عسى أن تكون بخير صديقي، مرّ بي الشوق وأجبرني أن أسأله عنك حين راجعت بعض الذكريات الجميلة التي أعتقد أنها جمعتنا سوياً في فترة من الزمن، ورأيت روعة ما تركته في رأسي، أردت أن أرسل إليك التحية على ذلك، ورغم معرفتي أن التحايا لا تصل دائماً حرصت أن أتمنى لك الخير على أقل تقدير، الأمنيات أوهام جميلة نرسلها لمن نحب وهي لا تحقق لهم شيئاً سوى تصور نتركه في نفوسهم أن هناك في الطرف البعيد شخصاً يهتم بهم، وأنا مهتمٌ بذلك لا شك، وعلى استعداد لأن أرسل الأمنيات باستمرار لتتأكد أن الذكريات ما زالت تنبض في رأسي لتوقظ تلك الصداقة العتيقة التي جمعتنا.
تعرف صديقي ما الوفاء؟ ذلك الذي يتحدثون عنه دائماً، بخلاف صديقك الذي يكتب هذه السطور فهو متذبذب في مقاييس الوفاء ومقاييس الإخلاص والحب، أما أنت فمقاييس الأمور لديك تمشي على خطٍ مستقيم، ولا تتأثر بتغييرات الحياة ولا شك لدي في أن الحفاظ على هذه القيم مهم وضروري، لكننا بشر، عزيزي، حتى ثقتنا بأنفسنا تهتز وتتغير فكيف لي أن أخط كل القيم على مسطرة لا تتعرج مساراتها ولا تميل، أنا لا أستطيع أن أخط لنفسي مساراً مستقيماً، تعبت وأنا أحاول ألا ترتعش يدي حتى لا يتحول الرسم لمنحنيات ومنعطفات ونبضات متقطعة.
هناك فرق لا شك في نظرتنا للقيم، فأنت أسمى حين تطرح تلك الشعارات، لكني أصدق منك حين أفعل، أتمنى أن تقيس كل القيم على حياتك قبل أن تتحدث عنها باستقامة، وترسم خطوطها بناءً على أفعالك، وسترى حينها أنك كائن بشري لا يمكنك أن تحافظ على مستوى واحد يشكل خطاً ثابتاً طيلة حياتك.
كان لنا صديقٌ قديم لعلك تذكره وتتذكر كمية الكره التي تحملها له في قلبك، حين كنا أصدقاءً ثلاثة، كانت انتقاداتك وأحاديثك عن مثالبه وأخطائه ونزواته ومغامراته وفشله، لا أظن أنك احتقرت إنساناً بقدر ما احتقرته، وهو في الطرف الآخر كان ينظر إليك بإجلال، ويراك صاحب مبادئ راسخة وقيم عُليا، وأن ما تقوله هو الصحيح، كان متصالحاً مع نفسه ذلك الصديق، يعرف أنه يخطئ ويقر بذلك دون أن يدافع عن نفسه في أغلب الأحيان، يتركك تهاجمه وتتهكم عليه، وينظر إليك والخجل يملأ تعابير وجهه، تعرف ما الذي فعله حين وجد أن انتقاداتك وتهجمك لا ينتهيان، بكل بساطة رحل، تركك مع نفسك تقلب تاريخه لتثبت أنك الأستاذ الذي من حقه أن يقيّم تلاميذه، ربما تخَرّج هو من مدرستك بعد أن حصل على أدنى مستوى ينقله للمرحلة التالية، لكنك بقيت في مستواك الثابت لم تستطع أن تقتبس منه الجميل، وتأخذه لتحصل على علامة تؤهلك للانتقال إلى مرحلتك التالية، صدقني حين رحلت أنا أيضاً حصلت على أقل تقييم منك، بالكاد نقلني إلى الخطوة التالية لأرتقي وتبقى في محلك، تنادي بما لا تفعل، وتنتقد الجميع لكي لا يسبقك أحد في توجيه السهام، تتهمهم لكي تضعف حججهم في إثبات جرائمك.
عزيزي أما زالت خطوطك مستقيمة؟ أرجو أن تراجعها لتتأكد من سلامتها، عليك أن تعرف أن أرضك التي تقف عليها ليست مسطحة، بل مدوّرة؛ فلو سرت على خطٍ مستقيم لا شك ستخرج من مجالها وكذلك الحياة منحنيات وفجوات، ونحن خلقنا في فجوة، وخرجنا من فجوة، ونستمر في الدوران حتى نسقط في النهاية في فجوة، فلا تنزه نفسك، فلم تُخلق من زهرة، ولم تولد في خلية أحادية لا تنتمي لأحد، سلالة تاريخك مكتوبة عبر أسماء اشتركت في إنتاجك لتخرج بأصابع وسيقان وكفوف وأكتاف، كاملاً في كل شيء إلا تلك الفجوة التي ظلت فارغة في رأسك.