
أتعلمين أني هنا؟ وكيف تعلمين، وقد رحلنا سوياً عن هذا المكان، وقد عدت وحدي لأشتم رائحتك، واقتفي أثر خطواتك التي مشيتِها بجواري.
عزيزتي، لا يعني الرحيل موت المشاعر، لكنه خيار نضطر إليه أحياناً لنعالج أنفسنا من قسوة الحب العنيف الذي لا نستطيع أن نقاومه حين ينتكس علينا بشكلٍ سلبي، فيقلب حياتنا وينغصها ويجعلنا عاجزين عن وضع الحلول المناسبة، أو ربما وضعنا حلولاً عجزت عن معالجة أوضاعنا التي عشناها.
لنعود إلى آثارك التي لا زلت أقتفيها بدقة، ملامحك ترافقني في هذه الأثناء التي أخطو فيها خلف ذكرياتك المتناثرة في حياتي لكي أجمعها واحتفظ بها لمدة أطول من الزمن، لأتذوق وأعيش لذة الشعور الذي كان ينتابني وأنا أسير بجوارك، وتتخلل أصابعي أصابعك.
ذكريات حبيبتي، هي كما يقولون “ذكريات” لن أتركها، فقد أثرت بصماتك في نفسي أكثر مما تتوقعين، فهي ليست مجرد علامات، لقد طُبعت صورتك في مخيلتي فلا أغمض عيني إلا ووجهك يبرز أمامي دون أي مبررات فهو الشيء الأكثر تأثيراً وهو الذي يتصدر المشهد دائماً، ويطغى على كل الصور سواها.
لا زلت أشمّ رائحة عطرك المميزة دون وجود رائحة عطر، ربما يقترن شعوري بتلك الرائحة المخملية التي أحببتها وكم أنا سعيد؛ لأنها تُشعرني بوجودك معي أكثر وكأن روحك ترفرف في المكان وتشاركني النشوى.
تخيلي هذا المشهد معي؛ شخص يجلس على طاولة في مقهى، ويسند كوعه على الطاولة، ويضع ذقنه على راحة يده وكأنه يتأمل شخصاً جالساً أمامه، هذا أنا أجلس كما كنت في حضورك على الكرسي المقابل، كنتِ تخجلين في ذلك الحين من نظراتي التي تفترس ملامحك، وأنا أستمتع في ذلك الموقف بعلامات الخجل على وجهك، كنت أشعر بلذة مضافة ومتعة لا تعرفينها، وما زالت تسكنني إلى الآن وأنا أتخيل تلك الروعة التي كنت أجدها وأنتِ معي.
في الحقيقة لا شيء يموت، فنحن ننثر آثارنا في الزمان والمكان، وعلى من يحبنا أن يبحث عنا ليجدنا، وأنا جئت إلى هنا لألمس آثارك وأستمتع بصحبتك.