قراءة في رواية “كل الأشياء” للكاتبة بثينه العيسى

هذه السيدة تثير الفوضى، لا أتحدث عن شخصية في الرواية بل أقصد بثينة العيسى، ولا أعني بالفوضى الحدث لأن الحدث واقع لا شك في أي عمل روائي، سواء بالحركة أو الصدام أو أي شيء آخر، لكني أتحدث عن فوضى الأفكار التي وجدتها في هذا العمل وما قبله، والفوضى التي أقصدها ليست أفكار الرواية ولا أسلوب السرد، أتحدث عن الفوضى التي تستطيع أن تخلقها في عقل القارئ، لأنها بكل بساطة لا تريك الفكرةوحدها، بل تحرك أفكارك وتنقلك إلى جزئيات الفكرة لتقف عند ما لا تتوقع أن تفكر فيه، تلك الجزئية بالتحديد ما يجعلني أعرف مسبقاً حين أقرأ أي عمل لها أني سأقف عند التفاصيل الصغيرة والمحيرة التي لم أنتبه لها في السابق.

الرواية:

تحمل الرواية فكرة بسيطة لكنها مثقلة بهموم وطن تتجسد في شخصية شاب مندفع يصدمه الواقع السياسي في الكويت فينهار ويهاجر، ثم يعود بعد وفاة والده ليواجه نفسه قبل أن يواجه المجتمع والسلطة.

مواجهة النفس هي المحور الرئيسي في الرواية التي تفكك من خلالها الكاتبة كل العناصر في المجتمع الكويتي، الأسرة، المنزل، الشارع، السلطة السياسية والأمنية والمستفيدين منها، العائمون على السطح المتحكمون في الأحداث التي تجري، المتلاعبون بالرأي العام، وعصى الجلاد التي لا تترك أثرها على الجسد فقط، بل لها القدرة على الوصول لأعماق النفس لتترك فيها ندوب لا تمحى.

الحب في الرواية عاجز كعادته يمثل الموجة اللطيفة التي تلامس شغاف القلب وتنساب إلى ما لا نهاية فتكون لدى البطل، الخيط المتصل مثل ذكرياته، لكن فكرة الحب في الرواية لا تعني العاطفة وحدها، فمعناها الحقيقي المرأة ذلك العنصر اللطيف الذي تضعه الكاتبة محل شك، وخوف، وصراع، وألم.

المجتمع في الرواية كان كورقة شجر على سطح بركة راكدة يستطيع أشخاص معينون أن يثيروا حولها الأمواج فتتحرك كما يشاؤون.

السجن هو الواقع الكبير الذي نجده في الرواية وينقسم إلى قسمين، الأول السجن بمعناه المجرد، زنازين وسجانين وجلادين، والمعنى الثاني هو السجن الكبير بأحكامه العامة في إطار دولة لا يستطيع فيها أي فرد أن يبدي رأيه أو يأتي باستنتاج يخالف السلطة، وهذا السجن بلا أسوار لكنه مقيد بجدران من الخوف والريبة والشك.

شخصيات الرواية:

جاسم: بطل الرواية من خلاله تتدفق أفكاره ومشاعره والأحداث التي مر بها، وهي شخصية من ينظر إليها سيقول أنا متشظية، لكنها في الحقيقة تحمل أفكار رغم محدوديتها إلا أنها عميقة وراسخة لا تتغير إلا بصدمة، لذا تكون صدمات الشخصية في أفكارها أكبر من سواها من الأحداث.

عبد المحسن العظيمي: والد جاسم، هو الشخصية العميقة في الرواية، كاتب قديم لكنه متمكن في مقالاته متهكم على واقعه بأسلوب لاذع، يجسد في الرواية العمق الصادم لبطل الرواية بما يحمله من تاريخ قلمه، ومن هذه الشخصية خلقت الكاتبة أكبر صدام في الرواية، وأعمق وجهات النظر التي سيقف عندها القارئ، حين يشاهد تحول الفكرة الراسخة لدى بطل الرواية تجاه والده وهي تتحول، من الشدة والعنف إلى نظرة مائعة لا تعرف منها هل هو أصبح ينظر لوالده أنه مُصيب أم مخطئ.

دانه: الشخصية الأجمل في الرواية بعاطفتها الصامتة، التي تجعلك تميل إليها وتقف بجانبها دون أن تشعر، بريئة في كل شيء، وبسيطة في مشاعرها، لكنها تحمل في داخلها قوة تستطيع أن تترك أثراً مؤلماً وعنيف.

والدة جاسم: الشخصية النمطية للأم التي تحتوي الجميع وتحتضنهم، وتتمنى لهم السعادة، تخاف على أبنائها، تتألم في صمت مزعج لا تتخلص منه لكنها لا تعبر عنه.

براك: الابن البار، رأيت أنه صمام الأمان في منزل العظيمي، يهتم بالجميع ويحمل همومهم معه، وهو أيضاً يمثل الصورة النمطية للأخ الأكبر.

نايف: الشخصية الفوضوية في الرواية التي تكسر الواقع البطيء في الرواية، وأظن أن الكاتبة استخدمتها لتخلق من خلالها أحداث ما كانت لتصنعها دون شخصية بهذه الصفات.

تقييم الرواية:

الرواية هي جاسم بما يحمله في نفسه من أفكار وأحلام وأمنيات ينتج عنها أفكار ربما تبدو أنها عظيمة أو واجبة الحدوث لكنها نفس مزعجة لا يمثلها الحدث ولا الصدام ولا السجن، بل الفوضى التي تنتشر داخل نفس بطل الرواية لتحكي صداماته مع نفسه وصراعه في تفكيك الواقع وقراءته بشكل بطيء ومتسلسل ينتقل من حدث لآخر عبر ذكرياته ليخلق فكرته ويحدد معالمها.

الأحداث في الرواية واقعية لا بمعنى أنها حقيقية أو قد وقعت بالفعل لكنها تحاكي الواقع بعين فاحصة وتنثر حقائقه التي يعرفها الجميع لكنهم لا يتحدثون عنها إما بسبب الخوف من العقاب أو الخوف من المجتمع والرأي العام الذي يتشكل حول الحدث.

الشخصيات في الرواية متنوعة بين الشدة واللين والعاطفة والاحتواء وهي منسجمة مع نمط الشخصية الكويتية التي تحمل شيء من الجرأة وشيء من الحذر.

زمن الرواية قصير لكنه كثيف جداً لا تستطيع ان تمر بسهولة من خلاله دون أن تفكر فثلاثة أيام مثقلة بكل الهموم والمشاكل والأفكار والأحداث، تحتاج إلى تركيز عالي عند قراءتها.

تسير الرواية بشكل رائع ونسق متصل في مشاعر وأفكار بطل الرواية حتى تصل إلى الفصل الثامن، وهنا وقفت وأنا اقرأ الرواية وكأني خرجت من ذلك التسلسل الفكري والنفسي لجاسم، لأشعر أن الأحداث قفزت في اتجاه آخر خارج النسق لتتحول إلى “أكشن” ينقل الرواية من مسار الصدام النفسي لمسار تحقيق يكشف الواقع لكنه كان قفزة خارج الإطار، بمعنى أن الأجزاء الأخيرة في الرواية تتجه للحدث بعكس كل الرواية، وأستطيع أن أبررم هذه الخطوة نيابة عن الكاتبة فما كانت تريد أن تشير إليه يحتاج إلى القفزة، لكنه يُخرج القارئ من حيز قراءة النفس إلى حيز الحدث والحقيقة الصادمة.

ربما يعاني بعض القراء خصوصاً من خارج منطقة الخليج في معرفة المصطلحات المحلية والألفاظ الدارجة التي استخدمتها الكاتبة في الرواية لكنها ضرورية من وجهة نظري لأنها تحمل في داخلها الطابع الكويتي ولا يمكننا أن نغفل هذا الجانب لأن الرواية تتحدث عن الكويت، لذا وجب التنبيه أن القارئ من خارج المنطقة الخليجية سيجد بعض الصعوبة في هذه النقطة.

العمل جميل بلا شك وبثينة العيسى لا تملك قلماً سحرياً فحسب، بل تملك فكرة سحرية أيضاً، أنصح بقراءة الرواية ففي طياتها تفكيك للواقع في منطقة الخليج، العمل يقع في 332 صفحة من القطع المتوسط من إصدار الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت.