أصعب شيء في الحياة أن تشعر بتلك الوحدة المميتة، ولا أعني أن تعيش وحيداً ومعزولاً عن العالم، بل إن البشر موجودون من حولك، لكن لا أحد منهم يستطيع أن يتغلغل إلى نفسك، فتشعر معه بلحظات الدف والرغبة في الحديث والبقاء معه كصديق.

الأثر ..

أتعلمين أني هنا؟ وكيف تعلمين، وقد رحلنا سوياً من هذا المكان لكني عدت لأشتم رائحتك، واقتفي أثر خطواتك التي مشيتيها بجواري عزيزتي لا يعني الرحيل موت المشاعر، لكنه خيار نضطر إليه أحياناً لنعالج أنفسنا من قسوة الحب العنيف الذي لا نستطيع أن نقاومه حين ينتكس علينا بشكلٍ سلبي، فيقلب حياتنا وينغصها ويجعلنا عاجزين عن وضع الحلول المناسبة، أو نضع الحلول التي تعجز عن معالجة أوضاعنا التي نعيشها.

  لنعود إلى آثارك التي لا زلت اقتفيها بدقة فملامحك ترافقني في هذه الأثناء التي أخطو فيها خلف ذكرياتك المتناثرة في حياتي لكي أجمعها واحتفظ بها لمدة أطول من الزمن، لأتذوق لذة ذلك الشعور الذي كان ينتابني وأنا أسير بجوارك، وتتخلل أصابعك أصابعي.

ذكريات حبيبتي هي كما يقولون “ذكريات” لن أتركها، فقد تَركتْ بصماتك في في نفسي أكثر مما تتوقعين من مجرد علامات أو آثار، طبعت صورتك في مخيلتي فلا أغمض عيناي إلا ووجهك يبرز أمامي دون أي مبررات فهو الشيء الأكثر تأثيراً الذي يتصدر المشاهد، ويطغى على كل الصور التي احتفظ بها في عقلي.

لا أزال اشتم رائحة عطرك المميزة دون وجود أي آثار لعطر ربما يقترن شعوري بك بتلك الرائحة العطرة التي أحببتها وكم أنا سعيد؛ لأنها تشعرني أكثر بوجودك معي وكأن روحك ترفرف في المكان وتشاركني ذكرياتي، تخيلي هذا المشهد معي شخص يجلس على طاولة في مقهى، ويسند كوعه على الطاولة، ويضع ذقنه على راحة يده وكأنه يتأمل شخصاً جالساً أمامه، هذا أنا سيدتي اجلس كما كنت أجلس في حضورك على الكرسي المقابل، كنتِ تخجلين في ذلك الحين من نظراتي التي تفترس ملامحك، وأنا استمتع بملامح الخجل على وجهك، في ذلك الموقف كنت أشعر بلذة مضافة ومتعة لا تعرفينها، لكنها تسكنني الآن، وأنا أتخيل تلك الروعة التي كنت أجدها وأنتِ معي.

في الحقيقة لا شيء يموت، فكلنا ننثر آثارنا في الزمان والمكان، وعلى من يحبنا أن يبحث عنا ليجدنا وأنا جئت إلى هنا لألمس آثارك واستمتع بصحبتها.

سوداء ..

تبتسم .. قهوتي ..

تعبس .. تضحك .. وتبكي ..

وتبقى .. هي .. صاحبتي ..

مُرةٌ .. في كوبٍ أنيق ..

سوداء .. تغلفها الألوان

وأنا .. أحبها .. رغم مرارتها .. وسوادها

لا يهمني .. ما كانت فيه .. وما كانت عليه .

نهايات ..

نهايات ..

بين البداية والنهاية خطوط مستقيمة أو متعرجة وعلينا أن نختار أي طرقٍ نسلك لكي نصل.

عندما يبدأ المسير لا يمكننا التوقف، لكن يمكننا اتخاذ سبل متعرجة أو منحنية أو مائلة.

وفي الختام سنصل بعد أن نعرف أخطاءنا.

سنصل بعد أن تتراكم لدينا الخبرة التي لا مجال لاستخدامها في النهايات.

كلَ شيء ..

هل تعلمين أن الوداع مؤلم؟ وأنه لو لم ألتقيكِ ما شعرت بذلك الألم، ولا عرفت معنى الشعور التعيس الذي يطاردني أينما ذهبت.

ليتك تفهمين أن الألم، ليس فراقاً فقط، فهو يجمع ما هو جميل ليُولِد الحسرة في النفس، وما هو مؤلم ليُعمق الجراح، وكل الأشياء البسيطة ليُعقد الحياة بعده، الفراق سيدتي شيء لا يوصف، الكل يكتب ألمه ويعترف به، والحقيقة أنه يمزق كل نفس على حدى، وبأنواع عذاب تتفاوت.

تعرفين من يعاني ألم الفراق أكثر؟ ذلك الصامت المبتسم، الذي تقرأين في ابتسامته ألف معنى للحزن، الماشي في صمت يبحث عن ذاته في الطرقات، يبحث عن محبوبته التي فارقها في الوجوه التي يقابلها، لعله يراها صدفة.

رغم الرحيل، ورغم المسافة الشاسعة في الزمان والمكان، والمسافة بين قلبي وقلبك، إلا أني أحلم أن أراكِ صدفة، أو التقي نظرتك التي لا شك أنها ستحتقرني حينها، رغم ذلك أحلم، ولا أملك إلا أن أحلم فذكرياتك تنتشر في أرجائي، تشاركني كل شيء قهوتي، كتابي، قلمي، حلمي، والأماني.

#خواطر

تفاءل..

الحياة شيء غريب مختلط تتحرك أوراقها باستمرار تدور وتدور لا تقف عند حد معين فكيف لهذا التسلسل من الأحداث أن يقف لشخص لم يقف عند حياته ويتأملها.

الحياة مغرية بما فيها من أحلام وأماني وآمال ينظر إليها الإنسان نظرة الرغبة والشهوة، فإن لم ينل مبتغاه أصبح تعيساً مكتئباً تطارده ذكرياته، وتلاحقه همومه إلى ما لا نهاية.

الحياة جميلة بها مباهج ومناظر تغيب عن أعيننا في أغلب الأحيان، فنمر عليها دون أن نراها، ولو نظرنا إلى الدنيا نظرة المتأمل سنجدها رائعة، ولو عشناها بتعاسة سنجدها كئيبة، كل عمل مبدع في الطبيعة له عين، لو بحثت عن الجمال بحث المصور المحترف لرأيت السماء بعين الطيور، وسافرت بقلب بحار مستكشف، ولو قطعت الصحاري بقلب بدوي ستجد أن الدنيا جميلة جداً لا تخلو من الروعة والدهشة وستمنحك الانبهار.

الحياة تلهمك بأشياء كثيرة، فلو ركزت في حياتك كإنسان له تاريخ، ستجد الذكريات ولو ركزت أكثر ستجد الخبرة والعبرة، ولو ركزت في خيالك ستجد الأحلام والأمل، ولو ركزت في جسدك ستجد القوة، ولك أن تستقطب كل شيء تريده. 

الحياة عدوها الموت ورمزها الأوضح هو الإنسان الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يفهم معنى الحياة ومعنى الموت ويسعى لتلافيه، هو رمزها الخالد وخلوده متسلسل بأجياله المتعاقبة وتاريخه التراكمي.

الحياة والدنيا مرتبطان ارتباط وثيقاً فلولا الحياة لا ترى الدنيا ولا معنى لها، لكن الحياة هي من أعطاها رمزيتها وشأنها وجمالها فالدنيا تزهو بمخلوقاتها كما الزينة فالدنيا تتزين بالحياة، وتتشكل بها تلبس في الصيف ثوب الجفاف، وفي الشتاء ثوب البرد، وتحتفل معها في الربيع.

الحياة كل شيء ولا شيء بلا حياة فكيف لنا أن نقتل قلوبنا، ولا نحركها، ندفنها في الذكريات والألم، ولا نرى التجديد من حولنا الشمس تدور والقمر، والغيوم تتحرك، لا شيء يقف فكيف للإنسان أن يقف في مكانه دون حركة، ألا يستدعي كل هذا أن يفكر، ولو قليلاً لكي يفهم ويعرف أين موقعه في الخارطة.

لست سعيداً ..

ليستِ السعادةُ شخصًا أو حبيبًا، فربما يكون ذلك الشخص هو الحاجزَ بين الإنسانِ وسعادته؛ التضحيةُ من أجلِ الحبِّ أحيانًا تُسبِّبُ لنا التعاسة، وعندما نتجاوز مرحلةَ الألم نكتشف أنَّ الحبيبَ الذي كنا نظن أنفسَنا سعداءَ بجواره، كان سببَ تعاستنا، ورغم ما كنا نُعانيه، تبقى العواطفُ والذكرياتُ مستمرة، وهذا شيءٌ غريب، لأنَّ الأمرَ مُعقَّدٌ في هذا الجانب.

لا مقاييسَ للسعادةِ، ولا حدودَ لها، ويمكننا أن نجمحَ رغبتنا في السعادةِ الزائفة، التي تتمثل في الطمعِ أو الحبِّ، بالقناعةِ والرضا، وهذا الأمرُ يُغطيه الجانبُ الديني، لكنه يكون عكسيًّا في بعضِ الأحيان؛ كأن نكون راضينَ عن مستوى معيشةٍ معيَّن، ويمكننا أن نصلَ لمستوى أفضل، أو نستمرَّ في علاقةٍ، ونقول إننا مُقتنعون بها (والحمد لله)، وهي في الأساسِ كارثية.

السعادةُ توازناتٌ، ينجح البعضُ في تحقيقها، ويفشل آخرون، تختلف أسبابُ سعادتي عن أسبابِ سعادتك؛ بعضُنا سعادتُه الغِنى، وغيرُنا يُسعده الحبُّ، وآخَرونَ تكمن سعادتُهم في الإنجازِ والعمل.

الابتعادُ عن الضغطِ النفسي له تأثيرٌ كبيرٌ في هذا الجانب، فالعملُ تحت ضغط، أو الحياةُ مع شخصٍ سيِّئ، يدمر شعورَ السعادة.

علينا إهمالُ التفاصيلِ السخيفةِ لنتجاوزَ التعاسة، وكذلك الابتعادُ عن الأمورِ الروتينية، وإهمالُ الحذر، والإفراطُ في الخوفِ الزائد عن حدِّه من المستقبل.

مجتمعات وقيود ..

الأعمار لها أحكام، وكذلك الظروف والعلاقات، فنحن مجبرون على نسق معين في التعارف، وفي العلاقة والتعامل، ونمط معين من أجل الاستمرار، يجب أن نمشي على تلك الأنماط والأنساق، حتى نكون أسوياء في نظر المجتمع، فالأحكام تصدر على مطابقة أفعالك مع التصورات التي يفرضها عليك المجتمع في كل الجوانب.

لكننا نكتشف أن تلك الأحكام المجتمعية تكبلنا وتقيدنا في أطر معينة تجبرنا أن لا نتجاوزها أو نكسرها، ولو كسرناها أو تجاوزناها ستختل العلاقات التي تربطنا بالمجتمع بسبب رفضنا لتلك القيود التي فرضت علينا، ويبدأ الشاذ عن أعراف المجتمع وتقاليده في السير باتجاه الانعزال والابتعاد لكي يختفي عنه ويتجنب نقده، ليشعر أنه تحرر من قيوده وأحكامه.

على الطريق تجد مسارات ومواقف، وتحدد السرعات، وتوضع المخالفات والعقوبات، وكذلك المجتمع يخلق لك مسارات، ويحدد تصرفاتك، ويضع العقوبات لكل مخالفة تقترفها، لكن المجتمع لا يسحب رخصة قيادتك، بل يلفظك، ويبعدك عن محيطه، أو يجبرك على تركه والابتعاد عنه، فعقوبات المجتمع سجن بلا قضبان ولا عليها حراس، لا يوجد قاضٍ يصدر الأحكام والمراسيم، تسير الأمور كلها باتجاه النظرة العامة في والرأي العام وما يراه ذلك المجتمع صحيحاً فهو صحيح، ولو كان مبنيا على خطأ، لكن المجتمع يتقبله ويتبناه.

قيود في علاقتنا العاطفية، والأسرية، حواجز في كل الاتجاهات، لم نصنعها نحن، لكننا ندعمها بشكل أو بآخر، حين لا نبدي أي اعتراض أو رفض، أو نناقش الجوانب السيئة في تلك القيود وتلك الأعراف المجتمعية، التي أصبحنا نصنفها ضمن العادات والتقاليد، ونضعها في خانة الـ “لا ممكن” والـ “العيب”.

قراءة في كتاب “دمج العناصر العقلانية والإرشادية في عملية اتخاذ القرار” للكاتب د. يوسف الكواري.

لست ضليعاً في مجال الإدارة لكني أملك بعض المعلومات المفيدة مثلي مثل باقي الموظفين، لكن هذا الكتاب يجعلك تنتقل إلى مستوى أعلى من واقعك، لأنه يحاكي مسألة “اتخاذ القرار” في دولة قطر، وهذه مسألة مهمة جعلتني اهتم بقراءته بتمعن وتركيز حيث إني أجد قصور في هذا الجانب الذي يحاكي واقع الإدارة القطرية على مستويات صنع واتخاذ القرار.

هذا الكتاب يحمل قدراً كبيراً من المعلومات، رغم حجمه الصغير حيث تطرق بعناية لأساليب اتخاذ القرار، وشرح كل جوانبها والنظريات التي تعززها أو تنقضها، ورغم أن الكاتب استخدم كم كبير من المعلومات من المختصين، إلا أننا نجد لمسته واضحة من خلال أساليب البحث التي اتبعها لتحليل المعلومات واستقاء النتائج، من مستويات عليا للإدارة في قطر في الاستبيانات والمقابلات الشخصية التي وضحت لنا الصورة الصحيحة لأساليب اتخاذ القرار المعتمدة في الدولة.

مهما كانت نتائج البحث الذي تضمنه هذا الكتاب فهو نقطة مهمة في كشف الجوانب الإدارية والأساليب المتبعة في المستويات العليا من الإدارة القطرية، التي يعاني القطاع المدني فيها من مشاكل كباقي الأنظمة الإدارة في كافة دول العالم، لكننا في قطر نفتقر لهذا النوع من الدراسات لنكتشف نقاط الخلل ونضع تصورات صحيحة لحلول في المستقبل.

تحية للدكتور يوسف الكواري على هذا العمل القيّم، وننتظر منه دراسات وأبحاث أخرى تكشف جوانب جديدة عن الإدارة في الدولة، وأتمنى عليه أن يطلع على القوانين الإدارية، ويضع دراسة عن مدى فعالية القوانين الإدارة وملائمتها لواقع الإدارة القطرية وجوانب القصور فيها.

كتاب دمج العناصر العقلانية والإرشادية في عملية اتخاذ القرار” للكاتب د. يوسف الكواري يقع في 113 صفحة، ويحمل معلومات مهمة في أساليب اتخاذ القرار أنصح بقراءته للمختصين والمهتمين في مجال النظم الإدارة.

قراءة في المجموعة القصصية “التبغ الأحمر” للكاتبة فلونا عبد الوهاب.

متنوعة تلك القصص التي قرأتها لدرجة أن كل قصة تنقلك لمحيط مختلف وعالم مختلف وفكر مختلف لذا كان من الواجب استحضار التركيز مع المتعة ليكتمل المشهد التخيلي الكامل أمامي، وقد وجدت أن تلك القصص تحاكي الواقع والمشاعر والخيال والعاطفة، وهذا التنوع الجميل يجعلك تعرف أن الكاتبة استطاعت خلق عوالم خيالية، واستطاعت أن تدمجها في الفكر القصصي اللذيذ، فجمعت بذلك روعة القصة ولذة الحكاية، وأخرجت لنا “التبغ الأحمر”.

من واقع معرفتي لأسلوب الكاتبة فلونا عبدالوهاب كنت مقتنعاً أني سأجد لغة جميلة وراقية حين أقرأ العمل الذي بين يدي، ولم يخب ظني فيما سرت إليه فلغة العمل راقية وجميلة، واستطاعت أن تنقل لنا كل الجوانب المهمة في القصص بوضوح دون ابتذال، استخدمت الكاتبة اللغة القوية البسيطة التي يفهما الجميع، لم تقعرها ولم تهشمها، وهذه نقطة مهمة أجدها دائما في أعمال السيدة عبد الوهاب، فهي تتمتع بحس شعري وشاعري يجعل الصياغة لديها سلسة ومنمقة في آنٍ واحد.

في المجموعة القصصية لفتت انتباهي قصة التبغ الأحمر لما تحمله من مشاعر مكثفة رسمت على لسان سيدة تنظر بعين الحب ولذة العاطفة، فكانت بليغة في المواقف الصغيرة التي يمكنها أن تجعلنا ننظر إلى الموقف من زاوية مختلفة، ونتعاطى مع مشاعر صاحبة القصة برغبة في الاستماع للمزيد، لكن أيضاً وقفت عند قصة رسالة من العالم الآخر رغم أنها خيالية، وربما لا تحدث في الواقع، لكنها جعلتني أؤمن بأن الكاتبة متمكنة فمجرد أن تقدر أن تجعل القارئ مستمتعاً بخيلك فأنت كاتب تملك الأسلوب والإقناع، وهذا ما جعلني أرفع القبعة للكاتبة فلونا عبدالوهاب.

تحتوي المجموعة القصصية على أربع قصص *سبعة أيام من الجنون *لا تخبر أحداً *التبغ الأحمر *رسالة من العالم الآخر، وتقع في 117 صفحة من القطع المتوسط، أنصح بقراءتها والاستمتاع بها.

الرواية: الكاتب ..

لا شك أن كاتب الرواية هو إله الرواية، يحي فيها ويميت ويفعل فيها ما يشاء دون أن يكون هناك حدود لإرادته سوى جودة وحبكة الرواية، فيخلق الشخصيات ويصنع الأحداث التي يسيرها بما يناسب الرواية التي يكتبها، ولديه عدة عناصر عليه أن ينسقها ويربطها سوياً، الشخصيات، الأحداث، الزمان، المكان، كل هذه العناصر تجتمع بين دفتي كتاب لتسمى رواية

حين ننظر إلى الكاتب على أنه مبدع أو أنه قدم عملاً يستحق القراءة، علينا أن نقدر أولاً أن العمل الروائي عمل كبير بشكل عام، وأن الاستمرار في كتابة الرواية يحتاج إلى الكثير من الجهد النفسي والمعنوي والكثير من الاطلاع والاستماع والمتابعة، بالإضافة إلى الصياغة وتركيب الأحداث وأن كل هذا العمل يقوم به شخص واحد جمع الأفكار المتناثرة ووضعها في رأسه وعكف على كتابتها حتى النهاية.

يمكننا أن نصور الكاتب على أنه مُؤرخ، لكن تاريخه ضمن الرواية لا يؤخذ بجدية التاريخ المنهجي الأكاديمي للأحدث وذلك بسبب فردية الكاتب والتصور المدرج ضمن الحبكة الروائية لا يخرج من عقل جمعي يوثق ويأصل المعلومات، الروائي حين يصور أي حدث تاريخي يضع فيه الكثير من المشاعر والارتباطات التي لا يلجئ إليها المؤرخ الأكاديمي أو المختص، قس على ذلك كل ما يتعلق بالعمل الأكاديمي في التخصصات كلها.

يمكننا أن نصف الكاتب على أنه شاعري أو أنه رومنسي أو أنه عاطفي، وفي هذه النقطة بالتحديد يكون العمل الروائي ذو مصداقية أكبر حيث إنه من الطبيعي أن يعايش الكاتب روايته منذ البداية ويرسم شخصياتها، وهذا الأمر يجعله على اتصال ذهني وعاطفي بالشخصيات، لذا يكون متمكناً أكثر من غيره في وصف تلك المشاعر والأحاسيس، لدرجة تصل للواقع أو تقترب منه.

من الضروري أن نعرف أن الكاتب يقع تحت تأثير نفسي وعقلي يجعله ينسج روايته في خياله ولو بشكل مختصر عبر نقاط، وأن الرواية التي ينسجها المؤلف لا بد أن تتأثر بخلفيته الدينية أو الأيديولوجية، أو الحزبية إلخ ..، هذا يعطي الرواية بُعد شخصي فلا يمكن للكاتب أن يلغي كل اعتقاداته السابقة، وكل قراءاته وفكره دون أن يكون في الرواية بصمة نفسية شخصية، أحياناً يتعمد الكاتب أن يبرز معتقده فيما يكتب أو يوحي به وأحياناً أخرى يكتشف القارئ ذلك من معرفته السابقة بالكاتب.

نجاح العمل وفشله له عدة أوجد تقع بعضها على الكاتب، وبعضها رغماً عنه فالمسؤولية التي تقع عليه، هي جودة العمل من حيث الصياغة وربط الأحداث وتجسيد الشخصيات بشكل صحيح بحيث يكون العمل مترابطاً والرواية محبوكة بشكل لا يشتت القارئ أو يضعف اهتمامه بالعمل .

الرواية: تأثير الرواية ..

كل حدث في الدنيا له بداية ونهاية، والرواية كذلك بها نقطة بداية ونهاية، وتقع الأحداث بين تلك النقطتين، بتصور شخص واحد للأحداث.

عندما أفكر في الرواية لا أفكر بها على أنها قصة فقط، ما يشغلني في الرواية ذلك الشوق الذي يدفعنا أن نمسك كتاباً لا يحمل مادة علمية أكاديمية، ونقرأه بشوق لا يفتر حتى ننتهي من قراءته، ثم نبحث عن رواية أخرى لنفعل الشيء نفسه، ربما تحمل الروايات العبرة، وبعض الدلالات الأخرى لكن لها سحرها الخاص الذي يحبسك في أحداثها فلا تتركها حتى تعرف نهايتها.

الرواية تحمل فكر شخص واحد، وهو الكاتب، يضع فيها عصارة فكر روائي قصصي، يحور فيها أحداث، ويكحلها بمواقف مشوقة، لتشد انتباه القارئ، ويمكنه كذلك أن يضع أفكاره، وتوجهاته سواء كانت سياسية، أو ثقافية أو علمية أو أيدلوجية، على هيئة أشخاص يمثلون ذلك الفكر ويضع حولهم هالة من الوقار أو يجعل القارئ يتعاطف مع الشخصيات او ينفر منها، وهو بذلك يزرع فكرة معينة في ذهن القارئ، ويضع مبادئ ذلك التوجه في جدول أفكاره دون أن يشعر.

هذه النقطة مهمة، فالرواية تتعايش مع الأحداث كالحياة التي تتخللها المشاكل والشخصيات، والأزمات، إذاً الرواية مشابهة لواقع البشر الذي يعيشونه، بسبب هذا التشابه يمكنها أن تأثر بشكل سلل وقوى على القارئ دون أن يشعر، وهو يقرأ الرواية في عزلة وتركيز، وربما يتأثر بشخصية معينة، أو ينسجم مع فكرة.

الكثير من الروايات سوقت لمبادئ فلسفية، ومبادئ منحرفة، وأيديولوجيات غريبة، ووضعتها في سياق مشوق، جسدت شخوصها كأبطال، ننظر إليهم في الرواية بفخر، أو دفعتنا للتعاطف مع حالة أو قضية أو مشكلة معينة، وبعض الروايات حققت رواجاً كبيراً في زمانها، وأثرت في الرأي العام، ووجهة الجماهر في بعض الأحيان.

إذا للرواية، تأثير أكبر مما نتوقع، لأنها تتربع على هرم الأدب، فالأقصوصة ثم القصة القصيرة، ثم القصة،ثم الحكاية، ثم الرواية، علاوة على ذلك يخرج من الرواية مستوى أعلى من الإعلام فتتحول لمسلسل أو فيلم سينمائي، ورغم محدودية زمن تلك الأعمال إلا أن تأثيرها في زمانها يكون قوياً جداً.

إذاً الرواية تقع ضمن سلسلة هرمية، فهي في قمة هرم الأدب، وهي في قاع الأعمال السنيمائية، وهذا الامتداد يعطي الرواية قيمة أكبر وأهمية لا يمكن أن ينكرها أي شخص.

قراءة لرواية الثقب الاعوج من الاستاذة أزهار الأنصاري..

الرواية “الحشو والتفاصيل”

الرواية “الحشو والتفاصيل”

لا يختلف فن الرواية عن الفنون الأدبية الأخرى، فكل منها يشكل مشهداً من مشاهد الأدب التي ينتمون إليه جميعاً، لكن الرواية رغم أنها تحتاج إلى الكثير من الجهد والتركيز، تفتقر لبعض الجوانب التي تتمتع بها بعض الفنون الأدبية الأخرى مثل الشعر الذي يمكنه أن يختصر لك الموقف في بيت شعرٍ واحد، أو يحدثك عن قصة كاملة في قصيدة من عدة أبيات، بخلاف الرواية التي تعتمد اعتماداً كلياً على السرد، والاختصار في الرواية ربما يضعفها إن لم يوصل المعنى المراد شرحه بشكل يتقبله القارئ.

الرواية فن أدبي لا يعتمد على الاختصار؛ لأنه يتعاطى مع أحداث الحياة بشكل يجسدها في سطور يستطيع القارئ من خلالها تخيل المشهد كاملاً دون اختزال، فلو فرضنا أن موقفاً حزيناً يتمثل فيه رجل نجد أن من الأجدى أن يصف الكاتب مشاعر ذلك الرجل بالشكل الذي يضمن فيه وصول ذلك الشعور الذي يبين كثافة الموقف، ولو كان الشرح مطولاً فلا ضير في ذلك ما دام سيوصل المعنى كاملاً دون اختزال ودون الخروج عن المشهد.

لأن الرواية لا تشمل موقفاً واحداً، فهي تحتاج إلى تلك التفاصيل التي تخدم العمل لا التي تبعث الملل في نفس القارئ، في الرواية نحتاج إلى شرح تفاصيل المشاعر، وتفاصيل الموقف، وأحياناً نحتاج إلى شرح تفاصيل حوار، وأخرى نحتاج فيها لشرح تفاصيل المكان إن كان للمكان تأثير في ذلك المشهد المرسوم بالكلمات.

يمكننا أن نختصر أي شيء نقرأه، لكن الرواية لا تعتمد على الاختصار فالاختصار يختزل الكثير من جماليات الرواية، ويجعلها هزيلة في المعاني والتفاصيل التي أعتبرها حساسة جداً؛ لأنها تؤثر في النسيج العام للعمل الأدبي، ولأن القارئ حين يقتني رواية يعرف حق المعرفة أنها قصة طويلة، وبها الكثير من الكلمات والمعاني والمواقف والمشاعر، فمن المهم أن نعرف أين نضع الاختزال وأين نحتاج إلى الشرح، ومن واقع القراءة يمكننا أن نكتشف؟ أين ابتذل الكاتب وأين اختصر، وهل الابتذال في المشهد في محله الصحيح أم أنه أجهد الرواية وقارئها، وأثر في النسيج السردي، فمثلاً حين نصف المشاعر نبتعد كثيراً عن وصف المكان، وإن تطرقنا له نتطرق له بشكل جزئي لكي لا نشتت تفكير القارئ، فيكون تركيزه على العاطفة لا المكان؛ لأننا نريد أن نوصل مشاعر تلك اللحظة لا مكانها، فنجعل للعاطفة التأثير الأكبر، وللمكان الأصغر أو ننفي المكان من المشهد.

حين نحشو الرواية بتفاصيل متكررة ومملة، فإننا نخسر في أكثر من جانب، أولها أن التفاصيل الكثيرة التي تخرج عن المعقول، تشتت القارئ عن الحكاية الرئيسية في الرواية، وثانيها تجعل النسق يميل إلى التكرار والتكرار بحد ذاته يبعث على السأم، ويؤثر في النسيج العام من حيث المضمون والمضمون في الرواية ليست التفاصيل المملة، بل هي أحداث ومواقف نريد أن نوصلها بشكل مؤثر وبنسق متصل لكي يستمتع بها القارئ ونصل للفائدة الكاملة التي تعطي القارئ قيمة القصة وما تطرحه.

الرواية .. الكاتب إله الرواية ..

ربما لا يعجب هذا المصطلح فئات كثيرة، لكنه يعجبني بلا شك، فالكاتب هو إله الرواية الذي يفعل كل شيء فيها يحي ويميت، يوزع الأموال والمناصب، ويخلق المشاكل ويضع الحلول، ويبني الشخصيات ويهدمها، وإلى هذا الحد يقف دور الكاتب، فهو إله في نصه الذي يكتبه ولا تستطيع قدراته أن تتجاوز هذا النص، فقدرته الهائلة في الرواية تقف عاجزة مثلاً عن إيجاد القبول أو رفض العمل أدبياً أو شعبياً، نتفق إذا أن الكاتب إله الرواية، لكنه عندما ينتهي منها يخضع للمعاير التي يخضع لها البشر في الواقع.

ما يجب على الكاتب في هذه الجانب الذي يبني فيه الرواية، ويتحكم في النسق أن يجد له طريقة مناسبة ومتزنة في طرح القضايا والأحداث وخلق الشخصيات، بحيث يتتبع القارئ خيط التشويق الذي يجعله يستمر في القراءة لمعرفة النهايات، دون أن يزهد في الرواية ويتركها، فتشابك الأحداث وتتابعها مهم جداً، وكذلك حجم الحدث وموضعه في العمل، فأن تبدأ الرواية بكارثة، يتوجب عليك أن تعطي هذه الكارثة حجمها الطبيعي المقبول لدى الجمهور فلا ترفعها أكثر، فتنهار ولا تسخطها فتتحول لحدث عرضي، لكن يمكنك أن تظهر الجوانب الخفية في الكارثة كالجانب الإنساني أو الاقتصادي أو الاجتماعي، وبهذا الأسلوب تتضخم الكارثة في عين القارئ، دون أن يكون فيها شذوذ عن الواقع.

يجب أن يكون هناك توازن، فأن تكتب شيئاً معقولاً يساير الواقع أو أن تكتب شيئاً في الخيال، يخالف الواقع أو أن تبالغ في طرح القضايا وتضخمها بالقدر الذي يفوق لفت الانتباه، ويصل لدرجة الاشمئزاز، فأنت تخلق أحداثاً في كل الاتجاهات تبنيها بتصورك الشخصي، لأن الرواية تصور شخصياً للأحداث مهما تبنت من مراجع، أو تضمنت كوارث، فهي تفسر الواقع والتاريخ بعين واحدة، والمبالغة أو الاختزال لها موقعها في الرواية فبعض الأمور يجب أن يرتفع فيها نسق التفاصيل وبعضها يأفل فيها ذلك النسق، وكل القضايا والشخصيات والأحداث يربطها أسلوب الكاتب وكيفية الطرح، فالأسلوب يجعل من الغريب مقبولاً، ومن المستنكر جائزاً، ومن الشاذ طبيعياً.

إذا أحسن الكاتب الصياغة، واستطاع أن يصل بالأحداث لمستوى الإقناع لدى القارئ يكون العمل تجاوز الإرباك وفك الاشتباك الذي يحدث بين الشخصية والحدث في الرواية، وحتى لو لم يعجب العمل الأدبي المختصين، ووجد نقداً لاذعاً، واكتشفوا فيه الكثير من الأخطاء التكوينية، يمكن للعمل أن يتجاوزهم جمعياً في عين الجمهور، ويكون مقبولاً أو ناجحاً أو مبهراً.

الإله يتحكم في كل شيء من البداية حتى النهاية، والكاتب إله الرواية، وهو المتحكم فيها، وعليه أن يخلقها بشكل جميل، وأن يعود إلى الواقع أو تصوراته؛ لأن الواقع هو ما يربط الرواية في ذهن القارئ، فوجود الإنسان في رواية خيالية هو بحد ذاته واقع؛ لأن الإنسان واقع، والأحداث الخيالية تدور حوله، أو تشابه الأحداث بين عالم افتراضي كامل مع الأحداث في عالمنا، مع الفرق في التشكيل والتلوين والبهرجة التي يضعها الكاتب لكي يكون عالماً خيالياً يناسب الطرح.