قراءة في كتاب “رواية الكتيبة 17” للروائي هاشم محمود ..

في بعض الأحيان تكشف لنا الرواية واقعاً لم نكن نعرفه أو تطلعنا على حقبة زمنية معينة لنكتشف من خلالها تلك المرحلة بأحداثها وشخوصها، وهذا بالفعل ما وجدته في هذا العمل الجميل حيث كشفت لي بعض الأمور التي أجهلها عن إرتيريا كأرض وشعب وتاريخ .

تتحدث الرواية عن حقبة زمنية محددة وهي السنوات الأخيرة من الاحتلال الإيطالي لإريتريا وبداية انكماش النفوذ الإيطالي وتمدد النفوذ البريطاني ويبين الكاتب من خلالها الكثير من الجوانب المهمة في تلك الحقبة كالمقارنة بين أساليب الاحتلالين، والمقارنة بين التسامح الديني السائد في تلك الفترة بين أطياف المجتمع الأريتيري والنفور الحاصل حالياً في هذه المسألة . 

تعتمد الرواية الأسلوب التقريري في أغلب الأحيان ويصبح تتبع المعلومة هو الأهم لدى القارئ ولا نجد صدى للعاطفة أو العوامل النفسية إلى في موضعين، الأسرة والحبيبة، في مشهدين متباعدين في بداية الرواية ونهايتها، المسألة الدينية كان من الممكن أن يوظفها الكاتب بأسلوب نفسي وعاطفي أفضل .

العمل جميل يحمل الكثير من المعلومات المفيدة، لأي قارئ، لا يتجاوز الكتاب 167 صفحة أي أنه من الأعمال الصغيرة نسبيا  إلا أن المرحلة الزمنية التي يعالجها مرحلة مهمة وغائبة عن المجتمع العربي.

قراءة في رواية العالم لـ خوان خوسيه مياس ..

أظن أن أي كاتب سوف يقرأ هذا العمل سيشعر بسهولة أن كاتب الرواية يتحدث عن نفسه ، ولا تعني هذه النقطة شيئاً في الواقع ، لكن صياغة نقاط الارتكاز التي تتضح كبؤر في حياة الكاتب يعود إليها في أعماله دائماً وهو الأمر الذي يشير إليه الكاتب بانتظام في روايته العالم والتي أستطيع أن أسميها عالم مياس الذي جعله يكتب، يجعلنا نركز في الأحداث لنكتشف الكاتب نفسه .

الرواية سلسة وأستطيع أن أجزم أنها كذلك بلغتها الأصلية التي كتبت بها، لأن الكاتب يتحدث عن نفسه دون قيود، بل يرحل عنها ويعود إليها دائماً، يكرسها في أعماله ويستوحي منها ويضيف إليها المزيد من الأحداث، ثم يعود ويضع نقطة ارتكاز أخرى في الحدث نفسه كأنه كان يكتب من ذاكرته المجردة دون أن يكون هناك إعداد مسبق لما يريد أن يكتب.

الخيال الذي يتحدث عنه الكاتب والذي تشك أحياناً أنه حقيقي في بعض القصص ثم تبدأ تشكّ هل القصة كلها خيال أم واقعية أو أن بعض أجزائها واقع والآخر خيال، فمهارته حين يضع مشهداً خيالياً في وسط مشهد حقيقي ينقلك لتصور آخر ثم يعيدك لنفس المشهد الحقيقي فتبدأ المقارنة بعد أن تنتهي من المشهد لتكتشف ما هو حقيقي وما هو مزيف إن استطعت التمييز .

أظن أن كل من سيقرأ الرواية سيقرأها بسلاسة، لكن من يستطيع أن ينتزع منها الحقيقة ومن يستطيع أن يكتشف الخيال ومن سينقل الحدث على أرض الواقع ليعرف ما يعنيه الكاتب من أبعاد في قصص أثرت فيه لدرجة أنها أصبحت نقاطاً عميقة في نفسه يعود إليها لاشعورياً في أي زمانٍ ومكان، وهنا نجد أن الكاتب حبيس تلك المواقف التي تسكنه، كل مشاهد الطفولة من بؤس وألم وخيال وإغراء وأمل، تسيطر عليه لدرجة أنه لا يستطيع أن يتخلص منها  وإن اجتهد وإن تعاطى الحشيش أو أي شيء آخر يساعده لكي ينفصل عن الواقع، واقعه الذي يعيشه في داخله وحفرة اللاانتماء التي يعيش فيها .

ورغم أنه لا ينتمي إلى عالمه يكتشف أن العالم كله يعرف أنه مياس، كرس هذه المسألة في المشهد الأخير من الرواية حين ناداه الرجل “مياس أرجوك ساعدني” كأنه اكتشف أن مياس هذا ليس والده، بل هو نفسه موجود في واقعة حقيقة وإن لم ينتمِ هو لعالمه فعالمه ينتمي إليه بالفعل .

الكثير من الإسقاطات في الرواية يمكننا أن نقف عندها فالكاتب ربط بين أمور كثيرة نكتشف بسهولة أنه لا يربطها شيء حقيقي لكنها ترتبط في عقله بين حالة عاش فيها، وآلة كالمشرط مثلاً أو القيد الذي وضعه في حياته “فوبيا الأماكن المزدحمة” وعودته من النافذة للبدروم الذي كان يراقب من خلاله الشارع لم يتخلص من هذه المسألة لأنه عاد من النافذة نفسها لمكانه ولم يغير وجهته ويعود من الباب الصحيح .

الدين في الرواية، الكنيسة، الألم، جهنم، الجنة، لا تغيب عن واقع الكاتب الذي قال “فكرة الخلاص في ثقافتنا ترتبط بتفادي جهنم أكثر من الفوز بالجنة” وكأنه يخاطب المجتمع سواء كان مسيحياً أو يتبع أي دين آخر في الأرض، ورغم ذلك يبتعد عن الدين ثم يعود إليه، يهرب منه ويجده أمامه في كل مكان، يفر من الأكاديمية التي تشرف عليها الكنيسة لما عاناه فيها من تعذيب ليعود ويلتحق بمدارس اللاهوت ليصبح قسيساً ثم يخرج من كل هذا ويصبح كاتباً، لكنه لا يستطيع أن ينسلخ من الدين الذي يحاصره، ولا من الرماد الذي سيؤول إليه كما آل إليه الراحلون قبله .

الرواية جميلة وسلسة والعالم هو عالم خوسيه مياس الذي لا يريد أن يستغني عنه، تقع الرواية في نحو 240 صفحة وترجمتها جيدة جداً .

هكذا كانت الرواية ..

هذه المقدمة كتبتها مقدمة لروايتي وهي تجسد الرواية كما تصورتها وكما كتبتها .

مقدمة

حين تكتب عن الواقع وتحصر نفسك في مجتمعك تجد أن أكثر الأفكار مستهلكة وتم التطرق إليها سواء بعمل روائي أو عمل تلفزيوني أو مسرحي، لذا حاولت أن أرسم صورة المجتمع في هذه الرواية ضمن أجزاء من الواقع عبر شخصيات ترتبط كلها بشيئين الحب والمال، ولم أربط هذه المسألة من فراغ، فمادية المجتمع أحياناً تجبرك على أن ترسم صورة المال بشكل جميل، لا لكي تعطيه قيمة أكبر من حجمه، بل لكي تأصل أن المال وسيلة وليس غاية نسعى إليها .

كل شخصية في الرواية تنحاز إلى مسألة معينة، وضعت معالجتها وفق تصوراتي الشخصية، المستمدة من تراكمات الخبرة والمشاهدة وبعض القراءات، النظرة إلى المرأة، قيمة الأشياء، قيمة السعادة، العلاقات العاطفية، المرأة التي تضحي لأجل أبنائها، الانحراف الأخلاقي والسلوكي، الأعمال الخيرية، قيمة المرأة كإنسانة له مشاعرها ورغباتها وأهواؤها، علاقة الجنس التي ربطتها بالعاطفة كمكمل لعلاقة الرجل بالمرأة في إطارها السليم .

انطلقت سريعاً في هذه الرواية، فقد استهوتني شخصياتها: الفتاة الغنية والرجل الماجن، والعاشق الصامت، والشاب المكافح، ما يربطهم وكيف تتغير كل شخصية، الأمور الصغيرة التي يمكنها أن تؤثر فينا بشكل حقيقي وتغير حياتنا بالكامل دون أن نكون مستعدين، علاقاتنا وكيف نبنيها ونهدمها، كل هذه الأمور استهوتني وأنا أكتبها ، إلا أني عانيت كثيراً في نهاية الرواية ، فالأفكار موجودة ويمكن أن أحشو الصفحات بأحداث أكثر إثارة ، لكني رأيت أني سأشوه الصورة التي رسمتها لو أني أضفت المزيد من الأحداث، فحالة الاستقرار حين تحدث لا تنهدم بسرعة، أو لنقول إننا نتمسك بحالة الاستقرار لنتمكن من الاستمرار في الحياة بشكل مريح .

لا تجسد شخصيات الرواية شخصيات حقيقية، وأي تشابه في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة .

تحياتي

جابر عتيق .

قراءة في كتاب “رسائل من المنفى” للكاتبة : بدرية حمد .

لا يجب أن أكتب الكثير عن هذه الرواية، لأنها رواية من الصعب أن تتحدث عنها، بل يجب أن تعيش فيها لكي تستمتع، فما مر بي وأنا أقرأ فصولها كان شعوراً مختلفاً لأبعد الحدود ربما لأني أنتمي لتلك الحقبة الزمنية التي تعايشها الكاتبة في روايتها ووصفتها بأسلوب محترف يجعل القارئ ينتقل من صورة خيالية يتوقعها في أي رواية لمحاولة تخيل الأحداث ومعايشتها بشكل أعمق وأدق .

رواية رسائل من المنفى ربما تكون صرخة نسوية، ربما تكون محادثة مع الزمن، أو مرحلة ذكريات، كل تلك الأحداث تمر في الرواية من الحياة التي تعيشها بطلة الرواية الطفلة “منيرة” حتى تصبح فتاة، ثم سيدة، ثم أم وجدة فيما بعد، وتعرض الحواجز والأسوار الموجودة في المجتمع والقيود التي يضعها الإنسان لنفسه .

البداية مرحلة مميزة في الرواية تستعيد الماضي بقوة، تصف فيها الكاتبة المكان والزمان والأشخاص بدقة، حتى تلك الأحداث الصغيرة التي ربما نسيناها مع تقدم العمر، أسلوب البشر في الحياة في تلك الحقبة، طريقة تعاملهم، أفكارهم، عاداتهم، كلها تتجسد في البدايات، وكأن الكاتبة أرادت أن تكرس الصورة التي تعيشها فتاة صغيرة تبني شخصيتها دون مساعدة، تُنمي قدراتها في وسط مجتمع صغير داخل المنزل، ثم مجتمع أكبر في الحي، ثم المدرسة، فتاة تراقب كل ما حولها لتعرف كيف تتصرف وكأنها تبني عالمها لتخبئ فيه شخصية مميزة، تكافح نظرة المجتمع وتخطط للاستمرار في النجاح.

تكبر بطلة الرواية وتكبر معها الأحداث وتنمو مشاهرها وأحلامها ورغباتها، والمسؤوليات، والمشاكل، وتنتقل في المراحل العمرية وينتقل معها القارئ في تلك الظروف، يتعقب الذكريات التي تنقلها عبر دفاتر الذكريات الكثيرة التي كتبتها كديوان لحياتها .

لهذه الرواية جاذبية، لا يمكن أن يتجاوزها أي شخص عاش تلك الحقبة الزمنية دون أن يقف عند الكثير من أحداثها، لكن أتوقع أن تلفت نظر الشباب من الجنسين لأنها ترسم لهم الحياة التي عاشها آباؤهم وأمهاتهم، وتساعدهم على رسم صورة البدايات والماضي، بأسلوب سلس وممتع، بعيد كل البعد عن الحشو وزخارف الجمل المنمقة .

الجانب القوي في الرواية هو الإحساس الذي تبعثه لدى القارئ بصدق ما يقرأ، فيقع تحت التأثير المباشر للأحداث والشخصيات، ليكتشف أن ما تريده الكاتبة أعمق من مجرد قصة ترويها، بل يتجسد في صراعات متفرقة، بين النفس ذاتها وبين الأسرة والمجتمع، وبين رغبات وأهواء وأماني، صراعات تمر في الزمن دون أن تنتهي ويخرج الإنسان من تلك الصراعات ليعود إلى ذكرياته من جديد يعيش فيها حتى النهاية .

أنصح بقراءة الرواية فهي رواية ممتعة ترسم صورة المجتمع القطري في السابق، حياة المرأة وما تمر به من تحديات عاشتها النساء في ذلك الزمن .

تقع الرواية في 270 صفحة من الحجم المتوسط .

قراءة في كتاب الواقع في قصص للكاتبة / بدرية حمد .. 

الكاتب / بدرية حمد .

كاتبة قطرية .

اسم الكتاب/ الواقع في قصص (مجموعة قصصية قصيرة)

عدد الصفحات: 67 .

     مختلفة هذه المجموعة القصصية، رغم صغرها ولا أعرف لماذا لم تكتب السيدة/ بدرية المزيد من القصص، فما طرحته كانت قصص من واقع الحياة، وأظن أن لديها أفكاراً أخرى وقصصاً لم تكتبها، وأنا شخصياً يحزنني أن أجد قلم مميزاً يملك من الإمكانات ما يؤهله لأن يصل إلى أعلى الهرم لكنه يقف عند نقطة محددة ولا يكمل المشوار .

     نعم السيدة/ بدرية حمد تملك القدرة على رسم المشهد وتحديد إطاره للقارئ ليقف على رسائل القصة دون أن يجد تعقيدات أو إيحاءات تخرجه عن السياق، وكل هذا ضمن جمل سلسة يستوعبها القارئ بسهولة ويستمر ليصل للنهاية، ويعيد النظر في المسائل التي مرت في الحياة دون أن يلقي لها بال، ليعرف تأثير الموقف على الشخص الذي عايشه .

     كل قصة في هذا الكتاب تحكي واقعاً وتركز بؤرة ضوء على موضوع وليس بالضرورة أن يكون الموضوع مشكلة أو قضية، بل ربما يكون تصحيح لوجهة نظر أو قراءة مغايرة للرأي السائد، وهذا يعطي الكاتب نجمة إضافية على مقدرته الجيدة في تصوير حقبة زمنية ونقلها عبر السرد لتُصل للقارئ الذي عايش تلك المرحلة صور معين، وترسم شكل ذلك الزمن للجيل الذي أتى بعده .

     الجميل في هذه المجموعة القصصية أنها تحكي واقع المرأة بمراحلها المختلفة الطفولة الشباب وما بعد الزواج، وترسم تلك المشاكل التي يظنها الرجل أنها تافهة، لتنقل تأثيرها في النساء، وتصور مدى اتساع الفجوة بين نظرة الرجل ونظرة المرأة لتلك المشاكل، وتلقي الضوء أيضاً على مشاعر المرأة ومخاوفها ومدى تأثير تلك المشاعر والمخاوف على واقعها .

    أعود وأكرر هذه الجملة في كل مقال أضعه لكاتب قطري، لماذا هذا البخل؟ لماذا لا تخرج الأفكار على شكل كتب؟ وإن خرجت لماذا تكون قليلة؟ الساحة الأدبية تحتاج كل قلم مبدع أن يعطي أفضل ما عنده، والساحة متسعة للجميع، وأنا أناشد السيدة/ بدرية حمد، ألا تتوقف ، فقد اطلعت لها على أكثر من مقال وهذه المجموعة القصصية، وكل ما حصل أن قناعتي زادت أنها تملك إبداعاً لم نشاهده بعد .

     

قراءة في كتاب ( العبودية المختارة ) لـ .. إبتان دو لا بويسي

سمعت عن هذا الكتاب أو بالأحرى المقال لكن لم أفكر في قراءته سابقاً، وبعد أن قرأته اليوم، وجدت أنه جميل، لكنه في حقبة سابقة في عهد الملوك في فرنسا، وذلك الزمن يشبه لحد كبير زمننا في المنطقة العربية والشرق الأوسط عموماً وسيجد من يقرأ هذا الكتاب الكثير من التطابق لدى الشعوب العربية المستعبدة، والتي يفرض عليها حكم دكتاتوري ملكي أو عسكري، يستعبد الشعوب ويسوقهم كالقطعان .

يتحدث الكاتب ويقول: إن الشعوب هي من تصنع الظالم، وهو محق فالظالم لا يأتي من الفضاء، بل هو بشر مثلنا له نفس التكوين البشري، العقل والحواس إلى أنه يتسلط على البشر ويملكهم، وهو ينساقون خلفه، سواء إعجاباً به أو خوفاً منه، لكن الكاتب يتهم الشعوب بأنه تنساق خلف الحاكم وتنظر إليه بإعجاب في الكثير من المواقف، فهم كالقطيع الذي يسير خلف الراعي دون تفكير، ودون أن يحاول أحدهم أن يسلك الطريق وحده، ويتساءل الكاتب لما هذا الانسياق غير المبرر؟

ثم يعود ليأصل مبدأ الحرية فالحرية في منظورة تنشأ في فطرة الإنسان وهي أصيلة في نفسه، أي أن الإنسان لا يستحب العبودية ولا يرغب فيها أن نشأ على أساس صحيح، وتربية صحيحة، فرفض العبودية ينبع من داخل النفس البشرية، ولا يتعلمونه، فالحرية هي الأساس والاستعباد وضع يُفرض على البشر، ويُفرض بأساليب عنيفة .

يوزع الكاتب الحكام على ثلاثة أصناف، *حاكم أخذ الحكم بقوة السلاح وهو الحاكم المتجبر بطبعه، *وحاكم أخذ الحكم بالوراثة، فهو نشأ في بيت سلطة تعلم أساليب الظلم من صغره، ونشأ على مبدأ أن المُلك للمَلك، *وحاكم يختاره الشعب ثم يتمكن منه ويسيطر عليه ، ويتحول إلى ظالم نتيجة ما يجد من تأييد مطلق ونفاق، وأشخاص يريدون أن يرضى عنهم بأي وسيلة، ورغم ذلك يرى الكاتب أن اسوء الشرور هو الحاكم الذي اختير من الشعب، (الحاكم المنتخب)، وعلينا أن لا نهمل هذه القراءة في زمن كتابة المقال فهو في عام 1840م، والديمقراطية لم تنل شكلها النهائي .

يتحدث الكاتب عن أن استعباد شعب حر يحتاج صلابة حتى يروض، لكن الجيل الجديد ينشأ تحت وطأة الذل والهوان والاستعباد بكافة أشكاله، فيكون هو الوضع الطبيعي في الأجيال المتلاحقة التي تنشأ تحت نفس الظروف، فيستسيغون العبودية، وينظرون إلى الحُكام على أنهم يفعلون الصواب ويعود الكاتب ويؤكد أن الحرية هي الفطرة الصحيحة في بني البشر وأن العبودية والاستعباد قهر يُعود الإنسان عليه.

حين يتحدث عن التغير يقول: أن التغير له أكثر من صفة، فتغير النظام الظالم هو الصحيح، والخطأ هو تغير الوجوه الظالمة بوجوه جديدة، فالوجوه الجديدة هذه وإن كانت حسنة نوعياً، إلا أنها تتبنى نفس آليات النظام الظالم وتطبق المعايير التي تخدم الحاكم الجديد، فالحُكم من وجهة نظره هرمي، أي أن الحاكم يحيط به خمسة أشخاص يستفيدون منه وينفذون أوامره، وهؤلاء الأشخاص يديرون 500 شخص أسفل منهم، بنفس منظور الفساد الذي يدير به الحاكم الخمسة الأساسيين، والخمسمئة يديرون خمسين ألفاً يتوزعون على أماكن مختلفة ومناصب مختلفة، والخمسون ألفاً يديرون عدد أكبر في مناصب أصغر بنفس منظومة الفساد، أي أن الفساد هرم يبنى من الأعلى إلى الأسفل، يجمع الظلمة بطبقات مختلفة وأساليب وممارسات لخدمة نظام ظالم تحت حكم رجل واحد يسيطر على الجميع، وأي تغيير لا يشمل النظام بأكمله، يعتبر تغير وجوه لا أكثر، وأن النظام الظالم باقِ على حاله .

حين يتحدث الكاتب عن فرنسا لم ينتقد الملك، رغم أنه استرجع مواقف كثيرة من التاريخ خصوصاً في زمن الرومان واليونان، بل قال حين تحدث عن فرنسا: وحتى لو لم يكن الأمر كذلك لما رغبت في خوض نقاش حول صحة أخبارنا ولا تفنيدها لكيلا أفسد جمال شعرنا الفرنسي الذي يتبارى فيه شعراؤنا، ويقول إن الملك اختاره العلي القدير وهذا تناقض واضح في مقاله فحين ينتقد الظلم والاستعباد يمتدح ملك فرنسا ويرفض الخوض في مثالب المملكة، ربما بنى موقفه هذا نتيجة قربه من الطبقات العليا وزواجه من نبيلة .

يتحدث عن تأثير الحاشية على الملك أو السلطان أو الحاكم، لكنه يقول عن تلك الحاشية في الصفحات الأخيرة: أنهم رغم الفوائد والامتيازات التي يحصلون عليها إلا إنهم في خوف دائم، وترقب، وكأنه يشير أن لديهم يقين أن الملك لم يبقى راضياً عنهم للأبد، مقتنعون بشكل ضمني أن الملك ربما يتخلص منهم في أي وقت وفي ذلك الحين الشعب المستعبد لن يلعن الملك، بل سيلعن حاشيته سواء كان الملك قريباً منها وراضياً عنها أو حين يستغني عنهم ويذلهم أو يتخلص منهم، سيلعنهم الشعب لأنهم كانوا هم العطا التي يستخدمها الملك، فالشعب يرى العصا ولا يرى من يأمر بإستخدامها .

قراءة في كتاب .. رواية : لغاية آخر نفس .. للكاتبة ( عائشة الخليفي ) .

لغاية اخر نفس

     حين تبدأ في قراءة رواية مهداة من أحد الكتاب ، يرافقك شعور غريب، هل هذا الكاتب يستحق الإطراء على عمله أم أنك ستضطر للمجاملة، لكن حين بدأت قراءة الرواية لم أتركها حتى أنهيت فصولها الستة، وكانت الرغبة في إتمام تلك الفصول التي زرعتها الكاتب في سطور الرواية وربطتها بأحداث تحكيها المها بطلة الرواية بتناسق فريد، وأسلوب سلس لا يبعث فيك الملل ولا يجنح للأسلوب المعقد الشائك الذي نراه في الكثير من الروايات لمجرد أن الكاتب يريد أن يثبت قدرته على الكتابة فقط .

     هي رواية صغيرة الحجم تقع في 115 صفحة من الحجم المتوسط تتسلسل أحداثها مع البطلة من سن الثامنة عشر، والارتباط بالزواج، ثم الفشل، ثم النجاح وتحقيق الطموح، في تسلسل رائع وأسلوب جذاب، يربطك بالشخصية الرئيسية في الرواية، فتبحث بين السطور عن تلك الصغيرة التي تخرج من عالم صغير نسبياً إلى عالم كبير، بمسؤولياته والتزاماته ومشاكله، لتكتشف مع المها بطلة الرواية أن كل هذا لا يكفي لتحقيق الذات، وأن النجاح لا يتكون وأنت ظل لأحد بل يجب أن تكون أنت النجاح، وأنت الذي ترسم حدود ما تريد الوصول إليه .

     الرواية جميلة ومشوقة، لكنها تفتقر لبعض الأشياء، تفتقر للتفاصيل التي كانت ستعطي الرواية أبعاداً أكبر ومعاني إضافية تجعل وزنها أدبياً أكبر، أتعجب من يملك هذا الأسلوب المشوق المعبر أن يبخل في إضافة المزيد على العمل الأدبي ليعطيه الدافع ليبقى كعمل ذا قيمة لفترة أطول، بل ربما يكون مرجعاً في الأسلوب والفكر .

     تعالج الرواية مسائل في حياة الفتاة القطرية، وذكورية المجتمع، وبعض هذه الجوانب في هذه الفترة شبه اختفى، لكنها تضع بقعة ضوء جميلة، رغم اختفاء تلك العادات التي كانت متأصلة في المجتمع .

     تباعد بعض المراحل، في الرواية يكاد أن يُخرج القارئ من نسق الرواية وكذلك الحوار أحياناً، وأعود وأكرر أن الرواية جميلة جداً لكنها كانت تحتاج إلى تفاصيل تجعل الشعور أعمق وأقوى، وتأصل الشعور لدى المتلقي.

عائشة الخليفي : يجدر بي أن أقدم لكِ التحية على هذا العمل الأدبي الرائع، وأتمنى أن أرى أعمالاً في المستقبل تنقلك من صفة الكاتبة المحلية إلى آفاق جديدة أكبر، القلم الذي يستطيع أن يشد القارئ يملك إبداعاً لا يجب أن ينقطع ، ويجب ألا يخمد، بل يجب أن يستمر . 

قراءة في كتاب ( في ظلال جدي ) للكاتبة د.هيا المعضادي ..

IMG_20191009_194708

كتاب صغير جداً به قصص قصيرة ، ظننت في البداية أني سأعاني حتى أكمله لكن وجدت العكس تماماً ساقني الأسلوب الجميل إلى أن أنهيه في جلسة واحدة، لفت انتباهي قصص البداية التي كتبتها د. هيا المعضادي وهي تروي قصة طفلة تتحدث عن تفاصيل حياتها اليومية ، تتحدث عن الأشخاص الكبار الذين نشاهدهم عظماء ونحن في سنٍ صغيرة تتحدث عن الأشياء العادية التي كنا ننظر إليها باندهاش وانبهار ونحن صغار، كأنها تكتب بدايات الحياة البسيطة لتقول لنا انظروا الفرق الهائل بين الماضي والحاضر، وأظن أن ما كتبته على لسان الطفلة يمثل شيئاً من واقع حياتها هي في الستينيات، ورسخت به تفاصيل الحياة في ذلك الوقت بعين طفلة.

بعض القصص كانت تجمد موقفاً أو تصف موقفاً واحداً فقط لكنها شيقة تثير الأفكار والتساؤلات ، ولفت انتباهي القصة الأخيرة (بعيداً عن الديرة) وهي تتحدث عن أسرة كويتية كانت في ضيافة أسرة قطرية في فترة غزو العراق للكويت ، ولفت انتباهي أنها لم تذكر اسم أي دولة، ولا اسم أي رئيس، ثم اكتشفت أني أركز على الشخصية الرئيسية في القصة (لولوة) فكل شيء يقودك إلى أن تتبع تلك الشخصية.

يمكنها أن تكتب أكثر أو لماذا لم تكتب أكثر؟ هذا بالضبط ما خطر في بالي عندما انتهيت من قراءة المجموعة القصصية فالأسلوب الذي تكتب به د. هيا أسلوب شيق وممتع لم أطلع على إصدارات أخرى لها لكني أتمنى ألا يكون هذا هو الإصدار الأول والأخير.

قراءة في كتاب ( فراش الشيطان ) لـ خيري رمضان .

فراش الشيطان لخيري رمضان.jpg

كتاب جيد ، هو عبارة عن قصص أرسلها القراء لمحرر في إحدى الصحف، تتناول مشاكل شخصية كلها تتمحور حول العلاقات الأسرية والعلاقات المحرمة، وانحرافات البعض، سلوكياً وأخلاقياً، ويذيل المحرر القصة ببعض النصائح ويستقبل بعض الردود المتفاعلة مع تلك القصة التي نشرت .

     يعتبر الكتاب للعبرة أكثر منه للمعرفة، لأنه تدخل فيه الكثير من الأمور الشخصية والدوافع الفردية التي يحيكها أصحابها ربما للتخلص من تأنيب الضمير أو الاعتراف بأخطائهم خلف أسماء مستعارة أو لمعرفتهم السابقة بأن أحداً لن يعرف من هو صاحب القصة الحقيقي .

     أنا شخصياً لا أحب هذا النوع من الكتب، مع أني استمتع أحياناً ببعض القصص التي أجدها وأنظر إلى بعض القصص على أنها مفبركة لتكمل الشكل العام للكتاب، ولا أدعي هذه النظرة السلبية من قراءتي لهذا الكتاب لكني أشك أن بعض القصص حصلت بالشكل الذي رواها الكاتب .

     يقع الكتاب في 207 صفحات من الحجم الصغير، الكتاب شيق في بعض جوانبه ، ومؤلم في جوانب أخرى، وهو ممتع لمن يحب هذه النوعية من الكتب .

قراءة في كتاب ( رواية الشيطان والانسة بريم ) لـ باولو كويلو ..

9789953882550-uk.jpg

 الشيطان والآنسة برايم ، أو الشيطان هو الآنسة بريم ، أو شخصية الشيطان تنتقل من شخص لآخر لتضع ملامح الإنسان وأمانيه وخيالاته ، انتصرت الآنسة بريم على الشيطان ، لتكون شيطاناً بملامح أخرى وأفكار أخرى ، لتصبح شيطاناً يستطيع أن يستغل الشيطان الذي كان يهدده ، ويبتزه نفسياً .

 تحمل الرواية الكثير من المشاعر، والتناقضات النفسية ، وهذا شيء جُسِّد بشكل جيد ليمثل النفس البشرية التي تتقلب في الأفكار بين الشر والخير بين الرغبة والطموح، وبين ما تريده هي وما يريده الجميع ، والطمع فيما هو للجميع ، والأفكار التي تتسلسل ، لتصل بصاحبها إلى هدفه، وإن كان هدفها نبيلاً يحمي المجتمع، لكنها لا تخلو من أطماع النفس البشرية التي تريد أن تستحوذ على القيمة دون الجميع .

 هو الشيطان يغزل مكائده حول البشر ليرتكبوا الجرائم والمعاصي برغبة، وطمع، هو الشيطان الذي، يكسر الصور النمطية ويقلب المجتمع ليتصارع مع ذاته، فيدمرها، فالشيطان على شكل بشر، والإنسان يسير بعقل شيطان ، والرغبات والأطماع، يمكنها أن تدمر الأشياء الجميلة ، وتكسر الهدوء لتأتي بالصخب والضجيج، والدماء .

 الرواية تجسد كل تلك المشاعر في صراع بين الآنسة بريم والشيطان الذي يمثله الشخص الغريب، المجهول، وبين صراعات الآنسة بريم مع نفسها وعقلها، ومجتمعها، مع رغبتها في المال، وخوفها على المجتمع ، والصراع في المجتمع، والعقل المسير نحو الطمع، الذي يلغي كل الاعتبارات من أجل المال، ثم تأتي الأفكار البسيطة لتكسر تلك الصورة وينتصر العقل والأفكار السليمة، على كل الأفكار الخبيثة، تأتي الآنسة بريم في صورة ملاك، لكن ذلك الملاك يستحوذ على الثروة ويدع المجتمع في صورته النمطية العتيقة . 

 الرواية ممتعة ، وبها الكثير من العبر وتجسد النفس البشرية وصراعاتها، رواية صغيرة لكنها مفيدة أنصح بقراءتها .

 

قراءة في كتاب ( دراسة استشراقية في المذهب الإباضي ) للكاتب جون كرافن ولنكنسون .

Bn_T8teIUAAtk1Y

 كتاب أو لنقل أنه يجمع بين الكتاب المفيد والمرجع، وهو يتطرق للفكر الإباضي منذ البداية وحتى نهاية حكم الأئمة ثم يسرد التاريخ للقرن الثاني عشر، يقع الكتاب في ما يقارب الستمائة صفحة مقسماً إلى عدة أقسام حسب مراحل تطور الفكر الإباضي وحتى تحوله لمذهب، لا يطرح الكاتب فكر الخلاف مع المذاهب الأخرى من منظور ما هو الصحيح وما هو الخاطئ، بل يطرح تلك الأفكار ويناقشها من خلال الجدل الذي يقع بين الأئمة والمفكرين في الإباضية ، ووجهة النظر الراجحة، وتبني الفكرة النهائية، وهذا دليل على حرفية الكاتب حيث إنه لم يخرج من الإطار العام لأبحاثه التي حددها في الفكر الإباضي بكل أفكاره ومراحله .

يتناول الكاتب الأنساب بشكل مكثف في بداية الكتاب، ويركز على أشخاص معينين ثار حولهم الكثير من اللغط والكثير من الجدل، فيضع بعضهم في الواقع كشخصيات كانت موجودة ومؤثرة، وينسب بعضهم للخيال أو الأسطورة، وهذا أمر واقع للكثير من الشخصيات في بداية تكون الدولة الإسلامية، حيث لم يكن التوثيق معتمداً بشكل كبير إلا للكتاب ( القرآن ) والسنة النبوية، وكذلك كثرة الفِرق التي كانت تعمل في الخفاء وكانت تنقل تعاليمها ومعلوماتها بشكل شفهي دون ترك أي مستند يدينها ، لتتجنب الملاحقة .

يُرجع الكاتب الفكر الإباضي بشكل عام للعمانيين ، من الأزد وكندة ويتحدث عن هجرتهم مع الفتوحات الإسلامية وبالتالي نشاطهم في البصرة وأبعد منها في أقاليم مثل خراسان وكيف انتقل ذلك الفكر للحاضنة الرئيسية عمان، وكيف تطورت ونشأت الإمامة هناك، ويُفصل في طريقة اختيار الإمام ، ثم ينتقل إلى تاريخ الأئمة، وتبلور الفكر الإباضي في زمنهم، والصعوبات التي واجهتها الدولة، والأزمات كذلك، ويشرح كثيراً كيف كانت إدارة الدولة، والأحكام الشرعية في إدارتها، وتطرق إلى قانون البحار لأن الدولة العمانية كان لها نشاط قوي في هذا المجال ولم يكن هناك الكثير من الأحكام في هذا الجانب لدى المذاهب الأخرى، كما تطرق إلى أنظمة الري والزراعة والتجارة، والكثير من الجوانب .

الكتاب بشكل عام ذو قيمة معلوماتية عالية ، لكن لا أظنه هو الوحيد الذي يمكنه أن يرسم الصورة كاملة عن الفكر الإباضي ، ولو أردنا أن نراجع ذلك الفكر يجب أن ننظر إلى ثلاثة جوانب مهمة ،

1 – ما كُتب من الإباضية أنفسهم.

2 – ما كُتب في نقد الفكر الإباضي.

3 – ما كُتبه المستشرقون في هذا الجانب.

هذه الصورة التي تكونت لديّ بسبب أن الكاتب كان يركز في مراجعته على كلام المستشرقين بشكل كبير ورغم أنه يرجع إلى بعض المراجع العمانية إلا أنه ينظر لما كُتب من المستشرقين أولا ثم يعود لما كُتب في المراجع العمانية، أو ما وجده لدى المؤرخين العرب، ولا أخالفه الرأي في أن الكثير من المراجع العربية التي تؤرخ لتاريخ الدول تتأثر بسلطان الحاكم، وتتلون حسبما يريد .

هذا الكتاب جعلني أنظر إلى الفكر الإباضي بشكل أوضح، وبسببه عرفت جوانب لم أكن مطلعاً عليها سابقا، كما أنه صحح لديّ بعض المفاهيم التي كنت أعتقد أنها صحيحة، ولذلك أنصح بقراءة الكتاب وأنا متأكد أنه لن يعجب الكثيرين لأنه يحتاج إلى تركيز كبير جداً لكي نجمع الخطوط المتوازية التي يرسمها الكاتب في بداية كتابه وبالتحديد في مسألة الأنساب والشخصيات التي يلفها الكثير من الغموض .

قراءة في كتاب رواية ( أحلام ممنوعة ) لنور عبدالمجيد

13416783

حين اقتنيت الرواية لم أتصور أني سأكون أسيرها، ولم أتصور أنها ستترك في نفسي كماً من التساؤلات لا ينتهي، ولم أتصور أن أجد قلماً يعيد إلى مخيلتي الأحياء الشعبية في القاهرة .

هي أحلام ممنوعة ، وأفكار ممنوعة ، ومشاعر ممنوعة ، وحياة ربما تكون ممنوعة، فالممنوعات كثيرة في الفقر، والمحرمات كذلك، رغم أن الفقير ربما يعتبر أسمى في جوانب كثيرة، وببساطة لم تشوهه الأموال ، ولم تسيطر عليه بعد ، فالجوع أكبر بكثير .

تتناول الرواية قصة عائلة، بكل تشعباتها ، ثم تتشعب أكثر وتنتقل إلى محيط تلك العائلة ، ثم تتقوقع من جديد، وتتقلص وتعود لتلك العائلة، في انتقال جميل ومشوق بين مراحل الرواية المؤلمة، وبين نبضات الأمل الكثيرة ، التي لا تتحقق، وبين الأمنيات، والأحلام، وبين الواقع الذي يدمرها دون رحمة .

العاطفة في الرواية قوية جداً لدرجة أنك تشعر أنك تلمس تلك المشاعر العنيفة، وكذلك تجد الألم الذي يعتصر القلب في ثنايا الرواية، حين تتابع السطور في ووصف المشاهد المؤلم، أو المحبطة، أو الصادمة، أو الحزينة، لتثير التساؤلات، لماذا لا يتغير شيء، لماذا لا تنفرج الأمور .

وتأتي الإجابة في المشهد الكبير، للثورة المصرية، لترسم الراوية وتلخص ما تريد أن تقوله، إن كل ما هو موجود من إحباط وألم وفشل، هو مفتعل، ليبقى الشعب تحت رحمة أشخاص معينين، يكرسون سلطتهم، ويتحكمون في كل شيء، ثم تصهر الكاتبة كل شخصيات الرواية في الثورة، لترسم تلاقي القلوب من أجل الوطن، وترسم وحدة الهدف للجميع .

الرواية رائعة وممتعة، بل إن فيها شيئاً من الخمر، فتستزيد وتستزيد، حتى تنتهي الرواية، ورغم أن الكثير من المشاهد لم تضع لها الكاتبة نهايات، إلا أني أظن أن مشاعر الحب التي رسمتها في الصفحات الأخيرة، تجسد ما كانت عليه مشاعر المصريين .

قراءة في كتاب رواية ( جمهورية كأن ) لعلاء الاسواني .

38388790

وكأنها كانت ثورة، وكأن شعب مصر قد ثار، وتمرد على النظام القائم منذ ثلاثين سنة، وحطم القيود التي كانت تكبله وتقيده وتمرد على الظلم والهوان وفك القيود للأبد، رواية جمهورية كأن، شيقة، ممتعة، فصياغتها جميلة، وشخصيات الرواية واضحة الملامح، وواضحة الأهداف، تسير بخطوط متوازية تتصادم ولا تتلاقى، ينقطع بعضها، ويسير بعضها وكأنه للأبد، بشكل متصل ودائم، وترتسم الصورة التي نجدها في الواقع، نشك في أنه كانت هناك ثورة، فكل شيء عاد إلى نقطة الصفر، أو تحت الصفر .

محور الرواية الرئيسي، هو الثورة، لكن المحور المكتوب بين السطور في الرواية، هو القبضة الأمنية الحديدية التي تسيطر على مصر، وتتحكم في مفاصل الدولة، ربما تختفي تلك القبضة قليلا ، لكنها لا تتلاشى، بل تعمل في الخفاء، لتعاود الظهور من جديد، بشكل أقوى ، وأعنف، وأشرس.

شخصيات الرواية تمثل القطاعات المهمة التي وُجدت وقت الثورة، الأمن، ولم يحدد الكاتب أهو الجيش أم الشرطة، فنجد أنه يتحدث عن الاعترافات لتفكر في الداخلية، ثم يتحدث عن خطة لإجهاض الثورة والسيطرة عليها، فتعود لتفكر في الجيش، ثم يتحدث عن الإعلام، وقد أبدع في هذا الجانب، رغم أنه كان يجب أن يتناول الإعلام في أكثر من شخصية، ثم التائهون في الأرض ، اليساريون والشيوعيون ، الذين ثاروا في القديم، ثم استسلموا للواقع الجديد، وركبوا جواد السلطة والمال، وفي النهاية ، الثوار الجدد، الشباب، وما قدموا من تضحيات.

تنتقل الرواية من مرحلة النصر للثوار، والشعور بالفخر، ثم الإحباط، والهرب من الواقع بمغادرة مصر، أو الاستسلام للواقع وتقبل السجن، أو التصفية، وهذا هو ما خلصت إليه الثورة المصرية المجيدة التي حدثت في 2011، فقد تعمد الجهاز الأمني في مصر، أن يكرس الشعور القوي بالإحباط لدى الشباب بالذات لكيلا يفكروا مجدداً في الثورة.

توجد نقطة أثارت حفيظتي، فكلنا نقر بأن من ثار هم الشباب الذين لم تلوثهم السياسة، ولم يتحزبوا، لكن لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يلغي الكاتب الإسلام في المجتمع المصري ، أو أن يلبسه فقط ثوب الخيانة والمؤامرة ، ولو كان يريد أن يبعد النظرة الدينية عن المشهد، لما جسد لنا شخصية المسيحي المنخرط في الثورة، كما أنه جسد المسيحيين بواقعهم السلبي والإيجابي، لكنه كرس صورة المسلم في ثوب الخيانة.

لا يهم كل هذا فالرواية تشكل عملاً أدبي يستحق التقدير، عملاً ممتع في مضمونه ـ أحيا في نفسي الكثير من المشاهد التي رأيتها في تلك الفترة، المشاهد التي صرخنا فيها مع الشعب المصري، والتي صرخنا فيها من أجل الشعب المصري، وعشنا معهم مرحلة الإحباط المريرة التي لا تريد أن تنتهي حتى الآن .

قراءة في كتاب ( مزايا الديمقراطية ) ، مجموعة مؤلفين .

مورتون هـ. هالبيرين ، جوزيف ت. سيجل ، مايكل م. وبنستن.

يتحدث الكتاب عن المزايا التي تنتج عن تطبيق الديمقراطية ، في الدول كافة ويركز على الدول ذات الدخل المحدود ، التي لا تملك ثروات ولا تُعتبر دولاً غنية، وركز الكتاب

في الفصل الأول والثاني: على نقض فكرة أن الدول النامية أو الفقيرة من الأفضل أن تكون دكتاتورية، وبدأ ينقضها في كل التفاصيل، واعتمد على إحصاءات وجداول ، وحساب معدل التنمية ومستوى الدخل، بين دول فقيرة، بعضها ديمقراطي وبعضها ديكتاتوري، واستطاع أن يثبت أن معدلات التنمية، في الديمقراطية هي الأفضل ، ولو بنسبة بسيطة، وأن حالات الانهيار المالي، تكون كارثية في الدول الدكتاتورية، وكذلك الديمقراطية، لكن الديمقراطية لا تتأثر بنفس مستوى تأثر الدول الدكتاتورية، لوجود انظمة، وقوانين وتسلسل سليم للسلطات.

في الفصل الثالث: تحدث الكتاب عن أساليب تدعيم الديمقراطية، ومعوقاتها، وقد قال إن الركود الاقتصادي يشكل التهديد الأول للديمقراطية وأن المجتمعات التي تتحمل أعباء الديمقراطية

هي التي تستطيع أن تكمل مسيرة الديمقراطية، وأشار إلى أن الديمقراطيات دائما تولد في ظروف صعبة، إلا أن النظم الديمقراطية تنفتح على التنمية والاقتصاد بشكل سليم، مما يرفع معدل الدخل، ويحسن القدرة الشرائية، وكذلك أشار إلى أن الحكومات الديمقراطية تعاملت بنجاح مع الشدائد والأزمات، مما يُحبط الروح الاستبدادية بين القادة المتنافسين على الحكم .

في الفصل الرابع: يتطرق الكتاب إلى الديمقراطية والأمن، وأن النظم الاستبدادية تعرض السلم العالمي للخطر لأن احتمال أن تشن حرباً، أو تتورط في نزاعات أهلية، أكبر من النظم الديمقراطية بكثير ، حيث يتم في الدول الديمقراطية البحث عن الحلول ، لا البحث عن الصراعات المسلحة، وتطرق الكتاب إلى دعم الولايات المتحدة لنظم غير ديمقراطية ، وإقامة تحالفات معها مما سبب نزاعاتٍ وركوداً اقتصادي في تلك الدول ، وربط الكتاب الأمن العالمي بالديمقراطية بشكل كبير، لأن النظم الديمقراطية نظم شفافة تقوم على مبدأ المحاسبة وعدم التفرد بالسلطة والقرار .

في الفصل الخامس: يتطرق الكتاب إلى التنمية وعلاقتها بالديمقراطية، وأن نظام  الحكم هو الطريقة التي ينظم بها المجتمع نفسه ليحقق أولوياته وتطرق إلى المساعدات التي تقدم للدول النامية الفقيرة التي تسير على النهج الديمقراطي أو التي تسير إليه، وأحيانا تكون المساعدات سلبية لتلك الدول النامية ، وركز على أن المساعدات يجب أن توضع ضمن دراسة للدولة والمجتمع ، وحالته الاقتصادية، لتقليل الأضرار التي تصيب الأفراد نتيجة الإصلاحات الاقتصادية، وركز على ضرورة أن يراعي المانحون ، وأظنه يقصد البنك الدولي، مراعاة الجداول الزمنية للتغير والإصلاح الاقتصادي .

في الفصل السادس: يتحدث الكتاب عن الديمقراطية باعتبارها الخيار التلقائي، وأن المساعدات التي تقدم للدول، تستخدم في النظم الديمقراطية بشكل أفضل من غيرها من النظم الأخرى، وأن الديمقراطيات هي التي تكفل التوزيع السليم للمساعدات ، وتضمن التطوير في المؤسسات بشكل شفاف ، وحث الكتاب الولايات المتحدة على تقليص مساعداتها للأنظمة الاستبدادية .

في الفصل السابع: يركز على دمج الحكومات والنظم الديمقراطية في عملية التنمية، وعلى ضرورة دمج السياسة والاقتصاد، لتقوم الديمقراطيات في العالم النامي بدور محوري في التنمية .

الفصل الثامن: وسماه الكتاب، السباق العظيم، ورفض وضع الاستقرار والسلم فوق كل اعتبار آخر، هذا الوضع يخلق عدم استقرار أكبر، وركز الكتاب على ضرورة أن تقوم السياسات المتبعة مع الدول النامية على محاربة ثالوث التحديات، والتي حددها في (الفقر، الصراع، الحكومات الاستبدادية) ويشير إلى أهمية تخليص العالم من الطغاة .

قراءة في كتاب ( التيارات الفكرية في الخليج العربي ) لـ مفيد الزيدي .

التيارات الفكرية.jpg

طرح الكتاب، حركة المجتمع في الخليج العربي والقوى الاجتماعية والبنى الاقتصادية والتركيبة السياسية وتطورها، والحركات التي قامت في الخليج العربي في الفترة المشار إليها في المقدمة ، وأشار الكاتب إلى أن هذه الدراسة مهمة لفهم أعمق وأوسع للخليج العربي ، في فترة شبه مجهولة للمنطقة .

تطرق الكاتب إلى فترة ما قبل النفط ومرحلة ما قبل ظهوره، حتى عهد الاستقلال، وقد شرح وضع الاقتصاد التقليدي قبل النفط، والتحول الاقتصادي الذي تم، وتحول دول الخليج العربي إلى دول ريعية، والقبيلة وحكم المشيخة، وطبيعة المجتمع والهجرة العكسية التي بدأت بعد اكتشاف النفط، وكيف نشأ الفكر السياسي، وأبرز الحركات التي قدمت الفكر الليبرالي، والقومي، والإسلامي، والماركسية .

الكتاب ممتع ، لأنه يتطرق لفترة مجهولة لدى الكثيرين، حيث إن الكثير يجهل مدى تأثر المنطقة بالأفكار السياسية والاقتصادية، ويجهل الكثير من جوانب المجتمع الخليجي ومراكز القوى ومراكز الفكر والثقافة في منطقة الخليج التي كانت البحرين والكويت الدولتين الأكثر وعياً، والأكثر تأثراً بالتعليم والأفكار المختلفة، البحرين لأنها كانت مركز الحكم البريطاني في الخليج، والكويت لقربها من العراق وإيران، لكن هذا لم يمنع أن تكون هناك حركات فكرية في مناطق أخرى من الخليج ولو بشكل أضعف .

    الحركات الفكرية الرئيسية التي تبلورت في الخليج العربي كما تطرق إليها الكاتب الليبرالية وهي الأقدم ولا تزال موجودة حتى الآن ثم القومية العربية التي بدأت في الانتكاس بعد موت الرئيس عبدالناصر ، والحركات الإسلامية ، والماركسية التي تأثرت، وما مدى تأثير تلك الحركات في المجتمع وما مدى تأثير المجتمع في تلك الحركات الفكرية .

الكتاب رسالة دكتوراه، تتناول التيارات الفكرية في الخليج العربي في الفترة من 1938 إلى عام 1971 ميلادي يقع الكتاب في 400 صفحة في خمسة فصول، الكتاب ممتع رغم أنها رسالة أكاديمية فإنه يحمل قيمة علمية وثقافية وتاريخية صيغت صياغة ممتعة.