قراءة في كتاب “رسائل من المنفى” للكاتبة : بدرية حمد .

لا يجب أن أكتب الكثير عن هذه الرواية ، لأنها رواية من الصعب أن تتحدث عنها، بل يجب أن تعيش فيها لكي تستمتع، فما مر بي وأنا أقرأ فصولها كان شعوراً مختلفاً لأبعد الحدود ربما لأني أنتمي لتلك الحقبة الزمنية التي تعايشها الكاتبة في روايتها ووصفتها بأسلوب محترف يجعل القارئ ينتقل من صورة خيالية يتوقعها في أي رواية لمحاولة تخيل الأحداث ومعايشتها بشكل أعمق وأقوى .

رواية رسائل من المنفى ربما تكون صرخة نسوية، ربما تكون محادثة مع الزمن، ربما مرحلة ذكريات، كل تلك الأحداث تمر في الرواية من الحياة التي تعيشها بطلة الرواية الطفلة “منيرة” حتى تصبح فتاة ، ثم سيدة، ثم أم وجدة فيما بعد، والقيود والأسوار التي توجد في المجتمع والقيود التي يضعها الإنسان لنفسه .

البداية مرحلة مميزة في الرواية تستعيد الماضي بقوة، تصف فيها الكاتبة المكان والزمان والأشخاص بدقة، حتى تلك الأحداث الصغيرة التي ربما نسيناها مع تقدم العمر، أسلوب البشر في الحياة في تلك الحقبة، طريقة تعاملهم، أفكارهم، عاداتهم، كلها تتجسد في البدايات، وكأن الكاتبة أرادت أن تكرس الصورة التي تعيشها فتاة صغيرة تبني شخصيتها دون مساعدة، تنمي قدراتها في وسط مجتمع صغير داخل المنزل، ثم مجتمع أكبر في الحي، ثم المدرسة، فتاة تراقب كل ما حولها لتعرف كيف تتصرف وكأنها تبني عالمها لتخبأ فيه شخصية مميزة، تكافح نظرة المجتمع وتخطط للاستمرار في النجاح.

تكبر بطلة الرواية وتكبر معها الأحداث وتكبر معها المشاعر والأحلام والرغبات، والمسؤوليات، والمشاكل، وتنتقل في المراحل كلها وينتقل معها القارئ في تلك المراحل، يتعقب الذكريات التي تنقلها عبر دفاتر الذكريات الكثيرة التي كتبتها بطلة الرواية .

لهذه الرواية جاذبية، لا يمكن أن يتجاوزها أي شخص عاش في تلك الحقبة الزمنية دون أن يقف عند الكثير من أحداثها، لكن أتوقع أن تلفت نظر الكثير من الشباب من الجنسيين لأنها ترسم لهم حياة عايشها آباؤهم وأمهاتهن، وتساعدهم لرسم صورة عن الماضي، عن البدايات، بأسلوب سلس وممتع، بعيد كل البعد عن الحشو وعن زخارف الجمل المنمقة .

الجانب القوي في الرواية هو الإحساس الذي تبعثه لدى القارئ بصدق ما يقرأ، فيقع تحت التأثير المباشر للأحداث والشخصيات، ليكتشف أن ما تريده الكاتبة أعمق من مجرد قصة ترويها، بل يتجسد في صراعات متفرقة، بين النفس ذاتها وبين الأسرة والمجتمع، وبين رغبات وأهواء وأماني، صراعات تمر في الزمن دون أن تنتهي ويخرج الإنسان من تلك الصراعات ليعود إلى ذكرياته من جديد يعيش فيها حتى النهاية .

أنصح بقراءة الرواية فهي رواية ممتعة ترسم صورة من المجتمع القطري في السابق وترسم حياة المرأة وما يمر بها من تحديات عايشتها النساء في تلك المرحلة .

تقع الرواية في 270 صفحة من الحجم المتوسط .

قراءة في كتاب الواقع في قصص للكاتبة / بدرية حمد .. 

IMG_20200614_004842

الكاتب / بدرية حمد .

كاتبة قطرية .

اسم الكتاب / الواقع في قصص ( مجموعة قصصية قصيرة )

عدد الصفحات : 67 .

     مختلفة هذه المجموعة القصصية ، رغم صغرها ولا أعرف لماذا لم تكتب السيدة / بدرية المزيد من القصص ، فالقصص التي طرحتها قصص كانت من واقع الحياة ، وأظن أن لديها أفكاراً أخرى وقصصاً لم تكتبها ، وأنا شخصياً يحزنني أن أجد قلم مميزاً يملك من الإمكانات ما يؤهله لأن يصل إلى أعلى الهرم لكنه يقف عند نقطة محددة ولا يكمل المشوار .

     نعم السيدة / بدرية حمد تملك القدرة على رسم المشهد وتحديد إطار للقارئ ليقف على رسائل القصة دون أن يجد تعقيدات أو إيحاءات تخرجه عن السياق ، وكل هذا ضمن جمل سلسة يستوعبها القارئ بسهولة ويستمر ليصل لنهاية المشهد ، ويعيد النظر في المسائل التي مرت في الحياة دون أن يلقي لها بال ، ليعرف تأثير الموقف على الشخص الذي عايشه .

     كل قصة في هذا الكتاب تحكي واقعاً وتركز بؤرة ضوء على موضوع وليس بالضرورة أن يكون الموضوع مشكلة أو قضية ، بل ربما يكون تصحيح لوجهة نظر أو قراءة مغايرة للرأي السائد ، وهذا يعطي الكاتب نجمة إضافية على مقدرته الجيدة في تصوير حقبة زمنية ونقلها عبر القصص لتُصل للقارئ الذي عايش تلك المرحلة صور معين ، وترسم صورة ذلك الزمن للجيل الذي أتى بعده .

     الجميل في هذه المجموعة القصصية أنها تحكي واقع المرأة بمراحلها المختلفة الطفولة الشباب وما بعد الزواج ، وترسم تلك المشاكل التي يظنها الرجل أنها تافهة ، لتنقل تأثيرها في النساء ، وتصور مدى اتساع الفجوة بين نظرة الرجل ونظرة المرأة لتلك المشاكل ، وتلقي الضوء أيضاً على مشاعر المرأة ومخاوفها ومدى تأثير تلك المشاعر والمخاوف على واقعها .

    أعود وأكرر هذه الجملة في كل مقال أضعه لكاتب قطري ، لماذا هذا البخل ، لماذا لا تخرج الأفكار على شكل كتب ، وإن خرجت لماذا تكون قليلة ، فالساحة الأدبية تحتاج كل قلم مبدع أن يعطي أفضل ما عنده ، والساحة متسعة للجميع ، وأنا أناشد السيدة / بدرية حمد ، أن لا تتوقف ، فقد اطلعت لها على أكثر من مقال وهذه المجموعة القصصية ، وكل ما حصل أن قناعتي زادت أنها تملك إبداعاً لم نشاهده بعد .