بين لحظتين ..

لا أدري: هل أحمل قلمي لأكتب، أم يحملني قلمي على الكتابة؟ فالدوافع كثيرة والقلم واحد، وكلنا نكتب، بعضنا لديه غاياتٌ سامية وبعضنا لديه أهداف كبيرة وبعضنا أحلامُه صغيرة، ربما أكون الأخير، وربما أكون الأول، لكني أكتب لأملأ ذلك الفراغ المتنامي في نفسي بين الواقع الميت والفراغ، بين ما أريد وما أنا عليه فعلاً، فهناك نقطة يبحث عنها الإنسان طوال حياته، ولا يدركها وإن أدركها شارف على النهاية؛ لأن الكمال يعني النهاية التي لا تأتي قبل أن نصل إلى قمة معينة نستطيع أن نسقط من فوقها.

الفكرة التي تأتي لا ترحل، فهي تخرج من تلك الصراعات الغريبة في نفوسنا التي تُّصدر أشيائها من الـ لا شيء لتزعجنا وتعكرنا أو تسعدنا، وفي الحالتين، النفس تشغلنا بتلك الأشياء التي تتولد من لا شيء، ومن كل شيء، فالذكريات فينا، لكنها لا تستطيع الحركة، والنفس تلعب لعبة المكعبات تجمع تلك القطع في لحظات لتشكل لنا الصورة، ثم تعود وتبعثرها؛ ثم تشكلها من جديد وتنسفها وتنسفنا معها، وكأن الفراغ الكامن فينا يتجمع ليُصَدر لنا ما يريد وأحياناً يخدعنا ليوهمنا بما نريد، ونحن البشر نسير خلف دوافعنا الداخلية، غاياتنا وأهدافنا وأحلامنا، لا ندري ما الذي سيحدث في الغد فقط، بل في الدقيقة التالية، فالتالي مجهول والراحل ذكريات، ونحن نعيش لحظتنا فقط بقناعتنا أو رغماً عنا، سنعيشها.

الزمن ليس أنا وأنت؛ الزمن هو التراكم الذي نُحدثه خلفنا لنرسم الماضي المختفي من لحظاتنا، فأكون أنا كما رأيتموني، ونكون نحن كما رأونا، ونكون دولة، ونكون أمة بين لحظتين: فائتة وقادمة ونحن فقط اللحظة الوسطى التي تجمع بينهما، بين الماضي المحتشد بالذكريات والمستقبل الفارغ، وكأننا صفحات تُكتب؛ فالصفحة التي تمتلئ تُقلب لتخرج لنا صفحة جديدة فارغة ونحن الأقلام التي تملؤها.

لا أدري هل هي فوضى مشاعر أم فوضى أفكار، وأظنها فوضى الفراغ المتصارع مع المحسوس، الفراغ الذي ينصب لنا الكمائن من الذكريات لننطوي على أنفسنا، وننكفأ ثم نتلاشى.

سهامٌ ودروع

عن الرحيل أكتب ولم أصل إلى معنى واضح هل يعني رحيلي أم رحيلها؟ فكلٌّ منا رحل لما يريد وكلانا يحمل داخله سبباً يحميه ليدافع عن نفسه ويضع دروعه لتقيه السهام، تلك الأسئلة التي يلقيها من يعرفنا عند اللقاء تصيب مقاتلنا دون قصد وتُحيي فينا ضعفنا الذي نخفيه خلف الإجابات المترددة والغريبة التي نقولها، تهتز دروعنا ولا نتخلى عنها مؤمنين بأننا لا نريد أن نعود سوياً ويبقى السؤال الذي لا توجد له إجابة: من المخطئ؟

من تخلى عن الآخر ورحل، وهل للرحيل ملامح تصفه غير الأسئلة التي تضع حدود العلاقة بين سهمٍ ودرع؟ بين (لمَ) و (هكذا)؟ وتموت الرماح وتثقب الدروع عندما نجلس في وحدتنا نسترجع الذكريات التي تُطل علينا من ثنايا الذاكرة لتلك الكلمات واللمسات، حينها فقط ندرك أننا كاذبون نلبس ثياب النزاهة لنبرأ أنفسنا من الخطأ الذي نتج عن خطأ ومن الحب الذي نتج عن لقاء ومن الجرم المتمثل في الرحيل، كلانا طعن الآخر ورحل وعلينا أن نعالج أنفسنا منفردين هذه المرة وننسى أننا كنا نقف سوياً في كل المواقف السابقة.

أنا، حينما كنا سوياً كانت الأنا تجمعنا، أنتِ جزء منها أرسم نفسي فتوجدين بجواري دون أن أشعر أن رسْمي انعكاس لصورتك التي غرُست فيَّ، زُرعت معي في قلمي وفي عيني وفي تلك الضلوع التي تحن لتلك الملامح التي يحددها الجسد وذكرياته، حينها كنت أجد الطمأنينة تتدفق لضلوعي المرتعشة فتهدأ، ولذلك القلب الضعيف فيقوى، فأبدي بعد ذلك الاستقرار كل الشجاعة وأقتحم عوالمك المجهولة دون تردد.

الرحيل ينتزعنا وينتزع منا، يأخذنا بعيداً ويأخذ منا، ويضع النقطة في نهاية تلك الفقرة من حياتنا، لكن النقاط لا تعني النهاية والفواصل لا تعني الطعون، فالألم لا يرحل بالغياب والذكريات لا تمسحها المسافات، عند كل رحيل نفقد جزءاً ينتزعه الآخر ليحتفظ به في خزانات الزمن، وأنا انتزعت تلك القطعة ومعها مساحة من حياة عشناها لأستعيد منها الجميل والمؤلم.

من مفارقات الحياة ..

كنا صغاراً نلهو بما نجد،

وأصبحنا كبارا نتلهى عما نجد،

في الصغر كنا نريد أن نكتشف الأمور،

وفي الكبر صرنا نهرب من الأمور التي اكتشفناها.