
القهوة
لونها أسود ..
لماذا نصورها بشكل جميل؟
هي تدل على نفسها؛ بطعمها اللاذع ومذاقها المر ..
ومع ذلك نحبها ..

القهوة
لونها أسود ..
لماذا نصورها بشكل جميل؟
هي تدل على نفسها؛ بطعمها اللاذع ومذاقها المر ..
ومع ذلك نحبها ..

قهوتي هي البدايات.
وهي النهايات.
قهوتي … تشرب الدقائق …
وأشربها في دقائق …
تعلمني طعم الحياة …
شكرا قهوتي …
كل شيء له وقت
ولو طورنا المسألة سنقول الزمن، وكل شيء له زمن بداية ونهاية ونحن البشر ومضات نسير على السطح في وقت محدد ووننطفأ في وقت محدد


الإنسان لا يُمنح الفرح، بل يصنعه ويعمل ما يسره وحين تأتي المصائب، فإنها تخترق الظروف المحيطة التي خلقها ليحصل على السعادة.
الأحزان أو المصائب أو الصدمات إعادة بناء للإنسان لينظر في شؤونه من زوايا مختلفة، فالبناء الذي ننشئه ليس بالضرورة صحيحاً بمعنى أن سعادتنا التي بنيناها ربما قامت على تعاسة آخرين، أو تقاطعت مع أحلامهم، ولو حصل إنسان على السعادة كاملة سيحرم منها غيره لا شك في ذلك.
حين نؤمن بشخص لدرجة اليقين ونخلص له حتى النهاية، نشعر بانهيار حين نكتشف أن ذلك الشخص لم يكن على مستوى ثقتنا، هو لم يصنع لنا الصدمة نحن مَن صدمنا أنفسنا بمنحه ثقة أكبر من حجمه الطبيعي؛ لأننا لم ننظر إلى الجوانب السلبية في شخصيته، فلا يوجد إنسان على وجه الأرض لا يخطئ.
كل شيء يهدم يحتاج إعادة بناء وعلينا أن نبني ما يمكنه أن يقاوم أكثر، وأن نؤمن بأن الأشياء التي خسرناها قد انتهى دورها في حياتنا، ربما نتعرض لبعض الصدمات ونعاني من الهموم، لكن علينا أن نبدأ من جديد، وننظر في جوانب الأمور المشرقة والمظلمة، ونخلق توازنات تجعلنا قادرين على أن نستمر بأقل الخسائر.

الفراغات التي في نفسي لا أظن أن يملؤها الحاضر، فلا شيء أصبح يثير اهتمامي لأجمع ذكريات جديدة تردم الفراغات، ولو حاولت أن أملأها لن أجد في الواقع ما أضعه فيها، تلك المساحات الفارغة رغم أني أتجاهلها لا تزال بها ذكريات لا محل لها في واقعي الآن، لكنها موجودة في نفسي، تحفر في جوانبها، وأنا أدفن ما استطعت.
أذكر جيداً حين صُنعت تلك الحفر في حياتي، كنت أشعر بخواء في صدري وكأنه بئر لا قرار له والمسافة بيني وبين القاع لا تقاس، أتذكر أن الفراغ لم يكن في صدري فقط، بل حولي أيضا، يحيطني، يحاصرني، ويكبلني، لكنه تراجع ليصبح ماضياً، وتقلص في صدري، رغم الوحدة والانعزال.
أعرف أن الفراغ مساحة تائهة، لا يستطيع القلب أن يخرج منها، ولا يستطيع العقل أن يتجاوزها بسهولة، يعيشها القلب ليصطدم بجدرانها، ويتعرف العقل على معنى الضياع، حين يكون هناك شيئاً واحداً يسيطر عليه ولا يستطيع أن يغادره.

الرواية ليست منهجاً أكاديمياً، بل تعتمد على الإبداع؛ فهي حكاية وفكر وأساليب أخرى، الجميل منها هو الذي يرفع لذة وشهوة القراءة لدى المتلقي، فإن كانت تحمل قيمة فكرية استطال زمانها وامتد، وإن كانت بسيطة رحلت مع زمانها.
أكوابٌ كثيرة .. تحمل نفس المذاق
وشخصٌ واحد ..
يحمل أفكاراً .. كثيرة
لم تغير تلك الأكواب أفكاره ..
ولم يغير هو .. مذاقها .
كوبه الأول .. ككوبه الأخير ..
وأفكاره في الصباح ..
تعود في المساء
وعالمه يدور ..
بين فنجان يأتي .. وآخر يرحل

كن عظيما وأفعل كل الأمجاد التي تريدها، أو كن وضيعا وسيفعلون بك كل الأمجاد التي يريدونها


سارت بي الحياة لكل مكان، وقابلت آلاف البشر، دون أن أعرف كم سأستمر ولا أدري متى ينتهي مشواري الذي بدأ منذ فترة طويلة، أسير وأدعي أني أتعلم مع أن أغلب الأحداث في حياتي أصبحت مكررة والمتغير الأكبر هو الأماكن والأشخاص، لكن المواقف أغلبها مكررة، تواجهنِ مشكلة أحياناً تكون بسيطة وأحياناً معقدة وهي اللحاق بالركب أو مسايرة الزمن الذي أعيش فيه، ورغم شعوري بأني اكتفيت إلا أني يجب أن أعيش وأستمر إلى متى لا أدري.
ليس من أحد لا يريد الحياة، لكن الروتين الذي يتكرر باستمرار يجعلك تتساءل كيف أستمر؟ وما الذي يمكنني فعله في هذه المرحلة من العمر؟ أنقل خبرتي مثلاً أم اعتزل البشر؟ وأتفرغ للمطالعة أو أذهب لأمور أخرى في الحياة، التجارة مثلاً أو أي عمل يستطيع أن يشعرني بأن الحياة يمكنها أن تمنحني المزيد من الخبرة أو المعرفة.
أنظر إلى الحياة بتفاؤل، وأحياناً انظر لها نظرة ملل، ثم أعود وأدفع نفسي للتفاؤل من جديد، إلا أن نظرة الملل تكبر وتتحول لاحتقار للحياة في بعض الأحيان، وتعود الشمس لتشرق مؤذنه بروتينٍ جديد يتكرر وبأشخاص حفظنا وجوههم وتصرفاتهم، وبشوارع أصبحنا نتوقع فيها كل شيء قبل حدوثه، فالسيارات لا تزال تسير على أربع، كـطفل سريع الحبو، وأتوقع أن تكبر وتمشي على عجلتين بدلاً من أربع.
لا يمكنني أن أرى الأشياء خارج نطاق الواقع أو خارج حدوده، لأني لو نظرت إليها بشكل مختلف أنا متأكد أني سأرسم لها شكلاً جميلاً لا يمكنه الحياة في الواقع ولا أن يستمر، فالحياة خليط بين جميلٍ وقبيح، وبين طيبٍ وشرير، وبين غبيٍ وذكي، بين أناس يتصدرون وأناس يعيشون في الهامش، وأنا أجد نفسي في الهامش أكثر مما أجدها في الطليعة فالهامش الذي يحتقره الكثيرون يعطيني مساحة شخصية لا أتمتع بها لو أني كنت في المقدمة، مساحة تجعلني أتحدث بصوت عالٍ مع نفسي، وتجعلني أنتقل من مكان إلى آخر، دون أن يعرفني أحد.

ما أنا إلا إنسان جمعته الأيام وفرقته، أنتشر حين أفرح وأنكمش حين أخاف، لا معنى للشجاعة دون خوف ولا معنى للفرح دون حزن، كل شيء يفسره نقيضه، فيني كل التناقضات والتساؤلات وأمامي الحلول؛ وعليّ أن أختار أحدها، ربما يكون الصحيح أو الأقل صحة، أو ربما يكون اختياري خاطئ.
خطأ، أنا خطأ، أنا مخطئ، أنا مذنب، أنا ما أنا؟ بشر، لا أتميز عن غيري، ولا أدعي، ولا أريد أن أتميز، فلا أرغب أن أكون فوق البشر، لكن لا أرضى أن أكون أسفلهم، حتى لا يضعوا أقدامهم فوق رأسي.
إنسان، لهذه الكلمة معنى قوي في قاموس المصطلحات، ليس في الكتب وحدها، بل في نفسي أيضاً، وأظنها في نفسي أقوى، فالإنسان له تفسير علمي، وآخر منطقي، وآخر فلسفي وديني، والحقيقة أنه يمثل كل هذه التفاسير مجتمعة، فيه التناقضات، يطمع ويَقنع، يخاف ويغامر، يحب ويكره، وبين كل قيمة ونقيضها شعرة، أفسرها أنا بمنظوري، ويفسرها غيري بمنظوره.
لا نتساوى في شيء غير التكوين الجسدي، وفي دواخلنا تختلف أفكارنا، تناقضاتنا، مشاعرنا، رغباتنا، أطماعنا، ونبني الأشياء من خلال ما ترسب في نفوسنا، وما تكدس من ذكرياتنا، نستنتج، نحلل، نخمن، نتوقع، بناءً على تراكم خبراتنا، ورواسب التعلم والذكريات.
جميعنا لدينا مشاعر ورغبات وأطماع، لكننا نختلف، فأنا أستخدم مشاعري وأطماعي ورغباتي بطريقة تعجبني وبأسلوب يخالف استخدام غيري لها، تطغى المشاعر على تصرفاتي، وغيري تطغى على تصرفاته الأطماع، وغيرنا تكتسحه الشهوات، الأشياء نفسها في الداخل والخارج، لكننا مختلفون في استخدامنا لأنفسنا.
الاختلاف أساس الحياة، والاتفاق هو أساس النجاح، من ينجح؟ ومن يفشل؟ هو الإنسان ذاته، تلك النسخة المكررة، في صور مختلفة، وأحجام متباينة، ومشاعر متغيرة، كل واحد منا يحمل صفات البشر، ومعاني الإنسانية السامية، لكن تصرفاتنا تختلف ومعاييرنا تتبدل ونحن نعيش في محيط متغير.

القهوة مُرة المذاق، لم يغيرها الزمن، في لقاءٍ أو فراق، لأنها .. مُرة .. في أساسها.
وذات مَره، أسقطتُ في جوفها “سكر” ظننتها ستفرح بتلك الحلةِ الحلوة.
وحين شربت منها، عرفت، أن السكر، أفسد “مزاج قهوتي” لأنها لا تريد أن تتغير….

أصعب شيء في الحياة أن تشعر بتلك الوحدة المميتة، ولا أعني أن تعيش وحيداً ومعزولاً عن العالم، بل إن البشر موجودون من حولك، لكن لا أحد منهم يستطيع أن يتغلغل إلى نفسك، فتشعر معه بلحظات الدف والرغبة في الحديث والبقاء معه كصديق.

أتعلمين أني هنا؟ وكيف تعلمين، وقد رحلنا سوياً عن هذا المكان، وقد عدت وحدي لأشتم رائحتك، واقتفي أثر خطواتك التي مشيتِها بجواري.
عزيزتي، لا يعني الرحيل موت المشاعر، لكنه خيار نضطر إليه أحياناً لنعالج أنفسنا من قسوة الحب العنيف الذي لا نستطيع أن نقاومه حين ينتكس علينا بشكلٍ سلبي، فيقلب حياتنا وينغصها ويجعلنا عاجزين عن وضع الحلول المناسبة، أو ربما وضعنا حلولاً عجزت عن معالجة أوضاعنا التي عشناها.
لنعود إلى آثارك التي لا زلت أقتفيها بدقة، ملامحك ترافقني في هذه الأثناء التي أخطو فيها خلف ذكرياتك المتناثرة في حياتي لكي أجمعها واحتفظ بها لمدة أطول من الزمن، لأتذوق وأعيش لذة الشعور الذي كان ينتابني وأنا أسير بجوارك، وتتخلل أصابعي أصابعك.
ذكريات حبيبتي، هي كما يقولون “ذكريات” لن أتركها، فقد أثرت بصماتك في نفسي أكثر مما تتوقعين، فهي ليست مجرد علامات، لقد طُبعت صورتك في مخيلتي فلا أغمض عيني إلا ووجهك يبرز أمامي دون أي مبررات فهو الشيء الأكثر تأثيراً وهو الذي يتصدر المشهد دائماً، ويطغى على كل الصور سواها.
لا زلت أشمّ رائحة عطرك المميزة دون وجود رائحة عطر، ربما يقترن شعوري بتلك الرائحة المخملية التي أحببتها وكم أنا سعيد؛ لأنها تُشعرني بوجودك معي أكثر وكأن روحك ترفرف في المكان وتشاركني النشوى.
تخيلي هذا المشهد معي؛ شخص يجلس على طاولة في مقهى، ويسند كوعه على الطاولة، ويضع ذقنه على راحة يده وكأنه يتأمل شخصاً جالساً أمامه، هذا أنا أجلس كما كنت في حضورك على الكرسي المقابل، كنتِ تخجلين في ذلك الحين من نظراتي التي تفترس ملامحك، وأنا أستمتع في ذلك الموقف بعلامات الخجل على وجهك، كنت أشعر بلذة مضافة ومتعة لا تعرفينها، وما زالت تسكنني إلى الآن وأنا أتخيل تلك الروعة التي كنت أجدها وأنتِ معي.
في الحقيقة لا شيء يموت، فنحن ننثر آثارنا في الزمان والمكان، وعلى من يحبنا أن يبحث عنا ليجدنا، وأنا جئت إلى هنا لألمس آثارك وأستمتع بصحبتك.

تبتسم .. قهوتي ..
تعبس .. تضحك .. وتبكي ..
وتبقى .. هي .. صاحبتي ..
مُرةٌ .. في كوبٍ أنيق ..
سوداء .. تغلفها الألوان
وأنا .. أحبها .. رغم مرارتها .. وسوادها
لا يهمني .. ما كانت فيه .. وما كانت عليه .

بين البداية والنهاية خطوط مستقيمة أو متعرجة، وعلينا أن نختار أيَّ طريقٍ نسلك لكي نصل.
عندما نبدأ المسير لا يمكننا التوقف، لكن يمكننا اتخاذ سبل متعرجة أو منحنية أو مائلة، وفي الختام سنصل بعد أن نعرف أخطاءنا.
سنصل بعد أن تتراكم لدينا الخبرة التي لا مجال لاستخدامها في النهايات.