قراءة في رواية “كل الأشياء” للكاتبة بثينه العيسى

هذه السيدة تثير الفوضى، لا أتحدث عن شخصية في الرواية بل أقصد بثينة العيسى، ولا أعني بالفوضى الحدث لأن الحدث واقع لا شك في أي عمل روائي، سواء بالحركة أو الصدام أو أي شيء آخر، لكني أتحدث عن فوضى الأفكار التي وجدتها في هذا العمل وما قبله، والفوضى التي أقصدها ليست أفكار الرواية ولا أسلوب السرد، أتحدث عن الفوضى التي تستطيع أن تخلقها في عقل القارئ، لأنها بكل بساطة لا تريك الفكرةوحدها، بل تحرك أفكارك وتنقلك إلى جزئيات الفكرة لتقف عند ما لا تتوقع أن تفكر فيه، تلك الجزئية بالتحديد ما يجعلني أعرف مسبقاً حين أقرأ أي عمل لها أني سأقف عند التفاصيل الصغيرة والمحيرة التي لم أنتبه لها في السابق.

الرواية:

تحمل الرواية فكرة بسيطة لكنها مثقلة بهموم وطن تتجسد في شخصية شاب مندفع يصدمه الواقع السياسي في الكويت فينهار ويهاجر، ثم يعود بعد وفاة والده ليواجه نفسه قبل أن يواجه المجتمع والسلطة.

مواجهة النفس هي المحور الرئيسي في الرواية التي تفكك من خلالها الكاتبة كل العناصر في المجتمع الكويتي، الأسرة، المنزل، الشارع، السلطة السياسية والأمنية والمستفيدين منها، العائمون على السطح المتحكمون في الأحداث التي تجري، المتلاعبون بالرأي العام، وعصى الجلاد التي لا تترك أثرها على الجسد فقط، بل لها القدرة على الوصول لأعماق النفس لتترك فيها ندوب لا تمحى.

الحب في الرواية عاجز كعادته يمثل الموجة اللطيفة التي تلامس شغاف القلب وتنساب إلى ما لا نهاية فتكون لدى البطل، الخيط المتصل مثل ذكرياته، لكن فكرة الحب في الرواية لا تعني العاطفة وحدها، فمعناها الحقيقي المرأة ذلك العنصر اللطيف الذي تضعه الكاتبة محل شك، وخوف، وصراع، وألم.

المجتمع في الرواية كان كورقة شجر على سطح بركة راكدة يستطيع أشخاص معينون أن يثيروا حولها الأمواج فتتحرك كما يشاؤون.

السجن هو الواقع الكبير الذي نجده في الرواية وينقسم إلى قسمين، الأول السجن بمعناه المجرد، زنازين وسجانين وجلادين، والمعنى الثاني هو السجن الكبير بأحكامه العامة في إطار دولة لا يستطيع فيها أي فرد أن يبدي رأيه أو يأتي باستنتاج يخالف السلطة، وهذا السجن بلا أسوار لكنه مقيد بجدران من الخوف والريبة والشك.

شخصيات الرواية:

جاسم: بطل الرواية من خلاله تتدفق أفكاره ومشاعره والأحداث التي مر بها، وهي شخصية من ينظر إليها سيقول أنا متشظية، لكنها في الحقيقة تحمل أفكار رغم محدوديتها إلا أنها عميقة وراسخة لا تتغير إلا بصدمة، لذا تكون صدمات الشخصية في أفكارها أكبر من سواها من الأحداث.

عبد المحسن العظيمي: والد جاسم، هو الشخصية العميقة في الرواية، كاتب قديم لكنه متمكن في مقالاته متهكم على واقعه بأسلوب لاذع، يجسد في الرواية العمق الصادم لبطل الرواية بما يحمله من تاريخ قلمه، ومن هذه الشخصية خلقت الكاتبة أكبر صدام في الرواية، وأعمق وجهات النظر التي سيقف عندها القارئ، حين يشاهد تحول الفكرة الراسخة لدى بطل الرواية تجاه والده وهي تتحول، من الشدة والعنف إلى نظرة مائعة لا تعرف منها هل هو أصبح ينظر لوالده أنه مُصيب أم مخطئ.

دانه: الشخصية الأجمل في الرواية بعاطفتها الصامتة، التي تجعلك تميل إليها وتقف بجانبها دون أن تشعر، بريئة في كل شيء، وبسيطة في مشاعرها، لكنها تحمل في داخلها قوة تستطيع أن تترك أثراً مؤلماً وعنيف.

والدة جاسم: الشخصية النمطية للأم التي تحتوي الجميع وتحتضنهم، وتتمنى لهم السعادة، تخاف على أبنائها، تتألم في صمت مزعج لا تتخلص منه لكنها لا تعبر عنه.

براك: الابن البار، رأيت أنه صمام الأمان في منزل العظيمي، يهتم بالجميع ويحمل همومهم معه، وهو أيضاً يمثل الصورة النمطية للأخ الأكبر.

نايف: الشخصية الفوضوية في الرواية التي تكسر الواقع البطيء في الرواية، وأظن أن الكاتبة استخدمتها لتخلق من خلالها أحداث ما كانت لتصنعها دون شخصية بهذه الصفات.

تقييم الرواية:

الرواية هي جاسم بما يحمله في نفسه من أفكار وأحلام وأمنيات ينتج عنها أفكار ربما تبدو أنها عظيمة أو واجبة الحدوث لكنها نفس مزعجة لا يمثلها الحدث ولا الصدام ولا السجن، بل الفوضى التي تنتشر داخل نفس بطل الرواية لتحكي صداماته مع نفسه وصراعه في تفكيك الواقع وقراءته بشكل بطيء ومتسلسل ينتقل من حدث لآخر عبر ذكرياته ليخلق فكرته ويحدد معالمها.

الأحداث في الرواية واقعية لا بمعنى أنها حقيقية أو قد وقعت بالفعل لكنها تحاكي الواقع بعين فاحصة وتنثر حقائقه التي يعرفها الجميع لكنهم لا يتحدثون عنها إما بسبب الخوف من العقاب أو الخوف من المجتمع والرأي العام الذي يتشكل حول الحدث.

الشخصيات في الرواية متنوعة بين الشدة واللين والعاطفة والاحتواء وهي منسجمة مع نمط الشخصية الكويتية التي تحمل شيء من الجرأة وشيء من الحذر.

زمن الرواية قصير لكنه كثيف جداً لا تستطيع ان تمر بسهولة من خلاله دون أن تفكر فثلاثة أيام مثقلة بكل الهموم والمشاكل والأفكار والأحداث، تحتاج إلى تركيز عالي عند قراءتها.

تسير الرواية بشكل رائع ونسق متصل في مشاعر وأفكار بطل الرواية حتى تصل إلى الفصل الثامن، وهنا وقفت وأنا اقرأ الرواية وكأني خرجت من ذلك التسلسل الفكري والنفسي لجاسم، لأشعر أن الأحداث قفزت في اتجاه آخر خارج النسق لتتحول إلى “أكشن” ينقل الرواية من مسار الصدام النفسي لمسار تحقيق يكشف الواقع لكنه كان قفزة خارج الإطار، بمعنى أن الأجزاء الأخيرة في الرواية تتجه للحدث بعكس كل الرواية، وأستطيع أن أبررم هذه الخطوة نيابة عن الكاتبة فما كانت تريد أن تشير إليه يحتاج إلى القفزة، لكنه يُخرج القارئ من حيز قراءة النفس إلى حيز الحدث والحقيقة الصادمة.

ربما يعاني بعض القراء خصوصاً من خارج منطقة الخليج في معرفة المصطلحات المحلية والألفاظ الدارجة التي استخدمتها الكاتبة في الرواية لكنها ضرورية من وجهة نظري لأنها تحمل في داخلها الطابع الكويتي ولا يمكننا أن نغفل هذا الجانب لأن الرواية تتحدث عن الكويت، لذا وجب التنبيه أن القارئ من خارج المنطقة الخليجية سيجد بعض الصعوبة في هذه النقطة.

العمل جميل بلا شك وبثينة العيسى لا تملك قلماً سحرياً فحسب، بل تملك فكرة سحرية أيضاً، أنصح بقراءة الرواية ففي طياتها تفكيك للواقع في منطقة الخليج، العمل يقع في 332 صفحة من القطع المتوسط من إصدار الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت.

قراءة في رواية “إقامة قصيرة في الجحيم” للكاتب ستيف إل. بك

أنا معجب بهذه الرواية رغم صغرها، فكرتها وتوزيع أدوارها ومراحلها، إلا أنها تجاوزت الكثير من التصورات التي توقعتها، وهذا لا يعني أني أتفق مع المؤلف في كل ما ادّعى أو تبنّى، فأنا اختلف معه في الكثير من النقاط، ورغم ذلك أشهد له بأنه أجاد في خلق تصور يمكنك الاقتناع به وطَرح أفكاراً يجدر الوقوف عندها.

الرواية:

تتجاوز كل الأديان السماوية وتضعها في خانة الشك، والمسألة ببساطة أن بطل الرواية المسيحي المرموني يموت وينتقل إلى مرحلة الحساب ويُحكم عليه بناءً على أحكام الديانة الزردشتية التي سبقت الأديان السماوية بخمسمائة سنة تقريباً، ثم يدخل الجحيم، ذلك الجحيم الغريب الذي ابتدعه الكاتب من رواية لبورخيس اسمها “مكتبة بابل” وهنا يضع الكاتب فكرته الخيالية للحياة في هذه المكتبة على أنها جحيم لا ينتهي، أو ربما ينتهي، حين يجد المحكوم عليه كتاباً يحكي قصة حياته.

لا يعيش بطل الرواية وحيداً، المكتبة بها أناس رجالٌ ونساء، وبها كشك للمأكولات وغرف للنوم ودورات مياه، ورغم كل هذا استطاع الكاتب بأسلوبه الشيق أن يصنع قناعة: أن الجحيم مهما كان جيداً فهذا لا يغير من حقيقته الجهنمية.

الرواية متخيلة لكنها تحاكي الواقع الأمريكي فكل ساكني مكتبة الجحيم هم أمريكيون بيض، ولا توجد معهم جنسيات أخرى أو ملوّنون، ورغم أن الكاتب صرح بأن بطل الرواية مسيحي صالح يتبع الطائفة المورمونية، لم يصرح بديانات أخرى، لكن الأسماء التي اختارها للرواية تحمل رمزية قوية مثل راشيل الجميلة الساحرة، ودان الرهيب وأظنه يقصد النبي دانيال صاحب السفر المعروف في التوراة.

أما اختياره أن يكون سكان المكتبة أمريكيين وذوي بشرة بيضاء، وجدت شرحاً أقنعني بعد البحث في رمزيات الرواية وهو باختصار، أن الكاتب يعتقد أن الفكر في الفترة الزمنية التي تحاكيها الرواية عبر الأبطال هي الثقافة الأمريكية وكأنه يحمل تلك الثقافة الأعباء والأخطاء الثقافية والأدبية لتلك المرحلة ويضعها على عاتق الدولة الأمريكية القوية، رغم أن كتب المكتبة كلها لا تحمل قصصاً أو أدباً مُعتبراً، بل أغلبها رموز لا تقرأ لدرجة أن من يجد جملة مفيدة في كتاب يعتبر أنه حقق إنجازاً.

الزمن في الرواية ممتد وهذا زمن يوافق الخيال في جحيم يجب أن يبقى فيه الآثمون المذنبون إلى الأبد، لكن الأمل بالخروج موجود في الرواية والوصول إليه مجهول الزمن ومعروف الكيفية، فيكفي أن يجد المذنب قصة حياته ويضعها في مكان معين حتى ينتقل إلى الجنة، ورغم بساطة الأمل إلا أنه صعب المنال ولا يحده زمن.

الشخصيات:

سورين يوهانسون: هو بطل الرواية رغم أن اسمه لم يُذكر إلا في بدايتها وهو مسيحي مورموني يحمل إيمانه بقوة ويطبق تعاليم طائفته، فكان لا يشرب القهوة ولا الكحول، ويعتني بأسرته ويرعاها.

راشيل: تمثل العاطفة التي تجاوزت الفترة الأطول في العلاقة مع البطل فكل النساء تغيرن، وتغير مزاج البطل معهن، إلا هذه اللطيفة التي خسرها بسبب صراع ديني داخل الجحيم، ولو عدنا إلى اسم راشيل لا يمكننا أن نغفل وجوده في الكتاب المقدس، التوراة على وجه الخصوص، فهي زوجة يعقوب (عليه السلام) وما قيل عنها وما اتُهمت به، لكنها في الرواية تحمل لذة العاطفة الجميلة رغم أنها في الجحيم.

دان الرهيب: وهذه شخصية ادعت النبوة في مكتبة الجحيم وبعد أن أصبح له اتباع، أصبحت له يدٌ باطشة، يعذب من يخالفه ويجبر الناس على اتباعه بالقوة، وهو سبب رحيل راشيل عن بطل الرواية، واعتقد كما ذكرت سابقاً أن الكاتب يوحي أنه النبي دانيال.

الأسلوب:

في البداية سأقول إنه أسلوب بسيط وهنا تكمن الجودة في العمل، فبساطة الأسلوب وسلاسة الفكرة جعلت الرواية مقبولة وأفكارها مقنعة، الراوي هو البطل وقد أحسن في اختيار هذا الأسلوب لأن طريقة المذكرات تعطي قناعة أكبر بحيث إن هناك شخصاً يحكي ما حدث له، كما أن الكاتب استخدم الفنتازيا وخلق مواقف وشخصيات يمكننا إسقاطها على واقعنا وتاريخنا.

التقييم:

العمل جميل رغم أنه يطرح التساؤلات التالية: هل ما نتبعه هو الحق؟ وهل ما نتبعه سوف ينجينا عند الحساب؟ ومن يحكم الأرض؟ وعند السؤال الأخير وضع الكاتب نقطة مهمة أن من حكم عليه بدخول الجحيم كان شيطاناً، بهذه الأفكار البسيطة ينقلنا الكاتب بين كل أفكار الرواية وتساؤلاتها.

الترجمة:

جيدة لا شك في ذلك لكني وقفت على نقطتين مهمتين في الرواية، إذ إن المترجم وضع مقدمة للرواية، وأظن أن هذا اسلوب لم يعد مقبولاً في عالم الروايات، كما أني وقفت قليلاً عند عدد الأخطاء الإملائية،

عموماً الرواية جميلة ومشوقة وتحمل قيمة اعتبارية وفلسفية ودينية تقع في 133 صفحة من القطع المتوسط صدرت عن دار عرب.

قراءة في رواية “عصا مقديشو” للكاتب هاشم محمود

نحن أفريقيا، الصرخة الأعلى لدى الكاتب هاشم محمود حيث إن جميع أعماله تصب في هذا الاتجاه ولا يُعد هذا العمل استثناء من هدفه الذي يتمحور حول أفريقيا أو بالأخص القرن الأفريقي فهو يكتب باسم السودان والصومال وإثيوبيا وأريتريا، بل يمكنني القول بأن هذه الرواية تُبلر فكر هاشم محمود في هذه المسألة بشكل واضح، لذا فهذه الرواية هي تسلسل طبيعي لفكر كاتب يبحث في أخطاء القارة ويضع تصورات للنهوض بناءً على حلم يملكه.

الرواية:

الرواية تحكي الواقع بين عالمين مختلفين من حيث الشكل والمضمون فالصومال بحروبها ومذابحها وفوضاها التي عاشتها الشخصيات، تختلف كل الاختلاف عن الولايات المتحدة، الرأسمالية الجادة الهادئة، والمجتمع المنعزل، إلا أن الشخصيات تتعامل مع بيئتها في المكانين، مع الاحتفاظ بالعمق الذي ترسخ لدى الفرد الأفريقي نحو وطنه الأصلي، وتجاوزت هذه الحدود عبر نقل ذلك العمق للجيل الأصغر الذي عرف انتمائه من خلال الأسرة أكثر من كونه واقع يعيشه، وتمثل العودة إلى الإيمان الحقيقي بأهمية الوطن.

في الرواية، إسقاطات كثيرة ورمزية واضحة أولها اختيار اسم الشخصية الرئيسية “موسى” تيمنناً بسيدنا موسى عليه السلام الذي جاء ليخرج بني إسرائيل من العبودية للحرية، وعصاه التي شقت الطريق نحو الحرية والتمكين، ربما كان اسم موسى أقوى في الرواية لكننا لا يمكننا إهمال دور العصا فهي تمثل الأدوات، وهذا ما أوحاه الكاتب حين عاد في النهاية ليشير بهذا المعنى للعصا.

الإسقاطات كثيرة، وفي أحيان تستطيع أن تسقط شخصية معينة على دولة، مثل إيميلي التي تشبه في تهورها تهور السياسة الأمريكية وصديقتها بروكلين على إسرائيل فتهور إيميلي تهور ساذج مثل الولايات المتحدة، وعصاها في المنطقة هي إسرائيل مثل صديقتها، إلى أني وجدت إسقاط آخر على شخصية إيميلي في نهاية الرواية ولا أدري أهو مقصود، أم أنه استنتاج من الكاتب، أن أمريكا يمكن أن تغير من أولوياتها وتعيد ترتيب صداقاتها مع دول المنطقة، أو أن الكاتب لا يعني شيئاً خمنته، وبهذا يعتبر هذا استنتاج شخصي من بنات أفكاري.

 شخصيات الرواية:

موسى: الشخصية الرئيسية وهو صاحب الحلم والرؤيا، كلما كبر زاد تمسكه بحلمه حتى يعود إلى وطنه ويبدأ بتحقيقه، وهي شخصية تقيس وتقارن بين عالمين، بدائي ومتطور، وترى المزايا والعيوب.

الأب: يمثل الأصالة والصبر والجلد، كأي أب عربي أو إفريقي أو مسلم لا يترك المسلمات التي آمن بها مهما تغير الزمان أو المكان.

 الأم: تمثل الانتماء والجذر الذي يكره ترك أرضه وإن عانا وتعب، ومثلت الأم هذا الدور في الرواية بكل معناه المتوقع، دون أن تخرج من ثوبها المحلي رغم انتقالها لمجتمع مختلف.

إدوارد: يجسد العنجهية العسكرية الأمريكية التي تبرر الحروب، وقد عبر من خلاله الكاتب عن تأثير الحرب على نفسية الجندي وأثرها على الأسرة.

إيميلي: شخصية تُعبر عن الإنسان الأمريكي المفقود وسط حضارة انتزعت منه إنسانيته وجعلته ينظر للأمور بشكل سطحي، إلى أنها تمثل الإنسان الذي يحب الاكتشاف والبحث وتكمن فيها الرغبة في التحول حين ترى الحقيقة.

بروكلين: شخصية فرعية صديقة إيميلي وهي الشخصية المتحفزة العدوانية، وشكلت مشهد العداء في الرواية.

عثمان وجوليا: يمثلان الامتزاج بين الثقافات مع حفاظ كل طرف على انتمائه رغم أن جوليا غيرت دينها إلى أنها لم تهاجر لبلد زوجها، وزوجها رغم تمسكه بدينه إلا أنه بقي في الولايات المتحدة، إلا أن تأثير عثمان في الرواية كان طاغياً على جوليا في أغلب الأحيان.

الأسلوب: اعتمد الكاتب على أسلوب الراوي العليم في روايته إلا أن صوته كان خافتاً مقارنة بصوت الشخصيات، كما أنه اعتمد أسلوب الإسقاط والترميز واستخدم عدداً كبيراً من الشخصيات، وبذلك نستطيع أن نقول أنها رواية كلاسيكية تسير في خط واحد.

 تقييم العمل: رواية كلاسيكية بأسلوب جميل ومشوق وسرد جيد، إلا أني أقف عند نقاط معينة في الرواية يجب النظر إليها بشكل جاد، منها كثرة الحوارات في الرواية، القفز من مشهد إلى مشهد آخر، أو قطع الحدث والعودة لمشاهد من الذكريات، ولا زلت أقول للأستاذ هاشم محمود أن هناك أجزاء في روايته تحتاج مزيداً من السرد حيث إن بعض المشاهد لا يجب الاختصار فيها وتستحق الإسهاب.

عموماً الرواية مشوقة وتحمل قيمة معنوية عالية تقع في 186 صفحة من القطع المتوسط صدرت عن دار النخبة في القاهرة.

قراءة في رواية “شرطة الذاكرة” للروائية اليابانية يوكو أوغاوا

الأشخاص الذين يسرقون منا أحاسيسنا دون أن نقاومهم، لا لأننا نحبهم، بل لأننا نخاف منهم، يسرقون سجلات حياتنا ويمسحونها ونحن نشاهدهم مستسلمين، حتى أصبحنا نحن بلا هوية ولا ذاكرة، نعيش على السطح بلا عمق يربطنا بذكرياتنا التي نحب، حتى نتلاشى دون أن نشعر، نذوب في استسلامنا حتى النهاية التي تمسحنا من الوجود.

تعيش فتاة في جزيرة تتلاشى فيها الأشياء وتختفي ذاكرتها وينساها البشر، إلا أن هناك أشخاص تبقى ذاكرتهم، ولأنهم احتفظوا بذكرياتهم ولم ينسوا ما تلاشى، فهم محكومون بالسجن والملاحقة من شرطة الذاكرة.

الرواية:

تتحدث الرواية عن كاتبة روايات تعيش في جزيرة تختفي فيها الأشياء، وكل شيء يختفي، تختفي معه مشاعر البشر تجاهه، فلا يعرفونه بعد ذلك، أو أنهم يرفضون معرفته، لمجرد أنهم أرادوا منهم أن ينسوه، تختفي الأدوات، فينسوها، والزمن يمسح فيتجاهلونه، حتى يأتي عليهم وقت ويختفون كما باقي الأشياء، وفي وسط الأحداث تكتب تلك الروائية رواية عن فتاة تتعلم الطباعة على الآلة الكاتبة، ومع مرور الزمن يصبح معلمها حبيبها لكنه يسرق صوتها، ويتركها تكتب له ما تريد بالآلة الكاتبة، حتى تقف الآلة عن الطباعة، وتصمت، وتصمت معها الفتاة للأبد، لا تتكلم ولا تقاوم حبيبها الذي يخلق لها المواقف التي يريد، ويطعمها ما يريدها أن تأكل، يلبسها ما يشتهي هو أن يراه على جسدها، يجردها من كل شيء لكنها رغم ذلك تقع أسيرة لحبه ولا تستطيع أن تتركه أو تقاومه أو أن تفر منه لتعود لحياتها، مستسلمة تبقى حتى النهاية، لكي تتلاشى وتأتي فتاة غيرها.

 شخصيات الرواية:

الآنسة الكاتبة: هي الشخصية الرئيسية في الرواية وهي كاتبة روايات تعيش حياتها منعزلة بعد رحيل أمها وموت أبيها، بما تجنيه من كتابة الروايات، وهي تجسد العمود الفقري للرواية فكل الأحداث تمر من خلالها بشكل مباشر، عيناها هي التي ترسم المشهد كاملاً.

الجد: شخص كبير في السن يمثل في الرواية دور الجد الراعي للبطلة لكنه ليس جدها بالمعنى الحقيقي، ورغم ذلك يبدو الانسجام بينهما تامّ كجد وحفيدته التي يحبها ويرعاها ويدبر شؤونها، وهو الصمام في الرواية فكل مواقف الطوارئ تجده هو من يقف ليواجهها.

مستر “ر”: كان صاحب دار النشر الذي يستلم الأعمال من البطلة وبما أنه لم يفقد ذاكرة الأشياء أصبح مطلوباً لدى شرطة الذكريات، أخفته البطلة في منزلها ووقعت في حبه.

فتاة الآلة الكاتبة: هي البطلة في رواية البطلة فتاة جميلة تتعلم الطباعة على الآلة الكاتبة، وتقع في غرام معلمها، تفقد صوتها، وتستسلم للمعلم في كل انحرافاته.

المعلم: إنسان شاذ يسيطر على الفتيات من خلال تعليم الفتيات الطباعة على الآلة الكاتبة ثم يسرق أصواتهن، ويأسرهن ويتلذذ باللهو والسيطرة عليهن.

الأسلوب:

جميل ومشوق وبسيط رغم أن الإسقاطات التي في العمل كثيرة فمن إسقاط رواية داخل رواية إلى إسقاط شخصيات داخل شخصيات، فالمعلم في رواية البطلة هو الشرطي في رواية “يوكو أوغاوا” والفتاة في رواية البطلة تمثل الشعب في رواية “يوكو أوغاوا” ربما يكون هذا الإسقاط أرادته الكاتبة أو استنتجته من خيالي، لكن الأمثلة قائمة، الشعب المستسلم للسلطة يمسح ذاكرته من الخوف، والشرطة التي تسيطر على الشعب تستغله لآخر لحظة.

فنتازيا كئيبة، بأسلوب بسيط يجعلك تتابع الأحداث باهتمام لتعرف النهاية التي سيختتم بها المشهد الأخير، وهنا تتساوى المشاهد في رواية البطلة ورواية “يوكو أوغاوا” تتلاشى الفتاة ويتلاشى الشعب، وتخرج الذكريات المختبئة والممثلة في الأشخاص الذين حافظوا على ذكرياتهم ولم يمسحوها وكأن الذكريات هي تاريخ الشعب الذي تلاشى.

 تقييم العمل:

لا أعرف كيف أقيم هذا العمل، فأنا أشعر أن العمل باقي في ذاكرتي، أُسقط شخصياته وأحداثه على الواقع الذي أشاهده، تقع الرواية في 374 صفحة من القطع المتوسط من إصدارات دار الأدب.

أنصح بقراءتها.

بين حواليس “اليحيائي” وشرطة “يوكو اوغاوا”

من الصدف العجيبة أن تقرأ روايتين بشكل متتالي لشخصين مبدعين استعملا نفس الأسلوب تقريباً في الكتابة، وهو أن يكون بطل الرواية روائياً يكتب رواية داخل العمل، والجميل في هذه المسألة أن لكل مؤلف منهما أسلوبه الخاص، فرغم تشابه الفكرة إلا أن العملين يطغى عليهما أسلوب المؤلف، وبما أن المؤلفين من بيئتين مختلفتين، رسم كل منهما عالمه في عمله.

اليحيائي رسم عالم خيالي اقتبسه من الواقع وحاكت شخصياته الحياة العمانية، ورسمت يوكو اوغاوا عالماً افتراضياً بالكامل يمكنك النظر من خلاله لملامح الواقع، وبهذا تكون المشاهد متباينة بين الكاتبين لكنهما يحاكيان خطاً واضحاً، فهما يخاطبان الشعوب.

اليحيائي كان بطله في الرواية روائي لكنه كان يلتمس لشخصياته أحداثاً من الواقع ولم يكتب روايته داخل الرواية لكنه ترك شخصيات الرواية التي خلقها البطل تتحدث لتضع علامات الاستفهام وتخلق إسقاطاتها في الواقع، أما يوكو اوغاوا فبطلتها كتبت رواية من شخصيتين وآلة كاتبة، لترسم مشاهد واضحة للقصة داخل روايتها ولا تتركها حتى تنتهي منها، إلا أن اليحيائي يوكو اوغاوا، اتفقا على اسقاط شخصياتهما على الواقع.

اليحيائي كانت روايته حواليس وهو اسم لعبة عمانية قديمة، كانت مشاهد روايته مطابقة لذلك الاسم فهي لعبة ملغزة يجب أن تربط خيوطها دون أن يضع اليحيائي إرشاداته لك، ليتركك تلتقط الخيوط وتستنتج ما يريد، بينما رواية شرطة الذاكرة يوكو اوغاوا اعتمدت الفنتازيا بشكل واضح لا لكي تلغي الحقيقة، بل لتجعلك تشاهد الواقع الافتراضي كحياة يقبلها البشر، وتعود لتسقط ما قرأت على الواقع.

اعتمد اليحيائي أسلوباً متداخلاً في الرواية بين شخصياته التي خلقها وشخصيات الرواية التي يكتبها بطل روايته والأحداث القديمة والحديثة، واعتمدت يوكو اوغاوا الأسلوب السلس بشخصيات واضحة سلوكها متسق مع فنتازيا الرواية.

اليحيائي يكتب عن عمان ماضيها وحاضريها، ما كانت عليه وما صارت إليه، يوكو اوغاوا بالتأكيد تكتب عن اليابان لكنك تستطيع أن تنقل أحداث روايتها لأي مكان تريد وفي أي زمن تختار.

انهيت الروايتين في أقل من عشر أيام ولا تزالان في أفكاري، فشخصيات اليحيائي العتيقة والحديثة اختلطت بخيالات يوكو اوغاوا التي رسمت شخصيات افتراضية، فلا انفك انتقل بين القمندان في رواية اليحيائي إلى المعلم في رواية يوكو اوغاوا، ولا ابرح افكر في أحداث عمان في “حواليس” حتى تخترقني أحداث الذكريات في “شرطة الذاكرة”

الروايتان تستحقان الاهتمام فالفكرة حرة يتبناها من يتبناها ولا اظن أن يوكو اوغاوا هي أول من ابتدعت أن يكون بطل روايتها روائي أو روائية، بل لا شك أنها اقتبست الفكرة مما قرأت لكنها بلا شك لم تكتب نسخة كربونية، بل وضعت أفكارها، وكذلك فعل اليحيائي في روايته، فبين اليحيائي يوكو اوغاوا، فكرة لذيذة يمكنك أن تتذوقها وأنت تقرأ.

قراءة في رواية «حواليس» للروائي العماني د. محمد اليحيائي

«حواليس» لعبةٌ بالمعنى الحقيقي للكلمة لدى العُمانيين، ومن الضروري معرفة معنى الكلمة؛ إذ إنّ اليحيائي اختار الاسم بعناية شديدة ليصف روايته بالمعنى المقصود: لعبة. وكأنه يقول لنا إنّ «الحياة لعبة» نشارك فيها جميعًا؛ نموت ونحيا، ونعمل ونبني ونهدم. إنها لعبتنا التي نشترك فيها ونلعبها بإرادتنا أو رغماً عنا.

لن أدقّق في شخصيات الرواية كثيرًا، وأرى أن النظرة العامة الشاملة في الرواية تحقق الهدف أكثر من غيرها من الرؤى. وبما أنّ الرواية خليطٌ بين الماضي والحاضر، وبين شخصيات حقيقية ومتخيَّلة ووهمية، وقد انتقلت مكانيًا من الداخل إلى الساحل ثم إلى الخارج العُماني، وخاطبت شرائح متعددة: فقيرة وغنية، متعلمة وجاهلة، وأيديولوجيات مختلفة؛ فإنّ الأفضل أن نركز على الصورة البانورامية للرواية لنرى التنوع والاختلاف من منظور قصصي واسع وممتع.

تبدأ الرواية بجملة: «سيتركنا ويتفرغ لها»، حيث إنّ بطل الرواية، وهو روائيّ، تعيش معه في شقته شخصياتُ روايته التي استحضرها الكاتب من الماضي، وخلق لها حياة تساير زمنها وتلامس أطراف الواقع الذي يعيشه. ورغم أنه لا يراها ولا يسمعها، فإنها تتابعه باهتمام بالغ؛ لا لتعرف ما الذي سيفعله، بل ليجد لها صلة بالواقع ويرسم لها صورة جديدة تُخرجها من حاجز الموت إلى الحياة. وكأن اليحيائي يقول إنّ الحاجز بين الزمنين شفاف، لكنه يقع ضمن المستحيل؛ فلا نستطيع أن نخترقه، ولا نستطيع أن نتواصل معه إلا بخيالنا.

الحياة لعبةٌ بين أيدينا، نعيش مع شخصياتها ونستخدمها بحسب أهوائنا وظروفنا. وحين تكتب الشخصيةُ الرئيسة أحداثَ رواية لأبطال عاشوا في الماضي، وأيضاً يخلق بطلُ الرواية شخصياته في واقعه الحقيقي، ويتلمس خيوط الواقع ويربطها بالماضي القريب والبعيد. وكأنه يشكّ أن تلك الشخصيات المستلهَمة في روايته تتداخل، في جزءٍ منها، في حياته وتمسّ الشخصيات الحقيقية الموجودة معه. هنا يخلق اليحيائي صورةً مركبةً بين الكاتب الحقيقي وهو (اليحيائي) والكاتب «بطل الرواية»، بحيث تكون الصورة كالتالي: كل شخصيات الرواية خلقها اليحيائي، وبطل الرواية «غانم سالم» يخلق شخصيات أخرى غائبة استحضرها من الموت، وواقعُ حياة البطل يضمّ شخصياتٍ أخرى. وبهذا صنع اليحيائي تركيبةً عجيبة لا يمكن أن نجد لها اسمًا أفضل من «حواليس»، تلك اللعبة التي تُلعب على الشواطئ؛ ليحكي من خلالها ماضي عُمان وواقعها، ويرسم تصورًا لمستقبلها.

أتوقّع أن كل من يقرأ الرواية سيشاهدها من زاوية مختلفة. العاطفة موجودة بقوة في الرواية، متجسدة في المرأة بما تعنيه في الحياة، لكنها صورة تبين سطوة الرجل وجبروته الرغبوي والعاطفي، وتجسد ضعف المرأة وصراعها العاطفي. كذلك يبرز الماضي العُماني بمناطق الساحل والداخل وشخصياته: شيوخه وأئمته وسلطانه. والواقع أيضًا حاضر في بطل الرواية ومحيطه، والمستقبل كأطياف عابرة. أمّا الصراع فهو النقطة المحورية: صراع السلطة، وصراع المال، وصراع العاطفة. وكأن اليحيائي يقول إنّ الحاجز بين الزمنين شفاف، لكنه يقع ضمن المستحيل؛ فلا نستطيع أن نخترقه، ولا نستطيع أن نتواصل معه إلا بخيالنا.

وتنتهي الرواية كما بدأت بجملة: «سيتركنا ويتفرغ لها»، وكأن أهل القبور يئسوا من الأحياء، والأحياء يئسوا من واقعهم.

تقع الرواية في 262 صفحة من القطع المتوسط صادرة عن دار عرب. أنصح بقراءتها مع الكثير من التركيز؛ فالدكتور اليحيائي لا يكتب للمتعة فقط، بل يضع فلسفته في الرواية.

قراءة في رواية ذئب البراري للروائي هيرمان هيسه

كتبت تعليقي عن الرواية منذ ما يزيد عن الشهر من الآن، ورغم أني كنت مقتنعاً بما كتب، لم أنشر التعليق؛ لأن ضجيج الرواية بقي في رأسي، فتلك الفوضى التي خلقها “هيسه” لم ترحل بعد، ربما تغيرت بعض الأفكار بعد تلك الفترة من التفكير في العمل، وبعض التصورات أيضاً، لكني أفضل أن أنشر الانطباع الأول للرواية كما شعرت به، دون أي تغيير.

قرأت الرواية بتركيز وليتني لم أفعل فحين تصب اهتمامك على عمل تتكشف لديك جوانب لا تتوقعها سواء في النص أو شخصية الكاتب، وأنا اعتبر ما فعلته خطأ جسيماً لا في حق هسه أو عمله، بل في حق نفسي.

توجد جوانب كثيرة في الرواية يمكننا أن نقف عليها، أو نضع عندها علامات استفهام، أو تعجب دون أن نهمل العمل، التعتيم المتعمد في رواية ذئب البراري لا يربك القارئ، لكنه يخرجه من تركيزه الطبيعي لمرحلة يشعر فيها بالضياع وكأن هسه يقول لك يجب أن تتوه لأضعك في المكان الذي أريد، لا أتكلم عن جهل فمجرد تتبع سير الرواية من راوٍ يشرح قصة مستأجر إلى كتاب يصف شخصية إلى شخصية تتحدث عن نفسها، إلى استسلام للوضع الذي ينتج عنه معجزة، وتنقل صاحبها للخلود.

 ومن الغريب أني اكتشفت جوانب في شخصية هسه لم أكن أعرفها مثل نزعته الدينية وفكرته عن الخلاص

الفردي، وكأنه يشرح في هذه الرواية تصادماته الداخلية ومرحلة انتقاله النفسية من الماضي إلى الواقع المعتقد.

الرواية:

قصة شخص خرج من البرجوازية بعد الحرب العالمية الأولى وهو مصدوم بالواقع، وبعد أن راجع التغير الذي حصل في المجتمع، يتجه إلى العزلة التي يعتبرها عالمه ومنقذته ممن حوله، تتأزم حالته حتى يفكر في الانتحار، ثم يحدث انقلاب في مفاهيمه بسبب منشور يتحدث عن حالة نفسية مشابهة. يحللها، يشرحها ويفسر الجوانب الخفية فيها، ورغم ذلك لا يغير البطل نظرته للحياة ويقف على حافة العالم لينتحر، لكنه فجأة يجد ملاكاً ينقله يأخذه بعيداً عن تلك الفكرة، ويجعله يغير من نفسه، ويرى الأمور بمنظور مختلف حتى الخلود رآه على ما يعتقد بعد التغيير بشكله الصحيح الذي كان غائبا عنه، فيجرب الرقص والعلاقة العاطفية والجنس، يغير رأيه في الموسيقى الصاخبة، ويعيش فوضى صنعت لأجله حتى ينتقل عبر موت غير معلن للخلود الذي رآه في موزارت وغيره في الموسيقيين والفلاسفة والشعراء.

 شخصيات الرواية:

هاللر: الشخصية الرئيسية مضطرب يعيش في عالمه الخاص ينظر إلى العالم بريبة وينظر لنفسه أنه يحمل أكثر من شخصية، إنسان وذئب، جزء بشري وجزء حيواني، ويستمر الصراع الداخلي بين الشخصيتين، حتى تنقلب كل الموازين، ويرى الأمور بشكل مختلف.

 هرمينه: شخصية نسائية أو لنقل هي الملاك الذي أرشد بطل الرواية لكي يجتاز محنته، ويعرف كيف ينتقل من الحياة الفانية لحياة الخلود الأبدي، ورغم أنها أدت دور الملاك تموت ويخلد البطل.

الأسلوب:

أسلوب الرواية غريب ينتقل الكاتب من الراوي العليم، ثم يسرد معلومات نفسية عبر منشور، ثم يتحدث البطل عن نفسها، وفي النهاية تخرج هرمينه بصوتها لتفلسف نظرتها للحياة وتريد البطل، لكن هذا الأسلوب به الكثير من التعقيد بحيث تكتشف أنه تعقيد مصطنع أي بمعنى أن الكاتب يضع القارئ في الوضع الذي يريد لا الذي يجب أن تكون عليه الرواية، وعادةً ما يستخدم الكتاب هذا الأسلوب لزرع فكرة معينة أو تصور مختلف عن الحياة الواقعية.

 ولا يقف الأسلوب عند هذا الحد، مزج الفوضى والفنتازيا في الأحداث خلق مشاهد متباينة، وعلى القارئ أن يقفز للحاق بها، وعند هذه النقطة تذكرت المقدمة التي مهد بها هسه لروايته إنه يتوقع أن يتعرض في هذا الكتاب لنقد أشد مما تعرض له في كتابه السابق.

 تقييم العمل:

لا أحكم على هسه من خلال شخصيته ولا قلمه ولا أسلوبه فالزمن أصدر أحكامه على مخرجات هسه لكن هذا العمل يجب أن يقرأ بتركيز عالٍ، وعلى القارئ أن يستعد للقفز مع هسه من حالة لأخرى دون أن يعترض، واعتقد أنه عمل معقد لا يمكن أن يقرأه الجميع، رغم أني استمتعت بقراءته إلا أني لا أوافق هسه في آرائه.

قراءة في رواية قلعة التفاح للكاتبة العراقية كُليزار أنور

عندما تجد الإنسانية طريقها للمجتمع تنتشر الرحمات، وأظن أن هذا ما تصبو إليه كاتبتنا كُليزار فالعمل الإنساني رسالة سامية يحملها أشخاص صادقون يرغبون أن تتحسن صفات المجتمع، وأن يكون له مبادئ وقيم، ويتحمل مسؤولياته الاجتماعية والإنسانية دون إهمال أو تقصير.

لفت انتباهي اسم قلعة التفاح، وحين قرأت الرواية عرفت أنها قلعة لأناس هشة في المجتمع خرجت ذكرياتك بلا عودة، وفقدوا الصلة بالعالم، فهم يعيشون في عالمهم من الخيال الخاص والأحلام البعيدة عن الواقع،

كما تتحدث الرواية عن نساء لهن هدف في الحياة استطعن توظيف إمكانياتهن لخدمة فئة معينة في المجتمع، والنجاح الذي تحقق من مجرد حلم، وضع على ورق؛ ومن ثم أصبح حقيقة كمشرع يقدم خدمات لمرضى الزهايمر.

تحمل الرواية رمزيات كثيرة فهي لا تنفي الواقع العراقي الصعب وما مر به من حروب وأزمات دمرت المؤسسات الطبية والاجتماعية، كما أن الإنسان العراقي نفسه عاش هذه المعاناة بكل تفاصيلها وهنا تقدم الرواية رمزيتها الجميلة المتمثلة في كتالينا التي صبرت وانتظرت حتى تحل تلك المشاكل لتحقق هدفها السامي وتبني قلعة التفاح وما كتالينا إلا تجسيد للإنسان العراق المخلص المقتنع بأن العراق للعراقيين جميعهم دون تمييز، أما الرمزية الثانية، فتتمثل بقيمة الوفاء والصدق اللذين من خلالهما تتحقق مصداقية المجتمع، ويبني عبرهما أخلاقه ومبادئه، والرمزية الثالثة ترسمها الكاتبة في الإخلاص، سواء كان للهدف أو الصديق كأنها تقول إننا عراقيون أهدافنا عراقية مخلصون لكل شيء، والرمزية الأخيرة الحلم بعراق أفضل بمجتمع يحترم المبادئ والقيم.

تقييم العمل:

 العمل جميل ممتع في قراءته والنقطة الوحيدة التي أحب أن ألفت نظر الكاتبة هي مرحلة الانتقال من حكاية لحكاية أخرى في الرواية باستخدام الأبواب والفصول لكيلا تتشابك الحكايا. 

تستحق الأستاذة كُليزار الشكر والتقدير على هذا العمل الإنساني الجميل الذي نحتاج إلى مثيله في كل مجالات الحياة لنرفع قيمة العمل المجتمعي والإنساني، تقع الرواية في 136 صفحة من القطع المتوسط انصح بقراءتها.

قراءة في رواية “آنا كرنينا” للأديب الروسي ليو تولستوي:

وأنت تقرأ الرواية ستسمع صوت تولستوي يقول لك: هنا روسيا بكل تناقضاتها ومشاكلها وأحلامها وتصوراتها، وهذه هي الطبقة الراقية التي تحكمها وتسوس أمرها، سترى طبقة راقية في روسيا لا ترتقي للمستوى الأعلى فتصل للإمبراطور، ولا تنزل للشعب، لكنها ليست الطبقة الوسطى، فهي طبقة تجمع الأرستقراطيين وكبار الموظفين والكونتات وبعض الأمراء، في مرحلة زمنية ارتفعت فيها تكلفة الزراعة بعد أن تحرر الأقنان ، وقلة الأيدي العاملة، وأصبحت الأراضي عبئ على ملاكها، وكانت روسيا تخوض حرباً مع الدولة العثمانية، المرحلة الزمنية التي اختارها الكاتب مناسبة جداً لطرحها في رواية اجتماعية تكشف التحولات والصراعات في المجتمع الروسي.

زمن الرواية مهم جداً؛ لأنها فترة تحول في الفكر العالمي، ونرى انعكاسه على المجتمع والفكر الروسي، وحرص البعض مثل تولستوي على خلق شخصية للفكر الروسي وعدم الانسياق خلف الأفكار الواردة من الخارج وكما قرأت سابقاً أن شخصية “ليفين” تجسد تولستوي، فقد وجد ذلك صحيح لحد مقنع، وتوصلت لذلك في تتبع فكر تولستوي الديني الذي ينظر إلى الدين أنه رسالة سامية، وأن الله ينظر إلى الجميع ما داموا يحسنون ويخلصون ويؤمنون، بغض النظر عن الدين الذي ينتمون إليه.

الشخصيات الرئيسية في الرواية:

آنا أركاديفنا كارِنينا آنا كارنينا: الشخصية الرئيسية امرأة فائقة الجمال جاءت من طبقة متوسطة متزوجة من رجل يعمل في منصب مرموق في بطرسبرج تقع في حب فرونسكي، وتتمثل معاناتها في النظرة الاجتماعية والأبناء والحب، ليتكون الثالوث الذي يهدم كل شيء في حياتها.

ألكساندروفيتش كارِنين ألكسي: زوج آنا كارنينا، يحتل منصب مرموقاً في بطرسبرغ يكبر آنا بأكثر من عشرين سنة، عنيد، يلجأ إلى التدين في النهاية للهروب من صدمته النفسية.

ألكسي كيريللوفيتش فرونسكي: كونت وأحد ملاك الأراضي الكبار عشيق آنا كارنينا، فارس في الجيش الروسي، لكنه يترك كل شيء ليبقى مع آنا ويحظى بثقتها.

كونستانتين ديميترييفيتش ليفين: كونت ومالك أرض زوج كيتي، لا يرتقي لمستوى فرونسكي، لكنه من النبلاء، ويعتقد أغلب المحللين أن تولستوي جسد نفسه في هذه الشخصية، وأميل إلى صحة ذلك.

كاترين ألكسندروفنا شيرباتسكايا كيتي: أميرة زوجة ليفين وشقيقة دوللي شخصية طفولية مرحة، تحب فرونسكي في البداية، لكنها تصدم نفسياً بسببه.

استيبان أركاديفيتش أوبلونسكي ستيبا: جاء من طبقة وسطى شقيق آنا كرنينا له منصب في الدولة بسبب زواجه بأميرة، متهور مسرف يخسر كل شيء، وتنهار علاقته بزوجته.

داريا ألكسندروفنا أوبلونسكايا دوللي: أميرة وهي زوجة ستيبا شقيق آنا كرنينا، ربة بيت ملتزمة بشكل حازم تجاه أسرتها، تتسم علاقتها بزوجها بعدم الثقة، وتستمر هكذا من البداية حتى تنهار العلاقة وتنتهي.

تعريفات مهمة:

  الأمير: أرستقراطية أصيلة، تميل إلى التقاليد، تتوارث اللقب.

  الكونت: أرستقراطية مكتسبة، تميل إلى الحداثة والانفتاح، تعتمد على المكانة لا الأصل.

المحتوى:

الرواية تعالج الفترة الزمنية ما بين من 1855 إلى 1881، أي النصف الثاني من القرن التاسع عشر في عهد القيصر ألكسندر الثاني، وتوضح التحولات الاجتماعية والاقتصادية والصدامات السياسية بين الجيل القديم والجيل الجديد عبر طبقة راقية من المجتمع الروسي ليست في القمة العليا، لكنها طبقة اجتماعية تجمع الكونتات والأمراء والنبلاء، ونشهد فيها زواج أميرة بكونت أو أحد النبلاء والعكس، لكن الرواية تطرح أمراً مهماً يتمثل في شخصية آنا كرنينا، حقوق المرأة والنظرة الاجتماعية لها، حين تنفصل عن زوجها، وتصور المعاناة النفسية الصعبة التي تمر بها النساء في مجتمع ينظر إلى الأسرة نظرة مقدسة، حتى لو كانت تلك الأسرة منهارة من الداخل، ويخون كلا الزوجين بعضهما، المهم أن يبقى شكل الأسرة حتى تستمر العلاقات الاجتماعية.

توجد ملامح كثيرة للشخصية الروسية في الرواية، وتختلف الشخصيات بحسب طبقتها الاجتماعية ومكان سكنها فشخصية النبيل أو الأمير أو الكونت في الريف تختلف عنها في المدينة والعكس، وكل لقب يحمل صفات تخصه تتمثل الترف أو التدين أو الالتزام بالقيم، ترسم الرواية التحول بين جيلين مختلفين من حيث الثقافة، وتبين مستوى الصراع الناشئ بينهما في المجال السياسي، كما أن الرواية تبين أن الفكر احتل مساحة كبيرة وخف تأثير الدين لدى الطبقات العليا.

وزع تولستوي شخصيات الرواية بحيث تشمل جميع الطبقات النبيلة، أمير، كونت، نبيل، عالم، موظف مرموق، وبذلك لمس جميع مستويات تلك الطبقة التي أراد الحديث عنها، لكنه لم يتكلم عن عامة الشعب إلا من منظور تلك الطبقة، بمعنى أنه تحدث عنهم من الأعلى كيف يراهم النبيل أو الأمير أو الكونت، ورغم ذلك نرى في شخصية ليفين التي تمثل تولستوي في الرواية رسم ملامح تقارب بين النبلاء والعمال، لكنها لا ترتقي لتصف حياة العمال أو معاناتها أو وجهة نظرهم في ملاك الأراضي، وأنا أؤيد نظرة تولستوي، فلو أنه تطرق للعمال ومعاناتهم ومشاكلهم المالية والاجتماعية لما استطاع أن يصف الطبقة العليا بإسهاب، وتداخلت الأفكار واختلت.

شخصية ليفين في الرواية قال عنها المحللون أنها تمثل تولستوي، وأنا أؤيد هذه الفكرة، وأتفق معها فأفكار تولستوي واضحة في هذه الشخصية، وأظنه أراد أن يضع فلسفته من خلالها خاصة حين تكلم عن الإلحاد ثم النظرة إلى الدين والوصول لفكرة مقنعة في نهاية الرواية، لكني أعتقد أنه أخطأ في أن يجعل النهاية مرتبطة بهذه الشخصية التي وضع من خلالها صورة النهائية وأهمل شخصيات في الرواية لم يعطنا التصور النهائي لها مثل ستيبا الذي أشار إليه أنه انهار مالياً.

ربما اختلف مع تولستوي في النهاية المأساوية لآنا كرنينا لكني مقتنع أن هذه النهاية جسدت المعاناة أكثر من أي نهاية أخرى، بل وجعلت لها رسالة متعدية لزمانها، رسم من خلالها ضعف المرأة وصراعها النفسي الكبير بين الزوج والحبيب والأبناء، وبين لنا قلة الحلول التي يمكن اللجوء إليها لذا كانت النهاية الصادمة هي أبلغ رسالة لتجسيد الوضع السيء.

الأسلوب:

محتار وأنا أكتب عن أسلوب تولستوي فالرواية مجموعة حوارات مطولة ترسم الأحداث وهو أسلوب لا أحبه لكني وجدته ممتعاً في الرواية، خصوصاً في الجزء الأول فالشخصيات تتحدث عن نفسها لتقول: أنا موجودة وأتحدث، الأنا في الرواية قوية جداً تجدها في أنانية المرأة والأمير والكونت والنبيل، يظهر صوت الراوي العليم في بعض السطور ليوضح أمراً، أو ينتقل إلى شخصية أخرى، وأقول في النهاية: الرواية ممتعة سواء كانت عبر حوارات مطولة أو سرد مسترسل، فأحداثها تجعلك تقرأها بنهم.

الكاتب:

ليو تولستوي من طبقة النبلاء الروس، وكانت أسرته من أعرق العائلات في روسيا عاش في الفترة ما بين 1828 إلى 1910 عاصر الكثير من الأحداث من أعظم الروائيين الروس، تعتبر روايتاه الحرب والسلم وآنا كارنينا من أعمدة الأدب العالمي جمع في أعماله بين الفلسفة والأخلاق والدين اتجه إلى الزهد في آخر حياته.

تقييم العمل:

لا أستطيع أن أحكم على رواية بهذا القدر من الأهمية، فقط أستطيع أن أقول إنه رواية جميلة ممتعة تثير الشغف، تطلعنا على حقبة زمنية مهمة في تاريخ روسيا، ونعيش من خلالها عالم من المتعة، أنصح بقراءتها، الرواية موزعة إلى جزءين تقريباً 900 صفحة من القطع المتوسط.

قراءة في رواية “الروع” للكاتب العماني زهران القاسمي

الروع كما يسميه أهلنا في عمان هو الفزاعة التي يستخدمها المزارعون في أنحاء العالم لإخافة الطيور والحيوانات السائبة وحماية المحاصيل منها، ولم تكن الفكرة على هذا النحو في البداية من الأساس، لكن لكل خبرة بشرية تسلسلها، حتى تنموا وتصل لحدها النهائي، وتترسخ في نفوس أصحابها، وهذا بالضبط ما يكتب عنه الرائع زهران القاسمي؛ لأنه يتحدث عن فكرة ترسخت في نفوس المزارعين، يشرح طقوسها وآلية عملها وأساطيرها في مساحة سماها رواية، ومن حقه أن يطلق عليها هذه الصفة؛ لأن الروع أو الفزاعة هو البطل الحقيقي، هو الأسطورة ومن تدور حوله الفكرة والأسطورة، ورغم وجود شخصيات كثيرة في الرواية، إلا أنني كنت أبحث عن تطور الروع وكأنني أرتقب بعث الروح فيه ليعيش الحياة التي أرادها “محجان” صاحبه وخالقه.

شخصيات الرواية:

محجان: اسمه الحقيقي سعيد، لكنه طمس مع اشتهاره بلقبه حتى هو حين يخاطب نفسه يقول محجان متناسياً اسمه الحقيقي، غريب الأطوار كما هو لقبه، طويل القامة نحيل لكنه قوي البنية، صامت في أغلب الأحيان، عاش في أسرة فيها الأب أعمى والأم هادئة، ورث مزرعة والده، وأهتم بها بعد أن تنبه لأهميتها، تزوج ولم ينجب، الكاتب لم يذكر شيئاً عن ذلك.

عميرة: زوجة محجان وهي تمثل الشكل النمطي للزوجة في القرية العمانية التي تلازم بيتها وترعى زوجها وتهتم بكل شؤونه.

مسعودة: لها جانب صغير في الرواية، لكنه علامة فارقة في بعض اللحظات كتجسيد للشر أو لنقل لخبث العجائز.

الشيخ: وهو سيد المنطقة أو كبيرها، وما يمثله من وقار ومنزله وشيء من السيطرة، فهو يحتل الأرض الأفضل، ويعلو منزله على رابية، ولا يرغب في أن يصل أحد آخر لمنزلته.

المطوع: رجل الدين وأمام المسجد حامي حمى الشريعة في القرية وهو المتبصر في الأمور المترقب لأخطاء أهالي القرية التي تتجاوز حدود الشرع.

المحتوى:

محجان هو الذي يخلق الحدث ومعه “الروع” الذي يشكل محور الرواية فلا شيء يفوقه في الأهمية في الحكاية كلها إلا حماية الأرض التي يقف عليها، حيث أن محجان لا يريد أكثر من حماية أرضه من الحيوانات السائبة والطيور، لكن محجان صاحبنا يختلف عن البقية، فهو يحب أن يحكم عمله ويتقنه، وهذا ما قام به مع الشيء الجديد الذي كان يفكر في خلقه، ونصبه في وسط مزرعته ليحميها من كل شر، فكر في كل التفاصيل، ما يجعل الروع أقوى وما يجعله مخيف أو مرعب، ما يلبسه وكيف يشكل التفاصيل التي توحي لمن يراه أنه بشر يقف ليحمي المزرعة من كل دخيل، سواء كان ذلك الدخيل يمشي على الأرض، أو يطير في السماء.

يوطد محجان العلاقة مع الروع من أول يوم فيعامله باحترام، رغم أنه متأكد أنه من صنه ليحمي مزرعته، يلقنه ما يريد منه أن يفعل ولم يقم بذلك على نحو بسيط، بل كان حريصاً أن يكون أمام الروع في صورة السيد الذي يأمره وينتظر منه الطاعة، إلا أن العلاقة اختلفت بعد أن وجد محجان الروع يقوم بعمله على أكمل وجه، فلم يأتِ أي دخيل للمزرعة لا من الأرض ولا السماء، فزاد إيمانه بأن الروع ليس مجرد أخشاب منصوبة ترتدي أسمال بالية، بل هو كائن حقيقي يقوم بعمله وكأن به روحاً، ويزداد ذلك الشعور مع الأيام بعد أن تزدهر المزرعة، ويكثر محصولها وتتمدد.

النقطة الفاصلة في الرواية، حين وصلت علاقة محجان مع الروع لمرحلة الإيمان بأن الروع تكمن فيه روح، وأنه يستطيع الفعل، حتى أن محجان حين آذى الروع ظن أنه ينتقم منه، فعاد ليرضيه وتخلى عن إيمانه لمجرد أن يبقى مخلوقه الجبار ذو سطوة على الجميع، ثم انتقلت العلاقة إلى أبعد من ذلك حين أصبح إيمان محجان بالروع يفوق أيمانه الطبيعي، وانتقل إلى مرحلة الحب، لدرجة أنه ينتقم لأجله.

تحمل الرواية في طياتها أجواء القرية العمانية بأحاديثها ونميمتها وحسدها وترابطها، فلا حدث يمر دون أن تعرفه القرية كلها، ولا شيء يحدث حتى يشارك فيه الجميع، في الخير والشر، وتلك النفوس البسيطة التي تصدق أشياء ربما لا تكون موجودة في الواقع، لكن تلك الأشياء تحمل أساطير القرية وخيالاتها، ويتحكم في القرية المتحدثين وأصحاب النفوذ والدين.

الأسلوب:

اعتمد الكاتب أسلوب الراوي العليم، وأظنه أصاب في هذا الاختيار؛ لأنه أسلوب المتمكن من كل التفاصيل، وينقلها بشكل أوضح للقارئ دون شطط، كما إني متأكد أن أسلوب زهران القاسمي في الكتابة لا يختلف عليه اثنان، فهو يملك اللغة القوية والأسلوب الجميل المشوق، ويستطيع أن ينسج الخيال بحروفه لا في عقله ككاتب، بل في عقل القارئ.

الكاتب:

شاعر وروائي عماني ولد عام 1974، صدرت له العديد من دواوين الشعر ومجموعتين قصصية وخمس روايات أبرزها “تغريبة القافر” التي فازت بجائزة البوكر للرواية العربية.

تقييم العمل:

العمل رائع وممتع يقع في 154 صفحة من القطع المتوسط، جميل ويحمل قدر كبير من التشويق، أنصح بقراءته.

قراءة في كتاب “دم وخمر” للكاتب الروسي ليو تولستوي.

لا أستطيع أن أسمي هذا الكتاب رواية، أو مجموعة قصصية؛ لأنه يحمل قصتين فقط، لكنه كتاب قصص كتبه تولستوي في أواسط القرن التاسع عشر، لكن أحداثها تحاكي بدايات القرن.

شخصيات القصة الأولى:

بوليكوشكا: الشخصية الرئيسية من عبد القصر يرعى الخيول ويعالجها، لص لديه زوجة وخمسة أطفال.

اكولينا: زوجة بوليكوشكا امرأة أكبر همها رعاية أسرتها.

السيدة: هي سيدة الأرض والمتحكمة فيها.

ايجور: القائم بأعمال سيدة الأرض، وتعود إليه المهام التي تقع في نفوذ سيدته.

دوتلوف: فلاح يحاول أن ينقذ أبناءه وابن أخيه من التجنيد.

شخصيات القصة الثانية:

الكونت فيدور توربين: ضابط مميز في كتيبة الفرسان الخفيفة متهور راقص ماهر يعشق النساء واللهو.

آنا فيدروفنا: أرملة وسيدة أرض تحمل قدراً كبيراً من الجمال ولها دوران في القصة العشيقة والأم.

ليزا: ابنة آنا فيدروفنا فتاة ريفية عفيفة.

الابن الكونت توربين: ابن فيدور ويحمل صفات أبيه، إلا أنه حريصٌ على المال بعكس والده.

بولزوف: ضابط في كتيبة الفرسان، شريف لديه مبادئ وقيم نبيلة.

الضابط المتقاعد: شقيق آنا فيدروفنا وخال ليزا، لم يكن في كتيبة الفرسان لكنه يدعي ذلك،

المحتوى:

قصتان مختلفتان لطبقتين في المجتمع تعيش إحداها الفقر والعوز والأخرى ترفل في النعيم والترف والملذات والجميل أن لا مقارنات داخل القصص، لكنك بلا إدراك حين تقرأ القصتان ستقارن بين القاع والقمة بين الفقر والغنى بين اللامبالاة عند الأغنياء والهم عند الفقراء، ستفكر في قيمة المال عند الطبقتين، وسترى قيمة الإنسان من زوايا مختلفة.

المقارنات التي تثير الفضول، وتطرح سؤال لماذا؟ يحدث هذا الأمر؟ ولما يحدث بهذا الشكل؟ المؤلم أحياناً والغبي أحياناً أخرى، ففي القصة الأولى ستجد البطل عبد أكبر همه أن يعيش لحظة سعادة، أو يشعر أنه ذو قيمة، وينتهي به المطاف معلقاً بحبل على سور عالٍ، وقد فارق الحياة مشنوقاً، وفي القصة الثانية البطل أمير وفارس اكتسب من مهارات الحياة ما يجعله نجماً، ويعيش حياته حتى يموت ويحمل رايته ابنه بنفس اللقب والصفات، وكأن الكاتب أوحى لنا ما نعرفه أن العبد يلدُ عبداً، والسيد يلدُ سيداً، لن يتغير شيء.

ستعرف في القصص أسلوب التجنيد السائر في ذلك العصر وأساليب المواصلات، وستعيش مع شخوص القصص في الحظائر والبيوت، معادلة الكتاب الأرض + الرقيق = دم، الأرستقراطية + الترف = خمر.

تطرح القصة الأولى مسألة التجنيد الإجباري في ذلك الزمن، وكما يعتقد المجتمع الفقير أن من يذهب للتجنيد لا يعود حياً وتفقد الأسرة احد ابناءها العاملين العائلين لها.

الأسلوب:

اعتمد أسلوب الراوي، ولا يظهر كصوت مستقل إلا في بعض المواضع بجمل قصيرة يوضح فيها معنى محدد، الأسلوب جميل بلا شك، وقد وضع الكاتب القُراء في زاوية المقارنات، دون أن يشعروا وجعلهم ينظرون إلى صورتين متناقضتين، لكنهما موجودتان في نفس المكان، ليخلق كل قارئ صورته وانطباعه الخاص.

الكاتب:

تولستوي كاتب وفيلسوف روسي تبنى مبدأ اللاعنف ركز على العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية أشهر أعماله: الحرب والسلام، آنا كارنينا، البعث.

تقييم العمل:

العمل رائع وممتع يقع في 190 صفحة من القطع المتوسط، أنصح بقراءته.

المترجم:

الترجمة جيدة بوجه عام فقط عانيت مع بعض الكلمات التي لم تعد مستخدمة، ربما لجأ إليها المترجم ليوصل المعنى بدقة.

قراءة في رواية “إمبراطورية الملائكة” للكاتب الفرنسي برنارد فيربير.

انهيت العمل منذ قليل ولم اتوان في الكتابة عنه، هذا الشعور انتابني وألح عليّ قبل أن انهي العمل لا لشيء إلا أنه استفز فيّ أشياء كثيرة مثل: النظرة للغيب، التفكير فيما بعد الموت، التأمل في العوالم الخفية من منظور خيالي، وهذا لا يعني أني اقرأ الرواية بمنظور الكاتب، بل سأحتفظ بالنقد للسطور الأخيرة من هذا المقال فهناك الكثير من الملاحظات التي يمكنني أن اذكرها دون تردد.

العمل كبير قليلاً لكنه ممتع وطرح بأسلوب جميل يجعلك تفكر فيما سيحدث وهذا ما يستدعي الرغبة في استمرار القراءة بشكل شبه متواصل، فالأحداث كثيرة وتقع في أكثر من مكان، وكذلك الشخصيات الرئيسية والفرعية، والأهم من ذلك الأسلوب الجميل ولنبدأ بشخصيات الرواية.

الملائكة:

ميشيل بانسون: هو الراوي في هذه الحكاية وعلى لسانه تسرد الأحداث

رافاييل: الملاك الباحث عن الحقيقة الأعلى والمتطلع للغيب.

إدمون ويلز: لعب دور المرشد للملائكة لكن صوته تكرر كثيراً تحت بند الموسوعة وكأنه يلعب دورين رئيسيين فمن جهة هو موجود بشخصيته في الأحداث ومن جهة أخرى تحت بند الموسوعة، يسرد معلومات استخدمها الكاتب كنقاط مضيئة في العمل.

توجد الكثير من الملائكة في الرواية ادوارهم فرعية.

البشر:

جاك: عانا من صعوبات في دراسته ويعاني من ذاكرة ضعيفة يتمتع بخيال واسع وسيمتهن الكتابة والتي يمر معها بحالات تعاسة متكررة حتى يستقر، يحب القطط ويؤمن بأنها ملهمته.

فينوس: فتاة مدللة عاشت الشهرة منذ الصغر وتطورت امنياتها فأصبحت عارضة أزياء، ملكة جمال ثم ممثلة وتستقر في النهاية.

إيجور: روسي يمر بمراحل كثيرة وينتقل من دار رعاية ايتام لمصح ومن ثم للجيش ويستقر لكنه ينتهي بلا هدف.

هناك شخصيات بشرية فرعية كثيرة في الرواية.

الرواية:

تنتقل الرواية من الأرض إلى السماء بموت البطل ميشيل بانسون وترسم منظور لمرحلة الانتقال عبر رحلة فيها مراحل انتظار ومحاكمة حتى يترقى البطل الرئيسي لدرجة ملاك ومن هنا تبدأ الرواية الفعلية التي تشرح دور هذا الملاك مع موكليه في الأرض ومع أصدقائه الملائكة الآخرين، وبما أنه موكل بثلاثة من البشر يحمل كل فصل عنوان لكل شخصية بشرية رئيسية لكتب عنها منذ الولادة وحتى الموت، وهناك أيضاً حديث يدور في الجنة خصص له عنوان في كل فصل وفي خاتمت الفصل الموسوعة التي يكتبها ادموند ويلز، وبهذا نشاهد في كل فصل خمسة عناوين أو أكثر والرابط الرئيسي بينها هو بطل الرواية ميشيل بانسون، العنوان الوحيد الذي ستشعر في البداية أنه خارج السياق هو عنوان الموسوعة الذي كان يوقع باسم ادموند ويلز موسوعة المعرفة، في الفصول الأولى تشعر من كثرة المعلومات والشخصيات انها تتداخل في عقلك ومن ثم تتسق وتترتب مع التكرار.

الأسلوب:

اعتمد الكاتب على أكثر من صوت في الرواية منها بطل الرواية ومنها الموسوعة والراوي العليم، لكنها متسقة مع العمل، وانتهج أسلوب مميز في توزيع الأدوار بين شخصياته البشرية بحيث أن ترتيب السرد في كل فصل لا يسير بتناسق تراتبي مثلاً: فينوس تأتي في المقدمة في بعض الفصول وتأتي في الوسط في بعضها أو في الأخير، وكذلك المواقع فبين الأرض والسماء تأتي الأحداث أحياناً قبل الحديث عن الشخصيات أو بعدها، الجزء الثابت هو الموسوعة التي تأتي في نهاية كل فصل لتضيء لك نقطة أو تشرحها.

الأسلوب به الكثير من التعقيد لكنه التعقيد الذي يخدم العمل والذي يمزج بين المعلومات المستقاة من التراث الديني اليهودي والمسيحي، والخيال الذي يرسم الصورة الذهنية، والفلسفة الخاصة بالكاتب، والذي يتضح انه يملك مهارة عالية في المزج بين تلك الأمور ونسجها بشكل لا يلفظه القارئ، بل يتقبله لأن أسلوب الكاتب جميل ومقنع.

النقد:

ستلاحظ دون المزيد من الجهد أن عالم الملائكة كله من العرق الأبيض وبالأخص من اليهود والمسيحيين، والبشر المنتخبين للرعاية من الملائكة من نفس الديانتين، وبهذا اختزل الكاتب المنتخبين للجنة من العرق النقي من منظور غربي بحت.

كل المعلومات المستقاة في تصوره للجنة مأخوذة من العهد القديم أو التوراة، ويشير إشارات بسيطة في الحديث للشامانية مثلاً البوذية لكنه لا يأخذ من تصوراتها في جنته ومن الطبيعي لا يذكر الإسلام نهائياً.

الشعوب الأخرى موجودة لكنها لا تقع تحت رعاية الملائكة ولا مكان لها في الجنة، وحين تحدث عن الشرق قال أنهم برابرة.

الكاتب:

من أصل يهودي لكنه لا أدري أي لا يؤمن بدين حالياً وربما مخزونه الثقافي طغى على تفكيره، أو ربما يحمل عنصرية ضد الآخر أي ما دون العروق التي يؤمن الغرب أنها نقية وأنها منتخبة من الإله.

تقييم العمل:

العمل أدبياً رائع وممتع ويحمل الكثير من المعلومات والخيال والفلسفة والإلحاد يقع في 398 من القطع المتوسط، انصح بقراءته لأنه ممتع لكنه يحمل أفكار إلحادية.

المترجم:

تحية اجلال للمترجمة أريج حمود فلغة الترجمة كانت راقية جداً لدرجة أنك لا تشعر أن العمل كتب بلغة أجنبية فلا خلل في اللغة ولا المعنى.

الرواية بين النقد والرأي، ومشاعر الكاتب.

حين يفرغ المؤلف من روايته، ويطرحها للعامة لا يحق له تقييم العمل، فمهما كانت قناعته بالعمل لا يحق له أن يحكم عليه، حيث إن العمل صدر منه، وتقمص شخصية أبطاله، وفي هذه الحالة يكون حكمه منحازاً للعمل دون أدنى شكل، فأي رأي سيمتدح فيه روايته، يكون رأياً سلبياً، حتى لو كان العمل رائعاً بالفعل، مجرد أن يسلب الكاتب حق الجمهور في إبداء الرأي أو تقييم العمل يكون قد تدخل في قرارهم بالحكم على الرواية.
القرار المهم الذي يجب على الكاتب اتخاذه في تقييم العمل هو مدى ملائمته للنشر، وهل يصلح للقراءة، أو لا يصلح، والعمل والجهد كله الذي يقوم به الكاتب، من كتابة وتدقيق وتصحيح ومراجعة، يفعلها لكي يخرج العمل في أفضل صورة ممكنة، وبعد النشر ينتظر رأي النقاد والقراء في العمل، ويجوز له إبداء رأيه فيما يقال ويجوز له أن يدافع عن عمله، ويبرر كل شيء طُرِح من قبل النقاد والقراء دون حرج، فإيمان الكاتب بالعمل وما بذله من مجهود يعطيه الحق أن يدافع عن عمله الأدبي دون رفض النقد بشكل عام، ودون أن يعترض على نقاط الضعف التي يصل إليها النقاد في العمل، فالنقد لا يجرح العمل إلا إذا كان العمل سيئاً، أما إن كان العمل جيداً أو مميزاً، فإن النقد بين للكاتب نقاط الضعف التي لم يلمسها هو شخصياً، لذا يجب أن يستمع الكاتب لرأي الناقد بحرص، ويرد عليه بإتقان بما لا يخرج عن صورة العمل، أو يحول الصدام مع النقاد من صدام فكري إلى صدام شخصي.
من المؤكد أن العمل الأدبي يتجاوز صاحبه كما في باقي الأعمال الفنية، ورغم أنه يحمل اسم صاحبه، إلا أنه يصبح مشاعاً بعد طرحه في السوق، ويملك كل ناقد أو قارئ نظرته الخاصة في التقييم، الآراء التي تطرح تناقش ذلك العمل من زوايا مختلفة وفئات مختلفة، فالنقد مثلاً له مدارس كثيرة تحمل كل واحدة منها وجهاً مختلف في قراءة النص الأدبي، وكذلك أذواق القراء تختلف بحسب اهتماماتهم وثقافتهم، واستمتاعهم بالعمل، وللقراء ميزة على النقاد يجب أن لا يتجاهلها الكاتب، لأن القراء هم الجمهور الذي يخاطبه الكاتب في روايته، فحين يقول قارئ هذا عمل ممتاز، أو هذا عمل ضعيف، لا يستدعي ذلك الإحباط أو الغرور، بل يستدعي أن ينتبه الكاتب لجوانب عمله القوي منها والضعيف، فرأي الجمهور رغم أنه غير احترافي إلا أنه الرأي الذي يجعل للكاتب مقبولاً أو مرفوضاً من قبل الجمهور.
الكاتب يعيش مع شخوص الرواية ويتقمصها، ومهما ظن الكاتب بعد زمن أن تلك الشخصيات التي كتبها زالت من تفكيره فهو مخطئ؛ لأن تأثير الشخصيات ينطبع في عقله ومشاعره هكما انطبع على الورق، ومهما طال الزمن يبقى تأثير تلك الشخصيات فعالاً، حين يستمع الكاتب لنقد أو رأي يمس روايته، لذا يجب أن يتعامل الكاتب بحذر حين يتلقى الآراء المختلفة وعليه أن يراجع قدراته لكي يُوصل الصورة الصحيحة التي يريدها أن تصل للجمهور، وهذه النقطة تسبب الكثير من القلق لدى الكُتاب، فحين تكون الصورة واضحة في عقل الكاتب ولا يستطيع أن يوصلها كما يتخيلها للقارئ، تصبح هناك فجوة بين الفكرة والسرد، بمعنى مهما كانت الفكرة صحيحة لدى الكاتب ولم يوصلها للقارئ بالشكل السليم ستشكل صورة مختلفة في خيال القارئ عما هو في خيال الكاتب، فيسير التفكير في اتجاه مختلف عما أراد الكاتب أن يوصله للجمهور في عمله الأدبي.

على هوامش الرواية ..

لا توجد هوامش مكتوبة في الرواية إلا لتفسير أمر أو شرح معنى لكلمة، فالرواية لا تعتمد على الهوامش، لكن حين تدقق النظر في هذه المسألة تجد أن كل شخصية هامشية في الرواية هي هامش للرواية، وكل فكرة جانبية هامش أيضاً فهوامش الرواية غير مكتوبة على حواشيها، بل متضمنة داخل الرواية يبين الكاتب من خلالها نقطة واحدة، أو يأصَّل فكرة.

الرواية نسيج يبدأ من أصغر نقطة ويسير بشكل منتظم حتى يكتمل، فتلك الأمور التي أسميها هوامش غير مكتوبة على الأطراف تدخل ضمن نسيج الرواية لتكمله أو تزينه، فيستخدمها الكاتب بشكل غير منتظم في الرواية ليكمل الصورة.

الرواية .. ما تفرضه وما تنفيه ..

تحكمنا النصوص والقضايا التي نطرحها في الرواية، وليس صحيحاً أننا نتحكم في الرواية بشكل تام كما يقال، النص الأدبي محكوم بفكرة أو طرح معين، أو تحدده القضية أو الحدث أو الشخصية التي يناقشها الكاتب في روايته، فيضع إطاراً فكرياً محدداً لتلك الرواية، ومن الصحيح أن الكاتب يقيد نفسه بنفسه، لكن ذلك التقييد يكون مفيداً في أحيان كثيرة، خصوصاً إذا كانت القضايا التي يناقشها ذات طابع خاص، فلو شط وترك فكره يتجول دون إطار محدد سيخرج لا شك عن سياق الرواية، ولن يحقق تلك السلاسة التي تجعل القارئ يسترسل في الحدث بشكل مريح.

أحيانا تحكمنا الفكرة، مثلاً لو أن القضية التي تطرحها محلية لا يمكنك أن تتجاوز القيم والأعراف الموجودة في المجتمع ولا معاير الأخلاق التي تحدد صيغة الخطاب الموجه للقارئ بحيث تخاطب الموروث الثقافي لدى ذلك المجتمع دون تجاوزه أو إدخال أي قيم شاذة، وهذا لا يعني أننا لا نطرح الأفكار الجديدة، على العكس يجب أن تطرح، لكن بالصيغة التي تجعلها مقروءة ومؤثرة، ولا تكون مصدر شذوذ في العمل، هذا بعكس أن نكتب رواية خيالية، فحين ندخل الخيال في العمل، نفتح أمامنا كل مساحات الحرية في معالجة الأمور الحساسة والعلاقات، أو أي شيء بشرط أن ما نكتبه يخدم العمل ولا يشوهه.

أنا أدعي أن الكاتب هو رب الرواية، يحيي شخصياتها ويميتهم، وهو من ينفي ويثبت ويُبعد ويُقرب كل ما يريد، لكن يقيني في هذا الأمر يختلف اختلاف كلي عما ادعيه ، فالرواية حين نبدأ فيها ننطلق بسرعة فمعظم الأحداث والشخصيات تكون مرسومة في عقولنا، نسترسل في البداية، ننسق أحداثه ونرتبها ونجمع بين الشخصيات، ونفتعل القضايا في الوسط، وهنا تكمن المشكلة فالكاتب بعد أن ينجز البدايات يظن أنه متحكم تماماً في الرواية، إلا أنها تبدأ من حينها تتحكم به، فلا يستطيع أن يتجاوز الشخصيات التي رسمها والأطر التي وضعها، ولا يستطيع أن يتخطى شخصية مؤثرة مثلاً، دون أن يضع أسباباً كافية ومقنعة، ولنفرض أن هناك شخصية مؤثرة يريد الكاتب أن يبعدها عن روايته، لا يمكنه أن يتجاهل ذكرها دون سبب يقنع القارئ، ولو أهملها دون سبب يكون هناك خلل في بناء الرواية والحبكة.

لذا فإن الرواية تتحكم فينا كما نتحكم فيها، وهذا التوازن الذي يحدث يضع النص الروائي في حدود العقل والمنطق، كما يحق للكاتب أن يؤلف كل شيء في الرواية يكون الحدث في الرواية محسوباً بدقة بعد أن نتجاوز البدايات، ويقيدنا في الكثير من الجوانب.

 خلق أحداث من واقع مختلف عن الرواية يجعل بناء الرواية مختلاً أو مهزوزاً، وفي أغلب الأحيان يعتمد الكاتب على إقناع القارئ بالحدث، حين يقحم قضية أو شخصية جديدة في الرواية لم تكن موجودة، ولم يضع لها مؤشرات، فالأحداث تبنى بناءً على شخصيات الرواية وعواملها النفسية، والمؤثرات التي تقع عليها.

الرواية التي تستقي أحداثها من قصص حقيقية يجب ألا يضع الكاتب فيها أي حدث مفتعل، أو يقحم فيها شخصية لا تناسبها، وعلى الكاتب أن يستخدم مهارته في صياغة الرواية ليضفي عليها واقعاً جمالياً، أحياناً يحتاج الكاتب أن يكثف الشرح في نقطة معينة لكي يوصل للقارئ الأسباب أو الدوافع التي حركت الأحداث أو أن يصف بتركيز مشاعر الشخصيات لتحقيق القيمة المعنوية في ذهن القارئ لذلك الحدث ومدى تأثيره في المجتمع.