بين حواليس “اليحيائي” وشرطة “يوكو اوغاوا”

من الصدف العجيبة أن تقرأ روايتين بشكل متتالي لشخصين مبدعين استعملا نفس الأسلوب تقريباً في الكتابة، وهو أن يكون بطل الرواية روائياً يكتب رواية داخل العمل، والجميل في هذه المسألة أن لكل مؤلف منهما أسلوبه الخاص، فرغم تشابه الفكرة إلا أن العملين يطغى عليهما أسلوب المؤلف، وبما أن المؤلفين من بيئتين مختلفتين، رسم كل منهما عالمه في عمله.

اليحيائي رسم عالم خيالي اقتبسه من الواقع وحاكت شخصياته الحياة العمانية، ورسمت يوكو اوغاوا عالماً افتراضياً بالكامل يمكنك النظر من خلاله لملامح الواقع، وبهذا تكون المشاهد متباينة بين الكاتبين لكنهما يحاكيان خطاً واضحاً، فهما يخاطبان الشعوب.

اليحيائي كان بطله في الرواية روائي لكنه كان يلتمس لشخصياته أحداثاً من الواقع ولم يكتب روايته داخل الرواية لكنه ترك شخصيات الرواية التي خلقها البطل تتحدث لتضع علامات الاستفهام وتخلق إسقاطاتها في الواقع، أما يوكو اوغاوا فبطلتها كتبت رواية من شخصيتين وآلة كاتبة، لترسم مشاهد واضحة للقصة داخل روايتها ولا تتركها حتى تنتهي منها، إلا أن اليحيائي يوكو اوغاوا، اتفقا على اسقاط شخصياتهما على الواقع.

اليحيائي كانت روايته حواليس وهو اسم لعبة عمانية قديمة، كانت مشاهد روايته مطابقة لذلك الاسم فهي لعبة ملغزة يجب أن تربط خيوطها دون أن يضع اليحيائي إرشاداته لك، ليتركك تلتقط الخيوط وتستنتج ما يريد، بينما رواية شرطة الذاكرة يوكو اوغاوا اعتمدت الفنتازيا بشكل واضح لا لكي تلغي الحقيقة، بل لتجعلك تشاهد الواقع الافتراضي كحياة يقبلها البشر، وتعود لتسقط ما قرأت على الواقع.

اعتمد اليحيائي أسلوباً متداخلاً في الرواية بين شخصياته التي خلقها وشخصيات الرواية التي يكتبها بطل روايته والأحداث القديمة والحديثة، واعتمدت يوكو اوغاوا الأسلوب السلس بشخصيات واضحة سلوكها متسق مع فنتازيا الرواية.

اليحيائي يكتب عن عمان ماضيها وحاضريها، ما كانت عليه وما صارت إليه، يوكو اوغاوا بالتأكيد تكتب عن اليابان لكنك تستطيع أن تنقل أحداث روايتها لأي مكان تريد وفي أي زمن تختار.

انهيت الروايتين في أقل من عشر أيام ولا تزالان في أفكاري، فشخصيات اليحيائي العتيقة والحديثة اختلطت بخيالات يوكو اوغاوا التي رسمت شخصيات افتراضية، فلا انفك انتقل بين القمندان في رواية اليحيائي إلى المعلم في رواية يوكو اوغاوا، ولا ابرح افكر في أحداث عمان في “حواليس” حتى تخترقني أحداث الذكريات في “شرطة الذاكرة”

الروايتان تستحقان الاهتمام فالفكرة حرة يتبناها من يتبناها ولا اظن أن يوكو اوغاوا هي أول من ابتدعت أن يكون بطل روايتها روائي أو روائية، بل لا شك أنها اقتبست الفكرة مما قرأت لكنها بلا شك لم تكتب نسخة كربونية، بل وضعت أفكارها، وكذلك فعل اليحيائي في روايته، فبين اليحيائي يوكو اوغاوا، فكرة لذيذة يمكنك أن تتذوقها وأنت تقرأ.