ألف مبروك ..

تزوج احمدٌ نورة، وهكذا تنتهي قصة الصراع الذي يدور لكي يفوز أحمد بالحبيبة نورة، وهكذا نختصر علاقة من أطول العلاقات الإنسانية بين الجنسين بكلمة “تزوج” ونتغافل عن الصراع الطويل الذي سيحدث بين الطرفين بعد الزواج، ربما لا تستمر علاقة الزواج أو تنهار مؤسسة المنزل السعيد رغم أننا مجدنا وأرخنا المسببات التي سبقت الحدث “الزواج” وتركنا كل الأمور التي تليه دون نقاش.

ما يميز الرواية ..

تحمل الرواية في طيلتها خط زمني طويل يميزها عن باقي الأعمال الأدبية ولا يعني هذا الأمر أن الرواية لا تحاكي الأزمنة القصيرة مثل اليوم أو الليل والنهار، فبعض الروايات حكت احداث ليلة، لكنها حكتها بشكل مكثف يطيل مدة الحدث المحكي ليكون حدث مشروح بأبعاد أطول من الواقع الزمني ، دون اهمال الزمن الحقيقي للحدث، والعكس صحيح فأحياناً تحكي الرواية مدة تاريخية طويلة بشكل يختصر الزمن، لكنها في الحالتين لا تنكر الزمن الحقيقي للحدث أو للشخصية ، فخطوط الزمن تسير في الرواية بشكل منتظم أو مرتبك ضمن أطار محدد للزمن ولا تتجاوزه، يزامن الزمن الشخصيات، الاحداث، حتى السرد لا يخرج عن الإطار الزمني إلا ليشير لزمن سابق أو آتي بشكل واضح.

الشخصية أو الشخصيات ميزة في الرواية ، فالرواية إما أن تحكي شخصية واحدة أو تحكي لعدة شخصيات ، وتتنوع أساليب السرد فأحياناً لا تنال الشخصيات منزلة البطولة التي تكون للحدث أو للمجتمع ، عبر عدة شخصيات ورغم ذلك كل الأحداث تمر عبر الشخصيات لتصل للقارئ، وما يميز الشخصية في الرواية عن غيرها من الأنواع الأدبية هي أن الرواية تضع الشخصية موضع القلب فهي التي تبث الروح في الحكايا والأحداث والشخصيات المحيطة بها، وتتناول الرواية الشخصية بأبعادها المختلفة الإيجابية والسلبية، الجميلة والبشعة، بشرح طويل لكي تتشخص للقارئ فيعرف ابعاد الشخصية ونمط التفكير، مما يثير لديه المشاعر فيتعاطف مع الشخصية أو يكرهها.

المتعة، هذه المسألة ألذ شيء يتصوره القارئ في الرواية، وهي الهدف الأول الذي يجعل أي إنسان يقتني الرواية، فنظرة القارئ للرواية أنها عمل أدبي لطيف يحاكي الحياة والأفكار والقضايا والكوارث وتطرحها بشكل ممتع، رغم أنها تتضمن الألم والمصائب والكوارث، إلا أنها تتناولها بشكل يساير الواقع الإنساني العاطفي الذي يتفاعل مع الشخصيات والأحداث، الشخصيات تبكي، تضحك، تحب وتكره إلخ..، فالمسار العاطفي للرواية لا يعني الحب فقط بل يعني التعاطف والتفاعل مع كل شيء، المكان، الشخصيات، الأحداث والزمن، وكل تلك الأمور تصور المتعة باختلاف تصورات القراء، فالشباب تثيرهم العاطفة والجنس، لكنهم في الرواية يتتبعون التسلسل العاطفي المتنامي، ويمكننا القياس من هذه النقطة على كل نقطة اهتمام لدى القراء سواءً في التاريخ أو الفلسفة أو العلوم إلخ…

تأثير الرواية، علينا أن نرفع هذه النقطة لأعلى درجة، فتأثير الرواية لا يقع في القراءة فقط، بل يقع في النفس فالقارئ يعيش مع الرواية فترة من الزمن ، وليست فترة صمت بل فترة تفاعل وانجذاب سواء للحدث أو للشخصيات، مما يجعله يتلقى الأفكار بشكل أعمق وأكثر تأثيراً مما يتصور، كما إن تأثير الرواية على القارئ يكون بشكل تراكمي يسير من البداية حتى النهاية، حدة التعاطف والتفاعل لدى القارئ ترتفع تدريجياً، ولا يعني أن كل من يقرأ الرواية يؤمن بما تطرحه فربما تولد لدية الرواية نفور من تصرف أو واقع أو شخصية، أو تجعله ينظر بشكل عكسي لقضية معينة، لكن كل هذا لا يعني أن الرواية لا تؤثر في القارئ بل على العكس تماماً فالنفور من أمر نقيض الانجذاب لأمر آخر، الكاتب أحياناً يريد أن ينفر المجتمع من تصرف شاذ أو يريد أن يجذب المجتمع له، فيختار القارئ الاتجاه الذي يراه أكثر صواباً أو الاتجاه الذي يرغب، والتأثير يقع عاطفياً في نفس القارئ وهذا هو التأثير الأقوى في حياة البشر .

نصائح، نصائح وارشادات

لنكتب جميعاً، لنقرأ جميعا، يجب أن نقرأ ونتعلم ونطور من أنفسنا، يجب أن ندرس كل شيء ونطور قدراتنا، نصائح، نصائح، تتبعها إرشادات، تتبعها توجيهات ومحاضرات، الكل ينصح والكل يرشد والكل يُنظر، وعندما نبحث عن عمل وإنتاج هؤلاء الناصحين المرشدين المُنْظرين، نجد أن كل انتاجهم الحقيقي هو تلك الكلمات التي يحفظونها ليشعرونا بالنقص، فكثرة النصائح والإرشادات تشعر الإنسان بالنقص والتقصير ووجوب العمل الجاد، ولو نظرنا للواقع نرى أن كلأ يعمل في مجاله بشكل جيد والتطوير الحقيقي لا يقوده أفراد بل تقوده مؤسسات تعمل على تطوير الفرد بشكل حقيقي بعيداً عن العشوائية والغوغائية.

يجب أن يطور الإنسان نفسه في مجال العمل، لكن الأجدر والأصح أن تعمل المؤسسات على تطوير موظفيها، حيث إن المؤسسات تعرف احتياجاتها وما تريد أن تصل إليه من إنتاجية سواءً كانت إنتاجية صناعية أو معرفية وإدارية، ولو ترك للموظفين مثلاً اختيار أساليب التطوير ومجالاته بلا شك ستدخل فيه الأهواء الشخصية، لذا يجب أن تتبنى تطوير الكوادر جهات مختصة في هذا الجانب، المشكلة تكمن أنه ليس لدينا مؤسسات حقيقية كافية تعمل في هذا المجال.

كلنا لدينا الرغبة في التعلم وتطوير الذات، وكلنا أيضاً لدينا الخمول والكسل، وما يدفع الإنسان للتعلم وتطوير ذاته ليست النصائح والإرشادات والمحاضرات، بل هي حاجة العمل أو حاجة الشخص الذاتية للتعلم في مجال معين سواء كان عمل أو هواية أو احتراف، ربما تأتي النصائح والإرشادات ببعض النتائج لكنها عشوائية غير ممنهجة لا تنتج عمل أو تطوير حقيقي.

قراءة كتاب “في مهب الرواية” للكاتب سلمان زين الدين

قراءة كتاب “في مهب الرواية” للكاتب سلمان زين الدين

كتاب قيم للناقد اللبناني سلمان زين الدين يتناول فيه الكاتب عدد من الروايات العربية لكتاب من شتى الدول وفي شتى المجالات، منها السياسي، التاريخي، العاطفي.

الكتاب جميل ومفيد حيث أنه يعطينا فكرة عن الإصدارات الجيدة في مجال الرواية العربية، ويناقشها بشكل محترف يفكك عناصرها ويحلل الأساليب، ويبين جوانب القوة والضعف.

سلمان زين الدين هو شاعر، وكاتب، وروائي، وناقد لبناني، ويعمل أيضًا مفتشًا تربويًا صدرت له العديد من المؤلفات في الشعر والنثر والنقد الأدبي، وخاصة في مجال النقد الروائي حيث بلغ عدد الروايات التي تناولها في دراساته النقدية ما يزيد عن 260 رواية عربية حتى الآن، كما نشرت له العديد من المقالات بالصحف اللبنانية والعربية (ويكبيديا)

كتاب الآراء والمعتقدات للكاتب غوستاف لوبون

عندما تسبق الفكرة اللغة وجمالياتها ..

عندما تسبق الفكرة اللغة وجمالياتها ..

الفكرة وليدة الفكر، حيث أن القراءة والاطلاع وملاحظة الظواهر الاجتماعية يعطينا عمق في موضوع معين حتى نصل إلى نقطة فارقة يمكنها أن نجعلها موضوع او قصة أو رواية تحمل قضية أو تعالجها، لذا كانت الفكرة هي محور اغلب الأعمال الأدبية وهي التي يتمحور حولها كل العناصر، السرد وأسلوبه، اللغة ومفرداتها، الأساليب التعبيرية من تشبيهات واستعارات، كلها تكون مكملة للشكل، وحين تختفي لا تختفي الفكرة معها.

ربما لا تتأثر فكرة الرواية حين تغيب الأساليب التعبيرية، التشبيهات والاستعارات المجازية والإيحاءات، إذا كان السرد محكم وسلس، لكن الأساليب التعبيرية تعطي العمل تصورات أخرى مثل الخيال التفكير وجماليات الجمل والفقرات، أحياناً يكون وجود الأساليب التعبيرية بشكل مكثف في الروايات التي تحمل قضايا مجتمعية مشتت للقارئ، حيث أنه لا يتابع السرد بشكله المتسلسل الذي يخدم الفكرة وينقله للتفكير أو التخيل والتصور .

لكل شيء في الرواية أهمية، فالسرد هو العنصر الذي يحمل الأفكار والأحداث، متى كان السرد محكم وسلس، تكون الرواية مقروءة بشكل متصل ذهنيا مما يجعل التركيز على القضية التي تحملها الرواية أكبر دون الشطط والتفكير في أمور جمالية ربما لا تتصل بشكل مباشر بالفكرة الأساسية، غياب جماليات اللغة لا يعني أن العمل سيء، بل يعني أن العمل مباشر وواضح .

قراءة في كتاب “الآراء والمعتقدات” لـ غوستاف لوبون

كتاب فلسفي اجتماعي ، يتناول قضية المعتقدات الدينية ويبحث في سبل نقضها بأسلوب متدرج حيث يتعاطى الكاتب مع المسألة من نقطة البداية بطرق البحث في علم النفس وعوامل الحركة والحس وحياة المجتمع ، يسير من البداية لكي يثبت أن كل المعتقدات وليدة تفكير بشري .

لا يهمني كثيراً ما يصبو له الكاتب في أن المعتقدات الدينية وليدة عقول البشر بقد ما يهمني التحليل الفلسفي والنفسي للآراء والمعتقدات وهذا ما أجاده الكاتب إجادة فاقت تصوري فعقد الكثير من المقارنات وحلل الكثير من العوامل وتناول هذا الجانب المهم في السلوك البشري من كل الجواب تقريباً فقد قارن وبين الفرق بين المبادئ النفسية والعاطفية والعقلية ، ما يؤثر في البشر فرادا ومجتمعين ، كيف تُبنى المعتقدات؟ ما العامل الأهم الذي يرسخ المعتقد الديني لدى الجموع؟ وفي هذه النقطة بالتحديد يحلل الكاتب الكثير من الأمور ويصل بنا لنتيجة أن العاطفة هي التي تقود الجموع وهي التي تبني المعتقدات .

يقول لوبون ((مقاصد هذا الكتاب إثبات كون المعتقد غير عقلي وغير إرادي)) ومن هنا يبدأ لوبون صراعه لإثبات ذلك فيطرح السؤال : كيف تستقر الآراء والمعتقدات الدينية والسياسية في نفوس البشر؟ ولماذا لا تستطيع الآراء العقلية نقض الآراء الدينية والعاطفية وأقناع الجماهير بالرأي الصحيح؟ يبدأ الكتاب من هذا الجاني فيبحث في علم النفس والمنطق ويقارن بين تأثير المنطق العاطفي والديني والمنطق العقلي وتأثير كل منها على الجموع ، وما يرجح كل منطق على الآخر .

يتعامل لوبون مع النفس البشرية بشكل راقي لكنه يفرق بين النفس المنفردة والنفس الجماعية ، وأن القناعة الفردية مهما عظمت تصغر حين تصطدم بالقناعات والآراء العامة وتستسلم أمامها فالرأي العام هو الأقوى والأكثر تأثيراً بحسب تفسير لوبون وهو وسيلة الضغط الأكثر فعالية والأقوى ، يحلل كيف يتكون الرأي العام وكيف ينتشر وكيف يثور ، وكيف تُبنى المعتقدات الدينية وكيف تتغير وكيف تموت .

يتدرج الكاتب بتسلسل جميل وأسلوب مقنع ويفكك الكثير من العلل حتى يصل للنهاية التي يريد اثباتها ، فيتوه في المسألة ، ويبدأ يخلط الدين بالسحر ، ربما يجانب بعض كلامه الصواب فالكثير من الديانات سابقاً كان للسحر دور مهم فيها كآلهة الإغريق وغيرها من الحضارات التي تبنت معتقد يقوم على الخرافات ، لكنه لم يستطيع إبطال الديانات الإبراهيمية ولم يفككها بالشكل الذي كان يتحدث عنه في بداية الكتاب .

الكتاب شيق وبه الكثير من المعلومات والتحليلات والتفسيرات المفيدة ، بالإضافة إلى سلاسة الطرح ، توزيع الأبواب والفصول منظم يجعل القارئ يتسلسل في تتبع وجهات نظر الكاتب .

قراءة في كتاب “رسائل القمر” لـ أحمد العلوي ..

رسائل القمر

مئة ليلة خلف ضياء امرأة

مئة يوم ، يختزلها الرائع احمد العلوي في رسائله للقمر لتكون رسائل مئة ليلة في ضياء امرأة، يبحث فيها وعنها ، يخرج ليعود إليها كل يوم، هي على الطرف الآخر، موجودة، تقرأ، ترى، تلتقيه بين السطور وتدور مراحل التيه خلف امرأة قررت أن تجعل نفسها ملهمة لشخص يبحث عن ذاته فيها، عن قلبه معها، عن حياته في تفاصيلها .

تتجاوز تلك الرسائل مرحلة الزمن فتتخيله مئة عام فالتفاصيل كثيرة والذكريات، لكل رسالة نغمة يختارها في اغنيه تعيد مشاهد الشوق، تلامس أوتار القلب، ويعزف رسالته لتلك الغائبة بين الثنايا التائهة في الكلمات، موجودة ولا تراها، بل لا يجب أن تراها، يكفي أن تشعر بها في الرسائل فكلها كتبت بشوق يجعل البحث مستمر حتى تؤمن أن للغياب جمال يفوق الألم .

جميلة تلك الرسائل تنقلك لعالم من الخيال ، وتبحث في تفاصيل امرأة، التفاصيل التي نعشقها في النساء، قد أبدع العلوي في تعميق المعاني ، فكل فاصلة لها معنا، تفصل بين جملتين وعالمين، وعليك أن تتخيل كل شيء، وتغيب في التصورات والألوان .

ليست نصوص بل رسائل، فهي موجهة لشخص وإن كان غائباً أو متخيلاً، قريباً أو بعيداً، كلها بعثت لتبث الإحساس الذي أراد الكاتب أن ينقل من خلالها مشاعره إلينا وإليها، جميلة الرسائل بها شيء من الضياع تشتشعره بين الفقرات والجمل، كأنها مشفره وكأن هناك شخص يعرف أنها له ويستطيع أن يفك رموزها .

ممتعة تقع في 240 صفحة انصح بقراءتها .

أرض

ما الأرض إلا تراب نطأه بأقدامنا كل يوم ، ننمو على نفس التراب حتى نشيخ ثم يحتوينا في نسيجه فنصبح تاريخاً مدفون لا أثر له ، الأرض تراب ، أنا وأنت تراب ، انا الأرض ، وانت أرض ، وما الأرض إلا ما بقى منا .

صَاحِ هَذِي قُبُورُنا تَمْلأ الرُّحْبَ

فأينَ القُبُورُ مِنْ عَهدِ عادِ

خَفّفِ الوَطْء ما أظُنّ أدِيمَ الأرْضِ

إلاّ مِنْ هَذِهِ الأجْسادِ

أبو العلاء المعري

قراءة في كتاب ( رائحة الكتب ) لـ حسن علي أنواري ..

رائحة الكتب لـ حسن علي أنواري ..

يجب أن نقف قبل أن نتحدث عن هذا الكتاب ، حيث أن خارطة الأنسان الزمانية تحثه على أن يسير في الدنيا ليكسب المعرفة والعلم ، يكتشف ، ينظر ، يتأمل ويتعلم ، حتى النهاية ، طبيعة المعرفة البشرية طبيعة تراكمية تنتقل فيها المعارف والعلوم من جيل إلى جيل وتتراكم لتصل لمستوى جديد في كل زمن .

ربما سيقول أي قارئ محب للكتب أن السيد حسن انواري يمثله فما تطرق إليه في وصف طبيعة حبه للكتب والقراءة صورة تتكرر كثيراً عند محبي القارئة والمطالعة ، لكن ما يتطرق إليه الكتاب لا يعني كاتبه فقط فروح المعرفة التي تسيطر على الذات تدفع صاحبها للمزيد دون أن يشعر ، المزيد من العلم يتطلب المزيد من القراءة والاطلاع ، الثقافة أيضاً تتطلب التنوع المعرفي ، وحين تكون المطالعة للتعلم والمعرفة تكون القيمة مضاعفة .

سيرة قارئ هذا ما يمكنني أن اسميه ، فهو تحدث عن رحلته مع القراءة من نقطة الصفر وهي قرائه للكتاب الأول وحتى اليوم الأخير الذي كتب فيه أخر جملة في كتابه ، مروراً بكل المراحل الزمنية في حياته برفقة كتبه وقراءاته ، وهذه لمحة لا تعني الكاتب فقط بل يجب أن تنتقل هذه الرغبة للأجيال لكي يكون الكتاب هو وسيلة المعرفة الحقيقية والصديق الدائم ، الذي لا يجب الاستغناء عنه أبداً .

الكتاب جميل ومستفز يجعلك تضع نفسك في مجال المقارنة لتنظر لمكتبته وما تحويه وقراءاتك وما لفت أنتباهك منها وما تعتز به من كتب .