ما هي الرواية ؟

يقولون إن الرواية قصة طويلة بها أحداث كثيرة وشخصيات متنوعة، تختلف أساليب كتابها بحسب نوعية الأحداث وهي بالفعل كذلك لكنها لا تعني أن تحكي قصة فالقصص كثيرة، أما الرواية فهي: مجموعة انفعالات تلازم الشخصيات التي تمر بأحداث معينة، يتجسد من خلالها الحدث وما حوله من محيط مكاني وزماني ونفسي.

إذاً الرواية: شخصيات، حدث، زمان، مكان، عوامل نفسية وعاطفية، هذه العناصر تكون موجودة في كل رواية نقرأها سواء رفع الكاتب أفق أحد العناصر أو خففه تبقى موجودة، حتى لو لم تُكتب فالزمن أحياناً لا يذكر في الرواية ومع ذلك يستشعره القارئ أو يُسقط الأحداث على زمنٍ معين.

إذاً الرواية تتكون من عدة عناصر نسيجها السرد، قالبها الحبكة، مكونها الأساسي الشخصية سواء تفرعت لشخصيات أو تكتلت في شخصية واحدة، الشخصية هي التي ترسم الحدث، تحلله وتفسره وتظهر جوانبه غير المرئية من ألم وفرح وخوف وعاطفة، كل المشاعر التي تلامس النفس البشرية.

الرجل الذي باضت في بطنه النحلة..

في سالف الزمان يحكى أنه كان هناك رجل يحرث في أرضه وقد نال منه التعب ما نال فاستراح إلى جذع شجرة في بستانه، وما إن شعر بالنعاس أحس بشيء يبلل وجهه، فمسح ما أصاب وجهه ونظر إلى الأعلى فإذا هو خفاش قد حل على تلك الشجرة فوقه، وألقى سَلحه على ذلك المزارع، فستشاط المزارع غضباً وأخذ حجراً وألقاه على الخفاش، وكان له من الرمية ما أراد فسقط الخفاش على الأرض فأخذه وسلخه، وطبخه ثم كان وجبةً شهيةً له على مائدة الغداء .

قال أحد التلاميذ: هل يأكل الفرنجة الخفافيش يا أستاذ؟

فأجاب الأستاذ: لم يكن ذلك الرجل من الفرنجة يا أولاد، بل يقال إنه من قوم يأجوج ومأجوج.

قال تلميذ آخر: ومن هم يأجوج ومأجوج يا أستاذ؟

فرد الأستاذ: هم قوم أتوا من شرقيِّ الأرض، استباحوا البلاد وقتلوا العباد، ونشروا الفساد، ثم أصابهم الطاعون فماتوا من دون سائر البشر، ودعوني أكمل لكم حكاية ذلك الرجل.

بعد أن أكل ذلك المزارع النشيط الخفاش بثلاثة أيام قام من نومه في المساء فزعاً فقد رأى فيما يرى النائم أن في بطنه نحلة وأنها قد باضت، ولم يكن في بطنه نحلة لكنه الألم الذي أصابه مما أكل، ثم مرض وشعر بتعب خفيف وألماً في جسده، وكان يسعل بين الفترة والأخرى، ولم يطل ذلك المرض، بل رحل سريعاً كما جاء، فتعافى المزارع وعاد ليحرث أرضه بنشاط، وجهز الغلال وذهب إلى لسوق وباعها كلها بأفضل الأثمان.

كان زمانهم زماناً عجيباُ فقد كان الحديد في زمانهم ينطق ويطير وأنَّ الرجل كان يخاطب الحديد، فيرد عليه صاحبه في الطرف الآخر القول، بل ويجتمع أناس كثيرون حول حديدة يستمعون لمن يتحدث من حديدة أخرى، وقد سمع ذلك المزارع من حديدته أن الناس قد حلموا حلماً واحداً، وهو أن نحلة قد باضت في بطن كل من أكل من التفاح الأحمر، فنظر المزارع إلى بطنه، وتذكر حلمه، فقام وذهب لصاحب تلك الحديدة التي يملكها حاكم البلاد والتي يستمع الناس إلى ما يقوله الجالس وراءها، وأخبره بحلمه، وأنه هو من باع التفاح الأحمر في البلاد .

فقال أحد التلاميذ: هل يوجد تفاح أحمر يا أستاذ؟

فقال الأستاذ: نعم يا أبنائي يقال إن التفاح كان بعضه أحمر، ولذا فقد أصابه المرض لأن به شيئاً من الدم، ودعوني أكمل لكم الحكاية؛ حين وصل الخبر لحاكم تلك البلاد ضحك وهو يسمع تلك الرواية وطلب التفاح الأحمر، وأكل منه ليتأكد بنفسه من النحلة، وأقسم بأنه سيسألها هل يبيض النحل في بطن كل من يأكل من التفاح الأحمر، عاد المزارع إلى أرضه وهو يضحك ويقول، جنَّ الناس، كيف يبيض النحل في بطون البشر، وفي اليوم التالي، عادت الأحلام يتردد صداها عبر الحديد، وكثر الكلام عن النحل، وفي اليوم التالي، تعب الكثيرون، فمنهم من مرض مرضاً شديداً ومنهم من شعر بتعب قليل ومنهم من مات .

استمر النحل يبيض في بطون البشر، وأصبح كل بيت فيه مريضٌ أو ميتٌ، وقد حل موسم الشتاء، فركب الناس الحديد وطاروا على متنه إلى البلاد البعيدة ينشدون الدفء وانتشروا في الأصقاع .

قاطعه أحد التلاميذ: وهل يُجنى التفاح في الشتاء يا أستاذ؟

فرد الأستاذ: الذي يجعل الحديد يتكلم ويطير، يجعل التفاح يُجنى في الشتاء، فسبحانه العلي القدير، ودعوني أكمل لكم الحكاية: حين انتشر أهل تلك البلاد في العالم، بدأت الأحلام تنتشر فيه، وبدأ النحل يبيض في بطون البشر كافة، ومرض الناس، وكان زمانهم عجيباً، ولهم من العلم ما لم يصل إلينا، وقالوا إن لهم من التنظيم ما لم نعرفه في القديم ولا الجديد من الزمان، ويقولون إن الأرض كلها قُسِّمت إلى خمس قطع كبيرة، وأن تلك القطع جزئت إلى قطع أصغر وتسمى كل قطعة دولة، وتسمى القطعة الكبيرة قارة، ولم تسلم قاراتهم الخمس ولا دولهم من الوباء .

انتشر الوباء وحبس جنود الحكام الناس في بيوتهم لكيلا يخرجوا وتنتشر العدوى بين العباد، ويقال إن الناس كانت تموتون من الجوع ولا يؤذن لها بالخروج لأرزاقها خوفاً من الوباء، بقي الحال هكذا طويلاً، وظل النحل يبيض في بطون البشر ثم يعم الوباء، فيموت أناسٌ كثر، إلا أن الوباء لم يكن هو المتسبب في الكوارث التي حلت بعد ذلك .

فقال تلميذ: وماذا حل بعد ذلك يا أستاذ؟

فأجاب الأستاذ: بعد أن حبس الناس في بيوتهم، حبس الحكام الطعام لأنفسهم وجنودهم، ومن لديه فائض من الطعام خزنه وحفظه لكيلا يتلف، والكل ينتظر أن يزول الوباء، لكن بعض تلك الشعوب أصابها الجوع، فثاروا ضد حكامهم، وبعض البلدان غزت بلداناً أخرى لتستولي على الطعام، وبعض الآخر لم يبقَ منها إلى القليل بعد الجوع والوباء، كل هذا حدث بسبب رجل أكل خفاشاً فباضت النحلة في بطنه ومرض ونشر المرض في الأصقاع، انهارت البلدان وانتشر القتل وفني الكثير من العباد .

ويقال إن التفاح الأحمر أصبح محرماً، فلم يأكله أحد بعد ذلك ولم يزرعوه، وأن الناس قتلت النحل والخفافيش فهربت إلى الجبال، وأن الحديد بعدما جرى في تلك الفترة لم يطر، فقد أصبح ثقيلاً بعد أن أصابه المرض، والصمم والبكم فلم يسمعْ ولم ينطقْ بعدها أبداً، وأن الفرنجة هم أكثر من أصابهم الحزن فقد مات منهم الكثيرون، أما أهل الشرق فقد عادوا أقوياء، والعرب أيضاً لم يسلموا من النحل فقد مات الكثيرون إلا أن رحمة الله قد أنقذتهم فثاروا ضد حكامهم، ووزعوا المؤن على العباد، وساد العدل بعد ذلك .

قال أحد التلاميذ: ما اسم ذلك الرجل يا أستاذ؟

فرد الأستاذ : قالوا إن اسمه كورون، وأطلق على ذلك الوباء اسم كورونا نسبة لذلك الرجل ويقال: إن ذلك الخفاش الذي أكله ذلك الرجل أُرسل له من السماء، فحل على رأسه لكي ينشر الوباء، فيموت الظلمة ويبقى الصالحون.

فقال تلميذ: هل الفرنجة صالحون يا أستاذ؟

يقال يا أبنائي إنهم بعد ذلك الوباء وبعد أن ثارت الشعوب، وغزت الدول بعضها بعضاً واستحر القتل ساد السلام وعم الصلحُ الأرض، لكن البشر عادوا إلى فسادهم فيما بعد، فالشيطان لم يمت في ذلك الوباء، جنَّبنا الله الوباء .

شجن ..

إن للنغم شجناً يهز الروح ويحرك ذكرياتها كشجرة يهزها الريح فتئن ألماً لكنها رغم ذلك تتمايل، لتجعل العصف روحاً تنبعث فتحرك النفس الميتة، تُحي آلامها وتعيد أصداء الماضي وتجسد مواقفه، لنعيش الشعور الذي تجسد في تلك اللحظات العتيقة.

لا نستطيع أن نضع للشجن وصفاً فهو يرتبط بالقلب وهذا المجنون حمال أوجه، فشجنه يُطرب ويضرب، يُفرح ويُحزن، شعورٌ عميق يغوص في النفس فيُخرج تلك الملفات الصغيرة التي نخبأها في صدورنا، يقرأها بصوت عالٍ لكي نسمع صدى الكلمات التي تهز كياننا وتوقظه.

الأدب القطري الرؤية المعاصرة “الرواية”

إن الرواية تتميز أكثر من أي نوع أدبي آخر بعملية التأثير والتأثر في المجتمع الذي تنشأ فيه، فهي انعكاس لبنية المجتمع وتحمل بين أحداثها الأنساق الثقافية المختلفة، لذلك فإن الرواية لم تنعزل عن المجتمع، والرواية الخليجية والقطرية بشكل خاص تستقي مادتها من الحياة الاجتماعية والعلاقات الأسرية، وتجارب الحياة الواقعية والموضوعية في حياة الكُتّاب والروائيين، أو ما يجري حولهم.

تعتبر شعاع خليفة ودلال خليفة رائدتا الرواية القطرية، حيث أصدرت شعاع خليفة روايتها الأولى “العبور إلى الحقيقة” عام 1993 ثم أصدرت في العام نفسه روايتها الثانية “أحلام البحر القديمة”، في حين كتبت دلال خليفة روايتها الأولى “أسطورة الإنسان والبحيرة” عام 1994، ويعتبر د. أحمد عبدالملك هو أولَ رجلٍ من كتب رواية عام 2005 “أحضان المنافي“.

الإطلالة النسائية للرواية كانت متوجهة إلى هذا الفن السردي تحديداً، دون غيره، وبعد هذا السبق النسائي في مجال الرواية، توالت بعده إصدارُ العديد من الأعمال الروائية، التي أنتجها روائيون من الجنسين، فيما أدى زخم التجارب الروائية القطرية، إلى ترسيخ حضور هذا الجنس الأدبي على المستوى الإبداعي، بعدما كان فنًا متواريًا لفترة من الزمن على حساب الشعر والقصة القصيرة، ما يعني أن هذا الجنس الأدبي كان هو الأكثر استقطابًا للمبدعين القطريين، إلى درجة دفعته إلى الاستحواذ على المشهد الإبداعي، بشكل يفوق غيره من أشكال الإبداع المختلفة.

الرواية القطرية شأنها شأن الرواية العربية، لم تخرج عن الأنماط التي درجت عليها، إلا فيما يتعلق بدور البيئة والجوار الجغرافي، نعني بذلك مكونات البيئة ودورها في تشكل فكر وسلوك الإنسان، كان شاطئ البحر موطناً للعب الأطفال، ومحل ذكرياتهم، وهو مكان وداع البحارة في رحلة الغوص الشاقة والمحفوفة بالمخاطر، وأيضا مكان استقبال البحارة بعد انتهاء موسم الغوص. كما كان عرض البحر مسرحا للقتال والحروب ومقاومة المستعمر.

تقول الباحثة عفيف الكعبي في بحثها المقدم لجامعة قطر.

يلاحظ اتكاء الروائيين القطريين على مرجعية ثقافية في أعمالهم الروائية، ولعل من أبرز المرجعيات التي اعتمدوها المرجعية الواقعية، وهي الأكثر حضوراً منذ بدايات الرواية وحتى الوقت الحالي، حيث كان الواقع ميداناً أرحب لمناقشة الأفكار والمضامين التي تقلق الروائي في زمانه وما يحيط به من أحداث، ولما كان المجتمع القطري مجتمعاً محافظاً انتقل بفعل اكتشاف البترول ليكون مجتمعاً استهلاكياً أصبحت الموضوعات الاجتماعية الأكثر حضوراً في مناقشة الواقع، ومع هذا الحضور اللافت للمرجعية الواقعية، لم يمنع ذلك من توظيف مرجعيات أخرى، مثل المرجعية الأسطورية، ثم دخلت المرجعية التاريخية، ومع الألفية الثالثة بدأت مناقشة قضايا ثقافية مثل قضايا المثقف أو قضايا الآخر ونبش المسكوت عنه مثل “اختلاف المذاهب الإسلامية وتعامل المسلمين مع المسيحيين”

وهذا يشير إلى وجود بعض المرجعيات في الأعمال الروائية في قطر، ولكن لا يمنع هذا من غياب مرجعيات أخرى ذات أهمية مثل: المرجعية الفلسفية ومرجعية التراث الأدبي وغيرهما، مما يصلح أن يكون مرجعية للأعمال التخيلية كالرواية.

وقد قال د. أحمد عبدالملك في كتابه (الرواية في قطر: قراءة في الاتجاهات)

وضح نقاط ضعف وقوة الرواية القطرية، حيث ذكر أن من نقاط ضعف الرواية القطرية ظهور بعض الروايات على شكل حوارات بين شخصيات تغلب عليها النمطية أو التصوير الفوتوغرافي، ومن ثم خلت من بلاغة السرد الذي هو عماد الرواية، ولكن في المقابل هناك نقاط قوة عديدة في بعض الروايات القطرية.

وقد حدد الكاتب الاتجاهات في الرواية القطرية في خمس نقاط:

أولاً الحدث: أغلب الروايات تتحدث عن الملامح العامة لحياة الناس قديماً على الأغلب وحديثاً بشكل أقل أو يتعلق بالتاريخ بشكل مباشر، أو الشكل الأسطوري (الفانتازي) وأحياناً يحمل الحدث قيمة فلسفية فيما يتعلق بالآخر، فإن الحدث في رواية “زبد الطين” يبدو أكثر إنسانية حيث يرتبط بالعلاقة مع الآخر الغريب.

ثانياً الزمان: الزمان في الرواية القطرية تحكمه القرية والمدينة في أغلب الأحيان كما تحكمه نوعية الرواية نفسها، وأحياناً يتلاشى الزمان ويغيب عن الأحداث، أو يبتكر الكاتب زماناً متخيلاً.

ثالثاً المكان: اختلف المكان في الرواية القطرية كما اختلف الزمان، فمنها ما ارتبط بالفضاء الخارجي حيث الانتقال من مدينة إلى أخرى، وأحياناً تقل كثافة المكان أو تزيد وتقوى لتكون ضمن شخصيات الرواية، أيضاً استخدم الكتاب القطريون تعتيم المكان أو محوه من الرواية فلا يكون هناك “مكانٌ محدداٌ” وأحياناً أخرى يجمع الكاتب بين الأماكن الواقعية والأماكن الأسطورية.

رابعاً الشخصيات: ذهب د. أحمد عبد الملك إلى أن الشخصيات في الرواية القطرية تنقسم إلى نوعين: نوع متحرك ينمو مع الحدث، ونوع جامد لا يتأثر بالحدث ولا يتطور.

خامساً جماليات السرد: الرواية القطرية لم تخلُ من جماليات السرد واللغة البلاغية الراقية والتصوير الفوتوغرافي الجميل. وبهذا تكون الرواية القطرية قد حافظت على جمالها اللغوي وإضافة صوراً من الواقع من دولة قطر ومشاهد أخرى متخيلة.

وقد أشار الأستاذ مرسل خلف الدواس في بحثه

إن حداثة التجربة في الرواية القطرية جعلتها تدخل مباشرة في أجواء العصر، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الثقافة، والمحاذير والملابسات التي قد ترافق المصطلح والمنهج والعادات والتقاليد والدين، سواء أكان حداثياً أو ما بعد حداثي وذلك بسبب أن الروائيين القطريين من مخرجات التعليم المعاصر ولا بد أن يكونوا قد تأثروا بمناهج التعليم الحديثة، وثقافة معلميهم سواء في المدارس أو الكليات والجامعات، لا سيما أن أغلب المعلمين في دولة قطر من البلدان العربية التي كان لها السبق في عالم الرواية.

وقال إن الرواية القطرية استطاعت في بعض ملامحها تجاوز القواعد المألوفة والتحرر من القيود التقليدية للرواية في أنماطها وفي نماذجها، أي أنها نتاج عصرها شكلاً ومضموناً، بعيداً عن تقييم مضامينها التي تتفاوت درجة قوتها أو ضعفها بين روائي وآخر، والسبب أنها ليست رواية سكونية، بل رواية حية، متحركة ومتفاعلة، والدليل مرور السرد الروائي فيها بمراحل عدة من المرحلة الوصفية إلى التجريبية إلى الرمزية، “وبهذا المنظار يصبح العمل الروائي أداة إيديولوجية تسعى إلى أن يكون لها موقعها من صيرورة الواقع”.

وأضاف من خلال تتبع الرواية القطرية، نلحظ حضور البعد الأيديولوجي بشكل يجعله أحد المظاهر اللافتة في النص السردي القطري، مظاهر تعكس العمق الذي بلغه الروائي القطري، والرواية القطرية؛ فمنحهما القدرة على المنافسة، وتجاوز الواقع المحلي نحو آفاق أرحب من الانتشار والتوسع، وهو أمر تأكد من خلال ترجمة بعض الروايات القطرية إلى لغات أخرى.

استطاعت الرواية القطرية أن تتجاوز الظاهر وتنفذ إلى العمق، ولم تقف على الحياد في قضايا ذات صلة بالبنية العقائدية والثقافية والاجتماعية للمجتمع.

رغم ذلك توجد إشكالية أخرى في الرواية القطرية تطرق إليها الباحث د. رامي أبو شهاب، حيث إن أول رواية قطرية تأخرت في الظهور حتى عام 1993 أوضح الباحث:

أن السرد القطري في سعيه للحاق بركب الكتابة السردية الخليجية والعربية، يبدو في بعض الأحيان مضطراً لحرق المراحل، مع محاولة السعي إلى تجاوز الانشغال بكشف التكوين العميق وإشكاليات الأنا القطرية التي تبدو متنافرة، وشديدة التباين والتخالف نتيجة المبدأ التجاوزي في الكتابة، أو نتيجة التعبير عنها، ومع ذلك، فإن ثمة نماذج تحيل إلى وعي عميق بوحدة القضايا ضمن جمال الصورة الكلية على الرغم من الفوارق.

 ففي بعض الأحيان نجد السعي نحو تكوين هوية خاصة بالأدب القطري، لتكوين معطى ما زال ملتبساً وغامضاً، وهذا يبرز عبر أسئلة تتعلق بالمنظور القيمي وجدلية المعاصرة بوصفها رياحاً تحمل التغيير.

الرواية القطرية عامة تسعى للكشف عن عميق المكوّن النفسي للشخصية، وعدم القدرة على التأقلم، فالشخصيات في العديد من الروايات تبدو مرتبكة نتيجة ماضٍ منجز، ومستقبل طارئ حملته تحولات الحداثة الجديدة، وعصر النفط، وهذا ينسجم مع العديد من الروايات التي تتسم بالارتداد نحو الداخل، أو إلى معاني الماضي، والتوجس من العوامل الطارئة، والحرص على القيم، والأخلاق وهيمنة الذكورة.

بوجه عام نستطيع أن نقول إن الرواية القطرية تطورت وانتشرت بشكل سريع ونالت اهتمام فئة القراء في المجتمع ومع ذلك فإنها تعاني في بعض الجوانب من أهمها:

• صغر حجم البيئة الثقافية في قطر نظراً لعدد السكان.

• غياب بيئة نقدية جادة يمكنها أن تميّز الأعمال الروائية الجيدة.

• قلة عدد المنتديات الأدبية والثقافية التي تهتم بالرواية (وهنا نقول إن مواقع التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة أوجدت بيئة جديدة ومتنفساً للكتاب القطريين ووفرت لهم فرصة الالتقاء بكُتاب ومهتمين من ثقافات مختلفة ومناقشتهم).

• غياب المجلات الأدبية المتخصصة في مجال الرواية والقصة.

• ندرة الدراسات والأبحاث التي تفكك وتحلل وتنقد الرواية القطرية.

ويقف كاتب الرواية في قطر عند خطوط حمراء ومحاذير، فالخطوط الحمراء تضعها أجهزة الرقابة على الأعمال الأدبية، والمحاذير يضعها المجتمع والدين، فيقف عاجزاً في أغلب الأحيان أمام مشاهد روايته حين يرغب في التحدث عن الجنس مثلاً أو الدين أو العادات والتقاليد ورغم أن هناك أعمالاً تجاوزت هذا التفكر بنسبة محدودة إلا أنها لم تتجرأ وتكسر الحاجز حيث إن كل المعطيات المضادة لنقاش الأمور الحساسة لا تزال قائمة في المجتمع ولم تتأثر رغم التطور العلمي والعمراني السريع الذي نقل المجتمع إلى حياة تختلف عن الماضي الذي أسس تلك الخطوط الحمراء وتلك المحاذير، مما يضطر الكاتب للترميز والاختزال لكي يجعل الأفق مفتوحاً أمام المتلقي.

ورغم ذلك، فإن الرواية القطرية تتطور وتنتشر بشكل جيد وسريع ومن أهم ميزاتها أن هناك جيلاً شاباً يكتب مما يتيح له فرصة اكتساب الخبرات والتطور التدريجي عبر مراحل الكتابة المختلفة.

كذلك تقوم المؤسسات الثقافية في الدولة سواء كانت وزارة الثقافة أو غيرها من الجهات بجهود حثيثة لدعم المشهد الروائي القطري والعربي من خلال الجوائز والورش والتدريبات والدعم المستمر للكتاب والمبدعين واستقطاب الشباب أصحاب المواهب المتميزة إلى حقل الإبداع الروائي والقصصي.

قراءة في كتاب رواية “ليلة الأمس” للكاتب أحمد العلوي

لم تكن ليلة عادية تلك التي مرت على أبطال هذه الرواية فبين أغلال تكبل الأيادي وأخرى تكبل النفوس ينتقل المشهد السوداوي بين السطور ليرسم لنا ليلة تحمل من التعاسة المفروضة على البشر في مكان محدد لتدمرهم جسدياً ومعنوياً ونفسياً، تجعلهم مسوخ لا يفكرون إلا في اتجاه واحد، ويمجدون شخصاً واحداً، ويجب أن يؤمنوا بنظام واحد. من تحميه السلطة يعيش مكبلاً في قيود الوضع الوظيفي، ومن لا تحميه السلطة يعيش مكبلاً بالخوف، ومن لا علاقة له بشيء فهو متهم دون تهمة.

تسير أحداث الرواية بشكل راقٍ يحمل من الفلسفة الكثير، مما يعقد المشهد ويجعلك تفكر كثيراً، لكن الصورة الحقيقية التي أراد الكاتب أن ينقلها لنا هي أنه مهما بلغت من فكر وثقافة وعلم لن تستطيع أن تقنع سجانك أنك بريء فالمحقق وإن حمل الثقافة والمعرفة فهو يحملها لكي يصيغ تهم الإعدام والسجن والتعذيب بشكل أنيق يقنع به الآخرين أنه أحسن العمل لا لكي يقيس الأمور بشكل صحيح.

توجد طبقية في الرواية تجعلك تفكر ما الذي يجعل أستاذاً جامعياً يخضع لرجل أمن، ويجعل صحفياً مرموق يخضع لشخصية مستغلة، تجد القيمة للقوة والمنصب والعلاقات، ولا تجد قيمة للإنسان مهما علا علمياً أو ثقافياً، فلا قيمة له ضمن مناصب الطبقية التي تحدد قيمتك بنسبك أو بعلاقاتك وسلطتك، فإن لم تملك تلك الأشياء الثلاث فأنت رهن مزاج سجانك ومستغلك.

تحمل الرواية الكثير من الحوارات ربما اختلف مع الكاتب في هذه النقطة رغم أني لم أعانِ وأنا أقرأها من شتات ولم ألحظ شذوذاً في النص بسببها لكنها كثيرة في الرواية، ربما لأن الحوارات الموجودة وضعت لترينا تصورات معينة وأفكار يريد الكاتب أن ينسبها لشخصياته لنميز بين شخصية المتكلم والمتلقي دون أن نعطي الأفكار المطروحة أكثر من الحجم الذي أراده الكاتب.

لفتت انتباهي شخصية سلطان بثقافته وسيطرته على أفكاره، لكن افتقدت شخصية عاصم الحاضر الغائب في كل الأحداث فهو محورها رغم حضوره، وبقي كذلك بعد غيابه، تمنيت لو أن الكاتب أعطى هذه الشخصية عمقاً أكبر ليرينا تفاصيل مشهد الغياب والحضور في الرواية ومدى تأثيره، ومدى إغراء الحياة حين تجري شخص رفض العودة طويلاً ويوافق على العودة لكي يستلم “كرسي” اقصد منصباً مهماً، نظرت إلى هذه الشخصية باهتمام لكني لم أجدها بالقوة التي توقعت في الرواية.

تحرير الرواية جيد وأسلوبها رائع وممتع تقع في 183 صفحة من القطع المتوسط أنصح بقراءتها بشدة.

قراءة في رواية (القَسم) للكاتب خلف ال خلف

رواية بوليسية لضابط تقع له أحداث غريبة تجعله يدور حول نفسه ليكتشف أنه كان ضحية عقول جبارة استطاعت أن تسيطر عليه وتتحكم في تصرفاته وتصوراته وتبعده عن القصد الحقيقي الذي يريد الوصول إليه، ينتقل مع الأحداث عبر خيوط متصلة يظن أنها تقربه من الحقيقة إلا أن الخيوط كانت تلتف حول عنقه لتجره لمصير مجهول.

تتميز هذه الرواية في ثلاثة جوانب مهمة للرواية القطرية:

أولاً: أنها رواية بوليسية وهذا النوع من الروايات غائب عن المشهد الثقافي في قطر حسب علمي ووجود عمل روائي في هذا الجانب مهم لكي نحقق التنوع ونخرج من نمط الرواية الكلاسيكية والتاريخية والبيئية التي تحاكي الماضي مما جعلها النمط السائد في المشهد الروائي القطري.

ثانياً: مساحة الخيال الواسعة في الرواية التي تجاوزت الحدث ولعبت فيه بشكل غير مسار الرواية من التصور الوهمي لقوى ما فوق الطبيعة إلى التحليل الحقيقي للأحداث عبر سلسلة أفكار تفند الوهم وتحقق للقارئ رؤية مدهشة في النهاية.

ثالثاً: كمية الأحداث الكبيرة في والتي تجعل القارئ يتتبع الحدث بشكل متواصل ليصل إلى حل اللغز المتشعب الذي وضعه الكاتب بشكل تسلسلي جيد جداً وربط الأحداث عبر، الشهد الآني، العودة إلى الماضي، الخيال، وهذه الأمور كفيلة أن تربط القارئ بالرواية بشكل جيد.

إلا أن هناك ملاحظات مهمة في هذه الرواية يجب أن نضعها في الاعتبار منها مثلاً:

  • تجاوز الكاتب لتفاصيل بعض الأحداث التي لا تتطابق مع الواقع لكنها تخدم الرواية في تسلسل أحداثها، ورغم أنه يجوز للروائي ما لا يجوز لغيره إلا أن من المهم في هذا النوع من الأعمال الأدبية أن يكون هناك واقعية أكبر للحدث لترسم مشهداً مقنعاً أكثر للقارئ.
  • تكرار بعض المشاهد في الرواية منها مثلاً كلام يعقوب الذي تتكرر على لسان أمه في أخر الرواية بشكل متطابق لحد كبير.
  • كثرة شخصيات الرواية المؤثرة على الحدث ورغم ذلك هناك وضوح في توزيع الأدوار لكن هذا لا يلغي أن عدد الشخصيات الكبير يشتت القارئ.

تمنيت وأنا أقرأ الرواية أن تكون أحداثها في قطر لكن الكاتب وضعها في مكان متخيل وهذا الشيء أفضل من أمنيتي فقد أتاح له مساحة أكبر لخدمة الأجزاء المتخيلة للزمان والمكان والشخصيات بحيث يستطيع القارئ أن يرى المشهد بشكل يفوق التصور المحلي للأحداث ويتماهى مع الفنتازيا والخيال.

تحرير الرواية ممتاز وإخراجها جيد وتويع فصولها وأبوابه سلس تقع الرواية في 289 صفحة من القطع المتوسط، أنصح بقراءتها.

قراءة في رواية “حوض الشهوات” للدكتور محمد اليحيائي.

لن أتحدث عن بداية الرواية، بل سأتحدث من الفصل السادس عن ليلى فهي التي يبدها كل الخيوط وهي التي تتحكم فيها ربما يختلف معي صاحب الرواية لكن ليلى هي التي تحكي تلك القصص وتلك الأحجيات الغرائبية عن عالم منسوخ من عقول الكثيرين الذي لم يعرفوا واقع عمان وما مر من تاريخها.

محمد اليحيائي الماضي البعيد والحاضر المأمول، والماضي القريب والحيرة، الداخل والخارج وصدام العقل العماني الذي لا ينتهي ولا ينسلخ عن ماضيه سوءً القريب أو البعيد وانتماؤه الضارب في أعماق عمان فمهما سافر وتنكر تبقى في أعماقه تستدعيه حين تشاء فيعود بكل ما يحمل من آمال ليرى أحلامه الميتة على واقع صنع بشكل لا يتصوره.

ينقلنا اليحيائي لعالم متشظِ من الداخل والخارج ليرينا كيف ننظر إلى عمان من الجهتين لنرسم صورة ثلاثية الأبعاد بوجود الإنسان العماني الذي رسم البعد الثالث في حكاية أرضه ليشاهد وجهه في مرآة الحياة ويحدثها يصدمها وتصدمه، يخدعها وتخدعه وكأن كل طرف يصدر للآخر صورة يريدها بين أن تكون فاعلاً في الحياة أو أن تنكفئ على نفسك في محيط ضيق.

الكثير من الشخصيات في الرواية والهدف واحد والتصورات كثيرة تتأرجح بين القناعة بالواقع وبين التمرد عليه، وفي أحسن الحالات الصمت وابتلاع الآراء وطمس الأفكار في رفوف الذاكرة لكيلا تنتحر في واقع لا يشارك فيه أحد، عقل واحد وفأسٌ واحدة وأحلام تنتحر على الطرقات.

لا تكتفي هذه الرواية من خلق الأفكار المتمرة والهادئة، وجهتا النظر التي يعيشها المجتمع كأي مجتمع خليجي يدعي أن الحياة تسير والأمور تتحسن والكل راضٍ، بينما في الضفة الأخرى تقف العقول المتمردة عاجزة أن تخرج أفكارها وتطلعاتها، بل حتى أحلامها، فخلف الأحلام تقف العساكر لتحبسها في قمقم التمرد والمعارضة.

ربما أجد مجالاً لأنتقد الرواية في تشظيها وكثرة شخصياتها لكني أجد مبرراً لتلك الشخصيات أما التشظي فعلاجه الوحيد إعادة قراءة الرواية مرة أخرى لكي تجتمع الصورة كاملة في عقل القارئ.

تقع الرواية في في 204 من الصفحات من القطع المتوسط أنصح بقراءتها بتمهل وتركيز فخلف كل شخصية تقف قضية وحياة.

عاجزون..

ماذا تملكين.. من حلول؟

وماذا أملك من .. القَدر؟

ففي البعد تتعبنا .. الفصول.
وفي القرب .. ترهقنا الفّكر.

حديث الظنون ..

حديث الظنون ..

تحدث الهزات دائماً، لا أشعر بها، ثم اكتشف أن كل شيء أهتز من حولي وكل شيء بدأ يتحول، رمضان، سأصوم عن الطعام، كما أصوم عن الحديث، وأصوم عن الحياة، الصوم اختلط عندي بأشياء كثيرة، غير الطعام، قرأت كثيراً، المصحف كان جاري، وجدت شيئاً أشعر بصداه في نفسي، كنت سعيداً بذلك الصدى وهو يتردد .

يتردد، يتردد، وما إن انتهى رمضان غاب ذلك الصدى، كأن شيئاً لم يهتز ولم يتحرك، عاد السكون من جديد، ورأيت الغبار، ذلك الغبار نفسه، كان موجوداً لكني لم أره منذ 30 يوماً، عاد وكأن رمضان لم يأتِ من الأساس، أخبروني بأن العيد قد حان، وأن العيد قد غادر، وأن لا شيء تغير.

جلسة أدبية

سأتشرف بتقديم رواية ” أن تعودي فلسطين” ضمن فعاليات الصالون الأدبي لبيت الراوي، الرواية من أدب المهجر للكاتبة لينا مرواني

سهامٌ ودروع

عن الرحيل أكتب ولم أصل إلى معنى واضح هل يعني رحيلي أم رحيلها؟ فكلٌّ منا رحل لما يريد وكلانا يحمل داخله سبباً يحميه ليدافع عن نفسه ويضع دروعه لتقيه السهام، تلك الأسئلة التي يلقيها من يعرفنا عند اللقاء تصيب مقاتلنا دون قصد وتُحيي فينا ضعفنا الذي نخفيه خلف الإجابات المترددة والغريبة التي نقولها، تهتز دروعنا ولا نتخلى عنها مؤمنين بأننا لا نريد أن نعود سوياً ويبقى السؤال الذي لا توجد له إجابة: من المخطئ؟

من تخلى عن الآخر ورحل، وهل للرحيل ملامح تصفه غير الأسئلة التي تضع حدود العلاقة بين سهمٍ ودرع؟ بين (لمَ) و (هكذا)؟ وتموت الرماح وتثقب الدروع عندما نجلس في وحدتنا نسترجع الذكريات التي تُطل علينا من ثنايا الذاكرة لتلك الكلمات واللمسات، حينها فقط ندرك أننا كاذبون نلبس ثياب النزاهة لنبرأ أنفسنا من الخطأ الذي نتج عن خطأ ومن الحب الذي نتج عن لقاء ومن الجرم المتمثل في الرحيل، كلانا طعن الآخر ورحل وعلينا أن نعالج أنفسنا منفردين هذه المرة وننسى أننا كنا نقف سوياً في كل المواقف السابقة.

أنا، حينما كنا سوياً كانت الأنا تجمعنا، أنتِ جزء منها أرسم نفسي فتوجدين بجواري دون أن أشعر أن رسْمي انعكاس لصورتك التي غرُست فيَّ، زُرعت معي في قلمي وفي عيني وفي تلك الضلوع التي تحن لتلك الملامح التي يحددها الجسد وذكرياته، حينها كنت أجد الطمأنينة تتدفق لضلوعي المرتعشة فتهدأ، ولذلك القلب الضعيف فيقوى، فأبدي بعد ذلك الاستقرار كل الشجاعة وأقتحم عوالمك المجهولة دون تردد.

الرحيل ينتزعنا وينتزع منا، يأخذنا بعيداً ويأخذ منا، ويضع النقطة في نهاية تلك الفقرة من حياتنا، لكن النقاط لا تعني النهاية والفواصل لا تعني الطعون، فالألم لا يرحل بالغياب والذكريات لا تمسحها المسافات، عند كل رحيل نفقد جزءاً ينتزعه الآخر ليحتفظ به في خزانات الزمن، وأنا انتزعت تلك القطعة ومعها مساحة من حياة عشناها لأستعيد منها الجميل والمؤلم.

وقت قصير للهلع (قصص) للكاتب يحيى سلام المنذري ..

هي قصص لشخص واحد ينتقل من قصة لقصة كما ينتقل الإنسان بين الليل والنهار بنفس شخصيته وقلقه مما يراه ويعايشه بتلك المشاعر التي تعبر التصورات وتخلق الأفكار ليقيس ما كل شيء بتجرد ويضع المقارنات والتساؤلات الحقيقية كإنسان طبيعي يعرف ميزان العدالة، يصارعه الخوف من فكرة متمردة على الواقع .. تطارده .. يتخيلها كما لو كانت حقيقة.. وهذه هي لحظة الهلع التي نجدها في شخصية البطل الذي يروي لنا أيامه في قصص.

تتحدث القصص عن العمالة الوافدة كيف نراهم نحن وكيف يرون أنفسهم، ما هي دوافعهم؟ ورغباتهم؟ وإمكاناتهم؟ التي لم نفكر يوماً أنهم يمتلكونها.. لأننا ببساطة ننظر إليهم إما بدونية أو أنهم جاؤوا ليعملوا في تلك الأعمال الوضيعة التي ندفع مقابلها أموالاً ولا يمكننا أن نجد من ينجزها في الوطن، عمال وعاملات بعضهم متعلم يستطيع الكتابة ومنهم من يملك قدرات رائعة، لا ننظر إليها لأنها لا تهمنا، ما يهمنا فقط هو أن تكون الخدمات في أعلى مستوى وفي أقل أجر ممكن.

إلا أن هناك مقارنة بين حالة الرعب التي يعيشها بطل القصص وبين الشخصيات الأخرى، تتجلى في الخوف من الغريب، المواقف التي عايشها اقترنت بالغرباء “العمالة الوافدة” يربطهم بالجرائم والانتقام والقتل والسرقة ويربطهم بتصوراته وخيالاته ويبني مواقف مزعجة لفترة وجيزة، تتلاشى ثم يستحضر مواقف أخرى، هكذا خلق الكاتب شخصية تنظر إلى الواقع بعين متجردة لكنها لم تستطع أن تترك القلق الطبيعي لدى البشر، فكل غريب هو مصدر شك، ولا يحصل على الثقة إلا بعد أن يجربه أكثر من مرة.

تلك العمالة الوافدة منهم من يحمل الشهادات الجامعية ومنهم من يكتب ومن يغني ومن يملك تجارته، وبطل القصص يأخذ الخدمات كلها منهم فهم من يدير الأمور ويوفع للمواطنين العمالة الرخيصة، وافد يشرف على وافدين ويسيطر عليهم ويمنحهم الرواتب، لا يهمه إن كان وجودهم شرعياً أم متجاوزاً القوانين التي تنظم العمل.

الكثير من التساؤلات تنتج في عقلك حين تقرأ هذه القصص الصغيرة وتلك المشاعر والمواقف القصيرة، لكنها علامات استفهام ستنتج في تفكيرك لتقف وتبحث عن إجابتها.

أسلوب الكاتب جميل ومشوق وطرحه راقِ، يقع العمل في 86 صفحة من القطع الصغير من إصدارات دار عرب.

https://www.instagram.com/reel/CzO70hSL6mq/?igshid=MTc4MmM1YmI2Ng==

ندوة فلسطين بين الواقع والأدب

‏”سأتشرف بإدارة ندوة “فلسطين بين الواقع والأدب”
التي تجمع كوكبة مميزة من الأدباء
سعادة الدكتور عبدالرحمن الكواري
الدكتور محمد اليحيائي
الأستاذ الشاعر علي الفياض

لا تحزني ..

لا تحزني فما أنا إلا فُتات وشيءٌ من الذكريات وقليلٌ من الأمنيات، لا تحزني حين الرحيل وأرحلي حيث الوجود، فأنا السأم المضجر والملل الذي لا يطاق وأنتِ الحياة، كل الحياة، يكمن فيكِ لون الزهور وعطرها ورحيقها فلا تذبلي بين أناملي البائسة، انطلقي بعيداً وأشرقي في فضاءات الهوى والنعيم، ولا تنظري خلفك فهناك كمٌ من البؤس لا تستحقينه دعيه يأكل بعضه وينتهي.

لا تحزني فما أنا إلا طيفٌ غريب مر من أمامك وداعب عطر مشاعرك، فدعيني أمر وأحمل ذكرياتي معي، لا تقلقي فالأطياف لا تحمل الكثير من الماضي لكنها لا تترك حسرته، فلماذا تحملين معي الحسرات؟ دعيني وانطلقي لآفاق الخيال وروعة الجمال، ولا مانع حين تتذكرينني أن تبتهلي لأجلي قليلاً ولا تكثري من الابتهال فلا أستحق أن أنتزع منكِ الدقائق التي تزخرف وقتك وتزينه .

لا تحزني فأنا شيءٌ قليل لا يلبي طموحك، وشيءٌ ضئيل لا يملأ عينيك فأغمضيها وسأتلاشى دون جهد، احتفظي بكحلك الجميل وسحرك عينيكِ البهيتين، لا تغرقي روعتك في تعاستي وانطلقي لتقطفي الكثير في الحياة والأمل.

لا تحزني فلا يليق بكِ الحزن ولا الدموع فتلك اللآلئ الغالية التي تنحدر على وجنتيكِ مؤلمة لا أريد أن أراها، وصدّقي أني أحبك لذا أقول: ارحلي اهربي فعواطفي قيود ومشاعري أغلال وحبي سجنٌ مظلم يؤسفني أن تسكنيه ويصعب عليّ أن أراكِ تذبلين بين جدراني وأنتِ مكبلة بمشاعرك.

لا تحزني حبيبتي، إن كنت أستحق، يكفي أن تحملي معكِ بعض الذكريات الجميلة. رغم أني أعرف أنها ذكرياتٌ قليلة تذكّريها وابتسمي، لا تحزني لا تحزني.