حديث المرايا ..

أصبحت أحلم بالمرآة كثيراً، أرها أمامي وأنا فيها مختلف، لست أنا، ليست ملامحي، كأن الشخص الذي يجلس خلف المرآة، سُجن منذ زمنٍ طويل وحرم من الكلام والنظر، يقول لي: أنا هو أنت، لا توهم نفسك بأنك مختلف، فأنت تقبع في الجهة الأخرى من المرآة، وأنا أشاهدك كما تشاهدني.

أحقاً للمرآة وجهان، يسكنها في كل اتجاه شخص، ينظر كلاهما للآخر دون أن يتحدثا، ويعكس كلٌ منهما صورة الآخر، لكني لم أشاهد شبيهي في المرآة، بل إني شاهدت روحه، هي تشبهني، بعكس ملامحه، ذلك الشخص هو أنا من الداخل، أصبحت لا أعرف من المسجون خلف المرآة التي أحلم بها، هل هو أنا أم إنه شخص آخر، أم كلانا مسجونٌ في طرف.

حديث النفوس ..

أين الحب؟ ذلك العالم الجميل، الذي نشعر فيه بتألق الأشياء، وذلك البريق المليء بالجنون والشجن، اختفى منذ زمن، وأنا أجلس هنا أرى الأشياء التي كانت متألقة، قد كساها الغبار وخفتَ بريقها، سكنني الجنون، مات الشجن وساد الصمت منذ مدة.

 أراجع الماضي وأعيشه وحدي، والأشياء الصغيرة، أشيائي التي كنت أحتفظ بها في داخلي، ذبلت وماتت، لا أدري ما السبب؛ لكنها لا تبرق، ولا ترقص ولا تثورُ ولا تنطق .

كساني الغبار، ولوث أشيائي الجميلة، ألقى عليها طلاسمه المظلمة فخلدت في نومٍ عميق لا تُفيق منه أبداً .

هي الحياة ..

طويلة هي الحياة

لدرجة أن اللحظات أصبحت ثقيلة ترفض أن تمر دون أن تطأ علينا.

طويلة هي الحياة

لدرجة أن الأيام أصبحت أحمال ننقلها ولا ندري أين نضعها.

طويلة هي الحياة

لدرجة أن الكلمات أصبحت بصمات في سجل التهم.

طويلة هي الحياة

لدرجة أننا نفشل حتى في الوصول إلى الموت.

الــحــيـــاة

أطول من السيف، وأشد حدة، تمر على رقابنا دون أن ننزف لكنها تترك فينا ألماً لا ينتهي. 

قراءة في كتاب “الآراء والمعتقدات” لـ غوستاف لوبون

كتاب فلسفي اجتماعي ، يتناول قضية المعتقدات الدينية ويبحث في سبل نقضها بأسلوب متدرج حيث يتعاطى الكاتب مع المسألة من نقطة البداية بطرق البحث في علم النفس وعوامل الحركة والحس وحياة المجتمع، يسير من البداية لكي يثبت أن المعتقدات كلها وليدة تفكير بشري .

لا يهمني كثيراً ما يصبو إليه الكاتب في أن المعتقدات الدينية وليدة عقول البشر بقدر ما يهمني التحليل الفلسفي والنفسي للآراء والمعتقدات وهذا ما أجاده لوبون إجادة فاقت تصوري فعقد الكثير من المقارنات وحلل الكثير من العوامل وتناول هذا الجانب المهم في السلوك البشري من كل الجوانب تقريباً فقد قارن وبيّن الفرق بين المبادئ النفسية والعاطفية والعقلية، ما يؤثر في البشر فرادى ومجتمعين، كيف تُبنى المعتقدات؟ ما العامل الأهم الذي يرسخ المعتقد الديني لدى الجموع؟ وفي هذه النقطة بالتحديد يحلل الكاتب الكثير من الأمور ويصل بنا إلى نتيجة مفادها أن العاطفة هي التي تقود الجموع وهي التي تبني المعتقدات .

يقول لوبون ((مقاصد هذا الكتاب إثبات كون المعتقد غير عقلي وغير إرادي)) ومن هنا يبدأ لوبون صراعه لإثبات ذلك فيطرح السؤال: كيف تستقر الآراء والمعتقدات الدينية والسياسية في نفوس البشر؟ ولماذا لا تستطيع الآراء العقلية نقض الآراء الدينية والعاطفية وإقناع الجماهير بالرأي الصحيح؟ يبدأ الكتاب من هذا الجانب فيبحث في علم النفس والمنطق ويقارن بين تأثير المنطق العاطفي والديني والمنطق العقلي وتأثير كلٍّ منهما على الجموع، وما يرجح كل منطق على الآخر .

يتعامل لوبون مع النفس البشرية بشكل راقٍ لكنه يُفرق بين النفس المنفردة والنفس الجماعية، وأن القناعات الفردية مهما عظمت تصغر حين تصطدم بالقناعات والآراء العامة وتستسلم أمامها، فالرأي العام هو الأقوى والأكثر تأثيراً بحسب تفسير لوبون وهو وسيلة الضغط الأكثر فعالية والأجدى، يحلل كيف يتكون الرأي العام وكيف ينتشر وكيف يثور، وكيف تُبنى المعتقدات الدينية وكيف تتغير وكيف تموت .

يتدرج الكاتب بتسلسل جميل وأسلوب مقنع ويفكك الكثير من العلل حتى يصل إلى النهاية التي يريد إثباتها، فيتوه في المسألة، ويبدأ يخلط الدين بالسحر، ربما يجانب بعض كلامه الصواب ففي الكثير من الديانات سابقاً كان للسحر دور مهم فيها كآلهة الإغريق وغيرها من الحضارات التي تبنت معتقداً يقوم على الخرافات، لكنه لم يستطع إبطال الديانات الإبراهيمية ولم يفككها بالشكل الذي كان يتحدث عنه في بداية الكتاب .

الكتاب شيق وفيه الكثير من المعلومات والتحليلات والتفسيرات المفيدة، بالإضافة إلى سلاسة الطرح، فإن توزيع الأبواب والفصول منظم يجعل القارئ يتسلسل في تتبع وجهات نظر الكاتب .

قهوة ..

فنجاني ..أنت حكاية ، لا يحق لاحد ان يقرأها ..

قراءة في كتاب ( اللغة الصامتة ) ل ادوارد تي هول

كتاب شيق، يجمع بين الفلسفة وعلم الاجتماع، يقع في 260 صفحة، مؤلفه إدوارد تي هول وهو يحمل شهادة الدكتوراه .

يتحدث عن الفروقات بين المجتمعات المختلفة ما هو مُتقبل في مجتمع، قد يكون مرفوضاً في آخر، مثلاً: الوقت يحترم في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كبير، بينما لا لا يحظى بنفس درجة الاهتمام في المكسيك، وبعبارة آخر إن السلوك الإنساني يختلف من مكان إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، وإن تشابهت المواقع والملابس والأدوات، فالمجتمعات مختلفة ..

قراءة في كتاب ( تاريخ الوجودية في الفكر البشري ) لـ المستشار سعيد العشماوي

IMG_20171016_173552.jpg

لست مختصاً في الفلسفة لكن يمكنني أن أضع بعض الإشارات عن هذا الكتاب في عدة جمل من واقع قراءتي، مع الأخذ في الاعتبار أن تاريخ الكتاب يعود لعام 1984م أي أنه توجد أفكار عدة طرحت بعده في نفس المجال .

يناقش الكتاب تاريخ الفكر الوجودي من عدة جوانب لغوي وتاريخية عبر الأمم وعبر الفلاسفة ونظرياتهم، وكذلك وضع لمسته على تلك المفاهيم والنظريات في نطاق إسلامي وربما من منظور صوفي في بعض الأحيان، بشكل جيد يمكن فهمه ببساطة .

     بعد أن شرح الكاتب معنى الوجودية لغوياً انتقل لتعريفها عبر العصور، ابتدأ من تاريخ الدولة الفرعونية، وهنا أسهب الكاتب كثيراً في تلك المرحلة، واختصر في حضارات أخرى لا تقل أهمية، بل يوجد لها مراجع قوية مثل الحضارة المصرية القديمة، ومثلاً أغفل حضارة ما بين النهرين، ثم انتقل إلى الحضارات تباعاً اليونانية والرومانية، والمسيحية والإسلامية، وأنا أرى لو أفرد باباً خاصاً لشرح الوجودية في الديانات لكان الأمر أكثر وضوحاً، فأغلب الفكر الوجودي ينقلنا إلى الإلحاد، والفكر الديني لم يلغِ الوجودية بل وضعها في منظور معين له حدود، وله منطق يختلف عن منطق الفلاسفة .

     أيضاً في الباب التاريخي للوجودية يسرد الكاتب التاريخ ويقارن الوجودية في الحضارات ومجدها وانهيارها ويربطها بالوجودية وهذا يخلط الفكر الوجودي بالتاريخ، وهنا أيضاً كنت أقرأ في هذا الباب تاريخاً يسري بالأحداث حتى أنسى الموضوع الأساسي، ثم أعود إلى فكرة الوجودية حين يذكرها الكاتب، أي إنه كان يركز على الحضارات وتاريخها أكثر من الفكر الوجودي (موضوع الكتاب الأساسي) .

    ثم انتقل الكاتب إلى أبواب أخرى، الوجودية في الفكر الوسيط، ثم في الفكر الحديث، وفي باب الفكر الحديث، كانت النظرة أوضح بكثير، وتسلسل الفكر بين نظريات الفلاسفة والمفكرين كان رائعاً ومنطقياً، فتدرج مع نظريات الفلاسفة المؤثرين في الفكر الوجودي من هيجل وكجارد وهوسل حتى وصل إلى سارتر، ثم وضع موجزاً للفكر الوجودي في تلك الفترة، ثم انتقل إلى قصدية الوجود ووضع شرحاً جيداً، وفي نهاية الكتاب لخص فكرته الأساسية، النابعة من قناعاته الإسلامية .

يعد الكتاب صغيراً بالنسبة لكمية الأفكار التي يطرحها، وعموماً هو جيد يقع في 153 صفحة، موزعة على أبواب، كما أنه مفيد لمن يحب أن يطلع على بعض جوانب الفكر الوجودي والفلسفي، صدر في عام 1984 .

قراءة في كتاب ( المساواة ) لـ مي زيادة ..

1157.jpg

الكتاب صغير في حجمه ثمين في مضمونه، فلم يتناول المساواة فقط في الحقوق والواجبات أو المساواة بين الرجل والمرأة ، بل تناول المسألة من جوانب أخرى، وبطرق مختلفة ، تتدرج معك مقالات الكتاب أو أبوابه من الطبقات الاجتماعية، ومنها الطبقة الأرستقراطية، ثم تعود بك للرق والعبودية وتاريخها، وتأثيرها ، ثم تتحدث عن الديمقراطية بمنظورها الواسع من بداية ما قاله الفلاسفة حتى الواقع الذي كتبت فيه الكتاب، ثم تتحدث عن الاشتراكية السلمية، وإمكانية تحولها، وتعود إلى الاشتراكية الثورية التي كانت الكاتبة نفسها تعايشها في أوجها ثم تعود إلى النظريات الفوضوية، وتميل بك إلى نظرية العدمية في أبواب متتالية .

تنقلك مي زيادة في هذا الكتاب في الواقع بين كل المذاهب المطبقة في ذلك الحين من الزمن، نقلاً سلساً بلغة قوية، وتدخل في جوانب وتفاصيل، وتضع تصورها في كل باب تطرقه ، لتخرجك من سيطرة الفكرة أو النظرية، ولتجعلك تنظر إلى جانب آخر لم تنتبه له، ومن المفارقات التي وردت في الكتاب أن الكاتبة تنبأت بانهيار الشيوعية رغم أن حياتها كانت في أوج الفكر الشيوعي الماركسي، إلا أنها تنبأت بأن الشيوعية ستكتسح العالم ثم تنهار، ولم يمتد بها العمر لترى أن صراع الشيوعية استمر مع الرأسمالية، وانهار دون أن ينتصر، ولكنها تميزت في بفكرة الانهيار، كما أنها تحدثت عن المساواة في حقوق المرأة، واستغلال العمال .

الفصل قبل الأخير من الكتاب كان نقاشاً بين أشخاص يمثل كل واحد منهم فئة أو طبقة اجتماعية، أو دور يقوم به في مجتمعه، ويدور الحوار بين المفكر والشيوعي والإنسان البسيط والإنسان الرأسمالي، ثم تختم كتابها برسالة أحدهم وهو أفضلهم في النقاش وطرح الأفكار فيتناول كل تلك المسائل من واقع مقالاتها التي كونت الكتاب، ويطرح تصوره وما يجب فعله .

يقع الكتاب في 163 صفحة، وهو كتاب شيق، بمنحك معرفة عامة من خلال أبوابه المتنوعة، أنصح بقراءته مع ملاحظة أن الزمن الذي كتب فيه الكتاب يختلف عن زماننا هذا، وأن الكثير من النظريات والأفكار قد عفا عليها الزمن، لكن متعة المعرفة في الكتاب قوية جداً .