صدمة العاطفة ..

لا توجد حدود للمشاعر ولا قوانين؛ فالشعور شيء غير ملموس لا يمكننا قياس مدى فاعليته من شخص إلى آخر ولا تأثيره في الأشخاص، فأحدنا تؤثر فيه دموع طفل بشكل بالغ وآخر تؤثر فيه تلك الدموع بشكل سطحي، ولكل شخص تبريره الذي يستند إليه ولكل منا نظرته الخاصة للدموع، ممن تصدر ولِمَ صدرت، أمور كثيرة تجعلنا نعطي تلك الأحاسيس قيمة، أو نقلل من شأنها.

هي مشاعر تتفاعل في مساحة من أنفسنا لا يمكننا أن نصل إليها، كتلة كامنة لا ندري متى تنفجر، عاطفة الحب لا نعرف متى تتملكنا، والحنين، وتأثير الذكريات، نقف أمامها عاجزين في أحيانٍ كثيرة، ولا نجد تفسيراً منطقياً يبرر أو يفسر ردّة الفعل على المشاعر المقابلة.

لو أخذنا عاطفة واحدة مثلاً: الحب، لا نعرف متى نتخلص من تأثيره حين نقع فيه، أو متى نفيق من غيبوبته التي نتفاعل معها، دون أن نضع لها حدوداً ولا مدى،  وفي أحيان كثيرة تكون نتائجها كارثية، توصلنا إلى مرحلة الصدمة العاطفية أو الانهيار، نصاب بالصدمة في البداية والنهاية، في البدايات غيبوبة وفي النهايات ضياع، وفي كل منهما لا نتحكم في مشاعرنا سواء في السرور أو الضيق.

يعترف العالم بأجمعه بأن هناك مشاعر، لكنهم لا يعطون تفسيراً واضحاً لتلك الأمور التي لا يمكننا التحكم فيها، وربما يكتشفون إفرازات الغدد بعد حدوث ثورة الشعور، لكنهم لا يستطيعون أن يصنعوا شعوراً واحداً دون اكتمال عناصره.

على الحافة ..

عند أطراف الزمن يقف شخص ينظر إلى الأسفل!!

على أطراف الزمن يقف لا ينظر إلى الخلف!!

على الحافة هناك كان يبكي.

توقفت ساعته لكنه حي، وتجمدت كل المشاهد، وما زال يتنفس، وأختلطت الأحلام والأماني والرغبات، ولا زال موجوداً.

بينه وبين الموت أن يرخي أعصابه، ويمد قدمه في الفراغ!

وقبل أن يسقط، إنهارت الأحلام، وتوقفت المشاعر وتمردت العواطف، ولعنته أفكاره.

قبل أن يسقط في الهاوية إنتحر قلبه.

كلاكيت ثاني مرة ..

جلس بجوارها ورغم أنه لم يسألها، فقد شعرت بسؤاله: لماذا تبكين.

قالت: هناك شيء يتحرك في نفسي يؤلمني، أحدهم استطاع أن ينتزع مني السعادة، كنت أظن أنه السعادة ذاتها، ظننت أنه يشعر بي.

عادت إلى البكاء من جديد.

ثم صرخت، كنت أحبه بجنون، لكنه رحل.

كان ينظر إليها ودّت لو يسألها: هل كان يحبك بجنون كما كنت أنتِ تحبينه؟

أجابت دون أن يطرح السؤال: الرحيل يدمر كل التوقعات، ويقتل الأمل، الرحيل يجعلني أقسم أني أحبه أكثر من السابق، هل تعرف معنى الرحيل؟ أظن أن الرجال لا يعرفون ما الذي يصنعه الألم في قلب المرأة، لا يعرفون أن الحب حين يسكن قلبها لا يترك مجالاً لغيره، فيرغبن أن يضعن الرجل في كل أرجائهن وهذا ما فعلته؛ لقد وضعته في كل أرجائي، لكنه رحل.

ابتسم رغم أن ألمها قد طغى على المحيط.

أنت أيضاً رجل، لا بد أنك دمرت امرأة، ووأدت فيها الشعور بالحياة، أنت رجل تجلس بجواري وتسألني. لماذا أبكي، ارحل عني، لا أريد أن أتحدث مع أحد.

سمعها ولم يتحرك، كانت ابتسامته تكبر، وعيناه تتألقان أكثر .

نظرت إليه بغضب وقالت: هل تتوقع أن أعتبر جلوسك بجواري مواساة، أم تعتقد أن سأرتمي في حضنك لتمنحني السكينة، أم أن أقول لك كل أسرار الدموع التي تنزل، أو أطلب منك أن تساعدني، ماذا تريد؟

ابتسم، لكنه لم يقل شيء وظل بجوارها.

شعرت بوخزة في قلبها، ابتسامته تطعنها، شعرت أنه يستهزئ بألمها، قامت ونظرت إليه بغضب ثم صفعته، دُهش من تصرفها لكنه لم يتألم ولم يتكلم ولم يتحرك من مكانه، ألقت بجسدها بجواره وغطت وجهها بيدها وانخرطت في البكاء، ثم قالت: وهي تدفن وجهها بين كفيها: أنا آسفة، لا أستطيع التحكم في تصرفاتي.

نظر إليها وابتسم.

صرخت في وجهه: لا تبتسم، بدأت تضربه بكل ما أوتيت من قوة، ثم هدأت وقالت: آسفة، لكنها بعد ذلك قامت من مكانها، غادرت دون أن تنظر إليه .

الحياة رَحلت معها، لم يؤلمه رحيلها الآن، بل رحيلها منذ سنة، حين قال لها إنه يحبها، لم تلتفت إليه في ذلك الحين وقالت بهدوء وبمزاج عالٍ: أنا لا أناسبك، نظرت إليه بعدها وابتسمت وهو يحترق، لم تشعر بنيرانه ولم تعرف ما الذي فعلته حين أدارت له ظهرها ورحلت، الآن لم يأتِ ليشمت، بل هي من طلبت منه الحضور، تحدثت واشتكت، وهي من فقدت السيطرة على أعصابها، وصفعت شخصاً بجوارها وضربته، ثم أدارت له ظهرها ورحلت، شتان بين ذلك الرحيل وهذا الرحيل، في السابق تركته أشلاءً، وفي الحاضر رحلت وهي تلملم أشلاءها.

لم يتحدث لأنه متأكد أن الصمت كان أبلغ، ويعرف أنها ستقول له إنها تتألم، ويعلم مصدر ذلك الألم، فمن منحها ألم الحاضر هو من منحها الهدوء في السابق ليدير لها ظهره ويرحل.

الصمت كان في المرة الأولى مؤلماً، وفي الثانية أيضاً مؤلماً، لكنه يعرف أن ما وصلت إليه لن يمنحه قلبها ولو منحها قلبه من جديد، فقلبها أصبح عند شخص آخر ستطارده وتبحث عن أي شيء يخصه، سيزورها في أحلامها ويقظتها، وسيحتل كل ذكرياتها.

في الهاوية ..

لم تكن تلك الكلمات لتسقط في الهاوية لو وجدت الكفوف التي تلتقطها في ظلام الشوق، لتحتضنها بشوق وتعانقها بشوق، سقطت لأنها لم تجدك في المكان المناسب والوقت المناسب، سقطت لتموت تحت قدميك.

لم تنتبهي إلا لنفسك، لم تشعري أنكِ تدوسين على قلب حبيب سقطت في كلماتهُ من أجلكِ، ليس مهمّاً الهوى، أو مَن هوى للهاوية، ليس مهمّاً أن رحل أو إن بقي، ليس مهمّاً أن تسهري، أن تنظري له، فهو مجرد كلمات تسقط تحت قدميكِ لتشعري بالفخر وترفعي هامتك عالياً.