
نظرت إليه باستغراب، ومن حقها أن تنظر إليه بهذا الشكل، فعندما تخبر امرأة أنكَ لا تحبها لا تتوقع أن تنظر إليك بنظرة الرضا، حين كانت تجلس بجواره قبل أن تسأله، كانت تشعر أنها الإنسانة الوحيدة في حياته دون أدنى شك في ذلك، لكنها الآن تحمل كل التساؤلات وتنقلها إليه بنظرة الذهول التي تحمل الاستغراب والرجاء والأمل، بل تتجاوز ذلك وتسأل: لماذا؟
لماذا لا تحبني؟ كانت تنتظر الإجابة، رغم أنها لم تطرح عليه السؤال من الأساس، كانت تتوقع أن يتحدث عن السبب الذي لا يجعله يحمل لها مشاعر الحب ولا يبادلها العواطف في تلك اللحظة التي توقعت أن تكون نقطة محورية في علاقتهما، أخبرها بأنه لا يحبها وصمت، كان يعرف تلك الأسئلة التي تريد أن تسأله عنها، ويرى مشهد الدموع في عينيها، لكنه فضل الصمت.
الصمت هو الحيرة التي أرسلها إليها، وهي المتاهة التي وضع نفسه فيها، فانعقد لسانه، ولم يستطع الحديث، وهي رغم الاستفهامات، لم تنطق بكلمة، لم تتجرأ أن تسأله لماذا؟ شعرت بأنها لا تستحق الإجابة، الشخص الوحيد الذي أحبته، لا يريدها، ولا يود أن يصل معها لما يتمنى، بالفعل لا تستحق الإجابة، وهو أيضاً لا يستحق السؤال.
والسؤال يكرر نفسه بينهما فهي تسأل في صمت، وهو يجيب في صمت، ولا يسمع أحدهما الآخر، تريد الإجابة من صنم لا تعرف ما بداخله، وهو يشرح لمساحات الجمود في نفسه الأعذار التي احتجزها لهذه اللحظة، وكلاهما بدأ يتحاشى النظر إلى الآخر، خائفان من أن تخرج الكلمة الأخيرة وتفجر الصمت والدموع.
الدموع، شعر بحاجته للدموع؛ لكنه لا يملك أن يخرجها من نفسه كما يرى دموعها تتدفق على خدها، لديه رغبة قوية في نفسه للبكاء، لكنه لا يعرف كيف يوصلها إلى عينيه، تمنى أن يصرخ، تمنى أن يبكي كطفل، لكنه شعر بالشلل، لسانه لا ينطق ولا يريد أن يحرك أي جزء من جسده، كأن المحيط المقدس الذي يوجد فيه سيتدمر لو قام بأي حركة أو نطق بكلمة، تجرأ ونظر إليها بطرف عينه، يعرف أنها تنفجر من الداخل وهو لا يريد أن يخرج ذلك البركان الذي بداخلها.
انفجرت، ولم تقل شيئاً، صرخ داخلها الحزن والغضب لكنها حين انفجرت لم تجرؤ على طرح سؤال من كلمة واحدة، وقفت، لم تنظر إليه، حملت حقيبتها، وأدارت له ظهرها ورحلت.