كائنات بشرية ..

ما أنا إلا إنسان جمعته الأيام وفرقته، أنتشر حين أفرح وأنكمش حين أخاف، لا معنى للشجاعة دون خوف ولا معنى للفرح دون حزن، كل شيء يفسره نقيضه، فيني كل التناقضات والتساؤلات وأمامي الحلول؛ وعليّ أن أختار أحدها، ربما يكون الصحيح أو الأقل صحة، أو ربما يكون اختياري خاطئ.

خطأ، أنا خطأ، أنا مخطئ، أنا مذنب، أنا ما أنا؟ بشر، لا أتميز عن غيري، ولا أدعي، ولا أريد أن أتميز، فلا أرغب أن أكون فوق البشر، لكن لا أرضى أن أكون أسفلهم، حتى لا يضعوا أقدامهم فوق رأسي.

إنسان، لهذه الكلمة معنى قوي في قاموس المصطلحات، ليس في الكتب وحدها، بل في نفسي أيضاً، وأظنها في نفسي أقوى، فالإنسان له تفسير علمي، وآخر منطقي، وآخر فلسفي وديني، والحقيقة أنه يمثل كل هذه التفاسير مجتمعة، فيه التناقضات، يطمع ويَقنع، يخاف ويغامر، يحب ويكره، وبين كل قيمة ونقيضها شعرة، أفسرها أنا بمنظوري، ويفسرها غيري بمنظوره.

لا نتساوى في شيء غير التكوين الجسدي، وفي دواخلنا تختلف أفكارنا، تناقضاتنا، مشاعرنا، رغباتنا، أطماعنا، ونبني الأشياء من خلال ما ترسب في نفوسنا، وما تكدس من ذكرياتنا، نستنتج، نحلل، نخمن، نتوقع، بناءً على تراكم خبراتنا، ورواسب التعلم والذكريات.

جميعنا لدينا مشاعر ورغبات وأطماع، لكننا نختلف، فأنا أستخدم مشاعري وأطماعي ورغباتي بطريقة تعجبني وبأسلوب يخالف استخدام غيري لها، تطغى المشاعر على تصرفاتي، وغيري تطغى على تصرفاته الأطماع، وغيرنا تكتسحه الشهوات، الأشياء نفسها في الداخل والخارج، لكننا مختلفون في استخدامنا لأنفسنا.

الاختلاف أساس الحياة، والاتفاق هو أساس النجاح، من ينجح؟ ومن يفشل؟ هو الإنسان ذاته، تلك النسخة المكررة، في صور مختلفة، وأحجام متباينة، ومشاعر متغيرة، كل واحد منا يحمل صفات البشر، ومعاني الإنسانية السامية، لكن تصرفاتنا تختلف ومعاييرنا تتبدل ونحن نعيش في محيط متغير.

مزاج قهوتي ..

القهوة مُرة المذاق، لم يغيرها الزمن، في لقاءٍ أو فراق، لأنها .. مُرة .. في أساسها.

وذات مَره، أسقطتُ في جوفها “سكر” ظننتها ستفرح بتلك الحلةِ الحلوة.

وحين شربت منها، عرفت، أن السكر، أفسد “مزاج قهوتي” لأنها لا تريد أن تتغير….

عش وحيداً..

أصعب شيء في الحياة أن تشعر بتلك الوحدة المميتة، ولا أعني أن تعيش وحيداً ومعزولاً عن العالم، بل إن البشر موجودون من حولك، لكن لا أحد منهم يستطيع أن يتغلغل إلى نفسك، فتشعر معه بلحظات الدف والرغبة في الحديث والبقاء معه كصديق.

الأثر ..

أتعلمين أني هنا؟ وكيف تعلمين، وقد رحلنا سوياً عن هذا المكان، وقد عدت وحدي لأشتم رائحتك، واقتفي أثر خطواتك التي مشيتِها بجواري.

عزيزتي، لا يعني الرحيل موت المشاعر، لكنه خيار نضطر إليه أحياناً لنعالج أنفسنا من قسوة الحب العنيف الذي لا نستطيع أن نقاومه حين ينتكس علينا بشكلٍ سلبي، فيقلب حياتنا وينغصها ويجعلنا عاجزين عن وضع الحلول المناسبة، أو ربما وضعنا حلولاً عجزت عن معالجة أوضاعنا التي عشناها.

  لنعود إلى آثارك التي لا زلت أقتفيها بدقة، ملامحك ترافقني في هذه الأثناء التي أخطو فيها خلف ذكرياتك المتناثرة في حياتي لكي أجمعها واحتفظ بها لمدة أطول من الزمن، لأتذوق وأعيش لذة الشعور الذي كان ينتابني وأنا أسير بجوارك، وتتخلل أصابعي أصابعك.

ذكريات حبيبتي، هي كما يقولون “ذكريات” لن أتركها، فقد أثرت بصماتك في نفسي أكثر مما تتوقعين، فهي ليست مجرد علامات، لقد طُبعت صورتك في مخيلتي فلا أغمض عيني إلا ووجهك يبرز أمامي دون أي مبررات فهو الشيء الأكثر تأثيراً وهو الذي يتصدر المشهد دائماً، ويطغى على كل الصور سواها.

لا زلت أشمّ رائحة عطرك المميزة دون وجود رائحة عطر، ربما يقترن شعوري بتلك الرائحة المخملية التي أحببتها وكم أنا سعيد؛ لأنها تُشعرني بوجودك معي أكثر وكأن روحك ترفرف في المكان وتشاركني النشوى.

تخيلي هذا المشهد معي؛ شخص يجلس على طاولة في مقهى، ويسند كوعه على الطاولة، ويضع ذقنه على راحة يده وكأنه يتأمل شخصاً جالساً أمامه، هذا أنا أجلس كما كنت في حضورك على الكرسي المقابل، كنتِ تخجلين في ذلك الحين من نظراتي التي تفترس ملامحك، وأنا أستمتع في ذلك الموقف بعلامات الخجل على وجهك، كنت أشعر بلذة مضافة ومتعة لا تعرفينها، وما زالت تسكنني إلى الآن وأنا أتخيل تلك الروعة التي كنت أجدها وأنتِ معي.

في الحقيقة لا شيء يموت، فنحن ننثر آثارنا في الزمان والمكان، وعلى من يحبنا أن يبحث عنا ليجدنا، وأنا جئت إلى هنا لألمس آثارك وأستمتع بصحبتك.

سوداء ..

تبتسم .. قهوتي ..

تعبس .. تضحك .. وتبكي ..

وتبقى .. هي .. صاحبتي ..

مُرةٌ .. في كوبٍ أنيق ..

سوداء .. تغلفها الألوان

وأنا .. أحبها .. رغم مرارتها .. وسوادها

لا يهمني .. ما كانت فيه .. وما كانت عليه .

نهايات ..

بين البداية والنهاية خطوط مستقيمة أو متعرجة، وعلينا أن نختار أيَّ طريقٍ نسلك لكي نصل.

عندما نبدأ المسير لا يمكننا التوقف، لكن يمكننا اتخاذ سبل متعرجة أو منحنية أو مائلة، وفي الختام سنصل بعد أن نعرف أخطاءنا.

سنصل بعد أن تتراكم لدينا الخبرة التي لا مجال لاستخدامها في النهايات.

كلَ شيء ..

هل تعلمين أن الوداع مؤلم؟ وأنه لو لم ألتقِكِ ما شعرت بذلك الألم، ولا عرفت معنى الشعور التعيس الذي يطاردني أينما ذهبت.

ليتك تفهمين أن الألم ليس فراقاً فقط، فهو يجمع ما هو جميل ليُولِد الحسرة في النفس، وما هو مؤلم ليُعمق الجراح، وكل الأشياء البسيطة ليُعقِّد الحياة بعده، الفراق سيدتي، شيء لا يوصف، الكل يكتب ألمه ويعترف به، والحقيقة أنه يمزق كل نفس على حدة، وبأنواع عذاب تتفاوت.

تعرفين من يعاني ألم الفراق أكثر؟ ذلك الصامت المبتسم، الذي تقرأين في ابتسامته ألف معنى للحزن، الماشي في صمت يبحث عن ذاته في الطرقات، يبحث عن محبوبته التي فارقها في الوجوه التي يقابلها، لعله يراها صدفة.

رغم الرحيل، ورغم المسافة الشاسعة في الزمان والمكان، والمسافة بين قلبي وقلبك، إلا أني أحلم أن أراكِ صدفة، أو ألتقي نظرتك التي لا شك أنها ستحتقرني، رغم ذلك أحلم، ولا أملك إلا أن أحلم؛ فذكرياتك تنتشر في أرجائي، تشاركني كل شيء: قهوتي، كتابي، قلمي، حلمي، والأماني.

لست سعيداً ..

ليستِ السعادةُ شخصًا أو حبيبًا، فربما يكون ذلك الشخص هو الحاجزَ بين الإنسانِ وسعادته؛ التضحيةُ من أجلِ الحبِّ أحيانًا تُسبِّبُ لنا التعاسة، وعندما نتجاوز مرحلةَ الألم نكتشف أنَّ الحبيبَ الذي كنا نظن أنفسَنا سعداءَ بجواره، كان سببَ تعاستنا، ورغم ما كنا نُعانيه، تبقى العواطفُ والذكرياتُ مستمرة، وهذا شيءٌ غريب، لأنَّ الأمرَ مُعقَّدٌ في هذا الجانب.

لا مقاييسَ للسعادةِ، ولا حدودَ لها، ويمكننا أن نكبح رغبتنا في السعادةِ الزائفة، التي تتمثل في الطمعِ أو الحبِّ، بالقناعةِ والرضا، وهذا الأمرُ يُغطيه الجانبُ الديني، لكنه يكون عكسيًّا في بعضِ الأحيان؛ كأن نكون راضينَ عن مستوى معيشةٍ معيَّن، ويمكننا أن نصلَ لمستوى أفضل، أو نستمرَّ في علاقةٍ، ونقول إننا مُقتنعون بها (والحمد لله)، وهي في الأساسِ كارثية.

السعادةُ توازناتٌ، ينجح البعضُ في تحقيقها، ويفشل آخرون، تختلف أسبابُ سعادتي عن أسبابِ سعادتك؛ بعضُنا سعادتُه في الغِنى، وغيرُنا يُسعده الحبُّ، وآخَرونَ تكمن سعادتُهم في الإنجازِ والعمل.

الابتعادُ عن الضغطِ النفسي له تأثيرٌ كبيرٌ في هذا الجانب، فالعملُ تحت ضغط، أو الحياةُ مع شخصٍ سيِّئ، يُدمِّر الشعورَ بالسعادة.

علينا إهمالُ التفاصيلِ السخيفةِ لنتجاوزَ التعاسة، وكذلك الابتعادُ عن الأمورِ الروتينية، وإهمالُ الحذر، والإفراطُ في الخوفِ الزائد من المستقبل.

مجتمعات وقيود ..

الأعمار لها أحكام، وكذلك الظروف والعلاقات، فنحن مجبرون على نسق معين في التعارف، وفي العلاقة والتعامل، ونمط معين من أجل الاستمرار، يجب أن نمشي على تلك الأنماط والأنساق، حتى نكون أسوياء في نظر المجتمع، فالأحكام تصدر على مطابقة أفعالك مع التصورات التي يفرضها عليك المجتمع في كل الجوانب.

لكننا نكتشف أن تلك الأحكام المجتمعية تكبلنا وتقيدنا في أطر معينة تجبرنا أن لا نتجاوزها أو نكسرها، ولو كسرناها أو تجاوزناها ستختل العلاقات التي تربطنا بالمجتمع بسبب رفضنا لتلك القيود التي فرضت علينا، ويبدأ الشاذ عن أعراف المجتمع وتقاليده في السير باتجاه الانعزال والابتعاد لكي يختفي عنه ويتجنب نقده، ليشعر أنه تحرر من قيوده وأحكامه.

على الطريق تجد مسارات ومواقف، وتحدد السرعات، وتوضع المخالفات والعقوبات، وكذلك المجتمع يخلق لك مسارات، ويحدد تصرفاتك، ويضع العقوبات لكل مخالفة تقترفها، لكن المجتمع لا يسحب رخصة قيادتك، بل يلفظك، ويبعدك عن محيطه، أو يجبرك على تركه والابتعاد عنه، فعقوبات المجتمع سجن بلا قضبان ولا عليها حراس، لا يوجد قاضٍ يصدر الأحكام والمراسيم، تسير الأمور كلها باتجاه النظرة العامة في والرأي العام وما يراه ذلك المجتمع صحيحاً فهو صحيح، ولو كان مبنيا على خطأ، لكن المجتمع يتقبله ويتبناه.

قيود في علاقتنا العاطفية، والأسرية، حواجز في كل الاتجاهات، لم نصنعها نحن، لكننا ندعمها بشكل أو بآخر، حين لا نبدي أي اعتراض أو رفض، أو نناقش الجوانب السيئة في تلك القيود وتلك الأعراف المجتمعية، التي أصبحنا نصنفها ضمن العادات والتقاليد، ونضعها في خانة الـ “لا ممكن” والـ “العيب”.

قراءة في كتاب “دمج العناصر العقلانية والإرشادية في عملية اتخاذ القرار” للكاتب د. يوسف الكواري.

لست ضليعاً في مجال الإدارة لكني أملك بعض المعلومات المفيدة مثلي مثل باقي الموظفين، لكن هذا الكتاب يجعلك تنتقل إلى مستوى أعلى من واقعك، لأنه يحاكي مسألة “اتخاذ القرار” في دولة قطر، وهذه مسألة مهمة جعلتني اهتم بقراءته بتمعن وتركيز حيث إني أجد قصور في هذا الجانب الذي يحاكي واقع الإدارة القطرية على مستويات صنع واتخاذ القرار.

هذا الكتاب يحمل قدراً كبيراً من المعلومات، رغم حجمه الصغير حيث تطرق بعناية لأساليب اتخاذ القرار، وشرح كل جوانبها والنظريات التي تعززها أو تنقضها، ورغم أن الكاتب استخدم كم كبير من المعلومات من المختصين، إلا أننا نجد لمسته واضحة من خلال أساليب البحث التي اتبعها لتحليل المعلومات واستقاء النتائج، من مستويات عليا للإدارة في قطر في الاستبيانات والمقابلات الشخصية التي وضحت لنا الصورة الصحيحة لأساليب اتخاذ القرار المعتمدة في الدولة.

مهما كانت نتائج البحث الذي تضمنه هذا الكتاب فهو نقطة مهمة في كشف الجوانب الإدارية والأساليب المتبعة في المستويات العليا من الإدارة القطرية، التي يعاني القطاع المدني فيها من مشاكل كباقي الأنظمة الإدارة في كافة دول العالم، لكننا في قطر نفتقر لهذا النوع من الدراسات لنكتشف نقاط الخلل ونضع تصورات صحيحة لحلول في المستقبل.

تحية للدكتور يوسف الكواري على هذا العمل القيّم، وننتظر منه دراسات وأبحاث أخرى تكشف جوانب جديدة عن الإدارة في الدولة، وأتمنى عليه أن يطلع على القوانين الإدارية، ويضع دراسة عن مدى فعالية القوانين الإدارة وملائمتها لواقع الإدارة القطرية وجوانب القصور فيها.

كتاب دمج العناصر العقلانية والإرشادية في عملية اتخاذ القرار” للكاتب د. يوسف الكواري يقع في 113 صفحة، ويحمل معلومات مهمة في أساليب اتخاذ القرار أنصح بقراءته للمختصين والمهتمين في مجال النظم الإدارة.

قراءة في المجموعة القصصية “التبغ الأحمر” للكاتبة فلونا عبد الوهاب.

متنوعة تلك القصص التي قرأتها لدرجة أن كل قصة تنقلك لمحيط مختلف وعالم مختلف وفكر مختلف لذا كان من الواجب استحضار التركيز مع المتعة ليكتمل المشهد التخيلي الكامل أمامي، وقد وجدت أن تلك القصص تحاكي الواقع والمشاعر والخيال والعاطفة، وهذا التنوع الجميل يجعلك تعرف أن الكاتبة استطاعت خلق عوالم خيالية، واستطاعت أن تدمجها في الفكر القصصي اللذيذ، فجمعت بذلك روعة القصة ولذة الحكاية، وأخرجت لنا “التبغ الأحمر”.

من واقع معرفتي لأسلوب الكاتبة فلونا عبدالوهاب كنت مقتنعاً أني سأجد لغة جميلة وراقية حين أقرأ العمل الذي بين يدي، ولم يخب ظني فيما سرت إليه فلغة العمل راقية وجميلة، واستطاعت أن تنقل لنا كل الجوانب المهمة في القصص بوضوح دون ابتذال، استخدمت الكاتبة اللغة القوية البسيطة التي يفهما الجميع، لم تقعرها ولم تهشمها، وهذه نقطة مهمة أجدها دائما في أعمال السيدة عبد الوهاب، فهي تتمتع بحس شعري وشاعري يجعل الصياغة لديها سلسة ومنمقة في آنٍ واحد.

في المجموعة القصصية لفتت انتباهي قصة التبغ الأحمر لما تحمله من مشاعر مكثفة رسمت على لسان سيدة تنظر بعين الحب ولذة العاطفة، فكانت بليغة في المواقف الصغيرة التي يمكنها أن تجعلنا ننظر إلى الموقف من زاوية مختلفة، ونتعاطى مع مشاعر صاحبة القصة برغبة في الاستماع للمزيد، لكن أيضاً وقفت عند قصة رسالة من العالم الآخر رغم أنها خيالية، وربما لا تحدث في الواقع، لكنها جعلتني أؤمن بأن الكاتبة متمكنة فمجرد أن تقدر أن تجعل القارئ مستمتعاً بخيلك فأنت كاتب تملك الأسلوب والإقناع، وهذا ما جعلني أرفع القبعة للكاتبة فلونا عبدالوهاب.

تحتوي المجموعة القصصية على أربع قصص *سبعة أيام من الجنون *لا تخبر أحداً *التبغ الأحمر *رسالة من العالم الآخر، وتقع في 117 صفحة من القطع المتوسط، أنصح بقراءتها والاستمتاع بها.

الرواية: الكاتب ..

قلنا سابقاً، إن كاتب الرواية هو إله الرواية، يحيي فيها ويميت ويفعل فيها ما يشاء دون أن تكون هناك حدود لإرادته سوى جودة الرواية وحبكتها، فيخلق الشخصيات ويصنع الأحداث التي يسيّرها بما يناسب الرواية التي يكتبها، ولديه عدة عناصر عليه أن ينسقها ويربطها سوياً، الشخصيات، الأحداث، الزمان، المكان، كل هذه العناصر تجتمع بين دفتي كتاب لتسمى رواية

حين ننظر إلى الكاتب على أنه مبدع أو أنه قدم عملاً يستحق القراءة، علينا أن نقدر أولاً أن العمل الروائي عمل كبير بشكل عام، وأن الاستمرار في كتابة الرواية يحتاج إلى الكثير من الجهد النفسي والمعنوي والكثير من الاطلاع والاستماع والمتابعة، بالإضافة إلى الصياغة وتركيب الأحداث، كل هذا العمل يقوم به شخص واحد جمع الأفكار المتناثرة ووضعها في رأسه وعكف على كتابتها حتى النهاية.

يمكننا أن نصور الكاتب على أنه مُؤرخ، لكن تاريخه ضمن الرواية لا يؤخذ بجدية التاريخ المنهجي الأكاديمي للأحداث وذلك بسبب فردية الكاتب، فالتصور المدرج ضمن الحبكة الروائية لا يخرج من عقل جمعي يوثق المعلومات ويؤصلها، الروائي حين يصور أي حدث تاريخي يضع فيه الكثير من المشاعر والارتباطات التي لا يلجأ إليها المؤرخ الأكاديمي أو المختص، قس على ذلك كل ما يتعلق بالعمل الأكاديمي في التخصصات كلها.

يمكننا أن نصف الكاتب على أنه شاعري أو أنه رومنسي أو أنه عاطفي، وفي هذه النقطة بالتحديد يكون العمل الروائي ذا مصداقية أكبر حيث إنه من الطبيعي أن يعايش الكاتب روايته منذ البداية ويرسم شخصياتها، وهذا الأمر يجعله على اتصال ذهني وعاطفي بالشخصيات، لذا يكون متمكّنًا أكثر من غيره في وصف تلك المشاعر والأحاسيس، إلى درجة تصل للواقع أو تقترب منه.

من الضروري أن نعرف أن الكاتب يقع تحت تأثير نفسي وعقلي يجعله ينسج روايته في خياله ولو بشكل مختصر عبر نقاط، وأن الرواية التي ينسجها المؤلف لا بد أن تتأثر بخلفيته الدينية أو الأيديولوجية، أو الحزبية إلخ، هذا يعطي الرواية بُعداً شخصياً فلا يمكن للكاتب أن يلغي كل اعتقاداته السابقة، وكل قراءاته وفكره دون أن تكون في الرواية بصمة نفسية شخصية، أحياناً يتعمد الكاتب أن يبرز معتقده فيما يكتب أو يوحي به وأحياناً أخرى يكتشف القارئ ذلك من معرفته السابقة بالكاتب.

لنجاح العمل وفشله عدة أوجه، يقع بعضها على الكاتب، وبعضها رغماً عنه، فالمسؤولية التي تقع عليه هي: جودة العمل من حيث الصياغة وربط الأحداث وتجسيد الشخصيات بشكل صحيح بحيث يكون العمل مترابطاً والرواية محبوكة بشكل لا يشتت القارئ أو يضعف اهتمامه بالعمل.

الرواية: تأثير الرواية ..

كل حدث في الدنيا له بداية ونهاية، والرواية كذلك بها نقطة بداية ونهاية، وتقع الأحداث بين تلك النقطتين، بتصور شخص واحد للأحداث.

عندما أفكر في الرواية لا أفكر بها على أنها قصة فقط، ما يشغلني في الرواية ذلك الشوق الذي يدفعنا إلى أن نمسك كتاباً لا يحمل مادة علمية أكاديمية، ونقرأه بشوق لا يفتر حتى ننتهي من قراءته، ثم نبحث عن رواية أخرى لنفعل الشيء نفسه، ربما تحمل الروايات العبرة، وبعض الدلالات الأخرى لكن لها سحرها الخاص الذي يحبسك في أحداثها فلا تتركها حتى تعرف نهايتها.

الرواية تحمل فكر شخص واحد، وهو الكاتب، يضع فيها عصارة فكر روائي قصصي، يحوّر فيها أحداثاً، يُكحّلها بمواقف مشوقة، لتشد انتباه القارئ، ويمكنه كذلك أن يضع أفكاره، وتوجهاته سواء كانت سياسية، أو ثقافية، أو علمية، أو أيديولوجية، على هيئة أشخاص يمثلون ذلك الفكر ويضع حولهم هالة من الوقار أو يجعل القارئ يتعاطف مع الشخصيات أو ينفر منها، وهو بذلك يزرع فكرة معينة في ذهن القارئ، ويضع مبادئ ذلك التوجه في جدول أفكاره دون أن يشعر.

هذه النقطة مهمة، فالرواية تتعايش مع الأحداث كالحياة التي تتخللها المشاكل والشخصيات، والأزمات، إذاً الرواية مشابهة لواقع البشر الذي يعيشونه، بسبب هذا التشابه يمكنها أن تؤثر بشكل قوي على القارئ دون أن يشعر، وهو يقرأ في عزلة وتركيز، وربما يتأثر بشخصية معينة، أو ينسجم مع فكرة.

الكثير من الروايات سَوقت لمبادئ فلسفية، ومبادئ منحرفة، وأيديولوجيات غريبة، ووضعتها في سياق مشوق، جسدت شخوصها كأبطال، ننظر إليهم في الرواية بفخر، أو دفعنا اسلوب الكاتب للتعاطف مع حالة أو قضية أو مشكلة معينة، وبعض الروايات حققت رواجاً كبيراً في زمانها، وأثرت في الرأي العام، ووجّهت الجماهير في بعض الأحيان.

إذاً، للرواية تأثير أكثر مما نتوقع، لأنها تتربع على هرم الأدب، فالأقصوصة ثم القصة القصيرة، ثم القصة، ثم الحكاية، ثم الرواية، علاوة على ذلك يخرج من الرواية مستوى أعلى من الإعلام فتتحول إلى مسلسل أو فيلم سينمائي، ورغم محدودية زمن تلك الأعمال إلا أن تأثيرها في زمانها يكون قوياً جداً.

إذاً الرواية تقع ضمن سلسلة هرمية، فهي في قمة هرم الأدب، وهي في قاع الأعمال السينمائية، وهذا الامتداد يعطي الرواية قيمة أكبر وأهمية لا يمكن أن ينكرها أي شخص.

قراءة لرواية الثقب الاعوج من الاستاذة أزهار الأنصاري..

الرواية “الحشو والتفاصيل”

لا يختلف فن الرواية عن الفنون الأدبية الأخرى، فكل منها يشكل مشهداً من مشاهد الأدب الذي تنتمي إليه جميعاً، لكن الرواية رغم أنها تحتاج إلى الكثير من الجهد والتركيز، تفتقر لبعض الجوانب التي تتمتع بها بعض الفنون الأدبية الأخرى مثل الشعر الذي يمكنه أن يختصر لك الموقف في بيتٍ واحد، أو يحدثك عن قصة كاملة في قصيدة من عدة أبيات، بخلاف الرواية التي تعتمد اعتماداً كلياً على السرد، والاختصار في الرواية ربما يضعفها إن لم يوصل المعنى المراد شرحه بشكل يتقبله القارئ.

الرواية فن أدبي لا يعتمد على الاختصار؛ لأنه يتعاطى مع أحداث الحياة بشكل يجسدها في سطور يستطيع القارئ من خلالها تخيل المشهد كاملاً دون اختزال، فلو فرضنا أن موقفاً حزيناً يتمثل فيه رجل نجد أن من الأجدى أن يصف الكاتب مشاعر ذلك الرجل بالشكل الذي يضمن فيه وصول الشعور الذي يبين كثافة الموقف للقارئ، ولو كان الشرح مطولاً فلا ضير في ذلك إن كان سيوصل المعنى كاملاً دون الخروج عن المشهد.

لأن الرواية لا تشمل موقفاً واحداً، فهي تحتاج إلى تلك التفاصيل التي تخدم العمل لا التي تبعث الملل في نفس القارئ، في الرواية نحتاج إلى شرح تفاصيل المشاعر، وتفاصيل الموقف، وأحياناً نحتاج إلى شرح تفاصيل حوار، وأخرى نحتاج فيها لشرح تفاصيل المكان إن كان للمكان تأثير في المشهد المرسوم بالكلمات.

يمكننا أن نختصر أي شيء نقرأه، لكن الرواية لا تعتمد على الاختصار فالاختصار يختزل الكثير من جمالياتها الإبداعية، ويجعلها هزيلة في المعنى، التفاصيل التي أعتبرها حساسة جداً؛ لأنها تؤثر في النسيج العام للعمل الأدبي، ولأن القارئ حين يقتني رواية يعرف حق المعرفة أنها قصة طويلة، وبها الكثير من الكلمات والمواقف والمشاعر، فمن المهم أن نعرف أين نضع الاختزال وأين نحتاج إلى الشرح، ومن واقع القراءة يمكننا أن نكتشف أين ابتذل الكاتب وأين اختصر، وهل الابتذال في المشهد في محله الصحيح أم أنه أجهد الرواية وقارئها، وأثر في النسيج السردي، فمثلاً حين نصف المشاعر نبتعد كثيراً عن وصف المكان، وإن تطرقنا له نتطرق له بشكل جزئي لكيلا نشتت تفكير القارئ، فيكون تركيزه على العاطفة لا المكان؛ لأننا نريد أن نوصل مشاعر تلك اللحظة لا مكانها، فنجعل للعاطفة التأثير الأكبر، وللمكان الحضور الأقصر أو ننفي المكان من المشهد.

حين نحشو الرواية بتفاصيل متكررة ومملة، فإننا نخسر في أكثر من جانب، أولها أن التفاصيل الكثيرة التي تخرج عن المعقول، تشتت القارئ عن الحكاية الرئيسية في الرواية، وثانيها: أن تجعل النسق يميل إلى التكرار، والتكرار بحد ذاته يبعث على السأم، ويؤثر في النسيج العام من حيث المضمون، والمضمون في الرواية ليس التفاصيل المملة، بل هو أحداث ومواقف نريد أن نوصلها بشكل مؤثر وبنسق متصل لكي يستمتع بها القارئ ونصل للفائدة الكاملة التي تُوصل إلى القارئ قيمة القصة وما تطرحه.