قراءة في رواية “الغابة النرويجية” للأديب الياباني هاروكي موراكامي

أتذكر جيداً متى اشتريت هذه الرواية، ورغم أني اشتريتها استغرقت الكثير من الوقت لكي أفتحها وابدأ في قراءتها، لكن كنت مدركاً أنها رواية جميلة ستعجبني حين اقرأها، وبالفعل ما إن بدأت في القراءة لم أتركها حتى انتهيت منها، ثم عدت وأخرت كتابة المقال الخاص بالرواية لأكثر من أسبوعين، ولا أدري لماذا فعلت ذلك؟ حتى هذه اللحظة التي فتحت الكمبيوتر وشرعت أكتب.

تستطيع أن ترسم شكل المجتمع الياباني من خلال شخصيات الرواية ضمن الزمن المحدد لها بشكل واضح فشخصيات الرواية من الوضوح بحيث ترى شخصية مجتمع مختلفة بشكل حقيقي عن واقعك وقيمك وأخلاقك، ولا أقول ذلك لكي أنتقد الرواية، بل لأنه ساءتني الألفاظ البذيئة التي تخللت السرد والتي طرحت على لسان الشخصيات النسائية في الرواية، مما خلق لدي انطباع بأن المرأة اليابانية وقحة بذيئة اللسان، ولا أظن أن هذا التصور صحيح على الإطلاق، فلكل مجتمع قيمه وأخلاقه، ربما تكون الشخصيات النسائية في القصة متطرفة جنسياً، أو أن الكاتب أراد أن يصف مرحلة معينة كان فيها التحرر سبيله الجرأة والوقاحة في مسألة الجنس.

دعونا من كل هذا فالرواية جميلة تصف رحلة طالب يعاني مشكلة نفسية تحصره في شخصية صديقه المتوفى، حتى إنه لا يستطيع أن ينتزع نفسه من ذلك الوهم فيحب حبيبة صديقه ويخلص لها عاطفياً لكنه لا يستطيع أن يخلص لها جسدياً فيقيم علاقات عابرة مع فتيات شتى دون الالتزام بعلاقة ثابتة إلا مع تلك الفتاة الرمز التي كانت عاملاً مشتركاً بينه وبين صديقه المنتحر، تستمر محاولاته أن يجد له مكاناً في قلب تلك الفتاة التي تعتبره هو أيضاً العامل المشترك في حياتها والعنصر الذي لا تريد أن تخسره بعد أن انتحر حبيبها، فتشكل الرواية صورة معكوسة من المشاعر بين شاب وفتاة يعيش كلٌ منهم الأوهام نفسها، لكن الفتاة في النهاية لا تستطيع أن تتغلب على الذكريات فتقيم في مصحة ثم تنتحر، ويبقى الشاب في حالة من فقدان التوازن.

هناك ثلاثية ذكرت كثيراً في الرواية، الحب والجنس والانتحار، المشاعر تدور حول تلك الأمور، كتبت بإتقان يجعلك تندمج بأحاسيس الأبطال وتستطيع أن تقييم حالتهم، بل وتخلق المبررات لكل شخصية إن أردت فالتفاصيل مهمة حين تكون مرتبطة بالعاطفة والمكان كذلك، الألم والحزن والعزلة أمور تستطيع أن تعيشها خلال قراءة الرواية التي كتبت بمهارة عالية.

تقع الرواية فيما يقارب الأربعمائة صفحة من القطع المتوسط أنصح بقراءتها لمن هم فوق الثامنة عشر.

قراءة في المجموعة القصصية (حارس الجسد) للأستاذ هاشم محمود .

لا يخلو مجتمع من مشاكل، ولا يخلو البشر من الأخطاء والذنوب، ولو قسمنا المجتمع لرجل وامرأة لوجدنا أن المرأة تتحمل جل الذنوب في المجتمع كما أنها العنصر الضعيف الذي لا يستطيع التصريح بأخطائه أو رغباته المكبوتة، كما أنها تتنازع بين العاطفة والرغبة والأمل في شريك حياة يوفر لها الاستقرار العاطفي والجسدي، لا تختلف المرأة عن الرجل من ناحية الرغبة الجسدية إلا أن الرجل لا يحمل وزر خطيئته بعكس المرأة التي يحاسبها المجتمع على أخطائها ويحملها هي وأسرتها عار الخطيئة.

في هذه المجموعة القصصية حكايات متنوعة تشرح الواقع المسكوت عنه لدى المجتمعات العربية من الخيانات والعلاقات والرغبات الجنسية لترفع الغطاء عما يدور في خلف الكواليس لكنها تنطق باسم المرأة التي لا نسمع صوتها إلا ما ندر، في هذه القصص تصرخ المرأة وتشتكي رغباتها وأهواءها وتصف كل ما تشعر به من ألم ولذة ورغبة وخوف.

صوت المرأة عالٍ حين تقع في الشهوة وتستمتع، وألمها شديد حين تشعر بالخيانة، واستسلامها متوقع حين تريد الحفاظ على أسرتها وتماسكها، وحين تصرخ بصدى ما يدور في نفسها، وهنا تجاوز الكاتب الكثير من الحدود ليقول لنا أن المرأة كائن له صوت يجب أن نسمعه باهتمام، فهي الشريك الدائم وهي الحبيبة فلا يجوز أن نتجاهلها، بل يجب علينا أن نتقبل تصرفاتها وأن نجد لها الأعذار كما نفعل مع الرجل فهي لا تقل عنه من حيث التكوين ولا الرغبات، وأن نحمل كلا الجنسين المسؤولية بشكل متساوِ حين يكون هناك خطأ.

المجموعة القصصية متجاوزة من حيث الجرأة التي ربما لا يتقبلها القارئ، فالأستاذ هاشم محمود كتب بتجرد ووصف أمور تخص النساء بشكل جريء وغريب عن المجتمع، فلم يلجأ إلى أسلوب التورية، بل وضع الأمور في نصابها الصحيح فنجد الخيانة متجردة والشهوة عنيفة والخطأ صريحاً  والأمور النفسية التي تجول في خاطر أي امرأة واضحة، فحين تحدث نفسها عن الشريك تبدي الرغبة، وحين تتألم تبكي وحين تهان تصرخ، وحين تجبر تستسلم.

لم نتعود هذه الصراحة في الكثير من القصص التي نقرأها وتوضع فيها المرأة تحت المجهر، لأن الرقابة الذاتية لدينا تمنعنا من السير في هذا الاتجاه وتقف المحاذير المجتمعية والرقابية حاجزاً دون كشف الأمور المستورة وتناول القضايا الحساسة بشكل واضح وأنا هنا لا أدري هل أهنئ الأستاذ هاشم على صراحته أم ألومه على جرأته، وفي الواقع هو لم يأتِ بشيء غير موجود لكنه كشف الغطاء فقط.

تحوي هذه المجموعة خمس عشرة قصة تتناول قضايا تمس النساء في كتاب يقع في 164 صفحة، القصص ممتعة وسنجدها في الواقع بأشكال مختلفة، أنصح بقراءتها لمن هم فوق 18 عاماً .

قراءة في كتاب “رواية السيدة التي سقطت في الحفرة” للكاتبة إيناس حليم

أنا سقطت في حفرة وأنا أقرأ هذه الرواية، وأنت لا بد أن تسقط في حفرة كما سقطت شخصيات الرواية في حفرها الخاصة، فكل إنسان له حفرة إما يسقط فيها بإرادته أو رغماً عنه، حفر تكمن في صدورنا تبلعنا بالكامل في لحظة ما، لا نستطيع أن نتحكم فيها بأنفسنا، تحفرها الحياة على مقاسنا.

“سقطت في الحفرة وغابت” سيدة في مدينة البحر الإسكندرية ابتلعتها الأرض يروي كل شخص حكاية مختلفة عنها فتمتزج الحكاية “الحقيقة” بالأسطورة والخيال والوهم، شادن تتوه بين الأطراف تبحث عن الحقيقة وتصدق الأسطورة وتطارد الوهم، وتستسلم لأقلامها حتى ينكسر آخرها على صفحة النهاية التي لم ولن تكشف حقيقة السيدة التي سقطت في الحفرة، لكنها تخلق حفرة بحجم كل شخص في صفحاتها وشخوصها، حفرة تجعلك تبحث عن حفرتك الخاصة التي تخاف أن تنظر إليها لكيلا يبلعك الظلام فتغيب كما غابت ميرفت.

بالنظرة المعكوسة للعالم التي رسمت في بداية الرواية، الفتاة التي تعلق قدميها على الجدار وتقف على يديها وتنظر إلى العالم بالمقلوب تستطيع أن تعرف أن الخيوط في تلك الرواية متشابكة مع تعقيد ناعم يشبه نسيج الصوف الذي تخلفه أبر “التريكو” فترسم دوائر ومربعات، تمائم وممرات مظلمة تختفي خلفها حقائق أو أوهام ساذجة نرى منها جزءاً من المشهد، أوهام لا ترقى أن تكون حقائق لكننا نسعى ورائها لنبحث عن المجهول في سطور الرواية نتتبع الخطوات، ندخل البيوت، نقابل الأشخاص ونحاورهم مع تلك الفتاة الحائرة التي تبحث في حفرة عن سيدة عملاقة اختفت.

تغرق الرواية في التفاصيل الصغيرة والوصف الدقيق، في الأدراج المغلقة في النقاط السوداء التي تتسع ويختبئ تحتها كل ما نخافه، بالفعل كنت أبحث وأنا أقرأ الرواية عن الحفرة التي سقط فيها كل شخص مر ذكره، ثم بدأت أبحث عن حفرتي وحفر من حولي، وارفع القبعة للكاتبة إيناس التي خلقت فراغاً في الرواية لكي يسأل القارئ نفسه أين حفرتي.

ربما لا يحب البعض كثرة التفاصيل في الرواية وكثرة الأساطير، لكنها تُكون حقيقة الاعتقاد لدى البشر حين يعجزون عن تفسير حادث ما لا يجدون له مبرراً أو لم يتمكنوا من معرفة حقيقته فيلجؤون إلى تبريرات تخرج عن الواقع ويستغل الموقف أصحاب الأهواء ليصلوا للشهرة ويتسلقون الحوادث.

رواية شيقة تقع في 311 صفحة أنصح بقراءتها.

قراءة في كتاب رواية الحرب لـ د. محمد اليحيائي

قبل أن أقرأ هذه الرواية توقعت أن أجدها عميقة وتركيباتها تخرج عن المعتاد ولم يخب ظني حين بدأت، فحين تقرأ رواية للدكتور محمد اليحيائي يجب أن تتوقع أنك ستقرأ لشخص يُخرج المعاني من الأعماق وينقلك بأسلوبه الفلسفي بين مواقع مختلفة وأزمنة وشخصيات متنوعة ولا تتوقع أن تكون روايته مجرد سرد لأحداث منتظمة، بل يكون السرد في أفق متحرك بين شخوص الرواية وأحداثها.

الحرب هو الموضوع، ثورة ظفار بما حملته من أثقال ومن قيم ومبادئ لم تتحقق على الأرض، التمرد على الواقع الذي نبتت أفكاره في الداخل ثم تشعبت ليوجهها الخارج لتفقد بذلك الكثير من قيمتها ومعناها الذي قامت من أجله، التغيير في الفكر والتغير السياسة وتصادم أفكار الثوار هي الأسباب التي قوضت الدعائم الأساسية التي قام عليها الثورة في الجنوب وجعل المحاربين يتصادمون بين الواقع المحلي والواقع الإقليمي هل يغيرون النظام في عمان أن يغيروا واقع المنطقة بأكمله، متناسين أن المواجهة لم تكن مع نظام منعزل، بل نظام تحاول القوى الفاعلة الكبرى حمايته بكل الوسائل.

وحين يفقد الإنسان البوصلة يتوه في أفكاره وهذا ما تجسد بشكل واضح في شخصيات الرواية فمنهم من يعيش أوهام الحرب ومنهم من تخلى عنها وانتقل إلى صف السلطة ومنهم من رفض الواقع الداخلي وخرج ثم أخرج من جوفه كل ما ينتمي إلى الماضي ليعيش حياة لا تمت لانتمائه القديم بصلة، وآخرون كانوا متفرجين يبحثون عن الحقائق التي لم يستطيعوا أن يقدموها للأجيال لتعرف القصة كاملة، وتستمع لطرفي النزاع بشكل محايد.

تحار وأنت تقرأ من هي الشخصية الرئيسية في هذا العمل، هل هو سعيد صالح أو سعيد قيصر أم هي كرستينا سعيد أم والدها سعيد علي، ستكتشف أن البطل الحقيقي في الرواية هي الحرب بكل ما حملته من أفكار ومبادئ وبما تعنيه من تمرد أراد أن يكسر الطغيان ويحقق الحلم، الحرب بما حملته من كوارث على أصحابها، وفعلته في المزاج وما قتلته من أمل، المحور الرئيسي الذي يربط جميع الشخصيات والأحداث هي الحرب التي جرت في الجنوب وكانت تحمل أفكاراً أكبر من الواقع ولا تنتمي لتلك الأرض، فتكسرت بن التغيير السياسي وبين ردة الفعل العنيفة والأطراف التي وقفت في مواجهتها وضعف الأطراف الداعمة لها.

ستكتشف أن الأمل في التغيير باقٍ في النفوس لكنه لم يتبلور بعد، الألسنة ما زالت مربوطة بأعراف وقوانين وخوف يقيد العقول التي تريد أن تطرح مشاكل المجتمعات الخليجية بشكل صحيح وتبحث عن حلول حقيقية تجعل تلك الدول المشتتة كيانات لها أنظمتها التي تحترم مواطنيها وتبني مستقبلها بشكل صحيح تندمج فيه كل المكونات وتُطرح من خلاله كل الأفكار دون خوف.

استخدام ذكي للعاطفة من قِبل الراوي زاوج بين العاطفة والتردد بين البقاء في الوطن والرحيل، ولن يكتمل الشهد أمامك، بل يبقى مبتوراً يحتمل كل التوقعات، كما النتائج التي أنهت الحرب وأبقت احتمالات تجدد الثورة وتجدد الغربة والمعتقدات، لكن الحب كما الأمل في النفوس لا يرحل ولا نهاية له.

المتعة التي ربما لا يتقبلها البعض هي تباعد فصول الشخصيات، فهناك أبطال حضروا بقوة في البداية ثم غابوا بين أبوابها كهوامش ثم يعودون بعد أن يظن القارئ أن دورهم انتهى أو أنهم كانوا مقدمة تمهيدية للدخول لعالم الرواية، وكذلك بعض المشاهد التي تخرج عن سياق الرواية كمقال يصف مطعماً إيطالياً، أيضاً العودة إلى البعيد في حرب سابقة بين الإمام والسلطان لكن تلك المسافات الخارجة عن النص تعتبر دمج لواقع الشخصيات في المشهد القائم الذي يرسمه الراوي كمشهد عام.

الرواية ممتعة وعميقة وتحمل أسلوباً متميز تقع في 360 صفحة وأنصح بقراءتها بشكل عام والمهتمين بالشأن العماني والباحثين في التاريخ السياسي لمنطقة الخليج على نحو خاص.

قراءة في كتاب رواية “قاربي سيعود” للشاعر محمد السادة

قرأت تاريخ البحر وأنا على مركب يتصابى بفعل الأمواج فيميل تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار وأنا أقلب صفحات هذه الرواية وأبحر مع السيد علي شرقاً وغرباً، استخرج اللؤلؤ مع الغواص وأشد الحبل مع السيب، أتناول التمر واشرب القهوة وانتظر وجبة العشاء مع البحارة، لفحتني الشمس معهم وترك الملح آثاره على جلدي، شعرت بكل ذلك وأنا على مكتبي أقرأ رواية “قاربي سيعود” فيها تتجسد التفاصيل الصغيرة التي يمكنها أن تعود بك لماضٍ قديم تشم فيه رائحة التاريخ وترى عرق الرجال وهم يكابدون المصاعب من أجل لقمة العيش.

الرواية تناقش حقبة زمنية ما بعد الحرب العالمية الأولى مروراً بالغوص للؤلؤ وحتى موت هذه التجارة والتحولات التي طرأت على الكثيرين بسب دخول الآلة في الحياة، والتطور السريع الذي غير حياة البحارة، فأصبح أغلب تجار اللؤلؤ يعانون المصاعب وتدهورت حياتهم.

اتبع الروائي محمد السادة أكثر من أسلوب في السرد منها الراوي الذاتي والراوي العليم، وفي بعض المواضع كانت الحكاية في الحوار الدائر بين السيد علي وابن أخيه، ولم أجد أي غضاضة في الانتقال بأسلوب السرد من شكل لشكل آخر فأحداث الرواية لم تتأثر باختلاف الراوي، وبما أنها الرواية الأولى التي يصدرها السيد محمد السادة فأنا أرفع له القبعة لعدة أمور أهمها كمية المعلومات والأحداث التاريخية التي تطرق لها في الأحداث، فلن تخرج من الرواية دون أن تعرف الكثير من مصطلحات البحر وأساليبه التي كانت متبعة في ذلك الزمان وستتمكن من معرفة بعض التفاصيل التاريخية التي دخلت على عالم السفن الشراعية في الخليج.

مرحلة واحدة في الرواية يمكن أن أقف عندها وأضع عليها ملاحظة وهي مرحلة الحوار بين السيد علي وابن أخيه إبراهيم، حيث إن شخصية إبراهيم أُدمجت في الحوار دون مقدمات تهيئ القارئ لتحول السرد من الراوي العليم إلى الحوار حيث دخلت الشخصية بعد مرحلة الذكريات التي كانت تمر بالسيد علي وأصبحت الأحداث تدور عبر الحوار الذي نلمس فيه التبسيط الشديد للأسئلة، والواضح أن الروائي أراد أن يبين كل مجاهل السفن والغوص عبر شخصية تريد أن تعرف التفاصيل.

الرواية ممتعة غلبت عليها روح الشاعر التي يحملها السيد محمد السادة بين جنباته، فزينت بصمته الشعرية لغة السرد بكل ما هو جميل في اللغة وجعلتني التهم الصفحات دون أن أشعر .

الرواية صغيرة لحدٍ ما تقع في 160 صفحة من القطع المتوسط أنصح بقراءتها .

مقابلة للكاتب جابر عتيق في مجلة هي و هو

https://www.raya.com/magazine-category/%D9%87%D9%8A-%D9%88-%D9%87%D9%88/

قراءة في كتاب “الربيع الآتي” للدكتور محمد اليحيائي

يعتبر هذا الكتاب الأول الذي أقرأه لـ د. محمد اليحيائي، لكني أجزم أنه لن يكون الأخير فمدى إعجابي بطرحه وأسلوبه السلس وطريقة تعاطيه مع الأمور السياسية المعقدة في عمان والخليج والوطن العربي فاقت تصوري واعتقدت أني أقرأ لفيلسوف غربي تجرد من كل العقد النفسية والأمنية والسياسية والفكرية والثقافية المنتشرة في الشرق الأوسط، فككها وحللها وربط بين الواقع والأفكار وأصل القواعد التي يجب أن توضع لتبني الأفكار بشكل صحيح لتصبح واقع يعيشه الناس.

الكتاب خليط بين أوراق بحثية قدمت في مؤتمرات دولة وبين مقالات تتعاطى مع حقيقة الثورات العربية أسبابها وتطلعاتها والنظر إلى مستقبل الديمقراطية في المنطقة، لكنه خص عمان بالجانب الأكبر فقد حلل القوانين ودوافعها وتبريراتها، ونقض التسلط والاحتكار السياسي ليكشف أن القوانين توضع في الوطن العربي لتكريس الحكم في شخص يكون هو القائد والملهم والأب، بل هو الدولة.

“عن صخرة الاستبداد وكائناتها” في نظري هو المقال الأبرز رغم قصره فقد وضع الدكتور تصور صحيح للوضع القائم في الوطن العربي مشبهاً إياه بصخرة كبيرة تجثم على الأرض تعيش تحتها كائنات لا تعرف ما يدور حولها ولا تجد الهواء، وحين ترتفع الصخرة وتشم الكائنات الهواء تحدث الفوضى والتصادم لنيل أكبر قدر من النفوذ، في هذا المقال الصخرة هي نظام الحكم المستبد، والكائنات التي أسفلها الشعب، حين ترتفع الصخرة ويشم الشعب رياح الحرية لا يعرف التصرف، فقد غيبت حقوقه، ومسح صوته، وكتمت أنفاسه السياسية والفكرية والاجتماعية على مدى أجيال، في المقال تفسير صحيح ومنطقي لحالة الفوضى التي حدثت بعد الربيع العربي، وما حدث لا يعني أن الديمقراطية شيء سيئ بل يعني أن النظم الحاكمة دمرت كل قواعد الفكر الصحيح لدى الشعوب، فكانت الفوضى هي الواقع.

فوضى في كل شيء، في السياسة، في القانون، فوضى الفكر والثقافة، كل تلك الأمور موجودة في الكتاب حتى فوضى العادات والتقاليد، القبيلة وما تشكله من انتماء يفوق الانتماء الوطني، النظرة إلى المواطن والوطن، من يسبق الآخر، الحاكم الإله الأب الملهم الزعيم القائد المبجل، أفكار كثيرة طرحت في الكتاب تستحق النظر، وحلول واقعية يجدر أن ننظر إليها بعين الصدق والرغبة في التغيير، تغير نظرتنا إلى الأمور، وطريقة تعاملنا مع الواقع المر الذي يقبع فوق رؤوسنا.

تحية لـ د. محمد اليحيائي على هذا الإصدار، وتحية أكبر وأجل لما يقدمه من فكر يستحق الإشادة والتقدير ويستحق أن نأخذ به ونعمل على تطويره.

قراءة في كتاب “الآراء والمعتقدات” لـ غوستاف لوبون

كتاب فلسفي اجتماعي ، يتناول قضية المعتقدات الدينية ويبحث في سبل نقضها بأسلوب متدرج حيث يتعاطى الكاتب مع المسألة من نقطة البداية بطرق البحث في علم النفس وعوامل الحركة والحس وحياة المجتمع ، يسير من البداية لكي يثبت أن المعتقدات كلها وليدة تفكير بشري .

لا يهمني كثيراً ما يصبو له الكاتب في أن المعتقدات الدينية وليدة عقول البشر بقد ما يهمني التحليل الفلسفي والنفسي للآراء والمعتقدات وهذا ما أجاده الكاتب إجادة فاقت تصوري فعقد الكثير من المقارنات وحلل الكثير من العوامل وتناول هذا الجانب المهم في السلوك البشري من كل الجوانب تقريباً فقد قارن وبين الفرق بين المبادئ النفسية والعاطفية والعقلية ، ما يؤثر في البشر فرادى ومجتمعين ، كيف تُبنى المعتقدات؟ ما العامل الأهم الذي يرسخ المعتقد الديني لدى الجموع؟ وفي هذه النقطة بالتحديد يحلل الكاتب الكثير من الأمور ويصل بنا لنتيجة أن العاطفة هي التي تقود الجموع وهي التي تبني المعتقدات .

يقول لوبون ((مقاصد هذا الكتاب إثبات كون المعتقد غير عقلي وغير إرادي)) ومن هنا يبدأ لوبون صراعه لإثبات ذلك فيطرح السؤال : كيف تستقر الآراء والمعتقدات الدينية والسياسية في نفوس البشر؟ ولماذا لا تستطيع الآراء العقلية نقض الآراء الدينية والعاطفية وإقناع الجماهير بالرأي الصحيح؟ يبدأ الكتاب من هذا الجاني فيبحث في علم النفس والمنطق ويقارن بين تأثير المنطق العاطفي والديني والمنطق العقلي وتأثير كل منها على الجموع ، وما يرجح كل منطق على الآخر .

يتعامل لوبون مع النفس البشرية بشكل راقٍ لكنه يفرق بين النفس المنفردة والنفس الجماعية ، وأن القناعة الفردية مهما عظمت تصغر حين تصطدم بالقناعات والآراء العامة وتستسلم أمامها فالرأي العام هو الأقوى والأكثر تأثيراً بحسب تفسير لوبون وهو وسيلة الضغط الأكثر فعالية والأقوى ، يحلل كيف يتكون الرأي العام وكيف ينتشر وكيف يثور ، وكيف تُبنى المعتقدات الدينية وكيف تتغير وكيف تموت .

يتدرج الكاتب بتسلسل جميل وأسلوب مقنع ويفكك الكثير من العلل حتى يصل للنهاية التي يريد إثباتها ، فيتوه في المسألة ، ويبدأ يخلط الدين بالسحر ، ربما يجانب بعض كلامه الصواب فالكثير من الديانات سابقاً كان للسحر دور مهم فيها كآلهة الإغريق وغيرها من الحضارات التي تبنت معتقداً يقوم على الخرافات ، لكنه لم يستطع إبطال الديانات الإبراهيمية ولم يفككها بالشكل الذي كان يتحدث عنه في بداية الكتاب .

الكتاب شيق وبه الكثير من المعلومات والتحليلات والتفسيرات المفيدة ، بالإضافة إلى سلاسة الطرح ، توزيع الأبواب والفصول منظم يجعل القارئ يتسلسل في تتبع وجهات نظر الكاتب .

قراءة في كتاب ( رائحة الكتب ) لـ حسن علي أنواري ..

يجب أن نقف قبل أن نتحدث عن هذا الكتاب ، حيث إن خارطة الإنسان الزمانية تحثه على أن يسير في الدنيا ليكسب المعرفة والعلم ، يكتشف ، ينظر ، يتأمل ويتعلم ، حتى النهاية ، طبيعة المعرفة البشرية طبيعة تراكمية تنتقل فيها المعارف والعلوم من جيل إلى جيل وتتراكم لتصل لمستوى جديد في كل زمن .

ربما سيقول أي قارئ محب للكتب أن السيد حسن أنواري يمثله فما تطرق إليه في وصف طبيعة حبه للكتب والقراءة صورة تتكرر كثيراً عند محبي القارئة والمطالعة ، لكن ما يتطرق إليه الكتاب لا يعني كاتبه فقط فروح المعرفة التي تسيطر على الذات تدفع صاحبها للمزيد دون أن يشعر ، المزيد من العلم يتطلب المزيد من القراءة والاطلاع ، الثقافة أيضاً تتطلب التنوع المعرفي ، وحين تكون المطالعة للتعلم والمعرفة تكون القيمة مضاعفة .

سيرة قارئ هذا ما يمكنني أن أسميه ، فهو تحدث عن رحلته مع القراءة من نقطة الصفر وهي قراءة للكتاب الأول وحتى اليوم الأخير الذي كتب فيه آخر جملة في كتابه ، مروراً بكل المراحل الزمنية في حياته برفقة كتبه وقراءاته ، وهذه لمحة لا تعني الكاتب فقط بل يجب أن تنتقل هذه الرغبة للأجيال لكي يكون الكتاب هو وسيلة المعرفة الحقيقية والصديق الدائم ، الذي لا يجب الاستغناء عنه أبداً .

الكتاب جميل ومستفز يجعلك تضع نفسك في مجال المقارنة لتنظر إلى مكتبته وما تحويه وقراءاتك وما لفت انتباهك منها وما تعتز به من كتب .

فوضى بثينة العيسى ..

فوضى السرد في رواية “كبرت ونسيت أن أنسى” للروائية بثينة العيسى ..

كبرت ونسيت أن أنسى ، يسهل علينا أن نعرف من العنوان أن الرواية تتحدث عن فوضى مشاعر ، وحين تضطرب المشاعر لا تكون الذكريات مرتبة بحسب أحداث الزمن ، ولا تحمل منطقة، بل هي لمحات تمر دون ترتيب في الذاكرة وقد وظفت بثينة العيسى هذا المعنى بشكل جميل في روايتها ، وجعلته يحاكي واقع المشاعر في الفوضى وواقع الأحداث الفوضوي ، فكان الانتقال من حدث متأخر لحدث متقدم دون النظر إلى الترتيب ثم العودة لحدث وسطي ، ورغم كل هذه الفوضى في السرد كانت الصورة ترسم عشوائيا بحسب الذكريات ورواسبها في النفس .

من وجهة نظري التي أراها صحيحة وأضعها في مقاييس جودة الكاتب حين يستطيع الكاتب أن يرسم فوضى المشاعر بالكلمات ، ويشكل الاضطراب الذي يحدث في النفس عبر تعابير متكررة ومكسورة أحياناً لكي نرى مدى تصدع شخصية ما في الرواية ، فالروائي لا يرسم صوراً زيتية بل هو يسرد جملاً تجعلنا ننظر لتلك النفوس والشخصيات في الرواية فنعرف أن بها خللاً نفسياً أو عاطفياً أو تعاني ألم ما ، وهو بذلك يوصل رسالته عبر الكلمات ولا يحتاج إلى التصريح بالأمر بل يترك للقارئ قراءة الشخصية بناءً على السرد ، فيعرف من خلاله ما تعانيه فيجد الاضطراب ويجد التردد ويجد الحيرة والضياع ، ضمن الكلمات .

ربما لا يعجب هذا الأسلوب الكثير من المحررين ، وأعتقد أن المحرر المختص في الرواية يمكنه قراءة الشخصيات المتشكلة في السرد بشكل سهل ، ويا للأسف أغلب محررينا هم محررون صحفيون ، يفرضون شروطهم على عالم الرواية فيطالبونا أن نسرد الأحداث بشكل آلي وننمقه بشكل يخرج شخصيات الرواية عن واقعها النفسي .

مشوقة الرواية ، مشوقة الفوضى التي كتبتها بثينة العيسى تلك الفوضى التي تتخلل كل شيء في شخصية اخترقتها الظروف ودمرتها ، فالفكر لا يخرج مرتباً حين يمتزج بالألم ولا يمكن أن يتذكر الإنسان آلامه بشكل منظم ، المشاكل والأحزان لا تأتي بشكل منتظم بل بها عشوائية فمنها العميق ومنها السطحي ومنها ما يجرح ومنها المستقيم والمعترض ومنها الخطير ، وتمر في ذاكرتنا بحسب المحرك الذي يذكرنا بها ، وأظن أن بثينة العيسى بَنت روايتها على هذا الأساس الفوضوي لكن في مساحة نفسية واحدة جعلنا نجمع مكعباتها حتى وصلنا للصورة النهائية .

لم أجد أي اعتراض للبناء الروائي إلا حين تحدثت عن الحب ، فغابت الفوضوية وبدأت الأحداث تترتب وأظن أن لو سارت الفوضى للنهاية لكانت فوضى خلاقة فنسيج الرواية المموج في البداية أصبح منتظماً في النهاية ، وما كنا نجمعه كأجزاء أصبحنا نرصه رصاً في النهاية ، وهذا لا يعني أننا ننكر جمالية السرد بل جماليات السرد سارت للنهاية لكن فوضى الحدث توقفت عند نقطة معينة وسارت بتناغم مختلف .

من النادر أن تشدني رواية لهذه الدرجة ، ربما تكرر صدى الأحداث في رأسي ، أو أني عايشت الشخصية لدرجة أني شعرت برغبة في مد يدي إليها وملامسة آلامها والتخفيف عنها ، وهذه الحالة جميلة حين يستطيع الكاتب أن يزرعها في نفس القارئ فهي تثبت تمكنه من إيصال المشاعر بشكل صحيح وعميق .

أنصح بقراءة الرواية .

قراءة في كتاب “رواية الكتيبة 17” للروائي هاشم محمود ..

في بعض الأحيان تكشف لنا الرواية واقعاً لم نكن نعرفه أو تطلعنا على حقبة زمنية معينة لنكتشف من خلالها تلك المرحلة بأحداثها وشخوصها ، وهذا بالفعل ما وجدته في هذا العمل الجميل حيث كشفت بعض الأمور التي أجهلها عن إرتيريا كأرض وشعب وتاريخ .

تتحدث الرواية عن حقبة زمنية محددة وهي السنوات الأخيرة من الاحتلال الإيطالي لإريتريا وبداية انكماش النفوذ الإيطالي وتمدد النفوذ البريطاني ويبين الكاتب من خلالها الكثير من الجوانب المهمة في تلك المرحلة كالمقارنة بين أساليب الاحتلالين ، والمقارنة بين التسامح الديني السائد في تلك الفترة بين أطياف المجتمع الأريتيري والنفور الحاصل حالياً في هذه المسألة . 

تعتمد الرواية الأسلوب التقريري في أغلب الأحيان ويصبح تتبع المعلومة هو الأهم لدى القارئ ولا نجد صدى للعاطفة أو العوامل النفسية إلى في موضعين ، الأسرة والحبيبة ، في مشهدين متباعدين في البداية والنهاية ، المسألة الدينية كان من الممكن أن يوظفها الكاتب بأسلوب نفسي وعاطفي أفضل .

العمل جميل يحمل الكثير من المعلومات المفيدة ، لأي قارئ لا يتجاوز الكتاب 167 صفحة أي أنه من الأعمال الصغيرة نسبيا  إلا أن المرحلة الزمنية التي يعالجها مرحلة مهمة وغائبة عن المجتمع العربي .

قراءة في كتاب “رسائل من المنفى” للكاتبة : بدرية حمد .

لا يجب أن أكتب الكثير عن هذه الرواية ، لأنها رواية من الصعب أن تتحدث عنها، بل يجب أن تعيش فيها لكي تستمتع، فما مر بي وأنا أقرأ فصولها كان شعوراً مختلفاً لأبعد الحدود ربما لأني أنتمي لتلك الحقبة الزمنية التي تعايشها الكاتبة في روايتها ووصفتها بأسلوب محترف يجعل القارئ ينتقل من صورة خيالية يتوقعها في أي رواية لمحاولة تخيل الأحداث ومعايشتها بشكل أعمق وأقوى .

رواية رسائل من المنفى ربما تكون صرخة نسوية، ربما تكون محادثة مع الزمن، ربما مرحلة ذكريات، كل تلك الأحداث تمر في الرواية من الحياة التي تعيشها بطلة الرواية الطفلة “منيرة” حتى تصبح فتاة ، ثم سيدة، ثم أم وجدة فيما بعد، والقيود والأسوار التي توجد في المجتمع والقيود التي يضعها الإنسان لنفسه .

البداية مرحلة مميزة في الرواية تستعيد الماضي بقوة، تصف فيها الكاتبة المكان والزمان والأشخاص بدقة، حتى تلك الأحداث الصغيرة التي ربما نسيناها مع تقدم العمر، أسلوب البشر في الحياة في تلك الحقبة، طريقة تعاملهم، أفكارهم، عاداتهم، كلها تتجسد في البدايات، وكأن الكاتبة أرادت أن تكرس الصورة التي تعيشها فتاة صغيرة تبني شخصيتها دون مساعدة، تنمي قدراتها في وسط مجتمع صغير داخل المنزل، ثم مجتمع أكبر في الحي، ثم المدرسة، فتاة تراقب كل ما حولها لتعرف كيف تتصرف وكأنها تبني عالمها لتخبأ فيه شخصية مميزة، تكافح نظرة المجتمع وتخطط للاستمرار في النجاح.

تكبر بطلة الرواية وتكبر معها الأحداث وتكبر معها المشاعر والأحلام والرغبات، والمسؤوليات، والمشاكل، وتنتقل في المراحل كلها وينتقل معها القارئ في تلك المراحل، يتعقب الذكريات التي تنقلها عبر دفاتر الذكريات الكثيرة التي كتبتها بطلة الرواية .

لهذه الرواية جاذبية، لا يمكن أن يتجاوزها أي شخص عاش في تلك الحقبة الزمنية دون أن يقف عند الكثير من أحداثها، لكن أتوقع أن تلفت نظر الكثير من الشباب من الجنسيين لأنها ترسم لهم حياة عايشها آباؤهم وأمهاتهن، وتساعدهم لرسم صورة عن الماضي، عن البدايات، بأسلوب سلس وممتع، بعيد كل البعد عن الحشو وعن زخارف الجمل المنمقة .

الجانب القوي في الرواية هو الإحساس الذي تبعثه لدى القارئ بصدق ما يقرأ، فيقع تحت التأثير المباشر للأحداث والشخصيات، ليكتشف أن ما تريده الكاتبة أعمق من مجرد قصة ترويها، بل يتجسد في صراعات متفرقة، بين النفس ذاتها وبين الأسرة والمجتمع، وبين رغبات وأهواء وأماني، صراعات تمر في الزمن دون أن تنتهي ويخرج الإنسان من تلك الصراعات ليعود إلى ذكرياته من جديد يعيش فيها حتى النهاية .

أنصح بقراءة الرواية فهي رواية ممتعة ترسم صورة من المجتمع القطري في السابق وترسم حياة المرأة وما يمر بها من تحديات عايشتها النساء في تلك المرحلة .

تقع الرواية في 270 صفحة من الحجم المتوسط .

قراءة في كتاب رواية “هكذا كانت الوحدة” لـ خوان خوسيه ميّاس

الوحدة أو السيدة التي تمثل اللا شيء ، لا يهمها شيء ، ولا هي تهم أحد ، فهي لا شيء ، وال لا شيء أحب أن أطلقه دائماً عند الحديث عن اللامبالاة بشكل عام ، فحين لا أبالي بمن حولي ولا أريد أن يهتم أحدٌ بي كإنسان ، هنا يموت الشعور ويموت الإحساس بالآخر ويموت الإحساس بالعواطف البشرية التي كانت إلينا الشخصية الرئيسية في الرواية تحارب لتقتل كل اهتمام بمن حولها ، وتقتل اهتمامهم بها .

الرواية كنسق جميلة وككتلة جميلة لكن لا أظن أن المترجم أعطى الرواية حقها في الترجمة فهي مختزلة بشكل لافت للانتباه ، وأظن أنه قتل الكثير من الجوانب التي تتضمنها الرواية في التفاصيل ولا أعرف ما الاعتبارات التي دفعته لذلك ، لكن الاختصار واضح جداً في هذه النسخة من الترجمة العربية للرواية المتوفرة بكثرة في الإنترنت .

 تدور الرواية حول سيدة متزوجة في الأربعينات من العمر تدمن الحشيش وتبدأ بمشهد موت بارد ، تتبعه أحداث أخرى يعتريها البرود وعلاقات جامدة ، الباقي منها خيوط رفيعة ، وتتسلسل الأحداث حتى تقطع البطلة إليينا كل تلك الخيوط وتعيش في عالم من الوحدة تصاحب أفكارها وتخيلاتها وتكتب مذكراتها ، تنعزل في النهاية عن كل أحد له صلة بها ، لكنها تبقى خيطاً رفيعاً لمشاعر الذكريات ، والحب ، فصورة التحري الذي استأجرته لكي يتابع تحركات زوجها الذي كانت متأكدة من خيانته ، تحولت لتكون متابعة لها هي وكأنها تقول أنا محتاجة أن يراني أحد دون أن يلمسني أو يقترب مني ، أحد لا أراه ولا أعرفه يشملني بالرعاية عن بعد ، وهذا ما وصل إليه الأمر مع مكتب التحري الذي كان يجهل من الذي طلب متابعة تلك السيدة .

علاقات أسرية ميتة في الرواية كعلاقة البطلة إليينا بوالدتها التي بدأت الرواية بالحديث عن وفاتها ، وصورة البرود لدى البطلة التي تعود بعد فترة في الرواية لتجسد شخصية والدتها وتتجسد هي تلك الصورة في نواحي كثيرة من حياتها ، ورغم إيمانها بالكثير مما كتبته والدتها في مذكراتها إلى أنها ترى أنها تحولت لقرينة لوالدتها تعرفها لكن لا يجب أن تتواصل معها .

الحشيش ذلك العالم الوهم الذي بدأ يشكل عالم البطلة إليينا ويرسم صورة ، والذي تخلت عنه بعد أن ترسخت تلك الصور في شخصية البطلة وعلاقة الحشيش كعلاقتها بزوجها الذي انتهى فجأة مع آخر سيجارة حشيش دخنوها سوياً وآخر لقاء لهم في الفراش ، وقد رسم هذا المشهد صورة قاتمة لعلاقة الرجل بالمرأة وجرد المرأة من كل مشاعرها الأنثوية ، التي كانت البطلة مؤمنة أن لا وجود لها فهي لم تتحدث كامرأة من بداية الرواية ولم تتحدث بعاطفة في أي ناحية من نواحي حياتها حتى بكائها كان لأمور لا تدخل فيها المشاعر بل الاعتبارات ، وكان المشهد الأخير حين ذكرت أنها نامت مع زوجها ، وفي اليوم التالي تركته ، دون أن تبدي أي سبب وكأنها ترفض أن يخترقها مخلوق آخر أو أن هناك إنساناً يستطيع أن يحتويها ولو للحظات .

تتكرر في الرواية صورة المرأة في أكثر من شخصية فالأم مرسدس والابنة مرسدس والحفيدة مرسدس ، وأليينا البطلة هي القرينة ، صور مكررة ترسمها الرواية ، وكأن كل النساء متشابه ، ويسيرون في النهاية للوحدة والانعزال ، وكأنه أمر طبيعي يجب أن يتم ، بينما تعاطت الرواية مع الرجال بشكل مختلف ، وشخصيات مختلفة ، لم يظهر هذا الأمر بشكل كبير إلا في شخصية الزوج ، وبشكل أقل في شخصية والأخ والمحقق .

النزعة الفردية في الرواية قوية واللامبالاة أيضاً قوية ، وموت المشاعر والإحساس البشري ، ما عدى الخوف ، الذي يخرج من الخيال ، الخوف الذي يطارد الروح والروح المتجسدة في شخصية إليينا روح شبح ، لدرجة أنها كررت في أكثر من موقع في الرواية ، أنها نخاف الخروج ، لأنها تعتقد أنه لن يتعرف عليها أحد ، وفي أحد تلك المشاهد ، تمسح وجود الزوج وتمسح وجود الابنة .

هذه الرواية ترسخ مبدأ اللامبالاة والنزعة الفردية ، وهنا يجب أن نذكر مرحلة ما بعد الحداثة التي يطرحها المفكرون الغربيون ، والصورة التي ستؤول لها الأمور في النهاية لا محالة ، وهنا يجب أن نضع علامة استفهام كبيرة ؟ فتلك الصورة تعني موت الإنسانية وتحول البشر إلى آلات أو مجموعة من المشردين ذهنيا لا صلة لهم ببعض ولا يحتاجون إلى بعض ولا ينتمون لبعض ، صورة تدمر الأسرة وتقتل كل شعور بالانتماء إلى المجتمع أو الهوية أو الدين أو الأسرة .

لا يمكنني أن أحكم على الكاتب فهو كاتب عالمي كما يقولون ولم أقرأ له أي عمل آخر وما قرأت مترجماً للعربية بشكل موجز ، والذي أعرفه أن الرواية حازت جوائز ، والحكم على الترجمة أنها تنقل الصورة كاملة للقارئ أظن أنه صحيح ، فمن واقع قراءاتي أجد نسخاً كاملة ونسخ مختصر في الكثير من الأعمال الروائية العالمية ، لكن لم أجد نسخة أخرى لترجمة هذه الرواية .

أنصح بقراءة الرواية فهي عمل أدبي به عناصر واضحة يمكن تصورها وتخيل شخصياتها ونقدها ، تقع الرواية في 180 صفة مع المقدمة والتعريفات .

قراءة في كتاب الواقع في قصص للكاتبة / بدرية حمد .. 

IMG_20200614_004842

الكاتب / بدرية حمد .

كاتبة قطرية .

اسم الكتاب / الواقع في قصص ( مجموعة قصصية قصيرة )

عدد الصفحات : 67 .

     مختلفة هذه المجموعة القصصية ، رغم صغرها ولا أعرف لماذا لم تكتب السيدة / بدرية المزيد من القصص ، فالقصص التي طرحتها قصص كانت من واقع الحياة ، وأظن أن لديها أفكاراً أخرى وقصصاً لم تكتبها ، وأنا شخصياً يحزنني أن أجد قلم مميزاً يملك من الإمكانات ما يؤهله لأن يصل إلى أعلى الهرم لكنه يقف عند نقطة محددة ولا يكمل المشوار .

     نعم السيدة / بدرية حمد تملك القدرة على رسم المشهد وتحديد إطار للقارئ ليقف على رسائل القصة دون أن يجد تعقيدات أو إيحاءات تخرجه عن السياق ، وكل هذا ضمن جمل سلسة يستوعبها القارئ بسهولة ويستمر ليصل لنهاية المشهد ، ويعيد النظر في المسائل التي مرت في الحياة دون أن يلقي لها بال ، ليعرف تأثير الموقف على الشخص الذي عايشه .

     كل قصة في هذا الكتاب تحكي واقعاً وتركز بؤرة ضوء على موضوع وليس بالضرورة أن يكون الموضوع مشكلة أو قضية ، بل ربما يكون تصحيح لوجهة نظر أو قراءة مغايرة للرأي السائد ، وهذا يعطي الكاتب نجمة إضافية على مقدرته الجيدة في تصوير حقبة زمنية ونقلها عبر القصص لتُصل للقارئ الذي عايش تلك المرحلة صور معين ، وترسم صورة ذلك الزمن للجيل الذي أتى بعده .

     الجميل في هذه المجموعة القصصية أنها تحكي واقع المرأة بمراحلها المختلفة الطفولة الشباب وما بعد الزواج ، وترسم تلك المشاكل التي يظنها الرجل أنها تافهة ، لتنقل تأثيرها في النساء ، وتصور مدى اتساع الفجوة بين نظرة الرجل ونظرة المرأة لتلك المشاكل ، وتلقي الضوء أيضاً على مشاعر المرأة ومخاوفها ومدى تأثير تلك المشاعر والمخاوف على واقعها .

    أعود وأكرر هذه الجملة في كل مقال أضعه لكاتب قطري ، لماذا هذا البخل ، لماذا لا تخرج الأفكار على شكل كتب ، وإن خرجت لماذا تكون قليلة ، فالساحة الأدبية تحتاج كل قلم مبدع أن يعطي أفضل ما عنده ، والساحة متسعة للجميع ، وأنا أناشد السيدة / بدرية حمد ، أن لا تتوقف ، فقد اطلعت لها على أكثر من مقال وهذه المجموعة القصصية ، وكل ما حصل أن قناعتي زادت أنها تملك إبداعاً لم نشاهده بعد .

     

قراءة في كتاب ( العبودية المختارة ) لـ .. إبتان دو لا بويسي

العبودية المختارة

سمعت عن هذا الكتاب أو بالأحرى المقال لكن لم أفكر في قراءته سابقاً ، قرأته اليوم ، وهو جميل ، لكنه في حقبة سابقة في عهد الملوك في فرنسا ، وذاك الزمن يشابه لحد كبير زمننا في المنطقة العربية والشرق الأوسط عموماً وسيجد من يقرأ هذا الكتاب الكثير من أوجه الشبه لدى الشعوب العربية المستعبدة ، والتي يفرض عليها حكم دكتاتوري ملكي أو عسكري ، يستعبد الشعوب ويسوقهم كالقطعان .

يتحدث الكاتب أن الشعوب هي من تصنع الظالم ، وهو محق فالظالم لا يأتي من الفضاء ، بل هو بشر مثلنا له نفس التكوين البشري، العقل ، والحواس إلى أنه يتسلط على البشر ويملكهم ، وهو ينساقون خلفه ، سواء إعجاباً به أو خوفاً منه ، لكن الكاتب يتهم الشعوب بأنه تنساق خلف الحاكم وتنظر إليه بإعجاب في الكثير من المواقف ، فهم كالقطيع الذي يسير خلف الراعي دون تفكير ، ودون أن يفكر أحدهم أن يسلك الطريق وحده ، ويتساءل الكاتب لما هذا الانسياق الغير المبرر ؟

ثم يعود ليأصل مبدأ الحرية فالحرية في منظورة تنشأ في فطرة الإنسان وهي أصيلة في نفسه ، أي أن الإنسان لا يستحب العبودية ولا يرغب فيها أن نشأ على أساس صحيح ، وتربية صحيحة ، فرفض العبودية ينبع من داخل بيني البشر ، ولا يتعلمونه ، بل الحرية هي الأساس والاستعباد وضع يفرض على البشر ، ويفرض بأساليب مختلفة .

يوزع الكاتب الحكام على ثلاثة أصناف ، حاكم أخذ الحكم بقوة السلاح وهو الحاكم المتجبر بطبعه ، وحاكم أخذ الحكم بالوراثة ، فهو نشأ في بيت سلطة تعلم أساليب الظلم من صغره ونشأ على مبدأ أن الملك للملك ، وحاكم يختاره الشعب ثم يتمكن منه ويسيطر عليه ، ويتحول إلى ظالم نتيجة ما يجد من تأييد مطلق ونفاق ، وأشخاص يريدون أن يرضى عنهم بأي وسيلة ، ورغم ذلك يرى الكاتب أن اسوء الشرور هو الحاكم الذي اختير من الشعب ، الحاكم المنتخب ، وعلينا أن لا نهمل هذه القراءة زمن كتابة المقال فهو في عام 1840م ، والديمقراطية لم تنل شكلها في الزمن الحالي .

يتحدث الكاتب عن أن استعباد شعب حر يحتاج صلابة حتى يروض ، لكن الجيل الجديد ينشأ تحت وطأة الذل والهوان والاستعباد بكافة أشكاله ، فيكون هو الوضع الطبيعي في الأجيال المتلاحقة التي تنشأ تحت نفس الظروف ، فيستسيغون العبودية ، وينظرون إلى الحكام على أنهم يفعلون الصواب ويعود ويؤكد أن الحرية هي الفطرة الصحيحة في بني البشر وأن العبودية والاستعباد قهر يعود الإنسان عليه.

حين يتحدث عن التغير يتطرف أن التغير له أكثر من صفة ، فتغير النظام الظالم هو الصحيح ، والخطأ هو تغير الوجوه الظالمة بوجوه جديدة ، فالوجوه الجديدة هذه وإن كانت حسنة نوعياً، إلا أنها تتبنى نفس آليات النظام الظالم وتطبق المعايير التي تخدم الحاكم الجديد ، فالحكم من وجهة نظره هرمي ، أي أن الحاكم يحيط به خمسة أشخاص يستفيدون منه وينفذون أوامره ، وهؤلاء الأشخاص يديرون 500 شخص أسفل منهم ، بنفس منظور الفساد الذي يدير به الحاكم الخمسة الأساسيين ، والخمسمئة يديرون خمسين ألفاً يتوزعون على أماكن مختلفة ومناصب مختلفة ، والخمسون ألفاً يديرون عدد أكبر في مناصب أصغر تحت نفس منظومة الفساد ، أي أن الفساد هرم يبنى من الأعلى إلى الأسفل ، يجمع الظلمة بطبقات مختلفة وأساليب مختلفة لخدمة نظام ظالم تحت حكم رجل واحد يسيطر على الجميع ، فأي تغيير لا يشمل النظام بأكمله ، يعتبر تغير وجوه لا أكثر ، وأن النظام الظالم باقِ على حاله .

حين يتحدث الكاتب عن فرنسا لم ينتقد الملك ، رغم أنه استرجع مواقف كثيرة من التاريخ خصوصاً في زمن الرومان واليونانيين ، بل وقال حين تحدث عن فرنسا (( وحتى لو لم يكن الأمر كذلك لما رغبت في خوض نقاش حول صحة أخبارنا ولا تفنيدها لكي لا أفسد جمال شعرنا الفرنسي الذي يتبارى فيه شعراؤنا )) بل إنه يقول إن الملك اختاره العلي القدير وهذا تناقض واضح في مقاله فحين ينتقد الظلم والاستعباد يمتدح ملك فرنسا ويرفض الخوض في مثالب المملكة ، وربما بنى موقفه هذا نتيجة قربه من الطبقات العليا وزواجه من نبيلة .

يتحدث عن تأثير الحاشية على الملك أو السلطان أو الحاكم ، لكنه يعود ليتحدث عن تلك الحاشية في الصفحات الأخيرة بأنهم رغم الفوائد والامتيازات التي يحصلون عليها إلا أنهم في خوف دائم ، وترقب ، وكأنه يشير أن لديهم يقين أن الملك لم يبقى راضياً عنهم للأبد ، بل إنهم مقتنعون أن الملك في أي وقت ربما يتخلص منهم وفي ذلك الوقت الشعب المستعبد لن يلعن الملك بل سيلعن حاشيته سواء كان الملك قريباً منها وراضياً عنها أو حين يستغني عنهم ويذلهم أو يتخلص منهم ، سيلعنهم الشعب لأنهم كانوا هم العطا التي يستخدمها الملك ، فالشعب لا يرى إلى العصا ولا يرى من يستخدمها .