قراءة في رواية “القزم” للروائي بار لاغير كفيست

القزم، “أن تنظر للعالم من الأسفل” وأنا أعني بالفعل ما أقول: فأنا كنت أنظر لعالم الرواية من الأسفل بعين القزم، ورغم الكرامة الزائفة التي يحاول القزم ترسيخها في نفسه إلا أنه أداة يستخدمها المحيطون، ورغم كرهه الشديد لهم لا يعصي لهم أمراً ولا يخالف لهم رأياً، ينفذ كل ما يطلب منه دون نقاش، ويكتم أسرارهم بحرص أشد من حرصه على حياته.

الرواية:

علينا أن نقر بأن ما سنقرأه كتب على شكل مذكرات، وعموماً الروايات بهذه الصيغة تحمل طابعاً تقريرياً أكثر منه جمالياً، وأنا أقول: بأن الكاتب استخدم الأسلوب المناسب لعمل من هذا النوع.

تحمل هذه الرواية من الرمزية ما يجعلها صورة لواقع تعيس تتجسد فيه أهواء البشر وأطماعهم ورغباتهم المنحرفة التي يسعون لتحقيقها، نقفز في الرواية من الخيانة للفن وللحب، والحرب والدين،  لنرى كيف يستخدمها الأشخاص لتحقيق رغباتهم، وكيف تتعامل الطبقات العليا مع العامة السذج وتخدعهم بأشياء وهمية لا تتصف بصفاتها الحقيقية، فنجد الكاتب يجسد صورة الأميرة الماجنة في نهاية الرواية في صورة العذراء التي تأسر قلوب العامة فيلجؤون إليها ويتضرعون لها، لتكشف عنهم بؤسهم.

إلا أن الرواية تتجاوز بمراحل هذه التصورات فشخصية القزم لم تكن إلا الواقع الحقيقي الذي يزيفه الجميع ليخفوا أخطاءهم فهو الشخص الوحيد الذي لم يكن لديه هدف حقيقي ولم يسعَ وراء سلطة أو شهوة، فهو شخصية مجردة من كل الأحاسيس حتى الدينية منها، فينظر للدين على أنه وهم المغفرة، والمغفرة وهم الخطيئة.

الشخصيات:

القزم: جسدت صورة القزم التي وجدناها في التاريخ، ذلك الكائن محدود النمو الذي يستخدم في إضحاك الناس وتسليتهم، وإن تطور به الأمر يصبح خادماً لأسياده، لكنه في الرواية يشاهد العالم من الأسفل ويكشف حقائقه، الخداع والكذب والوهم والزيف والطمع، ويتعامل مع الجميع دون أن يغير تصوراته للحقيقة، فهو رسول المحبين لكنه يكره الحب، يحمل السلاح لكنه لا يحارب، يحتفظ بكل الأسرار دون أن يبوح لأحد بما يعرف.

يعيش خادماً للأمير الذي يستخدم كل أساليبه لكي يرسخ حكمه ويخلد مجده، ورغم أنه يحمل له شيئاً من الكره إلا أنه خادمٌ مطيع لا يعصي أوامره، وينفذ أوامر الأميرة الخائنة ويحفظ أسرارها مع كرهه الشديد لها.

وفي النهاية بعد أن يستخدم الأمير القزم في كل أعماله الدنيئة يحبسه في القلعة مكبلاً على جدار السجن، وبذلك يتحول القزم إلى الحقيقة، حقيقة كل إنسان مخادع يريد أن يخفي أفعاله وآثامه فيبتعد عنها لكنه لا يستطيع أن يتخلص منها، وفي الرواية يتحول القزم لهذه الحالة فهو كاتب أسرار الأمير لكن الأمير لا يقتله ولا يطلقه، وكأن القدر قد ربطهم سوياً.

الأمير: الشخصية الجذابة التي ينظر لها الجميع بإعجاب، تحمل ملامحه الهدوء والغموض والشفقة والحب لكنه مركب عجيب، يفعل كل الآثام في الخلف فيقبل خيانة زوجته، ويخونها بدوره ويسعى لتخليد نفسه بصروح لا تكتمل وصور ناقصة، وأمجاد دامية، ورغم كل هذا يبقى الشعب مرتبطاً به، يراقبه في إعجاب وهو يستخدم كل الوسائل لكي يبقيهم خاضعين، فيستخدم موت زوجته ليحولها إلى رمز ديني يسجد أمامه في خشوع رغم أنه يعرف حقيقة تلك المرأة.

الأميرة: صورة المرأة الخائنة التي تنهار عند موت عشيقها فلا تستطيع أن تواجه الحياة رغم أنها تحمل صفة اجتماعية رفيعة ولها زوج يحبها، فتلجأ للدين وتتضرع وتسجد أمام الصليب تطلب المغفرة، فيأتيها القزم ليكشف حقيقة سجودها وأنها تعتبر كل ما فعلته خيانة إلا ما فعلته مع عشيقها الذي تحبه، وأن حزنها وتضرعها لم تكن تسعى إليه لو لم يمت حبيبها، تجلد نفسها وتعذبها في سبيل ذلك الحب وطلب المغفرة الزائف، وفي النهاية تموت وتتحول في عين العامة لقديسة تسجد أمام صورتها الجماهير في الكنيسة.

برناردو: الفنان الذي يرسم جداريات الكنيسة ويصور مشهد العشاء الأخير للمسيح وهو لا يحمل في نفسه أي يقين ديني، وأظن أن الكاتب تعمد أن يجعله كذلك ولو أردنا أن نسقط شخصيته على الواقع سنجد أن رجال الكنيسة هم الأنسب فهم يستخدمون الدين ليأسروا العامة بالصور التي لا تتصل بالواقع، ويغذون الحروب ويغفرون الخطايا، فالفنان جسد هذه المشاهد في رسوماته في الكنيسة، ورسم الأميرة بملامح عاهرة في حياتها وملامح قديسة بعد موتها، وصنع أسلحة الحرب للأمير.

تقييم العمل:

العمل تقريري أي أن الكاتب استخدم أسلوب المذكرات في رسم مشاهد الرواية وأظنه الأسلوب الأنسب لهذا العمل فقد حقق ما يريد وكانت رسائله قوية وواضحة وعكست الشخصيات الوهمية التي خلقها في الرواية صورة كاملة لواقع افتراضي يرمز لكيانات وشخصيات في الواقع، فالفنان برناردو نراه كأنه دافنشي، والأميرة بصورتها المقدسة التي تخفي حقيقتها بمريم العذراء، والأمير كأنه الإله المتحكم في الجميع يرى أخطاءهم فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، أما شخصية القزم في الرواية فهي تعكس نظرة الكاتب للواقع الحقيقي الذي يخفيه الجميع.

وأنا أقرأ الرواية كنت أتوقع أن الكاتب استند لمذكرات حقيقية في كتابتها لكني وجدت بعد البحث أنه خلق كل شخصيات الرواية من خياله الخصب، وأنه كان يرمز للفاشية، وأنا أختلف مع هذا التوجه فالرواية تضع مشاهد تنتقد الدين في المقام الأول، رغم أن زمن كتابة الرواية في نهاية الحرب العالمية الثانية إلا أن زمن الأحداث فيها قديم، أقدم من تلك الحرب المدمرة.

العمل جميل وممتع ومفيد وكاشف، فالكاتب تعامل مع الشخصيات من منظور نفسي، يحللها بعين القزم الذي يمثل الواقع الحقيقي، تقع في 218 صفحة من القطع المتوسط من إصدارات دار صفحة سبعة للنشر والتوزيع بالمملكة العربية السعودية.

الترجمة: ترجمها للعربية فؤاد حيدر وقد أجاد بشكل كبير فلا تكاد تشعر أنك تقرأ نصاً مترجماً.

قراءة في رواية “اللجنة” للروائي صنع الله إبراهيم

ما ستقرأه في هذه الرواية ليست أموراً يمكن تجاهلها، فأنت تقرأ عملاً يجعلك تنظر للواقع وتتأمله لترُكب شخصياته المجهولة على واقعك، وأنا أعرف زمن كتابة الرواية والأحداث التي وقعت فيه، لكني بسهولة أحلت الشخصيات والأحداث للواقع حالياً، فما قاله صنع الله إبراهيم، هو محاكاة لا لواقع مصر في زمن معين، بل حقيقة ما تعيشه الدول الدكتاتورية التي تنظر للمواطن أنه مجرم يجب التسلط عليه لكي لا يفكر مجرد تفكير في تغيير الواقع وعليه أن يقبله دون معارضة لما يُفرض عليه وأن يكون رقيبه الداخلي أعظم عليه من سلطة الجلاد ذاته، حتى يصل لمرحلة الطاعة التامة ولو كانت تلك الطاعة ستوصله لهلاكه.

الــروايــة:

شخص مثقف في زمن مجهول ودولة غامضة وأشخاص هم أقرب للوهم من الحقيقة، وقوانين مموهة، يقف أمام لجنة مشتركة مدنية وعسكرية، تدعي أن لا سلطة لها على الأشخاص ولا تجبرهم على فعل أي شيء، لكنها في الواقع تملك كل الأدوات والقوة لتنفيذ ما تريد، لكن الإطار النفسي هو الذي اتخذه الكاتب وسيلة تستخدمها تلك اللجنة للوصول لما تريد فعله، دون استخدام القوة والعنف الجسدي.

تمتزج الصفة العسكرية بالمدنية في الرواية، وكأن الكاتب يقول لنا إن من يصل إلى السلطة ويتمكن منها بطريقة غير شرعية، يتحول إلى كائن يمزج بين القوة والخبث، ويستطيع أن يستخدم الإيلام النفسي بقدر ما يستطيع فعله بالتعذيب وإيلام الجسد، وهذا معناه أن السلطة الغاشمة سواء مدنية أو عسكرية لن تختلف نظرتها للمواطن كمجرم محتمل يجب تخويفه ومراقبته باستمرار لتتم السيطرة عليه.

الجانب النفسي هو الأضخم، ومن خلاله يجسد بطل الرواية الصراع النفسي بين الكرامة والإهانة كواقع يجب أن يقبله،  وعليه أن يعرف القوة ويعرف كيفية الاستسلام للقوي، ويتعلم أن يخلق رقيبه الذاتي الذي يلازمه كظله ويجب أن يخشاه كما يخشى السلطة، وعليه أن يعيش واقعاً مزيفاً مخيفاً يشترك فيه الجميع، ويقبله الجميع لكي يتجنبوا بطش الجلاد.

الشخصيات:

بطل الرواية: شخصيتان اندمجتا في شخصية البطل، ما يريد وما يجب أن يكون عليه، شخصيته حين يواجه الواقع السلطوي المخيف وهو يستسلم للأوامر ويقبل بها، وشخصيته وهو يراجع مبادئه وقيمه التي يريد أن يصل إليها، ويصل به الأمر في النهاية أن يخرج رقيبه الداخلي المتمثل في نفسه لواقعه الضيق في بيته لتعيش معه تحبسه وتراقبه، وحين يقتلها، يصبح متهماً أمام السلطة، وهذه قراءة شخصية مني أن الشخص الذي أبقته اللجنة في بيت البطل لم يكن إلا خوفه ورقيبه الذاتي، وحين تمكن من قتله، أصبح متهماً بشكل رسمي وما حالة العزاء التي أصبحت عليها اللجنة بعد موت تلك الشخصية إلى صورة أراد الكاتب أن يجسدها بأن السلطة الغاشمة زرعت في أنفسنا جزءاً منها لكي تخيفنا وترهبنا على الدوام، وحين نتخلص من هذا الجزء تخسر السلطة نفوذها الذاتي على المواطنين وتعتبر ذلك خسارة كبيرة وتعلن حالة العزاء.

شخصية السلطة: مجسدة في اللجنة التي لا يعرف من يقف أمامها القوانين التي تتبعها ولا يعرف ما تريد ولا يتوقع ما هي أحكامها، وهو تجسيد قوي للوضع في الدول الدكتاتورية عموماً حيث إن المواطن لا يأمن جانب السلطة مهما كان مستقيماً وصالحاً.

تقييم العمل:

بلا شك أنه عمل رائع ولا أريد أن أقارن بينه وبين أعمال قيل إن هذا العمل يحاكيها فالأساليب كثيرة والروائيون يستخدمون نفس الأسلوب كل واحدٍ منهم بطريقته الخاصة، إلا أني قرأت أن صنع الله إبراهيم تحدث عن رواية المحاكمة لـ كافكا لكنه قال نفس المعنى الذي تطرقت إليه.

من الجميل أيضاً حكاية الكوكاكولا التي كررها صنع الله إبراهيم في الرواية واستخدمها بتدرج تصاعدي ليكشف مدى تغول الرأسمالية وأساليب سيطرتها على واقع البشر، وهذه النقطة أعطت الرواية بعداً آخر وكأنه يقول: إن الواقع المحلي المتسلط مهما كان سيئاً سيبقى جاثماً على صدورنا ما دام يعطي الشركات الكبرى الفرصة للربح.

كثيرة هي الرمزيات والإسقاطات في الرواية، ورغم أن العمل نشر في 1981 إلا أن الواقع لم يتغير رغم أنه لبس ثياباً جديدة، فهو واقع مزري وخبيث يجعلك تشرب الكوكاكولا ساخنة وتدفع ثمنها.

العمل جميل وأنصح بقراءته والاستمتاع بأسلوب صنع الله إبراهيم الساحر، وهو يقع في 95 صفحة، صدر عن دار هنداوي بالقاهرة.

قراءة في رواية “الحاج مراد” للأديب الروسي ليف تولستوي

الحاج مراد زهرة لم تستفد منها القيادة في روسيا الإمبراطورية، لا أقول هذا من فراغ، اقتبسته من كلام تولستوي نفسه الذي ذكرته نبتة اللفت المزهرة والتي يسمونها في روسيا “التتري” بالحاج مراد فتذكره حين رأى الزهرة وأعاد نفس المعنى في آخر جملة في الرواية حين قال: هذه الميتة التي ذكرتني بها نبتت اللفت المسحوقة وسط الحقل المحروث.

نقطة أخرى أريد التنويه إليها أن تولستوي لم يقل أن ما كتبه عن الحاج مراد رواية، بل ذكر أن نبتة اللفت بزهرتها ذكرته بقصة كان هو شاهداً على جزء منها واستمع لجزء من شهود العيان، وذكر أيضاً أن خياله شكل جزء من القصة، ثم بدأ يحكيها لنا.

الرواية:

تحكي قصة الحاج مراد الذي تمرد على المجاهدين في إقليم القوقاز ولجأ للروس والقصة الحقيقية حدثت في عصر روسيا القيصرية “القيصر نيقولا الأول” يرجح أنها في الفترة من 1825-1855 وكتبها تولستوي في أواخر القرن التاسع عشر أي في الفترة من 1896-1904 وهي من أواخر ما كتب في حياته.

لا ترسم القصة المشاهد القوقازي بوضوح لكنها تضع ملامح الصراع الدائر بين الإمبراطورية الروسية ودول إقليم القوقاز من جهة والصراع بين القوقازيين أنفسهم بين الجهاد والعودة للدين أو الخضوع لروسيا،  كما يوضح تولستوي أن من يحمل راية الدين لقتال الروس أساء لسكان تلك المناطق فقتل وأسر ومثل بالجثث، لكن لم يغفل ما فعله الروس بسكان القوقاز، بل أشار إليه في أكثر من موضع وبتلميحات قوية أن ما يفعله الروس يصل لحد الإجرام.

هناك الكثير من الوصف في الرواية سواء للوقائع أو الأماكن أو الشخصيات والهيئة والزي “الملابس” كما أن تولستوي لم يغفل العناصر القوقازية المتعاونة مع الروس لكن لم يكثر في الحديث عنهم.

ما يهم في الرواية نظرة الاستخفاف التي تلمحها في ما كتبه تولستوي عن شعوب القوقاز والثقة المعدومة لدى الروس تجاههم، فالحاج مراد لم يكن شخصاً عادياً في ذلك الصراع الدائر، فهو القائد الثاني في المرتبة بعد “شامل” قائد الجهاد باسم الدين، ومع ما يحمله الحاج مراد من سمعة مرعبة للروس حاولوا احتواءه لكنهم لم يستفيدوا منه الاستفادة الحقيقية التي تقلب الموازين، وظل على الهامش تحت المراقبة ولم تنفذ طلباته حتى حاول الهروب وقُتل بشكل انتقامي في النهاية التي تدخل فيها خيال تولستوي كثيراً، واستمر الروس في نهجهم العسكري المتمثل في التدمير والقتل.

لا أستطيع أن أقول أني استمتعت بالرواية بقدر ما استفدت من مضمونها، فمن الجيد أن نجد كاتباً عظيم بحجم تولستوي يتطرق لذلك الصراع العنيف الذي أستمر لجيل كامل، وجعلني هذا الأمر استرجع صراع الشيشان مع روسيا إبان انهيار الاتحاد السوفيتي وأتعرف على خلفياته التاريخية.

لن أتطرق للشخصيات في الرواية لأنها كثيرة ومتشعبة ولم تكن ثابتة، والشخصية الوحيدة التي كانت حاضرة هي شخصية الحاج مراد وحده، توالت الشخصيات حولها لكن تولستوي جعل الإعجاب بشخصية الحاج مراد حاضرة بوضوح لدى الجميع.

الترجمة جيدة لكن هناك بعض الملاحظات عليها، حيث أن بعض الجمل كتبت بالفرنسية أو الروسية، والمعنى باللغة العربية كتب في الهامش، وكان الأجدر أن تكتب الترجمة بالعربية وتوضع الجمل الأصلية في الهوامش، كما يجب الإشارة لدقة المترجم التاريخية في بيان صحة الرسائل مثل رسالة “فورنتشوف” إلى “تشيرتشيف” والتي ذكر أنها مزيفة وأن تولستوي ترجمها من الفرنسية.

أظن لو أن تولستوي كتبها في وقت مبكر من حياته لوضع شرح أوسع وأعمق للأحداث، الرواية كما يسمونها جيدة وأنصح بقراءتها، ، لكنها كتبت كما هي الآن، تقع في 206 من القطع المتوسط صادرة عن دار التنوير للطباعة والنشر.

قراءة لرواية الثقب الاعوج من الاستاذة أزهار الأنصاري..