه ملامح الأصالة، لكنه سيشتكي أن الكرسي غير مريح، والمرأة الثلاثينية لن يعجبها الأثاث القديم، لكنها ستبتسم للوردة الموجودة على الطاولة، أما الشاب فربما لا يعجبه المكان برمته ولا جودة مأكولاته، فهو يريد مكاناً يتسم بالحداثة، لكن تستهويه فتاة المقهى.

من الضروري أن تكون هناك اختلافات في شخصيات الرواية ومن الضروري أن تتناغم تصرفات الشخصيات مع الأحداث بما يتناسب معها، فالشخصية القوية في الرواية لا تستسلم دون مقاومة، ولا تتوقف عن المحاولة، والشخصية الضعيفة لا تتمرد إلا في حالات نادرة بدوافع معينة، وشخصية الرجل تختلف عن شخصية المرأة، والمرأة الكبيرة في السن تختلف عن الشابة في العشرين من العمر، وقس على ذلك، هذا لا يعني أن تكون الشخصيات نمطية لا تخرج عن السياق، لكننا يجب أن نحرص على أن تسير الشخصية حسب الصورة التي رسمناها للشخصية في الرواية ولا تخرج عنها إلا بقناعة أو حدث يستطيع أن يؤثر في الشخصية بحيث تتبنى تصوراً جديداً أو تغير من سلوكها.

شخصيات الرواية هي الأساس الذي تقوم عليه، والخلل في الشخصيات يولد الإرباك للكاتب ويشتت ذهن القارئ بحيث لا ينتبه لجماليات الرواية بل ينظر إلى الخلل، فالتحول المفاجئ لشخصية مهمة في الرواية دون مبررات مقنعة يضعها الكاتب، ويخلق فجوة بين واقع الرواية وشخصياتها، وتجعل القارئ يتوقع أن يتجه الكاتب للفنتازيا، وهذا الأمر لا يحدث إلا في روايات الكوميديا أو الفنتازيا ذاتها، لكننا لا نستطيع أن نقلب الشخصيات رأساً على عقب في الروايات الاجتماعية أو الروايات التي تحاكي التاريخ دون أسباب أو أحداث مؤثرة، تكون مبرراً مقنعاً لتحول الشخصية من قناعة لقناعة أخرى أو من تصرف متوقع لتصرف متهور أو شاذ عن السياق.

ما يميز الرواية ..

تحمل الرواية في طياتها خطاً زمنياً طويلاً يميزها عن باقي الأعمال الأدبية ولا يعني هذا أنها لا تحاكي الأزمنة القصيرة مثل اليوم أو الليل والنهار، فبعض الروايات حكت أحداث ليلة واحدة، لكنها حكتها بشكل مكثف يطيل مدة الحدث المحكي ليكون حدثاً مشروحاً بأبعاد أطول من الواقع دون إهمال الزمن الحقيقي للحدث، والعكس صحيح فأحياناً تحكي الرواية مدة تاريخية طويلة بشكل يختصر الزمن، لكنها في الحالتين لا تنكر الزمن الحقيقي للحدث أو للشخصية، فخطوط الزمن تسير في الرواية بشكل منتظم أو مرتبك ضمن إطار محدد لا تتجاوزه، يزامن الشخصيات والأحداث، حتى السرد لا يخرج عن الإطار الزمني إلا ليشير إلى زمن سابق أو آتِ بشكل واضح.

الشخصية أو الشخصيات ميزة في الرواية، فالرواية إما أن تحكي شخصية واحدة أو تحكي لعدة شخصيات، وتتنوع أساليب السرد فأحياناً لا تنال الشخصيات منزلة البطولة التي تكون للحدث أو للمجتمع، عبر عدة شخصيات ورغم ذلك تمر الأحداث عبرها لتصل للقارئ، وما يميز الشخصية في الرواية عن غيرها من الأنواع الأدبية هو أن الرواية تضع الشخصية موضع القلب فهي التي تبث الروح في الحكايا والأحداث والمحيط، وتتناول الشخصية بأبعادها المختلفة الإيجابية والسلبية، الجميلة والبشعة، بشرح طويل لكي تتشخص للقارئ فيعرف الأبعاد ونمط التفكير، مما يثير لديه المشاعر فيتعاطف مع الشخصية أو يكرهها.

المتعة، في هذه المسألة ألذ ما يشتهيه القارئ، وهي الهدف الأول الذي يجعل أي إنسان يقتني الرواية، فنظرة القارئ للرواية أنها عمل أدبي لطيف يحاكي الحياة والأفكار والقضايا والكوارث ويطرحها بشكل ممتع، رغم أنها تتضمن الألم والمصائب والكوارث، إلا أنها تتناولها بشكل يساير الواقع الإنساني العاطفي الذي يتفاعل مع الشخصيات والأحداث، أناس تبكون تضحكون، تحب وتكره إلخ..، فالمسار العاطفي لا يعني الحب فقط، بل يعني التعاطف والتفاعل مع كل شيء، المكان، الشخصيات، الأحداث والزمان، وكل تلك الأمور تصور المتعة باختلاف تصورات القراء، فالشباب تثيرهم العاطفة والجنس، لكنهم في الرواية يتتبعون التسلسل العاطفي المتنامي، ويمكننا القياس من هذه النقطة على كل نقطة اهتمام لدى القراء سواءً في التاريخ أو الفلسفة أو العلوم إلخ.

تأثير الرواية، علينا أن نرفع هذه النقطة لأعلى درجة، فتأثير الرواية لا يقع في القراءة فقط، بل يقع في النفس فالقارئ يعيش معها فترة من الزمن، ليست فترة صمت، بل هي فترة تفاعل وانجذاب سواء للحدث أو للشخصيات، مما يجعله يتلقى الأفكار بشكل أعمق وأكثر تأثيراً مما يتصور، كما أن تأثير الرواية على القارئ يكون بشكل تراكمي يسير من البداية حتى النهاية، حدة التعاطف والتفاعل لدى القارئ ترتفع تدريجياً، ولا يعني أن كل من يقرأ الرواية يؤمن بما تطرحه فربما تولد لديه نفوراً من تصرف أو واقع أو شخصية، أو تجعله ينظر بشكل عكسي لقضية معينة، لكن كل هذا لا يعني أن الرواية لا تؤثر في القارئ، على العكس تماماً فالنفور هو أمر نقيض الانجذاب لأمر آخر، الكاتب أحياناً يريد أن يُنفر المجتمع من تصرف شاذ أو يريد أن يجذب المجتمع له، فيختار القارئ الاتجاه الذي يراه أكثر صواباً أو الاتجاه الذي يرغب فيه، والتأثير يقع عاطفياً في نفس القارئ وهذا هو الأقوى تأثيرًا في حياة البشر .

الحب ..

أجمل ما في الحب أنه يلغي العقل ومنطقه، ويخرجنا من حواجز التفكير، فنجد لذة النظر ورحابة الحياة.

لا متعة في العقل؛ فالعقل منطقهُ آليٌّ، والقلب منطقهُ لذيذٌ رغم ألمه، نخاف منه ونريده، يؤلمنا ونشتاق إليه، يتعبنا ونسعى وراءه؛ تناقضاتٌ لا منطق فيها، لكن اللحظات التي نعيشها في العاطفة تفوق الزمن، فهي تغوص في السنين، وتسافر معنا، ترحل وتعود، كأنها مجدٌ يلازمنا.

ماذا أقول؟ لا أدري، مضى الزمن، والذكريات تربطني بتلك العواطف، مضى الزمن، وما زلت أتوق لأن أجد مساحة تخرجني من أسوار العقل لرحابة العاطفة.

رداء المعصية ..

لدي رسائل لا أستطيع أن أرسلها لأحد فكلهم رحلوا، تلك الوجوه التي عشتها وعايشتها قد اختفت منذ زمنٍ بعيد، لكنها لم تتلاشَ من مخيلتي، ولم تهدأ الفوضى التي خلّفها الرحيل في صدري، فتلك الوجوه ما زالت تدور بين أفكاري المبعثرة وأوراقي المطوية، تنقب في الذكريات، وتنبش الماضي، وتنظر إليّ في كل وقت، تتهمني، نظراتها تتهمني، وتذكرني بأخطائي التي ارتكبتها، الأخطاء التي لم أقصدها، وقعت، ودمّرت المحيطين بي ودمّرتني.

أنا، ذنبٌ نبت في شكل بشر، ألبسته الحياة رداء المعصية، فتزين به وتأنق، وتلك الوجوه الراحلة قد أغرتها الذنوب، فجاءت إليّ تبحث عن الخطيئة، وحين وقعْت فيها، اكتشفت حقيقتها فرحلت لمجهولها، وبقيت أنا في ردائي المتشح بالمعاصي.

كيف لي أن ألقيه عن كتفي؟ وقد ثقل بمن علقوا فيه وتعلقوا به، وعليّ أن أحملهم وذنوبي، وأسير حتى النهاية، فلولاي ما أخطأوا وما عرفوا المعصية، أنا الذنبُ المرير الذي لطخهم وشوههم وعرّاهم من بشريتهم الطاهرة النقية، وألقى بهم في متون الرذيلة، أنا ذنبُ من أخطأ ومن لم يخطئ، ذنبُ القادمين والراحلين.

دعوني مع ذنوبي فإنني رغم بغضي لها أرافقها فما لكم لا تتركوني؟ أيتها الأطياف، أيتها الوجوه، أيتها الذكريات، أيها الماضي، أيها الطاهرون، أُقِرّ لكم بذنوبي وبطهركم فارحلوا عني، كيف تجلسون معي وأنا أمثل الخطيئة، اتركوني أغرق في وحلي وحيداً.

عساكَ بخير..

عسى أن تكون بخير صديقي، مرّ بي الشوق وأجبرني أن أسأله عنك حين راجعت بعض الذكريات الجميلة التي أعتقد أنها جمعتنا سوياً في فترة من الزمن، ورأيت روعة ما تركته في رأسي، أردت أن أرسل إليك التحية على ذلك، ورغم معرفتي أن التحايا لا تصل دائماً حرصت أن أتمنى لك الخير على أقل تقدير، الأمنيات أوهام جميلة نرسلها لمن نحب وهي لا تحقق لهم شيئاً سوى تصور نتركه في نفوسهم أن هناك في الطرف البعيد شخصاً يهتم بهم، وأنا مهتمٌ بذلك لا شك، وعلى استعداد لأن أرسل الأمنيات باستمرار لتتأكد أن الذكريات ما زالت تنبض في رأسي لتوقظ تلك الصداقة العتيقة التي جمعتنا.

تعرف صديقي ما الوفاء؟ ذلك الذي يتحدثون عنه دائماً، بخلاف صديقك الذي يكتب هذه السطور فهو متذبذب في مقاييس الوفاء ومقاييس الإخلاص والحب، أما أنت فمقاييس الأمور لديك تمشي على خطٍ مستقيم، ولا تتأثر بتغييرات الحياة ولا شك لدي في أن الحفاظ على هذه القيم مهم وضروري، لكننا بشر، عزيزي، حتى ثقتنا بأنفسنا تهتز وتتغير فكيف لي أن أخط كل القيم على مسطرة لا تتعرج مساراتها ولا تميل، أنا لا أستطيع أن أخط لنفسي مساراً مستقيماً، تعبت وأنا أحاول ألا ترتعش يدي حتى لا يتحول الرسم لمنحنيات ومنعطفات ونبضات متقطعة.

 هناك فرق لا شك في نظرتنا للقيم، فأنت أسمى حين تطرح تلك الشعارات، لكني أصدق منك حين أفعل، أتمنى أن تقيس كل القيم على حياتك قبل أن تتحدث عنها باستقامة، وترسم خطوطها بناءً على أفعالك، وسترى حينها أنك كائن بشري لا يمكنك أن تحافظ على مستوى واحد يشكل خطاً ثابتاً طيلة حياتك.

كان لنا صديقٌ قديم لعلك تذكره وتتذكر كمية الكره التي تحملها له في قلبك، حين كنا أصدقاءً ثلاثة، كانت انتقاداتك وأحاديثك عن مثالبه وأخطائه ونزواته ومغامراته وفشله، لا أظن أنك احتقرت إنساناً بقدر ما احتقرته، وهو في الطرف الآخر كان ينظر إليك بإجلال، ويراك صاحب مبادئ راسخة وقيم عُليا، وأن ما تقوله هو الصحيح، كان متصالحاً مع نفسه ذلك الصديق، يعرف أنه يخطئ ويقر بذلك دون أن يدافع عن نفسه في أغلب الأحيان، يتركك تهاجمه وتتهكم عليه، وينظر إليك والخجل يملأ تعابير وجهه، تعرف ما الذي فعله حين وجد أن انتقاداتك وتهجمك لا ينتهيان، بكل بساطة رحل، تركك مع نفسك تقلب تاريخه لتثبت أنك الأستاذ الذي من حقه أن يقيّم تلاميذه، ربما تخَرّج هو من مدرستك بعد أن حصل على أدنى مستوى ينقله للمرحلة التالية، لكنك بقيت في مستواك الثابت لم تستطع أن تقتبس منه الجميل، وتأخذه لتحصل على علامة تؤهلك للانتقال إلى مرحلتك التالية، صدقني حين رحلت أنا أيضاً حصلت على أقل تقييم منك، بالكاد نقلني إلى الخطوة التالية لأرتقي وتبقى في محلك، تنادي بما لا تفعل، وتنتقد الجميع لكي لا يسبقك أحد في توجيه السهام، تتهمهم لكي تضعف حججهم في إثبات جرائمك.

عزيزي أما زالت خطوطك مستقيمة؟ أرجو أن تراجعها لتتأكد من سلامتها، عليك أن تعرف أن أرضك التي تقف عليها ليست مسطحة، بل مدوّرة؛ فلو سرت على خطٍ مستقيم لا شك ستخرج من مجالها وكذلك الحياة منحنيات وفجوات، ونحن خلقنا في فجوة، وخرجنا من فجوة، ونستمر في الدوران حتى نسقط في النهاية في فجوة، فلا تنزه نفسك، فلم تُخلق من زهرة، ولم تولد في خلية أحادية لا تنتمي لأحد، سلالة تاريخك مكتوبة عبر أسماء اشتركت في إنتاجك لتخرج بأصابع وسيقان وكفوف وأكتاف، كاملاً في كل شيء إلا تلك الفجوة التي ظلت فارغة في رأسك.

الغياب ..

كنت معي صاحباً ساحباً لي في الهوى حتى هويت فتركتني أهوي في هواك، قد رآيتني في رباك مثل الغيوم السابحة مثل الندى قد كسوت الريحَ عشقاً وغسلت العمرَ بوجدودك ولم أجد وجد الهوى في حضرته.

لم أعِ أني على أطراف الزمان أبكي، أياماً مضت لم تترك من الشَعر شيئاً أسوداً، وما زلت أمشي فيما مضى بخيالٍ خصب وأحلامٍ تزخرفه وكأني طفل قد لبس العيد ثيابه ليرقص معه فأخذ العيد ثيابه وهرب.

لم يبكِ الطفلُ ثيابَه، بكى الأمل في عيده الهارب، حتى ذبل ومضى في طريق الضياع يسكب خمر عينيه، فيُزهر شوكاً جارحاً بين الأماني فتمزقها أشلاءً.

لماذا يسحرنا الغياب بحزنه فنغيب بين الأنين والذكريات، لمَ يسحبنا من واقعنا حتى نصبح أطيافَ بشرٍ لا يعنيها الواقع؟ أشباحٌ نعيش خارج زماننا، كأننا جئنا من المجهول، لنُمضي ما تبقى لنا من الحياة.

سيدتي .. لا أجد نفسي ..

سيدتي .. لا أجد نفسي .. فما بين لحظة سكينة تمر تأتي اللحظة التالية لتضج وتصرخ دون سبب، ولا تعود اللحظات لاستقرارها الذي أصبح يغيب طويلاً ويأتي قصيراً، قصيراً جداً.

سيدتي أقلب نفسي بين ماضٍ عشته في ألم وحاضر أعيشه ألماً، وما بين وبين أجد نفسي المضطربة تضج بماضيها وحاضرها، تحاول أن تتمرد لكنها تنكسر، تصرخ وتدفن صوتها في صدري فيئن معها في نوبة حزن عميقة، لا تنتهي سوى بنوم متقطع يزعجني أكثر من السهر.

تلك قهوتي التي تعرفينها سوداء كالليل، هي في الصباح أيضاً سوداء لا يتبدل لونها ولا يتغير مذاقها مع النور، تلك القهوة “أنا” بكل اختصار، لم يتغير فيّ شيء، ما زلت سيئ المزاج تائه الفكر مشتت.

سيدتي وأكررها دوما، أنت سيدتي، أحدثك كما أحدث نفسي، أحشو الكلمات في المفكرة التي أملكها بندائي لكِ، وأعرف أنك لن تسمعي تلك الصرخات الميتة، فلا يصل صوت الموتى إلى الأحياء.

اليوم أنت تتلبسين عقلي بذكرياتك، نظراتك، ذلك الفستان الأزرق وتلك الضفيرتان القصيرتان، لا تزال الصورة عالقة في ذهني لا تغيب، مثل قهوتي التي لا يتغير طعمها ولا لونها، كذلك فستانك وضفيرتاك لا تتغيران في نظري، البراءة التي جعلتني أخرج من كل شيء سيئ لتلقيني فيما هو أسوأ.

أعرف ومتأكد أنكِ تعرفين ما سأقوله حين أراكِ صدفة في أحد الأيام، أنا وأنت نعرف ما يقوله الصمت بين قلبين، كانا معاً في وقتٍ جميل، والتقيا صدفة، في وقت لن يحمل شيئاً من الجمال، أحدهما لا زال يحب، والآخر ربما كان كذلك، لكنهما لا يريدان أن يلتقيا في مشاعرهم كالسابق.

مساء الخير عزيزتي ..

مساء الخير عزيزتي؛ الرحيل هو الرحيل، أما أسبابه فتتوزع في اتجاهات مختلفة، لا أقول هذا الكلام لأبرر لنفسي أي تصرف لكني أقوله لئلا تجهدي نفسك في تبرير أمور حدثت.

الرجل يا عزيزتي يشعر كما تشعر المرأة حين يتغير المزاج ويتغير الجسد،  هناك لغة نخفيها دوماً عمن نحب، لكنه يشعر بها، لغة لا تُنطق، يعرفها المحبوب، حين تتغير النظرات، وحين تختفي الأهمية، وتتغير رائحة الهوى، الجسد حين يقترب ممّن يحب يكون منتشياً ويتهيأ لاستقباله، وحين يقترب ممّن يخافه ينكمش، هذا الشعور الذي فقدته منذ فترة ليست بالقصيرة.

كنت أتابع التغير الذي يحدث في صمت، وأتتبع المواقف، وصلتُ إلى بعض الاستنتاجات، وكتبتها على الهامش، كنت أعرف أني سأعود إلى الهامش لأنقب فيه، فمرحلة الرحيل لدى الأحبة لا تحدث بين يوم وليلة، بل تمر بمراحل، لذا لم أستعجل، رأيت الخطوات كلها، وفي النهاية أردت أن أختصر عليكِ الوقتَ والجهد، فاختلقتُ المواقف التي تريدينها لكي ترحلي.

كوني في سلام ولا تفكري كثيراً، فأنا في عزلتي التي أحبها، يصاحبني فنجاني وأقلامي وتلك الأفكار المجنونة التي تعرفينها، سأنسج منها أشياء كثيرة، أشباحاً وأطيافاً وقصصاً، سأكتب، وسأجعل للأوراق الرخيصة قيمة، ستقرئينها لا شك كما قرأت أنا تفاصيل يدكِ وعينيكِ، الريبة والجفول، رسائلُ كُتبت على جسدك، كنت أقرأها بوضوح، الآن لن أقرأ شيئاً من تفاصيلك، ففي التفاصيل تكمن الشياطين التي تخلق الأعذار الغريبة والمستفزة.

عن المجهول ..

دائما ما يكون هناك شخص يجوب شوارع المدينة ليبحث عن ذاته، يبحث عن أحدٍ يشبهه، ليرى فيه نفسه، وغالباً لن يجده، والأكيد أنه لن يجده، لأن الإنسان لا يتكرر في أشخاص آخرين حتى وإن تشابهت الملامح والوجوه .

يمشي في الشوارع ويجلس على الأرصفة، يمعن النظر في ملامح البشر، يقرأ تلك السكنات والنظرات، وربما يتهور ويفعل أشياء مجنونة لكي يصل إلى ذاته التي يفتقدها بين السكون والضجيج، وبين صخب الشارع ومتاهات صدره، يريد أن يرى البشر لكنه لا يريد أن يتحدث مع أحدٍ منهم، ويريد أن يستمع إلى الأصوات ولا يريد أن يفهم ما يقال، يرى الجمال ولا يريد أن يلمسه، يرى الفقر ولا يضايقه، يرى كل شيء لكنه مشغول في بحثه، يدقق في الأشياء لا لأنه يريدها، بل ليبحث فيها عن ذاته.

هذه الفئة موجودة، تكتشف أفرادها حين ترى أعينهم تدور في المكان كأنهم يبحثون عن المجهول، ربما أكون أنا، أو أنت.

أرجوك فكر معي ..

أنت لا تعرف المستحيل حين أتحدث معك ولا تقر بخطئك ولو لمرة واحدة ولا تتوقف عن الجدال، يا عزيزي لا توجد ملائكة تمشي على الأرض، وإن وجدت فأنت لست منها، عليك أن تضع احتمالاً ولو بسيطاً أن رأيك به شيء من الخطأ، وأن رأيي به شيء من الصواب، القاعدة تقول: لا صواب كامل ولا خطأ كامل، الأمور نسبية، اترك لي جزءاً بسيطاً تضع فيه رأيي ضمن النسبة الصحيحة وسأمنحك إن شئت أكبر نسبة للصواب، لكني دون شك لن أمنحك العلامة الكاملة .

     أنا وأنت بشر نتمتع بالصفات نفسها، فتأكد يا عزيزي، أن لا شيء سيمنحك القوة مثل الاستماع، وألا شيء سيمنحك الحكمة مثل التفكير، تمهل حين تسمعني أتحدث حتى أنهي كلامي، وخذ من الزمن دقيقة واحدة لتفكر، فقط دقيقة لا أكثر، تفكر فيها قبل أن تجزم بأن ما أقوله خطأ، مثلما تتجمع الأفكار في رأسك، هي تجتمع أيضاً في رأسي، وكما تتولد النتيجة لديك، أخرج أنا بنتيجة أفكاري، ولي الحق أن أطرح ما فكرت فيه فربما يكون صواباً.

ألغِ كل الاعتبارات، عزيزي، حين تستمع إليّ فلا المال ولا النسب مقياس للذكاء والنباهة، هناك موازين وقيم نلجأ إليها لنفكر بشكل صحيح ونقيس مدى صحة أفكارنا وجدواها، كما في قيادة السيارات، القواعد الأساسية ثابته لدى الجميع والإبداع يكون في الأداء، قف لحظة قبل أن تحكم على أفكار شخص بسبب شكله أو لونه أو جنسيته، صدقني ستجني الكثير من الفوائد بمجرد أن تتمهل وتترك الاستعجال، فالحكمة في التمهّل والمكاسب في الصبر .

     عزيزي لو جمعت النعم كلها، ستجدها أصفاراً أمام العقل، لا قيمة لها ولا هدف بلا عقل يوجهها، نحن نملك ذلك الميزان في عقولنا، نفكر ونُخرج الأفكار لكي تواجه الأفكار الأخرى الصالح منها والطالح، والمفيد منها والضار،  والخبيث منها والحسن، لا نناطح البشر برؤوسنا، بل الأفكار تتصادم فتستقيم أو تموت، تصمد أو تنتهي، أو تتحد فتُخرج أجمل فكرة بين عقول مشتركة تجمعها الأهداف النبيلة في أغلب الأحيان .

عن الرفوف والذكريات ..

عندما جاءت الأمنيات كنا معاً وعندما ضاعت بقيت وحيداً، أتذكرين تلك الخطى التي مشيناها سوياً، تلك الأصابع التي تشابكت في المسافات، لم تكن تعني أننا نمشي معاً، بل تعني أننا ربطنا الحياة والمصير بعهود لا تكتبها أقلام ولا تعرف الورق، لا حِبر لها ولا أفق، لا يعرفها إلا من عاشها، وأظن أني عشتها وحدي.

حين تصبح الذكريات مجرد ماضٍ، تفقد قيمتها وتتخلى عن كل معانيها الجميلة، المشاعرالتي تجعلنا نشتاق، وتزرع الأمل واللهفة في نفوسنا، وتبني معنا الغد، الأحلام الصغيرة، تلك الزاوية التي كنا سنضع فيها الزهور، وتلك التي ستحوي ألبوم الذكريات، وعلى الرفوف ستكون ملابسنا منسجمة ومتناغمة.

لم تعد أحلامنا كما كانت، لم نعد نحلم، الزهور ذبلت وتعفنت، وألبوم الذكريات تخلى عن الصور، وجدت إحداها على الأرض، التقطتها فشعرت بالسم يسري في عروقي، تذكرتك حينها مع الألم وهو يمزقني، كادت أصابعي أن تيبس لكني تمكنت من أن أمزق آخر صورة تجمعنا، حينها فقط شعرت أن سم الذكريات قد تلاشى، فهيا لنكنس الماضي معاً، فما دمرناه خلّف الكثير من الشظايا التي تمزقنا كلما دسنا عليها.