شجن ..

توقفت تلك الأحاسيس الشابة في صدري، لم أعد أشعر بإغراء العواطف كما في السابق، العمر يتقدم ويمسح تلك الانفعالات التي كنت أشعر بها في الماضي، يطويها ببطء، حتى يأتيها وقت تزول ولا تبقى سوى الذكريات، لتزورنا بين حين وحين، ربما لم أصل إلى تلك المرحلة بعد لكني أسير باتجاهها، فالعمر يتقدم ولا يتوقف.

عندما كنا صغاراً، كانت انفعالاتنا قوية وغرائزنا عنيفة، واندفاعنا نحو الأمام، لدرجة أننا لا نتوقف عند المشهد الجميل، بل نريد أن نقفز من مكان إلى آخر، وآخر، وآخر، نريد أن نرى كل الأشياء ونفعل كل ما نقدر عليه، وفي النهاية يتقدم بنا العمر فنكتشف أننا كنا نضيع الأوقات الجميلة في حياتنا بالاستعجال.

الآن أصبح كوب القهوة ممتعاً، الوحدة ممتعة، والكتاب كذلك، النظر إلى وجوه البشر في شارع مزدحم مُغرٍ، مراقبة طفل يقفز ويلعب في مكان عام مثيرٌ للاهتمام، تفاصيل الأشياء التي كانت لا تتضح لنا في شبابنا ونحن مستعجلون، صارت أوضح وأجمل مع تقدم العمر، لكن تراكم الماضي في عقولنا يشوش على الواقع، وأحياناً يدمره.

تختبئ خلفي ..

لا أدري من أين أبدأ وأنا أكتب هذه المشاعر التي تسكن في خاطري، أأبدأ من ضيق نفسي أم من سعته، فإن بدأت بما يضايقني سأختنق وإن بدأت بما يسرني عدت إلى زمن لم أتمنَ أن أغادره أبداً.

    تلك الأيام مضت دون عودة على كل حال، ولن تعود، وأصبحت ذكرى، أشعر بها واسترجعها، وقد هدأت وتحولت إلى لحظات تمر بالخاطر تسره أو تحزنه، ثواني لا أكثر.

ما أعانيه في الحقيقة هو وخز الألم الكامن في الذكريات فهو أقسى وأطول، لا أسترجعه بشيء من الشجن، بل بكثيرٍ من الحزن الذي لا أتخلص منه بسهولة حتى مع مرور الأيام، وإن خفت وقعه، يبقى مزعجاً.

نعيش في السعادة فترة طويلة ولا نتذكرها إلا للحظات ونعيش الألم لحظات ونتذكرها طويلاً، نظلم السعادة بنسيانها ونرفع من قدر الألم ليسيطر علينا، نستسلم لذلك الشعور المحبط ونترك الإحساس الذي ينقلنا للنشوى والفرح، نقتل الابتسامة لنضع مكانها العبوس، نجرح أنفسنا بلحظات لا نريد أن ننساها.

لا أدري هل السرور شيء سطحي يُنسى بسهولة؟ وهل الألم عميق ويستطيع أن يبقى للأبد؟ سألت نفسي فلم أجد لديها ما يفسر تلك الفوارق، سألتها لماذا أتألم؟ ولماذا أفرح؟ ولمَ لا أتذكر السعادة وأغيب في شعور الألم؟ فلم تجبني، ولم تحاول مساعدتي.  

هي نفسي لكن أنا من وضع تلك التراكمات وتركها تترسب بداخلها، بحثت عن إسعاد تلك النفس بما يسرها، وربما بحثت هي عن أيضاً إسعادي وبهجتي، نحن الاثنان مخطئان أنا أتألم وأشعر بها تتألم أكثر، هي في الداخل وأنا في الخارج، أنا من يراني الناس ومن يخاطبونه، جبانة تلك النفس تختبئ خلفي، أحاول أن أختبئ مثلها فلا أستطيع، ليتها تخبرني كيف لي أن أفعل؟ فربما أجد شيئاً من الراحة أو الهدوء لعلّي أفهمها أو أكتشفها لو فعلتُ مثلها، لكنها ستبقى خلفي للأبد وسأبقى أبحث فيها عن كل شيء.

تحدْث …

نحتاج إلى الحديث، نعيد الكلمات على الكلمات ونعيد القصص، نعرف أنها مكررة، لكننا نعيدها هي ذاتها على مسامع أشخاص مختلفين، نكررها لأنفسنا آلاف المرات، قصصنا قيمة بالنسبة لنا، نجمعها في الذاكرة ونستدعيها وقت ما نشاء، لنُضحك الآخرين أو نلفت انتباههم، نتحدث عن أنفسنا، عن واقعنا وعما عايشناه وعانيناه، وعما سمعناه أو رأيناه.

حاجتنا إلى الحديث هي حاجتنا إلى أن نشعر بأهمية وجودنا، المسألة مهمة كالطعام والشراب، مع اختلاف الشعور في كل جانب، حاجتنا الجسدية غريزة ظاهرة، وحاجتنا النفسية باطنية، لكنها حاجة تقع في النفس وتخرج منها، الصوت بحد ذاته رسالة للآخرين، الحديث بصوت مسموع رسالة، أنا موجود، أحتاج إلى كذا، أريد أن تعرفوني بهذا الشكل الذي أخبركم به.

تضارب مشاعر

غريبة تلك المشاعر حين تتضارب بسبب الخوف، وقد جرب أغلبنا ذلك الشعور، حين نقف في نقطة معينة ننتظر خبراً إما أن يكون ساراً أو تعيساً، مثل انتظار نتيجة الامتحان، أمل في النجاح وخوفٌ من الرسوب، أو أن تنتظر نتيجة تحاليل طبية، بين الإصابة بمرض وعدم الإصابة، شعور يستطيع أن ينزعك مما هو حولك، يتحدث داخلك ويسيطر عليك ويلغي كل اهتماماتك.

الأمل هو الحياة، والخوف هو الانتظار الصعب لشيء أصعب نتوقعه، ربما يكون مقياس النجاح والرسوب هو الأقرب لكي أصف هذه النقطة، رغم اجتهاد البعض وترقبه لنتيجة جيدة، فإن هناك مستوى من الفشل يحذره ويخاف منه، كذلك الفاشل لديه أملٌ في النجاح أو قدرٌ بسيطٌ منه وإن كان متأكداً من الفشل.

المسائل معقدة حين تتعلق بالنفس البشرية، أستطيع أن أضع تصوراً وأنت تستطيع أن تضع آخر لنفس المسألة من دون أن نتفق، كل واحد منا يعبر عن وصف حالته في تلك النقطة التي عايشها.