يجب ألا نشوه الذكريات
فهي الشيء الوحيد الذي يبقى من الأشخاص الذين أحببناهم

يجب ألا نشوه الذكريات
فهي الشيء الوحيد الذي يبقى من الأشخاص الذين أحببناهم


لم تكن تلك الكلمات لتسقط في الهاوية لو وجدت الكفوف التي تلتقطها في ظلام الشوق، لتحتضنها بشوق وتعانقها بشوق، سقطت لأنها لم تجدك في المكان المناسب والوقت المناسب، سقطت لتموت تحت قدميك.
لم تنتبهي إلا لنفسك، لم تشعري أنكِ تدوسين على قلب حبيب سقطت في كلماتهُ من أجلكِ، ليس مهمّاً الهوى، أو مَن هوى للهاوية، ليس مهمّاً أن رحل أو إن بقي، ليس مهمّاً أن تسهري، أن تنظري له، فهو مجرد كلمات تسقط تحت قدميكِ لتشعري بالفخر وترفعي هامتك عالياً.

ليس المهم أن تفعل ما تريد، المهم أن تعي ما تفعل، الوعي هو العقل، كلنا نتخبط في أمور لا نعرفها أو نحاول أن نعرفها بفوضوية، دون محاولة فهم جادة تتيح لنا المعرفة الصحيحة والخطوات الصحيحة التي نتبعها في أي عمل نقوم به.
نصبح كما الأدوات التي على الرفوف
يختارنا أحدهم ..
ثم يلقينا في سلة المهملات !!!!!!


لا أدري من أين أبدأ وأنا أكتب هذه المشاعر التي تسكن في خاطري، أأبدأ من ضيق نفسي أم من سعته، فإن بدأت بما يضايقني سأختنق وإن بدأت بما يسرني عدت إلى زمن لم أتمنَ أن أغادره أبداً.
تلك الأيام مضت دون عودة على كل حال، ولن تعود، وأصبحت ذكرى، أشعر بها واسترجعها، وقد هدأت وتحولت إلى لحظات تمر بالخاطر تسره أو تحزنه، ثواني لا أكثر.
ما أعانيه في الحقيقة هو وخز الألم الكامن في الذكريات فهو أقسى وأطول، لا أسترجعه بشيء من الشجن، بل بكثيرٍ من الحزن الذي لا أتخلص منه بسهولة حتى مع مرور الأيام، وإن خفت وقعه، يبقى مزعجاً.
نعيش في السعادة فترة طويلة ولا نتذكرها إلا للحظات ونعيش الألم لحظات ونتذكرها طويلاً، نظلم السعادة بنسيانها ونرفع من قدر الألم ليسيطر علينا، نستسلم لذلك الشعور المحبط ونترك الإحساس الذي ينقلنا للنشوى والفرح، نقتل الابتسامة لنضع مكانها العبوس، نجرح أنفسنا بلحظات لا نريد أن ننساها.
لا أدري هل السرور شيء سطحي يُنسى بسهولة؟ وهل الألم عميق ويستطيع أن يبقى للأبد؟ سألت نفسي فلم أجد لديها ما يفسر تلك الفوارق، سألتها لماذا أتألم؟ ولماذا أفرح؟ ولمَ لا أتذكر السعادة وأغيب في شعور الألم؟ فلم تجبني، ولم تحاول مساعدتي.
هي نفسي لكن أنا من وضع تلك التراكمات وتركها تترسب بداخلها، بحثت عن إسعاد تلك النفس بما يسرها، وربما بحثت هي عن أيضاً إسعادي وبهجتي، نحن الاثنان مخطئان أنا أتألم وأشعر بها تتألم أكثر، هي في الداخل وأنا في الخارج، أنا من يراني الناس ومن يخاطبونه، جبانة تلك النفس تختبئ خلفي، أحاول أن أختبئ مثلها فلا أستطيع، ليتها تخبرني كيف لي أن أفعل؟ فربما أجد شيئاً من الراحة أو الهدوء لعلّي أفهمها أو أكتشفها لو فعلتُ مثلها، لكنها ستبقى خلفي للأبد وسأبقى أبحث فيها عن كل شيء.

نحتاج إلى الحديث، نعيد الكلمات على الكلمات ونعيد القصص، نعرف أنها مكررة، لكننا نعيدها هي ذاتها على مسامع أشخاص مختلفين، نكررها لأنفسنا آلاف المرات، قصصنا قيمة بالنسبة لنا، نجمعها في الذاكرة ونستدعيها وقت ما نشاء، لنُضحك الآخرين أو نلفت انتباههم، نتحدث عن أنفسنا، عن واقعنا وعما عايشناه وعانيناه، وعما سمعناه أو رأيناه.
حاجتنا إلى الحديث هي حاجتنا إلى أن نشعر بأهمية وجودنا، المسألة مهمة كالطعام والشراب، مع اختلاف الشعور في كل جانب، حاجتنا الجسدية غريزة ظاهرة، وحاجتنا النفسية باطنية، لكنها حاجة تقع في النفس وتخرج منها، الصوت بحد ذاته رسالة للآخرين، الحديث بصوت مسموع رسالة، أنا موجود، أحتاج إلى كذا، أريد أن تعرفوني بهذا الشكل الذي أخبركم به.

غريبة تلك المشاعر حين تتضارب بسبب الخوف، وقد جرب أغلبنا ذلك الشعور، حين نقف في نقطة معينة ننتظر خبراً إما أن يكون ساراً أو تعيساً، مثل انتظار نتيجة الامتحان، أمل في النجاح وخوفٌ من الرسوب، أو أن تنتظر نتيجة تحاليل طبية، بين الإصابة بمرض وعدم الإصابة، شعور يستطيع أن ينزعك مما هو حولك، يتحدث داخلك ويسيطر عليك ويلغي كل اهتماماتك.
الأمل هو الحياة، والخوف هو الانتظار الصعب لشيء أصعب نتوقعه، ربما يكون مقياس النجاح والرسوب هو الأقرب لكي أصف هذه النقطة، رغم اجتهاد البعض وترقبه لنتيجة جيدة، فإن هناك مستوى من الفشل يحذره ويخاف منه، كذلك الفاشل لديه أملٌ في النجاح أو قدرٌ بسيطٌ منه وإن كان متأكداً من الفشل.
المسائل معقدة حين تتعلق بالنفس البشرية، أستطيع أن أضع تصوراً وأنت تستطيع أن تضع آخر لنفس المسألة من دون أن نتفق، كل واحد منا يعبر عن وصف حالته في تلك النقطة التي عايشها.

عندما تشعر أن كل ما حولك عبارة عن كذبة لا تريد أن تنتهي، حينها ستكتشف أن الحقيقة هي الصمت، وأن الصمت قد غزا كل ما حولك، كساه بتلك الطبقة التي تعبر عنه في السكون، فتنثر الغبار فوق كل شيء ليصمت وتكتشف أن الغبار قد كساك كباقي القطع من الأثاث التي لم يزرها أحد منذ أمدٍ طويل، وأنت تشعر برهبتها تتسلل إليك، هذا هو شعور الخوف الذي يخلقه الصمت في المكان، تكتشف أنك لم تكن موجوداً في تلك الأماكن التي كنت تظن نفسك موجوداً فيها .
الأماكن التي كنت تشعر فيها بالدفء والحب والشجن، لم تكن موجوداً فيها من الأساس، وأن الغبار قد كساك أنت أيضاً، فتحولت إلى قطعة باردة، عليها طبقة من الغبار السميك، لا أحدٌ يريد أن يقترب منك.

أصبحت أحلم بالمرآة كثيراً، أرها أمامي وأنا فيها مختلف، لست أنا، ليست ملامحي، كأن الشخص الذي يجلس خلف المرآة، سُجن منذ زمنٍ طويل وحرم من الكلام والنظر، يقول لي: أنا هو أنت، لا توهم نفسك بأنك مختلف، فأنت تقبع في الجهة الأخرى من المرآة، وأنا أشاهدك كما تشاهدني.
أحقاً للمرآة وجهان، يسكنها في كل اتجاه شخص، ينظر كلاهما للآخر دون أن يتحدثا، ويعكس كلٌ منهما صورة الآخر، لكني لم أشاهد شبيهي في المرآة، بل إني شاهدت روحه، هي تشبهني، بعكس ملامحه، ذلك الشخص هو أنا من الداخل، أصبحت لا أعرف من المسجون خلف المرآة التي أحلم بها، هل هو أنا أم إنه شخص آخر، أم كلانا مسجونٌ في طرف.

أين الحب؟ ذلك العالم الجميل، الذي نشعر فيه بتألق الأشياء، وذلك البريق المليء بالجنون والشجن، اختفى منذ زمن، وأنا أجلس هنا أرى الأشياء التي كانت متألقة، قد كساها الغبار وخفتَ بريقها، سكنني الجنون، مات الشجن وساد الصمت منذ مدة.
أراجع الماضي وأعيشه وحدي، والأشياء الصغيرة، أشيائي التي كنت أحتفظ بها في داخلي، ذبلت وماتت، لا أدري ما السبب؛ لكنها لا تبرق، ولا ترقص ولا تثورُ ولا تنطق .
كساني الغبار، ولوث أشيائي الجميلة، ألقى عليها طلاسمه المظلمة فخلدت في نومٍ عميق لا تُفيق منه أبداً .

طويلة هي الحياة
لدرجة أن اللحظات أصبحت ثقيلة ترفض أن تمر دون أن تطأ علينا.
طويلة هي الحياة
لدرجة أن الأيام أصبحت أحمال ننقلها ولا ندري أين نضعها.
طويلة هي الحياة
لدرجة أن الكلمات أصبحت بصمات في سجل التهم.
طويلة هي الحياة
لدرجة أننا نفشل حتى في الوصول إلى الموت.
الــحــيـــاة
أطول من السيف، وأشد حدة، تمر على رقابنا دون أن ننزف لكنها تترك فينا ألماً لا ينتهي.

كنا صغاراً نلهو بما نجد،
وأصبحنا كبارا نتلهى عما نجد،
في الصغر كنا نريد أن نكتشف الأمور،
وفي الكبر صرنا نهرب من الأمور التي اكتشفناها.