قراءة في كتاب رواية اسفكسيا ل محمد نجيب عبدالله

IMG_20171023_190949.jpg

     تعمدت ان اضع صورة غلاف الرواية بالمقلوب ، لانها بالفعل تقلب بعض المشاعر رأسا على عقب ، بل تجعلك تنظر لداخلك ، ربما بصورة مختلفة ، او ربما ستجعلك تنظر لبعض المشاعر بصورة مختلفة .

     رواية عاطفية بإمتياز تنقلب فيها الشخصيات على بعضها ، تتمرد ، تتكسر ، ثم تعود ، باحداث بسيطة غير مبالغ فيها ، لكنها تحمل معها كمية مشاعر تحيط بكل حدث ، وكل تصرف وكل كلمة ، تدور احداثها بين ثلاث شخصيات رئيسية لا تتجاوزهم الا في لحضات قليلة لتترك للاحداث مساحة .

     يوجد بالقصة نقاط لم تزعجني شخصيا ، لكنها من الممكن ان تزعج البعض ، كأن تكون المحادثات في الرواية بالعامية المصرية ، لكنها سلسة من وجهة نظري كصياغة الرواية ككل ، وكذلك الانتقال من وصف مشاعر فتاة بتفاصيلها ، ثم الانتقال لوصف ألم وحزن شاب بكل التفاصيل ، لتقسم الرواية الى قسمين ، طرفه الاول مشاعر انثوية ، والطرف الاخر مشاعر ذكورية ، ومن وجهة نظري اثبت الكاتب تمكنه من الانتقال من جنس الى جنس بمهارة فلا خلل وجدته في نسقها وحبكتها بشكل عام .

     الرواية مسليه اسلوبها بسيط ، سلسة تقع في 206 صفحات من الحجم الصغير  ، انصح بقرائتها .. من وجهة نظري رواية ممتعة .. تخرج عن نسق الاحداث التقليدية ..

قراءة في كتاب ( رواية الطنطورية ) لرضوى عاشور ..

قراءة في كتاب ( رواية الطنطورية ) لرضوى عاشور ..

الطنطورية-ملتقى-المرأة-العربية-660x330.jpg

الطنطورية : وأصل الكلمة يرجع لقرية الطنطورة في شمال فلسطين ، وتحكي القصة فتاة طنطورية ، منذ أن كانت في الثانية عشر من العمر ، وما حل بقريتها ، ورحلة الشتات ، والمجازر والقتل التي تمت على يد الصهاينة ، ثم زواجها وانتقالها للعيش في لبنان مع زوجها ، والتي عاصرت خلالها الكثير من الحالات الانسانية والكثير من المجازر التي وقعت في حينها منها مجزرة صبرة وشاتيلا وفقدان زوجها ثم انتقالها للعيش مع ولدها في ابو ظبي ، ثم انتقالها للقاهرة ثم العودة للبنان مرة اخرى حيث تنتهي الرواية .

الرواية تحمل الكثير من الحياة في جنباتها ، والكثير من المشاعر ، وتستطيع وأنت تقرأ الرواية أن تلمس الحياة الفلسطينية البسيطة في القرى ، وتمر مع الكاتبة بلحظات المعاناة ، ولحظات الألم ، وتعيش معها ومع الاسر الفلسطينية في الشتات ، وتعرف كيف كانوا يتعاونون ، ويتكافلون ، ويساعدون بعضهم البعض ، ليتمكنوا من النجاة من الموت .

تحمل الرواية الكثير من الدماء والكثير من القتلى ، والكثير من صور الألم ، وهذا بطبيعة الحال يناسب الاحداث التي تتناولها الرواية ، كرواية توثيقية ، وبناءً على التوضيح في نهاية الرواية فالأحداث كلها حداث واقية جرت بالفعل في تلك الاماكن التي تواجدت فيها بطلة الرواية ، السيدة / رقية ، لكن الاشخاص ، مقتبسون من خيال الكاتبة ، وقد ابدعت رضوى عاشور في تجسيد دور الفلسطينية ، لدرجة انها تشعرك أنها تحكي قصة حياتها الشخصية ، وذلك تلمسه في عمق المشاعر حين تتحدث السيدة / رقية عن ابنائها ، او اخوتها ، او تنقلك للحظات الحنين ، وحين تعود بك لاسترجاع  لحظة مؤلمة أو لحظة اشتياق في حياتها السابقة .

الرواية شيقة لكنها ربما لا تروق لبعض القراء لكثرة الصور العنيفة من القتل والدماء والضحايا ، او لكثرة التوثيق التي سارت بها الكاتبة من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى مدينة اخرى ، لكنها في النهاية عمل ادبي مشوق في صياغته مثير لمن يريد أن يتعرف على أحدث تلك الحبقة من 1948 إلى 1982 ، ومثير أيضاً لمن يرغب في معرفة بعض التفاصيل عن الحياة الفلسطينية قبل الشتات ، وبعده .

من هي رضوى عاشور ؟

رضوى عاشور (ولدت في القاهرة في 26 مايو 1946)، قاصة وروائية وناقدة أدبية وأستاذة جامعية مصرية. يتميز مشروعها الأدبي، في شقه الإبداعي، بتيمات التحرر الوطني والإنساني، إضافة للرواية التاريخي ، زوجة الأديب الفلسطيني مريد البرغوثي، ووالدة الشاعر تميم البرغوثي توفيت يوم 30 نوفمبر 2014 ، لها الكثير من الاعمال الادربية والنقدية والروائية ، من ضمنها رواية الطنطورة التي تحدثنا عنها .

انا والايام.. أعمى في فراغ.. 3

 

جنون.. هوس.. إعجاب.. شيء غريب ان تجد أنثى تستطيع أن تجعلك تنتقل من الواقع إلى الخيال وتعود بك وهي لا تفارقك.. ألاصح انت لا تريد أن تفارقها.. ليست هي بجسدها من فعل بك هذا.. بل مجرد صوتها..
جنون.. ما أصابني جنون.. أحدثها في أقرب فرصه لدرجة اني لا أريد أن ينقطع صوتها عن اذنيما دمت في يقضه.. لثلاثة أيام اسمعها  الا فترة نومي.. جنون اعرف انه جنون.. سافرت ونقلت صوتها معي في رحلتي.. رافقتني.. وصفت لي الطرقات والفنادق.. وصفت لي شعورها وهي تتنقل في تلك الأماكن.. فتبعت خطى.. ذلك الشعور.. تبعت آثار خطواتها.. لكي اجني ذلك الشعور.. امشي وانا مقتنع اني اتبع سعادتي.. اتبع حلمي الذي تمنيت في أن أجد قلبا.. احبه بجنون.. قلبا يشعرني اني انسان..
تبعت خطاها.. بجنوني.. نسيت الدنيا معها في تلك الفترة القصيره.. لكني لم أنسى شيء مما قالت.. ولا اضن اني سانسى شيء مما قالت ما حييت..

انا والايام.. أعمى في فراغ.. 2

IMG_20170726_132203

انا والايام.. أعمى في فراغ.. 2

كانت لحظة فاصلة.. لحظة الانتظار.. فاصله.. لحظة الحقيقه فاصلة.. وبدأ الحديث.. عن الكتب.. وانتقل الحديث من كتاب إلى كتاب.. ومن باب إلى باب.. وفتحت الأبواب ليلتها.. وانتقل الحديث من التعالي.. للمعالي ومن التعصب.. إلا التلطف.
وانتقل الشوق بين الحروف.. كنت حينها اشعر بالضحكات في الطرف الآخر.. فاشتقت أن اسمعها.. اشتقت أن تنتقل تلك الحروف من لوحة هاتفي لأذني فأشعر بما تشعر.. واطرب لنا تطرب.
جنون تلك اللحظة.. جنون ذلك الشوق.. لم أضع له قيود.. ولم أشعر بقيود.. توضع لي لكي أتوقف.. بدأ الجنون.. يتسلل بيننا لكنها لم ترد.. لكني مجنون مجنون.. فكررت محاولتي.. لم تحرجني بصدها.. ولم تمنعني بجفاها.. بل تسللت كلماتها الا اذني .. وضحكت..
هي الجنون.. وانا مجنون .. انقل كلماتي لها فتستقبلها بشوق تاره.. ولطف تاره.. وبضحكاتها تارة أخرى.. جنون نقلنا من ظلمة الليل إلى إشراق الصباح دون توقف.. دون ملل.. وخوف تسلل الى خاطري.. ان افقدها.. خوف أنهل لو أغلقت الهاتف لن تعود كما سمعتها ثانيه.. خوف من ضياع حلم بدأ بكلمه..

انا والايام.. أعمى في فراغ..

IMG_20170726_132203

انا والايام.. أعمى في فراغ..

اتذكر تلك الليله جيدا.. حينها كنت لا شيء.. حينها كنت انا.. مجرد وهم.. اقنع نفسي.. بأني لازلت حيا..
اتذكر تلك الليله جيدا.. بتلك الكلمات الثقيله والنفس الثقيله.. التي رصدت حروفها في هاتفي بعنجهيه.. وتعالي.. لا أدري حينها.. لماذا لم احتقر تلك الحروف ولم أرفض من كتبها.. رغم الاحتقار الذي نقلته أناملها لهاتفي.
يمكنني أن انقل الف معنى لكي تفهم انها ليست المثقف الوحيده في العالم.. وأنه يوجد من يعرف القراءه وان هناك من يقرأ ويفهم.. على هذا الكوكب.. تضاربت في راسي الأفكار.. متى أصفعها لكي تفهم ان لها حدود .. لكني غيرت رأيي فجأه ليصبح انتظار متى تخرج تلك الحروف بلطف من تلك الأنامل العنيفه.
لا أدري ما الذي جعلني أغير رأيي في تلك اللحظة.. لكنها كانت لحظه فاصله..

رواية التقينا ..

mde

رواية التقينا ….

مقدمة

     كان إحساسي بهذه القصة قوياً ، لم أفكر كثيراً في أحداثها ، بل تسابقت الأفكار وأنا أكتبها تسابقت بمعني أن كل حدث يطرأ على تفكيري قبل أن أنتهي من الحدث الذي سبقه ، بل إنه أحياناً يرد في بالي أكثر  من سيناريو لأكمل القصة بصورة مختلفة عما كتبتها عليه .

أردت أن تكون هذه القصة مشابهة للواقع وتلامسه ؛ فكانت أحداثها هادئة رغم مشاكلها . لم أختر الأفكار المجنونة ولا الطائشة ؛ بل ركزت على العواطف والحيرة والغيرة والتضحية والحب بشكل أساسي ؛ لكي أوضح أن كثيراً من تصرفات البشر تحكمها العواطف والمشاعر المتناقضة المتضاربة ، تحكمها بمعنى أنها تؤثر على تصرفاتنا .

تزدحم القصة بالأحداث ووصف المشاعر ، أردت بذلك أن أكسر ملل وروتين الروايات المتعلق بالتفاصيل الدقيقة المتشابهة في الوصف وحساب الدقائق وما نفعله يومياً ، ركزت على الأحداث الرئيسة ، لأزيدها وضوحاً وتركت الأمور الروتينية بعيداً عن التركيز .

بدأت في كتابة هذه القصة في صيف عام 2010 ، كتبت بدايتها فقط ، وتركتها فترة لأسباب أهمها : أني سأتطرق للأديان وتلك الحساسية المرتبطة بها ، وتفاصيل الأحكام في الدين الإسلامي والمسيحي التي اطلعت عليها  بشكل جيد قبل أن ابدأ الكتابة ، وجدت أن في الأديان سعة ، والعقبة الرئيسة في تلك الحواجز ليس الدين ، بل الأعراف والتقاليد التي تضعها المجتمعات .

ربما أخطأت فيما تطرقت إليه ، وربما أصبت ، ولا أريد أن أحكم على القصة فيما أقول أو أكتب ، وسأترك الحكم للقارئ لكي أرى الصواب من الخطأ من وجهات نظر مختلفة ، وأتقبل النقد بصدر رحب .

تحياتي

جابر عتيق

خالد

أخبرني مدير أعمالي أنه يتوجب علي أن أغادر إلى الصين بعد غد لأتم بعض التعاقدات هناك ، وقد جهز لي كل الأوراق المطلوبة من تأشيرة السفر والتذاكر وحجز الفندق وكل الملاحظات المتعلقة بالتعاقدات الجديدة .

كان علي أن أنهي كل الأعمال هنا في الدوحة قبل أن أغادر وقد اجتهدت في ذلك فأنهيتها قبل يوم السفر ، كانت حقيبة ثيابي جاهزة دائماً فالارتباط بشركات خارجية كثيرة يجعل من مسألة السفر أمراً وارداً في أي وقت وربما بشكل مفاجئ يمنعني أحياناً من تذكر بعض الضروريات التي أحتاجها ، ولأني أعيش بمفردي في المنزل مع كوكبة من الخدم فقد وجهت مدبرة منزلي بأن ترتيب حقيبتي بعد كل رحلة أمر ضروري .

غادرت إلى الصين وباشرت عملي منذ وصولي هناك ، ولأهمية رحلتي وكثرة انشغالي وخوفي من أن أنسى بعض المواعيد والمقابلات المهمة ، كنت أدون ملاحظاتي في دفتر صغير أحمله معي دائماً في حقيبة الكمبيوتر الخاصة بي ، وكنت مرناً لأبعد الحدود فبإمكاني أن أصطحب سكرتيراً يقوم بترتيب مواعيدي وتنظيم أعمالي ، إلا أني لا أرغب في أن يرافقني أي شخص في سفري لكي أستطيع أن أتحرك بسهولة ولكي تكون علاقتي مع الشركات التي أتعاقد معها مباشرة دون أن يتدخل فيها شخص آخر ، كما أني لا أحب الرسميات كثيراً ولا اؤمن بكثير من أمور “البريستيج” التي تصاحب رجال الأعمال في كل مكان يتوجهون إليه .

بعد أن أُنهي أعمالي أحب أن أنزل إلى الشارع بلباس عادي جداً “تي شيرت وبنطلون” جينز أمشي مع الناس أرى الوجوه وأقف في طابور أركب المواصلات العامة الباصات القطارات ، دون أن يهتم أحد بوجودي ، أو يصاحبني شخص يعاملني برسميات التجارة والأدب فيلفت الأنظار من حولي .

وصلت في الصباح وكان الفندق الذي حجز لي فيه مدير أعمالي جميلاً هادئاً فيه أناس من شتى أنـحـاء العالم ، ولم أجد في رحلتي هذه وجهاً عربياً واحداً في الفندق مما أراحني لأني لن أجد أحد معارفي من التجار ، فأضطر إلى مجاملته واجابة دعوته على العشاء مثلاً ، فيتشتت ذهني ويضيَّع كثيراً من وقتي المزدحم أساساً ، فلا مجال للمجاملات في مثل هذه الأوقات في رأيي .

في الصباح دائماً تكون هناك اجتماعات ومن ثم بعض المعاينات ، وفي المساء اجتماعات أخرى ، يتكرر ذلك كل يوم حتى تأتي مرحلة التعاقدات والاتفاقات ، وأدخل في توتر العمل والتفكير المتواصل في تنسيق المواعيد وتحديد الجدول اليومي المرهق .

كانت فترة المساء ( بعد الساعة الثامنة ) مهمة لي بكل المقاييس ، ففيها أرتب مواعيد اليوم التالي ، وأبعث “الإيميلات” والملاحظات للشركة في الدوحة لكي يوضحوا لي بعض الجوانب الفنية والتقنية التي أجهلها ، ثم أتناول العشاء في العاشرة تقريباً وأخلد للفراش لأستريح من تعب اليوم الطويل ، وقد سار اليوم الأول والثاني والثالث على نفس المنوال ، دون تغيير يذكر ، وفي اليوم الرابع حين أويت لفراشي دارت بي الدنيا وتحركت كل المشاعر والذكريات لسبب ربما يكون في نظر الكثير تافهاً ، لكنه أثار في نفسي أشياء كثيرة كنت أتجاهلها أو أتناساها ، أو لا أرغب في تذكرها  .

كان النوم عصياً ذلك اليوم فبعد أن أنهيت عملي مبكراً ( في السادسة مساءً ) حملت الكمبيوتر المحمول وأوراقي ، وجلست في الكوفي شوب في باحة الفندق وأخذت أرسل “الإيميلات” وأراجع العقود ، وأرتب مواعيد العمل ، كان بجوار طاولتي طاولة أخرى لا تبعد عنها كثيراً تجلس عليها سيدة جميلة ، في العشرينيات من العمر مع شاب يصغرها في العمر قليلاً ( في العشرين تقريباً ) بدا لي أنهم أجانب من ملامحهم ، لكن السيدة كانت تنظر إلي وأنا أعمل تنظر إلي بتمعن ، رفعت رأسي ونظرت إليها فلم تلتفت بل واصلت النظر دون أن تحرك عينيها ، أصابني بسببها الارتباك لكن حاولت أن لا أهتم حينها وعدت لأوراقي دون تركيز كنت ألمحها بطرف عيني ، كانت تتحدث مع الشاب الموجود معها على الطاولة ثم تعود لتنظر إلي من جديد ، لم أرفع عيني لكي أبادلها النظرات مرة أخرى ، ولم أطل الجلوس على الطاولة كثيراً ، بل حملت أوراقي والكمبيوتر وتوجهت لغرفتي لكي أنام ، لم يغمض لي جفن ولم يهدأ قلبي فنظرات تلك السيدة أو الآنسة – لا أدري – لاحقتني حتى في فراشي .

سألت نفسي حينها لماذا تنظر إلي هكذا ؟! ولم أجد إجابة شافية ، فملامحها غربية ولا أظن أني أعرفها أو التقيت بها في أي مكان ، ثم إن الشاب الذي بجوارها كان جميل الملامح أنيق الملبس كان من الأجدر أن تهتم بوجوده معها لكنها لم تفعل كانت تتركه وهو يتحدث وتلتفت إلي بين حين وآخر  بمزيد من الاهتمام .

حرك هذا الموقف شجوني بل وأحزاني أيضاً فلئن تعزل نفسك عن كل شيء يستثير مشاعرك أو تتجنب أي امرأة قد تراها ، يكون صعباً على كثير من الرجال لكني تركت كل هذه الأمور بمحض إرادتي ، فبعد وفاة زوجتي لم ترق لي أي امرأة ، فما كان بيني وبينها ظننت أني لن أجده عند غيرها من النساء كانت تحمل لي الحب كما يحلم به أي رجل ، ورغم أني تزوجت في العشرين من عمري لأني وحيد أسرتي وتربيت يتيماً أرادت والدتي أن ترى أطفالي قبل أن تموت ، على حد قولها لكنها لم تهنأ بهذا الأمر فبعد زواجي بستة أشهر توفيت والدتي إثر سكتة قلبية مفاجئة ، وبقيت مع زوجتي التي كانت زوجة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، لطيفة رحيمة حانية ودودة ، لم تستفزني ولم تغضبني ولم ينشب أي شجار طوال حياتها معي  .

كانت زوجتي تكبرني بسنتين وكانت والدتي تحبها كثيراً قبل الزواج ، ورغم أنها أكبر مني ومن عائلة متوسطة إلا أن والدتي كانت تقول : إن هذه المسائل لا توجب الاهتمام إذا كانت مؤدبة وجميلة ، لذا وافقت على أن أرتبط بها عندما رشحتها والدتي لأخطبها ، لم  أكن أعرفها قبل ذلك ، لكني رأيتها مرة أو مرتين بالصدفة فأعجبتني فهي بالفعل جميلة كما قالت والدتي ، كانت فترة ارتباطنا فترة مراهقة مجنونة في البداية سافرنا كثيراً لعبنا كثيراً ، كانت تأخذ مني الموافقة بلطف وتقبل أمري بأدب ، لا أدري كيف عرفت كل هذه الأمور الدقيقة في الحياة الزوجية ، كيف أمكن لها أن ترضي زوجاً جرب كل أنواع الترف ؟ وجعلته لا يقوى على فراقها بل يبحث في كل أمر لينهيه لكي يعود إليها ليراها ويستمتع بوجوده معها .

كانت ساحرة في كل شيء تفعله همساتها لمساتها نظراتها حركاتها ، كانت تثيرني وتستهويني وتؤويني بلطف عشت معها أجمل أيام حياتي ، في بداية زواجنا رغم طيشي وبعد ستة أشهر توفيت والدتي التي ربتني بعد وفاة أبي وأنا طفل ، كان فقدها بمثابة الكارثة التي حلت علي وجعلتني أفقد معنى الابتسامة وأنظر للحياة بجدية أكبر .

لم يؤثر ذلك الحادث على حياتي مع زوجتي ، رغم سكوتي المستمر ، فكانت حانية تراعي مشاعري وتدقق في كل شيء من الممكن أن يستثيرني ، تعاملت معي بحذر لكن حذرها نابع من رغبتها في إرضائي وبعث السكينة في نفسي وقد تمكنت خلال فترة وجيزة من أن تزيل كثيراً من ألمي بل وتمكنت من أن تكون في نفسي للأبد .

بعد ستة أشهر من وفاة والدتي ، استعدت رغبتي في العمل من جديد وتجاوزت محنة وفاتها ، إلا أني فقدت الكثير من مرحي وضحكي وأصبحت نظرتي للحياة جادة أكثر ، وكانت زوجتي تسايرني في كل تطلعاتي وأحلامي ففي تلك الفترة بعد أن تجاوزت سن الحادية والعشرين أعاد لي عمي كل ثروة والدي وطلب مني أن أديرها على أن يتابع أعمالي على فترات ، منحني عمي الذي كان الوصي على أملاكي كل الثقة لأنه هو نفسه من علمني العمل التجاري منذ أن وصلت المرحلة الثانوية وكان يصطحبنِ معه في أغلب أعماله في الفترة المسائية ، بل وكان يصطحبنِ مع ابنه الكبير في سفره لأعماله التجارية وبعد أن أنهيت المرحلة الثانوية أعطاني عمي مليون ريال ولم يقل لي شيئاً ، وسألني عنها بعد ثلاثة شهور ، فأخبرته أني أنشأت شركة استيراد وتصدير وبدأت العمل بها منذ شهرين .

طلب مني حينها أن أصحبه لمقر الشركة وفعلا أخذته إلى هناك كان المكان صغيراً لا يليق به ، لكنه صمم أن يجلس ويرى طبيعة الأعمال التي شرعت فيها وأستغرب نجاحي في إنشاء الشركة وإدارتها وشد على يدي وساعدني بعلاقاته الكثيرة والمفيدة وبعد عام سألني كم رصيد شركتك ؟ فأخبرته أنه يقارب المليونين ، فضحك وقال كان أبوك ذكياً في تجارته وأنت تمشي على نهجه ، أوصاني بالالتزام في الدراسة وقد أثبت له جدارتي بثقته فقد نجحت في دراسة الإدارة والاقتصاد بمعدل جيد جداً وكان ذلك بعد عام من زواجي سألني مرة أخرى حينها: كم رصيد شركتك ؟ فأخبرته خمسة ملايين فضحك وقدم لي شيكاً بمبلغ محترم واشترط أن أشتري سيارة فخمة تليق برجل أعمال .

سلمني عمي كل أملاكي في فترة وجيزة ، وسلمني مبلغاً كبيراً من السيولة المالية ، ولم يكن في تصوري أن ثروة والدي نمت بهذا الشكل الكبير ، لكن على أرض الواقع أصبحت أملك ثروة فلكية تمكنني من أن أدخل أي مجال في التجارة دون خوف من نقص أو عجز مالي  .

كنت حذراً في البداية ولم أدخل في أية مشاريع وركزت جهودي على إدارة الأملاك ثم لاحظت أن العمل في الصناعات المتحولة والمتوسطة مضمون الربح لحد كبير ، فبدأت أعمل على الشراكات في هذا المجال ونجحت في أغلب الأعمال التي دخلتها ، وطورت كذلك عمل شركة الاستيراد والتصدير التي أنشأتها فكانت داعماً أساسياً في مجال عملي الجديد  .

كنت أتلقى دعماً آخر حفزني على تطوير أعمالي ، من زوجتي فتشجيعها المستمر وصبرها الجميل ترك لي مجال العمل مفتوحاً على مصراعيه ، فلم ألحظ أن انشغالي يزعجها أو يضايقها بل كانت عوناً وسنداً لي .

اخذتها معي في كل رحلات العمل التي قمت بها في تلك الفترة من حياتي وبعد العام الثاني من زواجنا  ، بدأت حالة زوجتي الصحية تتدهور ، وبدأت شهيتها للطعام تقل لم أنتبه لهذا الأمر في البداية إلا أن ألمها زاد بعد فترة وجيزة وحين ذهبنا إلى المستشفى ، وأجرينا الفحوصات والتحاليل وكانت صدمتي كبيرة بعد أن عرفت علتها ، كان مرضاً لا شفاء منه رغم كل الجهود التي بذلت من أجل شفائها وما إن انتهى العام الثالث من زواجنا حتى فارقت زوجتي الحبيبة الحياة بين يدي .

كانت مصيبتي في فقدها عظيمة بقدر حبي لها ، فتلك المخلصة الوفية التي منحتني الحب والحنان كانت عوناً لي على متاعبي وعملي ، فقدت برحيلها حضنها الدافئ الذي كنت آوي إليه ، وكلماتها الرقيقة التي كانت تستقبلني بها عند عودتي ، ونظراتها الحانية عندما تراني متعباً والابتسامة التي لم تفارق وجهها ، كانت تتمنى أن تنجب لي طفلاً لكنها فشلت رغم محاولاتها الجادة في ذلك لم تمنحني مشيئة الله منها طفلاً ، لكي أخلد ذكراها بوجوده وأمنحه جزءاً من الحب الذي غمرتني به .

عشت في الذكريات بعد وفاة زوجتي ، فذكرياتها منتشرة في كل تفاصيل حياتي في منزلي وسيارتي وعملي وشهادتي حتى في ألمي وحزني كانت ذكرياتها الجميلة تمر ببالي كلما رأيت فتاة تبتسم أو تتودد إلي ، أو حتى إن رأيت امرأة تعجبني ، أقارن بينها وبين زوجتي فلا أجد موضع مقارنة يجعلني أتعرف على امرأة  سواها ، حتى بعد وفاتها ، كنت ألجأ لمنزلي لكي أجد رائحتها وأتخيلها تتحرك فيه من موضع لآخر ، كنت أحياناً أنادي ذلك الخيال وأتحدث معه وأعاتبه .

رفضت أن أتزوج ، بل رفضت أن أقيم أية علاقة مع أية امرأة بعدها ، ولجأت إلى عملي وصببت جل اهتمامي عليه فكنت أعمل ليل نهار دون كلل أو ملل أو تباطؤ ، وأسميت كثيراً من مشاريعي باسمها لأني كنت أعرف مدى سعادتها بنجاحي ، مرت السنة الأولى على وفاتها والثانية وأنا منكب على عملي دون توقف ، وقد تطورت أعمالي ودخلت أغلب مجالات التجارة بنجاح منقطع النظير ، مما جعلني محط أنظار الكثير من رجال الأعمال وبدأت مرحلة المشاريع الاستراتيجية والعقارية العملاقة .

بعد عامين من وفاتها قررت أن أخرج من عالمي الحزين فحاولت أن أغير في حياتي ، فتركت منزلي وغيرت سيارتي التي اشتريتها لأني عرفت أنها أعجبتها ، لكني فشلت في أن أنزع حب تلك السيدة من قلبي وعجزت أن أبعد خيالها لو قليلاً عن مخيلتي ، وفي الواقع كانت ذكرى تجدد نفسها كل ساعة فيعود اشتياقي لها من جديد وتحيي الذكريات ويشتعل قلبي ألماً لفراقها وأبقى عاجزاً عن النسيان .

نعم أحبها وهي ميتة ، ونعم وقف حبها حاجزاً أمام أكثر من علاقة كان من المفترض أن تنجح وأكثر من ذلك وقف ذلك الحب حاجزاً جعلني لا أتعامل بسلاسة مع أية امرأة أقابلها حتى جاءت تلك السيدة التي كانت تنظر إلي الليلة لتوقظ الذكريات في قلبي ، وتحيي بداخلي أموراً كنت أظن أني نسيتها نعم أيقظت بي المشاعر التي دفنتها مع جثمان زوجتي أيقظت بي حاجتي النفسية والجسدية لامرأة : أحتضنها أقبلها امرأة تهتم بشؤوني ، ترتب غرفتي تشاركني حياتي ، امرأة آوي إليها إذا ضاقت بي الدنيا فتحمل معي همي وتشاركني أفراحي وأحزاني .

عاد شريط الذكريات للعمل تلك الليلة عاد بكل ألمه بكل شوقه ليحبسني في قمقمه الضيق ، فلا مجال معه للحركة ولا للسعادة كنت أتقلب على سريري دون فائدة حتى بدا الصباح بنوره ، نهضت من سريري تحممت فشعرت ببعض الانتعاش ثم تناولت إفطاري على عجل وعدت لأرتب أمور عملي ، بحثت حينها عن دفتر الملاحظات الذي أدون فيه كل مواعيدي المهمة ، فلم أجده بحثت عنه مرة واثنتين وثلاث دون جدوى نزلت لمكتب الاستقبال وسألتهم عن المفقودات فأخبروني أنهم لم يجدوا شيئاً في “الكوفي شوب” ليلة البارحة ، فكرت فيما سأفعله ففي ذلك الدفتر كل المواعيد المهمة لليوم والغد ، فتحت جهاز الكمبيوتر بحثت في “الإيميلات” عن المواعيد والمقابلات الواجبة ، وجدت بعضها وتذكرت البعض الآخر ، لكن بقي في نفسي أن هناك مواعيد مفقودة في جدول اليوم ، ولم يسعفني الوقت لكي أبحث عن الدفتر من جديد فقد كنت مرتبطاً بموعد عمل في تمام التاسعة صباحاً .

أنجزت أغلب المقابلات الصباحية وكان اليوم جيداً حتى الآن رغم الإرهاق الشديد الذي عانيته بسبب عدم نومي البارحة ، عدت للفندق في الثالثة ، لأتناول غدائي وأرتاح قليلاً ، وكان لدي أربع ساعات قبل أن أتوجه لأحد المصانع المرشحة لأن أحصل على توكيل لمنتجاته ، تناولت الغداء على عجل وقبل أن أغادر المطعم فوجئت بسيدة تقف بجواري وتناديني بالعربية وتقول: لو سمحت ! التفت بسرعة لذلك الصوت العربي الغريب فوجدت السيدة التي كانت تنظر إلي البارحة ، بادلتها التحية وطلبت منها الجلوس فاعتذرت بلطف ، ثم مدت يدها وأعطتني دفتر الملاحظات الذي كنت أبحث عنه ، شكرتها كثيراً فابتسمت وغادرت ، نظرت إليها حتى اختفت عن ناظري بقيت واقفاً وسألت نفسي : ما اسمها ؟ وددت أن ألحق بها وأسألها هذا السؤال وعن سبب وجودها وددت لو أنها جلست معي ولم تغادر .

عدت لغرفتي وتمكنت من النوم حينها فنمت ثلاث ساعات ‘ ثم قمت من نومي وأنجزت عمل اليوم ، وعدت لأجد الذكريات من جديد على فراشي ، لكنها اليوم لم تستطع أن تتغلب على إرهاقي الجسدي فنمت نوماً عميقاً حتى الصباح ، وكان الوقت مبكراً فبدلت ثيابي ونزلت لأتناول الإفطار كان المطعم شبه فارغ إلا من عدد بسيط من النزلاء ، شربت قهوتي أولاً وجلست قليلاً ، لمحت حينها تلك المرأة صاحبة النظرات المثيرة وهي تدخل للمطعم وتتوجه “للبوفيه” دارت في رأسي كل الأمور والمشاعر صرخ شيء بداخلي يستحثني أن أقوم وألحق بها وأكلمها ، ورغم ذلك قمت متثاقلاً أجر قدمي لكن استطعت أن أكسر العجز الذي كان يكبلني ، توجهت للبوفيه رأتني حينها فابتسمت ، ألقيت عليها تحية الصباح فردت التحية ، انتقت فطورها بعناية وكنت أمشي خلفها ، وعندما انتهت سألتها هل من الممكن أن نتناول الإفطار سوياً ، فأشارت بالإيجاب رغم ترددها الواضح خفق قلبي وهي تمشي بجواري لنجد طاولة نجلس عليها .

جلست سارة هذا هو اسمها ، أخبرتني به وأنا أزيح لها الكرسي وأسألها : تفضلي يا آنسه ؟ فقالت : مدام ، فقلت : مدام وسكت ، أجابت على ملاحظتي  فقالت : مدام سارة ، جلست وتحدثنا في أمور التجارة وسبب حضور كل منا للصين ، وعرفت أنها من لبنان ، وعرفتها بنفسي وبلدي ، وهنا ضحكت وقالت : أعرفها جيداً أثارتني كلمتها ! لكن لم أدقق فتجاوزتها جلسنا ما يقارب النصف ساعة على الطاولة .

كان حديثها ممتعاً ، ثم نهضت واستأذنت ، فاستوقفتها وسألتها عن أمر أثار استغرابي فقلت لها : مدام سارة هل يمكنني أن أسألك عن سبب اهتمامك بوجودي في الكوفي شوب منذ يومين ؟ لم تجب على سؤالي  وهي تتحرك من مكانها فقمت من مكاني ووقفت أمامها ابتسمت وسألتني عن جرح في طرف جبهتي فقلت لها : جرح قديم وأنا طفل في العاشرة ، فسألتني : ما اسم والدك ؟ استغربت من السؤال تمهلت قليلاً ثم أجبتها : محمد ، ضحكت وقالت هل تذكرني ؟ نظرت إليها بتمعن وأخذت أبحث في ذكريات الطفولة عن اسم سارة وعن الجرح الذي أصاب رأسي دققت في ملامحها ابتسمت ! كانت طفلة حينها فوضعت أصبعي على الجرح وقلت لها : سارة ، فهزت رأسها بنعم وهي تبتسم ، أمسكت بيدها دون شعور فلم تمانعني مثلما كانت وهي طفلة أشدها من يدها فلا تمانع أعدتها للطاولة جلست معها أسألها عن كل ذكريات الطفولة وذلك الجرح الذي تسببت هي فيه ، كانت حينها ترمي علي الحجارة الصغيرة ، وأنا ألقفها ، فاختارت حجراً كبيراً وألقته إلي حاولت أن أمسكه فخر على جبيني وأصبت .

أذكر أنها خافت حينها وذهبت تجري لمنزلها عندما رأت الدماء تسيل من رأسي ، وأذكر أني ذهبت لمنزلي وأنا غارق في دمي فصرخت والدتي وسألتني عن السبب ، أذكر أني لم أخبرها من المتسبب ، بل قلت لها إني سقطت من الدراجة اصطحبتنِ للمستشفى وخاطوا جبيني بغرزتين بقيتا علامة في جبيني إلى اليوم لتعرفني بها سارة ، أذكر أن والدتها حضرت لي الكيك حمداً على سلامتي وبقي سر الجرح بيني وبين سارة ولم يعرفه غيرنا  .

ذكرتني سارة بكل ذكريات الطفولة حين كنا هناك في تلك القرية الصغيرة ، ذكرتني بوالدتها التي كنت أحبها كثيراً ، لأنها كانت تعطيني من الحلويات التي كانت تصنعها وتحضرها لنا والمأكولات اللبنانية الشهية اللذيذة ، عشت في الذكريات مع سارة وذهب كل تأثير لنظراتها التي أثارتني منذ يومين وذهبت رغبتي في التعرف إليها كصديقة ، واستحضرت الماضي البعيد حينها كنت أعتبرها أختي الصغيرة ، نعم كنت أعتبرها أختي فوالدتي ووالدتها كانتا دوماً تقولان اذهب مع أختك أو اذهبي مع أخيكِ نعم كنا إخوة نلعب سوياً كانت ودودة أشدها من يدها لكي نلعب فلا تمانعني ! يا لها من ذكريات جميلة زينت طفولتي .

جلسنا هناك ما يقارب الساعة والنصف بعد أن عرفت من هي ، كانت لطيفة معي جداً فقد زال تحفظها المبالغ فيه عندما جلست لتناول الإفطار معي وضحكت كثيراً ونـحـن نتحدث عن طفولتنا ، سارة جميلة منذ أن كانت طفلة وهي تلهو معي وجميلة وهي تجلس الآن معي في سن الرابعة والعشرين ، نعم عمرها أربعة وعشرون عاماً فهي أصغر مني بسنتين لا أكثر ، كنت سعيداً برفقتها في الصباح فقد أنستني كثيراً من همومي ومتاعبي .

سارة

نظرت إليه بتمعن كان يجلس بالطاولة التي على يميني كانت نظرته فاحصة عند قدومه ، لكنه انهمك في عمله وأوراقه التي أخرجها من حقيبته ، أثارني وجوده وتلك العلامة التي على جبينه ! غرزتان على اليسار تمنيت أن يكون هو الشخص الذي أعرفه ، لكن ملامحه مختلفة كثيراً أخذت أنظر إليه لا شعورياً وأدقق النظر في ملامحة على أمل أن أجد شيئاً آخر يثبت أنه خالد الطفل الذي عشت معه سنين طويلة في طفولتي ، انتبه أني أنظر إليه ، ونظر إلي نظرة استغراب وابتسم ولم يكرر نظرته ثانياً ، تمنيت أن يتكلم معي أو يسألني ربما منعه وجود المترجم معي أو ظن أني أنظر إليه لأسباب أخرى لم ينقطع اهتمامي بوجوده حتى غادر شعرت حينها بارتباكه حتى أنه غادر ولم ينتبه لدفتر الملاحظات الذي سقط من الطاولة ، حينها نهضت من مكاني وأخذت الدفتر قرأته من أول صفحة لآخر صفحة ، كنت أبحث عن ما يثبت أنه خالد وجدت في آخر صفحة من الدفتر تاريخ رحلة عودته ووجهتها وموعدها ، كنت سعيدة لأن هذا دليل على أنه من قطر ، كنت سأودع دفتر الملاحظات في مكتب الاستقبال لكي يعيدوه له ثم عدلت عن رأيي ، واحتفظت به لأعطيه إياه فربما أتمكن من سؤاله عن اسمه .

التقيته في اليوم التالي في فترة الغذاء ، كنت أحمل دفتره في حقيبتي توجهت إليه وأعطيته الدفتر ، ولا أدري لماذا لم أجب دعوته للجلوس ؟ ولم لم أسأله عن اسمه ؟ على الأقل لماذا استعجلت الخروج من المطعم حينها ؟ ظننت أن هذا آخر لقاء سأراه فيه لكنه كان جريئاً في الصباح التالي حين دعاني لأتناول الإفطار معه ، كنت متحفظة كثيراً حتى هممت بالمغادرة كان فضولي أكبر من رغبتي في الخروج ، فسألته عن سبب الجرح الذي في جبينه ، وكانت إجابته كافية لأتأكد أنه صديق الطفولة ، أخذ يدي دون استئذان وأجلسني على الكرسي من جديد وأعاد لي كل الذكريات الجميلة رغم معرفتي أن أسرتي في ذلك الوقت كانت فقيرة ومتعبة مالياً إلا أن طفولتي كانت سعيدة ، فجيراننا كانوا لطفاء معنا وخصوصاً والدة خالد التي كانت تهتم بشؤوننا كثيراً ، بل كانت ترعاني وتدعوني بابنتها لأنها لم تنجب سوى طفل واحد وكانت تتمنى أن ترزق بطفلة لكن أمنيتها لم تتحقق ، كان خالد أخي الكبير الذي أحترمه ، كانت والدته توصيه بأن يهتم بي وأن يتركني ألعب بكل ألعابه التي يملكها ، فخالد كان من عائلة ميسورة توفرت له كل وسائل الراحة ، ووالداه كانا يهتمان به كثيراً لأنه طفلهما الوحيد .

كنت أرافقهم أحياناً عندما يأخذوا خالد لكي يلعب أو إلى البحر ، كان والداه لطيفين معي ، كنت أقضي جل وقتي في منزلهم بعد أن حصلت والدتي على وظيفة في القطاع الصحي هناك ، فكانت تتركني عند والدة خالد في الصباح وتأخذني بعد الظهر تعلمت أشياء كثيرة من والدته في تلك الفترة فكنت أساعدها في المطبخ ، وأرافقها في زياراتها العائلية القصيرة في الصباح كانت لطيفة جداً معي ، تهذب لي شعري تلاطفني تغني لي أغانيهم الشعبية التي كنت لا أفهمها ورغم ذلك حفظتها ، كنت أحبها كثيراً وأعتبرها أمي الثانية ، وكنت أحب أن ألبس ما تهديني إياه من ملابس عربية ، وإن سافرت أترقب عودتها ، لكي أحصل على هديتي فلم تعد قط من السفر إلا وخصتني بهدية جميلة .

خالد وجد في أسرته وحيداً ، ولأني كنت أبقى في منزلهم كثيراً كنت أجلس معه دائماً ، كان لطيفاً معي يتركني أعبث بألعابه دون أن يمنعني أو يتذمر رغم أنه كان طفلاً شقياً بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، كان يختبئ ليخيفني ويتشاجر معي كثيراً لكن عندما أبكي مما فعل كان يرضيني ويتركني ألعب في دراجته ، أو إحدى ألعابه التي يخبئها عن الجميع في خزانة ملابسه ، وجد خالد في ذلك الوقت ليكون أخي ، ربما لأني أنا وحيدة أسرتي أيضاً أو لقرب أسرتينا فكنت أسمع كلمة أخوكِ خالد كثيراً اذهبي مع أخيكِ ، أو خذ أختك سارة للمكان الفلاني .

ذكريات كثيرة حملتها لذلك الطفل الذي لا يبكي كثيراً ولا يتألم ، وإن تألم لا تلاحظ عليه ذلك إلا قليلاً ، حين ألقيت عليه ذلك الحجر ليلقفه وسقط على رأسه لا أتذكر أنه بكى حينها هربت خوفاً من أن أعاقب وخبأت الخبر عن والدتي التي رأتني خائفة وعندما ذهبنا في المساء لمنزلهم لتطمئن والدتي على خالد وهي تحمل له بعض الحلويات المنزلية قلت في نفسي إنهم عرفوا كل شيء واكتشفت لاحقاً أن خالد قال لوالدته إنه سقط من الدراجة ابتسمت حينها ابتسامة الناجي من العقاب ونظرت لخالد بكثير من الحب والاحترام ، لكنه حب طفولي نعبر عنه برغبتنا في اللعب واللهو ، أتذكر أيضاً حين وفاة والده كان حينها في الثانية عشرة من العمر وكنت في العاشرة أذكر أنه بكى فسألته : هل والده سيذهب للجنة التي يذهب إليها المسيحيون أم أن هناك جنة أخرى للمسلمين ؟ لم يجبني حينها وظل يبكي .

بعدها بعام واحد غادرنا قطر عائدين إلى لبنان بعد أن ادخر والدي مبلغاً من المال كان أساس تجارته الجديدة التي أقامها في بيروت ، افتقدت خالد وافتقدت الهدوء الذي كنا ننعم به في قطر فقد تغير كل شيء في حياتي فجأة ، ووجدت صعوبة في التأقلم مع محيطي الجديد وكنت أطلب كثيراً من والدتي أن نعود لقطر وذهبت كل مناشداتي أدراج الرياح ، كنت جاهلة بالوضع الخاص لدول الخليج أو مجلس التعاون كما يسمونه ، وعندما كبرت قليلاً عرفت تلك المسائل بل حملت لتلك الدول مشاعر طيبة وكنت أختلف مع كل شخص يصف الخليج وأهله بالبدو ، فأخبرهم أني عشت هناك ووجدت كل الحب وكل الاهتمام ، وأن الناس هناك لطفاء متحابون رغم أنهم يختلفون عنا في الدين والعادات .

أعادني لقاء خالد لمرحلة جميلة في حياتي ، لا أستطيع نسيانها وأنساني وجوده عملي الذي أتيت من أجله ، فقد جلست معه وتأخرت على المترجم الذي كان ينتظرني في الخارج ، أعطاني خالد رقم هاتفه ودعاني إلى العشاء في وقت لاحق حين أنهى عملي والتقينا ، عرفت كثيراً من أخباره عرفت أن زوجه قد توفيت منذ ثلاث سنوات ، وأن والدته توفيت قبلها بعامين وعرفت أموراً أخرى عن حياته وعمله كان مرحاً جداً ضحكنا كثيراً ليلتها حتى ودعني لينام .

في اليوم التالي اتصل بي منذ الصباح وسألني : عما أنوي فعله في ذلك اليوم ؟ فأخبرته ببعض الأعمال البسيطة التي يجب أن أفعلها فسألني : هل يمكن أن نخرج في المساء ؟ فسألته: إلى أين؟ ، فقال : نمشي سوياً نغير جو العمل خفت حينها من أنه يريد أن يطور صداقتنا لعلاقة عاطفية ، لكن شكوكي ذهبت أدراج الرياح حين التقيته ، فمرحه لم يغادره اصطحبنِ لجولة في مركب سياحي في النهر ثم مشينا معاً حتى منتصف الليل لم يحاول خالد فيها استمالتي ، ولم يقل كلمة تعد في قاموس المصطلحات غزلاً ، فقط كان يمسك يدي كما كان يفعل ونـحـن صغار احترمته كثيراً وسعدت بصحبته أكثر ، في اليوم الذي يليه لم نلتق إلا لبضع دقائق ، ودعته حينها وهو يغادر الصين اعطيته رقم هاتفي في بيروت وطلبت منه أن يزورنا هناك ، اخبرته أن والدتي ستسعد لرؤيته .

خالد

     لا تزال ملامح الطفولة مرسومة على وجهها والخجل الذي كنت أراه مرتسماً بحمرة وجنتيها وهي صغيرة لا زال يزين تلك الوجنتين وخوفها كذلك فلا زالت تخاف كما كانت وهي طفلة لا أدري كيف تغير شعوري تجاهها فلم أنظر إليها كامرأة جميلة بل نظرت إليها على أنها أختي الصغيرة التي أعرفها جيداً ، سارة جميلة جداً بمقاييس الجمال وجمالها جدير بأن يجعل أي رجل يعجب بها من أول نظرة كما يقولون لكني لم أجد هذا الشعور في نفسي وأنا معها إلا أني كنت أنظر إليها كثيراً وأتأمل وجهها لأرى تلك الملامح التي كنت أعرفها في طفولتي .

لفت ذلك الأمر انتباهها فسألتني : لم تنظر إلي بهذا الشكل المريب ؟ فقلت لها : هل تصدقيني لو أخبرتك ؟ فأخبرتها عن سر نظراتي لها فضحكت ، وقالت : تحلف على ذلك ؟ فحلفت فلم تسألني بعدها لماذا امعن النظر في وجهها ؟ .

دعوتها إلى العشاء فأجابت دعوتي بالقبول كانت أنيقة رغم أن ملابسها بسيطة مثل تصرفاتها تماماً ، وكانت تصرفاتي معها دون حساب ، فكنت أضحك أمزح مضت الليلة بهذا الشكل حتى افترقنا ، في اليوم التالي ، وهو اليوم الذي يسبق سفري ، تعودت أن أترك هذا اليوم بلا عمل في رحلاتي لكي أستريح وأذهب لأتمشى أو أتسوق أو أتفرج على البلد التي أنا فيها سألت سارة مرافقتي فسألتني : لماذا ؟ شعرت أنها خافت من شيء لا أدري ما هو لكنها عندما خرجت معي في المساء كانت في حالة ذهنية ونفسية ممتازة ، حدثتني خلالها عن أمور كثيرة في حياتها عن والديها وكيف كانت ترجوهم وهي صغيرة أن تعود للدوحة من جديد ، وتحدثت معي عن تجارتها الصغيرة ، وتجربتها في تصميم الأزياء وكيف بدأت هذا المشروع الذي تطور بشكل جيد وأخبرتني كذلك أنها عزباء فقد انفصلت عن زوجها بعد عام من الزواج ، ولم تقل الكثير في ذلك الجانب سوى أنهم لم يتفقوا ولم يرتح كلاهما للآخر .

بعد ذلك طلبت مني أن أتحدث عن نفسي أخبرتها بأشياء كثيرة لكن كنت حريصاً على أن لا تعرف سارة مدى ثروتي لكي لا تكون النظرة مالية فهذه المرأة لا تربطني بها علاقة عمل ولا مصلحة ولا حتى إعجاب بل تربطني بها الذكريات الطفولية التي كنت أعيشها وهي معي ، الطفولة الطبيعية التي لا تحمل الحقد ولا الظلم ولا التعالي ، بل البساطة والمرح ، وجدت كل هذا فيها أو ربما كنت أنا الدافع لها أن تتصرف ببساطة ، لأني تعاملت معها كأختي التي لم  أرها منذ زمن طويل ، والتقيتها بشوق الأخ الأكبر .

كل هذا مر على مخيلتي وأنا في الطائرة فكانت رحلتي سعيدة على عكس ما كنت أتوقع من ضغط العمل ، نعم كان هناك اجتماعات كثيرة ومقابلات شتى وزيارات ميدانية ، لكن وجدت في هذه الرحلة سعة في نفسي لكل هذا ، بسب وجود سارة ، ودعتني قبل أن أسافر وطلبت رقم هاتفها في بيروت فأعطتني إياه وطلبت مني أن لا أتردد في الاتصال في أي وقت أريد وأعطيتها رقم هاتفي كذلك .

ستبقى سارة لمدة يومين آخرين في الصين ثم ستغادر ، هي اخبرتني بذلك ، عندما وصلت إلى الدوحة كنت سأتصل بها ، لكن لم أجد مبرراً لذلك وجاء اليوم التالي ولم أتصل بها إلا أنها اتصلت بي بعد أن وصلت لبيروت ، شكرتني حينها على صحبتي معها ، وأبلغتني تحية والديها .

سارة

     غادر خالد وبقيت وحدي أعترف أن صحبته كانت ممتعة ، فقد شعرت بالملل بعد رحيله ومر اليومان التاليان ثقيلين جداً مع أنه كان لدي عمل كثير  ، حيث كنت أتابع تجميع بضاعتي وتغليفها وشحنها وقد أنهيت هذا العمل قبل سفري ببضع ساعات فقط كانت بعدها رحلتي طويلة لبيروت ومررت بمحطة “ترانزيت” في مطار دبي وصلت متعبة للمنزل ، كانت والدتي في انتظاري هناك وسبقها أبي لاستقبالي في المطار سلمت عليهم ودخلت غرفتي استحممت وبدلت ملابسي وخرجت لأجلس مع والدتي ، لكي أخبرها عن مقابلتي مع خالد .

سألتها في البداية هل تتذكر الدوحة ؟ وما إن جاءت هذه الذكرى في مخيلتها حتى تذكرت والدة خالد على الفور وأخذت تتحدث عنها وعن زوجها وابنها أخبرتها حينها بلقائي مع خالد ، فسألتني كيف أصبح شكله ؟ فأخبرتها أنه شخص وسيم أنيق متعلم وتاجر وسألتني عن والدته فأخبرتها أنها توفيت منذ ما يقارب الأربع سنوات أو أكثر دمعت عيناها فسألتها : هل تحبينها لهذه الدرجة ؟ فقالت : كانت مثل أختي بل إنها فعلت معي ما لم تفعله  معي أي امرأة على وجه الأرض فعندما ذهبنا إلى الدوحة كان والدك مشغولاً طوال الوقت وكنت أنا وحدي ولم أنجبك بعد كانت تزورني باستمرار وتدعوني لمنزلها . لم أتقبل الوضع في البداية لكوني مسيحية ، لكن اكتشفت فيما بعد أن هذه السيدة لا تحمل في قلبها إلا الخير أحببت ابنها خالد كثيراً ، لأني حملته بين يدي وهو لم يكمل السنة بعد ورأيته يكبر كما رأيتك تماماً ، وهي أيضاً كانت تحبك كثيراً وتدعوك بابنتها كانت علاقتي معها طيبة طيلة بقائي في قطر .

بعد ذلك تركتها وذهبت لغرفتي واتصلت بخالد لأنه أوصاني بأن أتصل به فور وصولي لبيروت ، أبلغته تحيات والدي وعاتبته لأنه لم يحدثني بعد وصوله لكن بعد هذا الاتصال انقطعت أخباره عني . اتصلت به مرة أو مرتين فكان هاتفه مغلقاً لم يزعجني ذلك لأنه لم يكن بيننا ما يوجب علينا تكرار الاتصال ،  ترك لي خالد ذكرى طيبة بعد لقائنا في الصين ، كنت أتذكره بين حين وآخر كما وددت أن ألتقيه مجدداً ، لكنه لم يتصل بي ولم أجد وسيلة لكي أحدثه .

خالد

     تمددت على السرير لكي أنام ولم أتمكن من النوم فمنذ الصباح شغلتني نفسي المتعبة من كثرة العمل ، وسألتني أن ترتاح قليلاً وتستكين ، أذكر منذ عام لم أحصل على راحة حينها التقيت سارة التي ذكرتني بطفولتي ، أذكر جيداً أني نسيت همومي حين التقيتها وللأسف لم تحدثني إلا مرة واحدة بعد أن عادت لبيروت وأنا لم أتصل بها مطلقاً .

نهضت من سريري وأخذت أفتش في أوراقي القديمة لا أدري لماذا أردت التحدث معها في هذا الوقت من المساء ، فتشت في أدراجي كلها ، وفتحت حقائب السفر ، وحينها ابتسمت فها هو رقم هاتفها لم أتردد في الاتصال لكنها لم ترد هل تراها تزوجت أم انشغلت ؟ أم ماذا حصل لها بعد عام من لقائنا ؟ لم ألبث طويلاً حتى رن هاتفي وبعد أن سمعت صوتي وتأكدت أني خالد كان حديثها عنيفاً وهي تؤنبني لماذا لم أتصل بها ؟ ولماذا هاتفي دائماً مغلق ؟ وصدقوني أني نسيت أن أتصل بها حين غيرت رقم الهاتف لأعطيها رقمي الجديد .

لهذه الدرجة نسيت نفسي ، وانشغلت بالعمل أم أن ماضي حياتي وقف بيني وبين مستقبلي ؟ لا أنكر حبي لزوجتي التي توفيت وأن ذكراها وقفت حاجزاً قوياً يمنعني من أن أكون علاقة عاطفية مع أية فتاة ألتقيها ، نعم أحبها حتى الآن وتسكن قلبي وتصاحبني في كل وقتي لكن سارة لا تعني لي الحب لأني لا أنظر لها من هذا المنظور أبداً ، بل أراها كأختي الصغرى ،علمتني أمي على ذلك وحمّلتني والدتها في صغري هذه المسؤولية فتكون عندي انطباع الأخوة في علاقتي معها ولا أظنه سيتغير .

عدت لسريري وأنا مبتسم منشرح النفس وفي قرارة نفسي أني يجب أن أرتاح وسأذهب لشركتي في الصباح لأنهي الأعمال المهمة وسأمنح نفسي إجازة طويلة لكي أستريح من ضغط العمل المتواصل ، غالبني النوم سريعاً حينها واستيقظت باكراً فتوجهت للشركة قبل أن يأتي الموظفون ، راجعت كل الأوراق المهمة حتى حضر مدير مكتبي ، وفوضته للقيام ببعض الأعمال وطلبت منه تأجيل بعضها سألني : لماذا ؟ فأخبرته أني منحت نفسي إجازة طويلة حتى أتخلص منه . ضحك وقال : لم أرك تمزح منذ زمن بعيد .

خرجت من المكتب الساعة العاشرة وتوجهت للمنزل حتى موعد الغداء وأخذت قيلولة قصيرة أيقظني منها اتصال سارة أخبرتني بأنها لم تتحدث معي جيداً البارحة لأنها كانت مشغولة سألتني عن أشياء كثيرة وعندما أخبرتها بأني في إجازة طلبت مني أن أقضي إجازتي في لبنان ، وأخبرتني أن والدتها ستسعد لرؤيتي ، كأنها قرأت أفكاري ودخلت في تفاصيل الذكريات ، نعم كنت عازماً على أن أزور بيروت لبضعة أيام ، ولكن أن أقضي الإجازة كاملة هناك أظن أنه يدخل في مجال المستحيلات لدي ، لأني قررت أن أسافر لأكثر من جهة ، قبرص واليونان على أن تكون بيروت هي المحطة الأولى أو الأخيرة في جدول إجازتي التي عزمت عليها .

توجهت لمكتب السفريات بعد الظهر ورتبت إجازتي لثلاثة أسابيع ، بيروت وقبرص واليونان لكل منها أسبوع كامل ، وسأسافر غداً صباحاً ولن أخبر سارة بحضوري لبيروت هل تدرون لماذا ؟ لكي أفاجئها كما كنت أفعل في صغري ، على فكرة أخبرتني باسم محل التصميم الذي تملكه عندما كنا في الصين ، ولتعودي أن أدون ملاحظات العمل احتفظت ببطاقة التعريف الذي تحمل اسم المحل واسم الشارع ، في المساء بعد أن أخذت قسطاً من الراحة ، ذهبت لأتسوق ، فمنذ فترة طويله لم أذهب لأشتري أي شيء لنفسي اخترت بعض القمصان “والتيشيرتات” “والبنطلونات” وبعض لوازم السفر الأخرى ثم توجهت للمنزل ورتبت حقيبتي وأغلقتها على غير عادتي في ذلك الأمر فعادتاً ما ترتبها لي مدبرة منزلي ، ثم خلدت للنوم .

عندما استيقظت شعرت أن هذا الصباح مختلف فلم أذهب للعمل ولم أفكر فيما تأخر وما أريد إنجازه بل استيقظت متأخراً في التاسعة تناولت إفطاري بهدوء ثم ارتديت ملابسي وتوجهت إلى المطار ، لم تستغرق الرحلة فترة طويلة ، فاجأتني بيروت فرغم ما مر بها من مشاكل وحروب إلا أنها استيقظت من جديد مثل العروس .

توجهت للفندق وغيرت ملابسي وأخذت سيارة تاكسي سألته عن الشارع الذي به ذلك المحل الذي أنوي زيارته فأخذني لهناك ، وقفت خارج المحل أتفرج على واجهته الأنيقة والملابس المعروضة بعناية وعندما دخلت استقبلتني آنسة جميلة سألتني عما أريد ؟ أخبرتها أني أريد أن أرى المحل وما يقوم به من أعمال في تصميم الملابس ، كانت لطيفة معي فاصطحبتنِ وأرتني بعض التصاميم الجميلة التي يقومون بها ، سألتها أن تأخذني للمشغل التابع للمحل ؟ وهنا اعتذرت مني بلطف فابتسمت لها وسألتها عن صاحب المحل لأني لم أشأ أن ألفت انتباهها أني أعرف لمن هو ، أخبرتني أن صاحبة المحل سيدة وأنها ليست موجودة ، فأعطيتها رقم الفندق والغرفة وطلبت منها أن تحدث صاحبة المحل إذا حضرت ، ثم خرجت سألتني عن اسمي فأجبتها أبو محمد وغادرت .

لم أعد للفندق مباشرة بل ذهبت وتناولت فنجان قهوة بأحد المقاهي ، وأخذت أتجول في الشوارع وعدت للفندق ، وقد مضى ما يقارب الساعتين تقريباً فوجئت أن سارة لم تتصل حتى الآن وبعد ساعة من عودتي للفندق رن الهاتف رفعت السماعة وكان المتحدث امرأة لكنها ليست سارة سألتي عن سبب زيارتي للمحل وهل ارغب في عمل أي تصاميم خاصة ، تمالكت نفسي لكي لا أضحك وأخبرتها أني أرغب في شراكة وسألتها بفضول هل أنتِ صاحبة المحل فأجابتني : لا ، أبلغتها أني أود أن اتحدث مع صاحبة المحل بشكل مباشر أو تحديد موعد معها في أقرب وقت ممكن لأني سأغادر في الغد فقالت إنها ستبلغها بذلك استأذنت وأغلقت الهاتف .

تمنيت أن لا تتصل سارة وأن تعود نفس السيدة وتخبرني عن الموعد الذي تحدد لمقابلتها ووقع ما تمنيت بالفعل فبعد ربع ساعة اتصلت نفس السيدة وأبلغتني أن الموعد تحدد غداً صباحاً فاعتذرت منها وأخبرتها أني مغادر في الصباح وطلبت منها أن تخبر صاحبة المحل بأني أوجه لها دعوة عشاء عمل في الفندق الليلة استأذنت مني لدقيقة ثم أخبرتني بالموافقة على الموعد فطلبت منها اسم صاحبة المحل فقالت السيدة / سارة فأخبرتها أن هناك طاولة ستكون محجوزة باسمها في مطعم الفندق وأنهيت المكالمة على هذا النحو .

كنت أريدها أن تتفاجأ بي أريدها أن تتهور أريد أن أرى ردة فعلها عندما تراني هل ستكون كما في السابق ؟ تنظر لي وتقف في مكانها ثم تأتي وتجلس بجواري دون أن تتكلم أم ماذا ستفعل ؟ ربما يزعجها ما سأفعل أو يضايقها لا يهمني فأنا أعرف كيف ألعب بمزاج تلك الطفلة التي أعرفها جيداً منذ صغري .

كان موعد العشاء بعد ساعة من الآن توجهت للمطعم وحجزت طاولة باسم السيدة / سارة ثم عدت لغرفتي تحممت وغيرت ملابسي ونزلت إلى المطعم قبل عشر دقائق من موعد حضورها جلست في الكرسي المخالف للمدخل لكي لا تعرفني عند حضورها وعندما جاءت وقفت بجواري وقالت مساء الخير رفعت رأسي ونظرت إليها مبتسماً صمتت ولم تقل شيئاً كعادتها رأيتها طفلة صغيرة في هذا الموقف كادت تبكي فسألتها : هل لا ترغب في السلام علي ؟ فحركت يدها فسلمت عليها وأزحت لها الكرسي لكي تجلس بجواري .

جلست ولم تتكلم سألتها ما بها فأجابت بغضب لماذا فعلت كل هذا ؟ فأجبتها أني أريد أن أرى الطفلة سارة عندما كنت أفاجئها هل تغيرت تصرفاتها أم كما هي لا تزال تلك الطفلة بداخلها ؟ سألتني كيف رأيتها ؟ حينها مددت يدي فسلمتني يدها فقلت لها : كما هي لم تتغير ، حتى عندما أمسك يدها تسلمها لي بهدوء ودون تردد حينها احمر وجهها خجلاً وابتسمت ابتسامة لم أشك لحظة أني رأيتها آلاف المرات وأنها لا زالت تحمل تلك الملامح البريئة التي تتمتع بها ولا تزال تتمتع بروحها الجميلة التي عرفتها .

مر الوقت سريعاً دون أن نشعر ، تطرقنا للحديث في كل جوانب حياتنا وتحدثت معها عن زوجتي فكانت حانية لم تغير الموضوع ، بل سألتني عنها كثيراً ، وحدثتني عن زواجها السابق وأنها لم تكن سعيدة ، لم أتركها تسترسل في الحديث عن حياتها الماضية لأني لا أريد أن أراها عابسة الوجه ، أردتها أن تبتسم أردت أن أرى السعادة على وجهها اصطحبتها للسيارة وأخبرتني بأنها ستريني المشغل غداً ثم غادرت ، جميلة تلك المرأة أو الطفلة ، قل ما شئت فقد جمعت الوقار والحيوية والبراءة فكانت سارة .

سارة

أزعجني ذلك الاتصال كثيراً ظننت أنه رجل أعمال يبحث عن مشاريع فكنت قلقة مما سأقول وما سأفعل وكيف سأتصرف ؟ وما أزعجني أكثر هو أنه لم يترك اسمه بل كنيته وعندما طلبت أن أعرف بياناته من الفندق أبلغوني أنه لا يمكن الإفصاح عن هوية النزلاء مما أثار ارتيابي ثم سألت نفسي لماذا أخاف والدعوة في مكان عام يعج بالناس ؟ اعتبرتها مغامرة ولم يخطر ببالي أن خالد هو صاحب الدعوة عندما رأيته ذهلت فرغم علمي بأنه في إجازة لم أتوقع أن يكون هو صاحب الدعوة صمت كعادتي عندما أصاب بالذهول ، ولم يخطئ تفكير خالد ، فهذه عادتي منذ الصغر لكن لا أدري ما أصابني كدت أن أحتضنه وأقبله لولا أن تداركت نفسي لم ينبع هذا الشعور من الحب ، ولنفسر كلمة الحب ونقسمها لأجزاء فهناك حب الأم والأخ والزوج ولو أضع خالد في خانة العواطف لوضعته في منزلة أخي الذي لم تمنحني إياه إرادة الرب .

نعم فاجأني لكنه استطاع أن يقلب كل الموازين ، استطاع أن يغير شعوري في دقائق كما كان يفعل منذ صغرنا كأنه يعرفني ويدرك كل ما يخطر ببالي ويضع الحلول الناجحة ليغير مزاجي دائماً عندما أمسك يدي ، أدركت أننا كبرنا لكن يده تحمل الدفء القديم الذي عرفته ، نعم كما قال لم أتغير لكنه هو أيضاً لم يتغير لولا لحظات التفكير العابرة التي تمر به والتي تحمل معها ملامح الحزن لأقسمت على ذلك ، انتبهت لهذه اللحظات في الصين وعرفت السبب اليوم أنا متأكدة من حبه لزوجته كم تمنيت أن أراها تجلس بجواره الليلة وتشاركنا الحديث ، لكي تنزع تلك الملامح الحزينة وتمحو لحظات الذكريات التعيسة لا يستحق خالد أن يحزن فكل ألم كان يمر به وهو طفل كان يتجاوزه دون ذكرى لكن زوجته تركت بداخله ذكريات كثيره لذا أثر فيه فراقها تأثيراً بالغاً ، أعرفه كتوم لا يتكلم عن آلامه لذا عندما تكلم عن زوجته تركته يسترسل لكي يخرج ما بداخله ، والغريب أنه تحدث عنها بكل مرح وتحدث عن اللحظات السعيدة حتى جاء الحديث عن وفاتها لم يترك لنفسه العنان وهو يصف تلك الأوقات بل قاله بشكل مقتضب وتجاوزه بسرعة ورغم ذلك توقف عندما أراد أن يتكلم عن تلك اللحظة المؤلمة في حياته وخرجت الكلمات ثقيلة وفجأة غير الموضوع كأن شيئاً لم يحدث ، كيف يتمكن إنسان من أن يخفي حزنه لهذه الدرجة لا أدري فأنا لا أستطيع ، لذا حمدت الله أن خالد غير موضوع الحديث عندما تحدثت عن زوجي السابق وإلا لبكيت وانقلبت الليلة رأساً على عقب .

استيقظت متأخرة في اليوم التالي فقد خرجت من الفندق في تمام الواحدة بعد منتصف الليل وكذلك لم أستطع أن أنام جيداً فكثير من الأمور دارت في رأسي لا أنكر أن خالد كان له المجال الأكبر في هذا التفكير ولا مانع لدي في أن يشغل تفكيري فأنا أعرف وأظنه هو مثلي يعرف أن هناك أموراً لا يمكن أن نتجاوزها في علاقتنا وأنها يجب أن تبقى في حدود الصداقة فقط أو على أكبر تقدير الأخوة .

رغم استيقاظي متأخرة إلا أني كنت مبتهجة أتطلع لما أفعل فبعد وجبة الإفطار اتصلت مباشرة بخالد فوجدته مستيقظاً أخبرته بأني سأمر لأصحبه ، فلم يعارض ولم يمر سوى ساعة حتى كنت بجوار الفندق دخلت فوجدته ينتظر في “اللوبي” أخذته  للمشغل ثم المحل وعرفته بكل العاملين الموجودين ، كانت مادلين الفتاة التي استقبلته بالأمس تنظر إليه باستغراب لكني تفاجأت عندما سألها خالد عن سبب استغرابها من علاقتي معه فهزت رأسها وهي تنظر إليه باندهاش لشدة ملاحظته فشرح لها أننا تربينا سوياً وأني مثل أخته ، انتابني شعور مريح عندما نطق بكلمة أختي لا أدري ما سبب هذه الراحة ؟! ربما لو كانت فتاة أخرى مكاني لتمنت أنه لم ينطقها ، أما أنا فزادت هذه الكلمة احترامي له ومكنتني من أن أمنحه مزيداً من الثقة .

كانت والدتي تنتظرنا على الغداء ولم أتوقع ردة فعل أمي حين رأته لم أتوقع أن تحتضنه كما لو كان ابنها ولم يحضر أبي الغداء معنا فقد كان ملتزماً بموعد عمل لم يتمكن من إلغائه وحضر بعد الغداء وكذلك احتضه بشوق ، أعرف أن أمي وأبي يحبانه وكذلك يحبان والديه رحمهما الله ربما انعكس هذا لمصلحته وقد كان مرحاً مع والدتي كثيراً لقد جعلها تضحك حتى دمعت عيناها من شدة الضحك أما والدي فتحدث معه في أمور التجارة وعن الأعمال في قطر حتى ظننت أن الحديث سيستمر في هذا المجال لما لا نهاية لولا تدخل أمي وطلبها من أبي أن لا يزعج خالد فهو في إجازة ويريد أن يرتاح من العمل .

مكث خالد معنا حتى نهاية اليوم ثم استأذن فأردت أن أوصله فاعتذر مني بلطف وقال إنه سيتمشى قليلا ثم سيستقل تاكسي ، ولم يفد إلحاحي في تغيير رأيه فرافقته للباب وشرحت له كيف يخرج من الحي السكني ويجد تاكسي ، ثم ودعني وغادر .

عدت مسرعة لوالدتي وسألتها بفضول ! هل تحبين خالد لهذه الدرجة ؟ فضحكت وقالت : لقد أخبرتك سابقاً عن السبب ولا تسألي والدك لماذا يحبه ؟ بل سأخبرك أنا بذلك فنظرت لها بفضول فأكملت حديثها . كان والد خالد رحمه الله ميسور الحال لكنه لم يبدأ التجارة إلا مع والدكِ نعم استفاد كل منهم من الآخر إلا أن الفضل يرجع لوالده لأنه منح والدك الثقة وكان يحثه على توسيع أعماله .

لا أتذكر والد خالد كثيراً ، لكن كنت أحب والدته وأنا صغيرة ، توجهت لغرفتي ، وأنا أقلب الذكريات وأعيد تفاصيل اليوم من أوله وحتى آخره ، ولو أردت أن أشعر بالسعادة لهذه الدرجة وفعلت كل شيء يسعدني لما وصلت سعادتي ما وصلت له اليوم فهناك تفاصيل صغيرة لم تخطر ببالي ، أن يهتم بها خالد كأن يحضر هدية لوالدي ووالدتي وكذلك أنا لم ينسني وعندما فتحت الهدية وجدت بها صورة قديمة بها طفلان أحدهما صغير والآخر أكبر منه قليلاً بما يقارب السنتين ، ومعهما رجل وامرأة خليجيان خمنت بسرعه قبل أن أفتح الورقة التي ألصقها بالإطار أن الصورة لي مع خالد وعائلته ، وتأكد هذا الأمر بعد أن قرأت ما كتب على الورقة كان هناك علبة صغيرة مع البرواز فتحتها ، فوجدت بها بروش أنيق من الذهب الأبيض مزين بأحجار كريمة لم أفرح بها مثلما فرحت بالصورة والإطار الذي يحوي رسوماً طفولية وضعت الهدية بجواري ، وغبت في التفكير حتى غالبني النوم .

خالد

     خرجت أمشي من منزل والد سارة منشرح الصدر ، فقد ذكرتني والدتها بوالدتي التي فارقتها قبل سنتين من وفاة زوجتي فكانت الألم الأول ، وبعدها بسنوات ماتت زوجتي فكانت الألم الثاني ذكرتني والدة سارة بجلسات والدتي واهتمامها بالمنزل وبالمطبخ وبالجيران ، ذكرتني بلطفها وحنانها ذكرتني بقلقها الشديد وخوفها على ابنها الوحيد بعد رحيل زوجها وذكرني أبوها بوالدي الذي رحل وأنا في الثانية عشرة من العمر كنت أستمع له وأرى أني حملت  الكثير مما وصف به أبي متجسداً في شخصيتي ربما زرعتها والدتي في ابنها ، لكي تجسد شخصية زوجها .

جميلة هي الذكريات حين تحمل السعادة وتعيسة هي عندما تحمل الألم فكيف أفصل بين الذكريات السعيدة وتلك المؤلمة التي تجسدت لي بفراق أبي الذي لا أتذكره كثيراً ووالدتي مصدر الطمأنينة والراحة وزوجتي التي أخذت معها الحب كيف صمدت كل هذه الفترة وأنا فاقد الأمان الذي يشكله والدي والحنان الذي تمثل في والدتي والحب الذي منحتني إياه زوجتي .

خرجت أمشي لأبقى وحيداً وأجمع ذكرياتي – أو شتات تلك الذكريات الجميلة التعيسة – نسيت ما حولي ومشيت على غير هدى لمدة ثلاث ساعات ثم اكتشفت أن لا مواصلات في المكان الذي أنا فيه ، ولولا أني سألت أحد الأشخاص الواقفين على رصيف الشارع لما عرفت أين أنا ؟ ولا كيف أخرج ؟ وصلت للفندق في تمام الحادية عشرة مساءً ومن الطبيعي أني تأخرت في النوم حتى الفجر ، حينما استيقظت أدركت أن الوقت يشارف على وقت الظهيرة .

بعد أن تناولت الإفطار خرجت لأزور المناطق الأثرية المحيطة ببيروت ، استمتعت بالمباني الرومانية وآثارها الجميلة وتلك المناظر الخلابة للطبيعة ، كم تمنيت أن أرى أشجار الأرز التي يفتخر بها اللبنانيون حتى أنهم وضعوها على علم بلادهم ذكرتني بالشموخ والعزة ، عدت في المساء لبيروت وتمشيت بها قليلا مررت بجوار محل سارة لم أفكر أن أدخل ولم أحاول الاتصال بها ، لأني أدري مدى انشغالها ولا أريد أن أسبب لها إزعاجاً باتصالي بها ربما أحدثها في الغد ، فهو على ما أظن يوم إجازتها .

عندما عدت كان الفندق ممتلئاً بالناس تلك الليلة وفي الصالة القريبة من البهو الرئيسي يوجد حفل زفاف تمنيت لو أدخل لأتفرج على العروسين وأهنئهما على الارتباط ، فالزواج كما تقول كل الأديان السماوية رباط مقدس يجمع رجلاً وامرأة في منزل واحد مدى الحياة ، في الجانب الآخر من البهو كان المطعم ممتلئاً عن آخره حتى “الكوفي شوب” لا أظن أن به مقعداً شاغراً أدركت أن إجازة بيروت بدأت من الليلة ، أحببت أن أجلس وسط الزحام وأتأمل الجالسين ، تحدثت مع الجرسون وسألته أين أجلس أشار لطاولة هناك في الركن البعيد ، توجهت لها وجلست طلبت فنجان القهوة المعهود وأخذت أنظر للجالسين أظن أن أغلبهم عشاق أو أصدقاء أو متزوجون ، شاهدت كثيراً من الابتسامات وملامح الرضا ترتسم على الوجوه ، وكثيراً من اللحظات الجميلة رأيتها هناك كان كل شيء يدعوا إلى السرور والابتهاج .

توجهت للمصعد وكأني لمحت سارة عند مدخل الفندق تقف مع أحد الرجال هناك حاولت أن لا تراني ربما كان صديقها أو حبيبها فيجب أن تستمتع بوقتها مع من تحب وتهوى توجهت لغرفتي وأنا أفتح الباب سمعت هاتف الغرفة يرن ، رفعت الهاتف فأخبرتني موظفة الاستقبال أن لدي ضيوفاً فأبلغتها بأني سأنزل ، نزلت من فوري ، عرفت أنها سارة ، رأيتها عند مكتب الاستقبال فقامت وقبلتني كتحية ، وأبلغتني بأن والديها ينتظراننا على العشاء حاولت أن أتملص من هذه الدعوة دون جدوى ، وكانت جادة وهي تتحدث معي ، وقد منحتني عشر دقائق فقط لأستحم وأغير ملابسي .

استحممت سريعاً وارتديت بدلة رسمية لأني شعرت أن الدعوى خارج المنزل ، فسارة متأنقة بشكل مثير للاهتمام على غير عادتها فترجمت ذلك من معرفتي أن اللبنانيين يحبون التأنق في المواعيد الرسمية ، عندما  رأتني بالبدلة الرسمية ابتسمت ووقفت أمامي ، وأخذت تعدل من وضع الكرافت وقالت : تبدو أنيقاً جداً بالبدلة السوداء على عكس ما توقعت ، ابتسمت لها وقلت : إن من يخرج مع فتاة في مستوى جمال سارة يجب أن يكون في قمة الأناقة فرأيت ملامح الخجل على وجهها ثم أمسكت يدي وخرجنا من الفندق .

لم تتحدث  معي في السيارة بل بقينا صامتين كنت أختلس النظرات لوجهها ، تبدو مختلفة اليوم لطالما أحببت النظر لوجهها الطفولي ، تبدو جادة بالمكياج أكثر مما تكون عليه بدونه اختفت ملامح البراءة عن وجهها ، غطتها طبقة من الأصباغ لا أدري لماذا تضع سارة مكياجاً فهي جميلة دون أن تتجمل ؟ لكن للنساء شؤونهن ، عدت أتأملها فالتفتت لي وضحكت سألتني ما بك تنظر إلي هكذا ؟ لم أخبرها بما دار في نفسي من هواجس لكن قلت لها شيئاً مخالفاً تماما قلت : تعرفين لو أني لا أعتبرك أختي الصغيرة لما تركتك أبداً ، لم تحرج من الكلام بل ردت بهدوء : أحمد الله أني أختك وأنت أخي ، لكن أخبرني هل شكلي أعجبك ؟ كان سؤالها صريحاً جداً لم أرد أن اجرحها فأجبتها بنعم فابتسمت .

أخذتني حيث كان والداها وكان المكان جميلاً على الشاطئ وكان والدا سارة موجودين ، حين وصولنا طلبت العون من ربي على هذه الليلة ، فلم أكن مستعداً للحديث والضحك والمجاملات ، ولم أتحدث كثيراً فكنت مستمعاً جيداً فاجأتني سارة وهي تشدني من يدي لكي أرقص معها فوقفت بجوارها وأنا أقول لا أعرف الرقص لم تبالِ بل شدتني لساحة الرقص وطوقت عنقي بيدها ووضعت يدي على خصرها فأحسست بأنوثتها وانتابني الخوف من هذه اللحظة ، أعدت كلامي لا أعرف فأخذت تحرك رجليها بخطوات دون أن تتحدث فهمت أنه يجب أن أحرك رجلي مثلها ففعلت مع كثير من الأخطاء الغريب أنها لم تضحك لأخطائي بل كانت تتمهل لكي أعاود المحاولة وكذلك فعلت ثم بدأت خطواتي تتزن وتنتظم فلانت بين يدي وأرخت رأسها على كتفي وهمست في أذني أقسم أني لو لم أعتبرك مثل أخي لما تركتك أبداً ، سارة ، سارة ، سارة ، أخذت أناديها فلا ترد بل كانت تميل على الموسيقى ميلاً هادئاً أثارتني استطاعت أن تستفز مشاعر رجولتي ، سايرتها وكانت قدمي تتعثر فلا تبالي انتهت المقطوعة الموسيقية الهادئة فابتعدت عني ورفعت رأسها مبتسمة فابتسمت  لها وأخذتها إلى الطاولة حيث والداها .

بدأ الكلام يدور حول سارة ، عملها حياتها السابقة وحياتها الحالية ، ربما كانت سارة تعيسة منذ ثلاث سنوات لكن كما قال والداها تخلصت من أغلب آثار الزواج الفاشل فعادت مرحة نشيطة مجتهدة في عملها الذي كانت قد أهملته في فترة سابقة . لم يشغلني الحديث كثيراً بل سارة هي من شغلني ؛ فقد لاحظت أنها شربت كثيراً الليلة لكنها لا تزال تحتفظ باتزانها أبعدت زجاجة “المشروب” من أمامها فنظرت لي باستغراب وقالت : لماذا ؟ لم أرد عليها بل كانت والدتها منتبهة لما يجري فخاطبتها بشيء من العصبية قائلة : لقد شربت كثيراً الليلة ، أجابتها سارة بتهكم : تتحدثون عن حياتي أنتِ ووالدي كأنكما من عاشاها لا أنا ، ألم تفرضوا علي الزواج فرضاً واستخدمتم كل الأساليب لإقناعي ، سكتت والدتها والتزم والدها الصمت ، قلت في نفسي لقد توتر الموقف كثيراً  مددت يدي لسارة فقالت : اتركني أخبرهم بما في نفسي تجاههم نظرت لها وابتسمت فلم ترد يدي وقامت معي .

أخذتها لإحدى الشرفات ووضعت يدي على كتفيها وهززتها قليلاً ، فقالت : خالد أرجوك أنت لا تعرف ما جرى لقد رسموا تعاستي بأيديهم وأخذت تبكي كالأطفال ، دون شعور لم أتمالك نفسي فاحتضنتها بقوة حتى هدئت ، تحدثت معي بعد ذلك عن الماضي فغيرت الحديث وأشعرتها بأنها ارتكبت خطأ بحق والدتها يجب أن تعتذر بسببه ، فعلت ما طلبت منها لا لأني طالبتها بذلك فحسب ، بل لأنها شعرت بقدر الإحراج الذي سببته لوالدتها أمامي بسبب ما دار من حديث ، مرت الليلة صامتة إلا من بعض المحاولات الفاشلة التي قمت بها لأكسر جو الكآبة دون جدوى فقررت الرحيل حاول والد سارة أن يوصلني فرفضت وخرجت بعد تحيتهم وشكرتهم على الدعوى  .

غادرت ولم ألتفت لأحد منهم وأنا خارج من المطعم لأن هناك أموراً كان يجب أن لا تقال أمامي وإن كنت مقرباً من العائلة أو كابنها ، فلا تكشف الأمور كلها مرة واحدة بهذه الطريقة ، غادرت مبكراً لكي لا توصلني سارة هربت منها فقد شعرت بقوة تأثيرها وهي تراقصني ، وشعرت بضعفها وهي تبكي بين ذراعي ، فلن أتحمل لحظة أخرى تجعلني أفقد توازني .

سارة

     لقد احتضنته مرة واحتضنني مرة شعرت بحذره وهو يحتضنني في المرة الأولى ، كنت أنوي بحق أن أختبر حديثه عن الأخوة ، ما شجعني على ذلك أن نظرته لي في السيارة كانت مختلفة تأكدت من أنه أعجب بشكلي حين قال : لو أني لا أعتبرك أختي الصغيرة لما تركتك أبداً ، احتضنته لأختبره فتمنيت أن لا تقف الموسيقى شعرت حينها أني أختبر نفسي فقد نجح في الاختبار بامتياز ، رغم أني فقدت الوعي بين ذراعيه ؛ بل فقدت السيطرة على رغباتي حينما بدأ يتمايل معي شعرت بسكينة نفسي وأنا أحتضنه كانت الدنيا ترقص في رأسي تمنيت أن يتهور ويمنحني قبلة على عنقي ، أو يوشوشني ويلمس أطراف أذني بشفتيه لم يفعل ، تحرك قلبي تجاهه تحرك لكي يقول لم أنا وهو كما نقول إخوة ولمَ نقف عند هذا الحد فهو رجل وأنا امرأة وهنا تقف القلوب فتميل لمن تحب وتهوى .

عندما احتضنني في المرة الثانية وأنا أبكي ضمني إلى صدره بقوه ثم وضع يده خلف رأسي وأخذ يحرك أصابعه في شعري كما نفعل للأطفال عندما يبكون ، شعرت أني لم أستطع البكاء وكأن الدموع قد جفت في عيني ، أرخى ذراعه من حولي كنت لا أسمع ما يقول بل كان تفكيري منصباً على مدى حبه لزوجته السابقة محظوظة هي في حياتها وبعد مماتها أم يا ترى أن حاجز الأخوة لديه قوي لهذه الدرجة التي تجعله لا يشعر بما يشعر به الرجال في هذه المواقف ؟

إذاً ما تفسير نظراته وتفكيره وهو يراني ؟ لم أجد تفسيراً يقنعني ربما حاجز الدين فهو مسلم وأنا مسيحية لكنه خرج معي واحتضن والدتي ، وتقبل أن تقبله دون حرج ، بل لم يرتبك حين قبلته وأنا أسلم عليه في الفندق ، حاجز الدين صعب بالنسبة لي وأظنه كذلك من الصعب أن يتخطى خالد هذه المسألة بسهولة رغم أنه لم يأتِ من قريب أو بعيد لهذه المسألة من قبل إذاً لماذا كان ينظر إلي بهذا الشكل ؟ ألم أعجبه ؟ ألم أثر في داخله شيئاً من العواطف أو حتى الإغراء على أقل تقدير .

التفكير في خالد أصبح مزمناً لا أستطيع  أن أتجاوزه ولا أستطيع أن أغيبه ربما عندما التقيته في الصين كنت أنظر إليه لأرى خالد الطفل أو الأخ الأكبر لكن في بيروت شعرت أنه مختلف وكأنه جاء يبحث عن ذاته التي فقدها ، خرجت في كامل زينتي للعشاء على غير عادتي ولم أقصد أن ألفت انتباهه بل كنت أريد أن أبدو جميلة متأنقة فهو رغم بساطة ملابسه التي يرتديها إلا أنه أنيق جداً في نظري وعندما رأيته بالبدلة الرسمية لم أتوقع أن يكون على هذا المستوى من الأناقة في اللباس الرسمي بل إنه لم يهمل التفاصيل الدقيقة المنديل الكرافت المناسب لحفل عشاء الحذاء اللامع العطر الفاتر الذي شممته وأنا أعدل من وضع الكرافت الذي لبسه بسرعة ورغم أن ربطة الكرافت كانت سليمة إلا أني أردت أن أتأكد هل هي مربوطة جاهزة أم أنه ربطها بنفسه ؟ ورغم ذلك لم أنظر إليه نظرة الإعجاب حتى احتضنته ونـحـن نرقص .

لم يتحدث الليلة كثيراً على غير عادته ففي المرات السابقة كان هو المبادر للحديث هو من يحرك الأمور ويفتح مجالات الحوار ، بقي صامتاً طوال الوقت حتى حين اختلفت مع والدتي وبكيت أخذني من يدي حينها لم يتحدث معي كثيرا بل لم تتجاوز فترة وقوفنا في الشرفة العشرة دقائق جلس معنا وحاول أن يغير من جو الكآبة فلم ينجح فالتزم الصمت وبعدها استأذن وخرج دون أن ينظر إلي نظرة وداع كنت أنتظرها منه .

أظنه خرج غاضباً من تصرفي بشكل متهور أو أنه شعر بالإحراج من سماعه أمور خاصة بحياتي السابقة أو تضايق من أن علامات السكر بدت واضحة في تصرفاتي لا أدري ما طرأ على تفكيره ولا أدري لماذا خرج بسرعة ؟ فكان من الواجب علي مثلما اخذته من الفندق أن أعيده وكنت أنتظر هذه اللحظة ، ألهذا أراد أن يخرج وحيداً هل انتبه أني أريد أن أكون معه وحدي ؟ رغم أني شربت كثيراً لا أظن أني كنت متهورة لهذه الدرجة ففي الليلة الماضية أيضاً خرج وحده من المنزل دون أن أوصله للفندق .

ذهبت لفراشي ولا زال يسكن تفكيري ، حاولت أن أزيحه دون جدوى حينها رفعت سماعة الهاتف واتصلت به رد بهدوئه المعهود ، دون أن أشعر أنه متوتر أو متضايق مني ، كان أهم ما في حديثه لي عندما سألته لماذا كان ينظر لي بشكل غريب الليلة لم أتوقع رده على عكس ما أخبرني به ونـحن متوجهون للعشاء قال : إنه كان يبحث عن سارة التي يعرفها لكنه وحسب كلامه لم يجدها إلا حينما بكت قال لي إن المكياج كان يخفي ملامح البراءة التي تميزني عن غيرى من النساء . لا أدري كيف يفكر هذا الرجل ألا يثيره التأنق والجمال ؟ لهذه الدرجة هو بسيط ؟ حتى في نظرته للنساء لا يبحث عن التصنع ما أغربه كان زوجي يطلب مني العكس تماماً حينما نخرج سوياً .

سألته عن سبب خروجه من المطعم أخبرني أنه لم يكن في حالة ذهنية تساعده على البقاء وهذا ما لاحظته من البداية وقال أيضاً إنه خرج لشعوره بأن الحديث أصبح خاصاً ومتوتراً ، وجهة نظره سليمة ولو كنت مكانه لفعلت الشيء نفسه لم أسأله أين سيذهب في الغد فأنا أعرف أنه لن يبقى في الفندق فزيارته لبيروت لن تتجاوز الأسبوع على حد تقديري ، أتمنى أن أراه غداً أتمنى أن يخرجني من حالة التفكير التي تحيطني ، هل أهرب من التفكير فيه لأكون معه وأغادره لأفكر فيه مجدداً من أين خرج لي خالد من أي صدفة ومن أي مكان ؟ ومن أي زمن ؟ أتمنى أن أتجاوز هذه المرحلة كما تجاوزت غيرها سابقاً ولا أنساق خلف مشاعري المجنونة .

خالد

أغلقت سارة الهاتف ، وأنا أشعر أنها لم تقل كل الذي تريد ، كانت تريد أن تقول أشياء كثيرة وتسأل أسئلة كثيرة ، ربما لم أفتح لها المجال لكي تتحدث معي بإسهاب أو أن تشرح ما بداخلها ، لم أكن أريد أن تتحدث معي وهي تحت تأثير الكحول فربما تقول أشياء لو كانت واعية لا تقولها ولا تتطرق لها أبداً ، لقد تصرفت بشكل غريب اليوم ، كانت تتصرف بطيش وتهور حتى وهي تتحدث مع والديها .

كانت جميلة لا شك في ذلك لكن ما أحببته في تلك الفتاة لم يكن جمالها بقدر ما أحببت فيها هدوءها سكينتها  تصرفها البسيط غير المبتذل ، كانت جميلة وهي متأنقة لكن افتقدت فيها سارة التي جئت لزيارتها في بيروت ، افتقدت سارة أختي الصغيرة لقد قتلت ذلك الشعور عندما رقصت معها ، شعرت أني أفقد السيطرة على نفسي تجاهها ، أثارتني لا أنكر ذلك فشعوري أنها مسترخية بين ذراعي ولا تترك مجالاً لجسدها أن يبتعد عني أخرجني من شعوري بأنها أختي الصغرى وأدخلني مداخل الهوى ، نعم كان ذلك شعوري تجاهها ، فخفت مما يجري فأنا لست متأكداً أني أستطيع أن أقاوم إغراءها العاطفي ولا حتى الجسدي ، سألتني لماذا ؟ كنت أود أن أقول لها الحقيقة كامله غير منقوصة ، كما فعلت كنت أود أن أقول لها إني لن أستطيع التحكم في تصرفاتي تجاهها لو جمعتنا لحظة حميمة مشابهة ، خفت أن توصلني للفندق وخفت أن تبقى معي وحدها فيأخذ لقاؤنا شكل الحب والانسياق خلف المشاعر .

أويت إلى فراشي وأنا أفكر فيها ، واستيقظت وأنا على ذلك الأمر ، وأخذت أفكر فيما ستقوله وما ستفعله حين التقيها مرة أخرى قررت الهروب مجدداً ، فنزلت لمكتب الاستقبال أسألهم عن رحلات سياحية ينظمها الفندق فعرضوا علي أكثر من مكان وقع اختياري على متنزه في الشمال لا يبعد كثيراً من بيروت ، ذهبت مع مجموعة لا تتجاوز عشرة ، أشخاص منهم سياح أجانب ومنهم عرب ، كانت المجموعة لطيفة عائلية وكنت أنا “العازب” الوحيد فيهم . جميلة هي مشاعر الحب عندما تراها بين البشر تثيرك وتستهويك تمنيت أن تكون سارة معي ، تمنيت أن ترخي رأسها على كتفي مجدداً لا أدري لماذا انتابني هذا الشعور المفاجئ ، ربما ما رأيت من مشاهد أثارت العواطف لدي لكن لما فكرت في سارة وحدها لماذا لم أفكر في أي فتاة أخرى قابلتها من قبل ؟ هل لهذه الدرجة استهوتني أم ماذا جرى ؟ أتمنى لو أستطيع أن أبعدها عن تفكيري قليلاً لكي أتمكن من الاستمتاع بما أرى من مناظر خلابة للطبيعة من حولي ، فالمكان جميل لدرجة أني شعرت بالاسترخاء والسكينة لكن عقلي لم يتوقف عن التفكير فيها رغم محاولاتي التلهي بأشياء كثيرة أخرى .

عدت في المساء من تلك الرحلة تحممت وبدلت ملابسي وجلست في شرفة الغرفة كان المنظر جميلاً ، فالشمس مالت لتغادر وبدأت تطفئ معها أنوار النهار لتستريح الأرض بعد نهارها النشط ، وتترك المجال لأنوار البشر أن تشتعل وتبعث شيئاً من الطمأنينة في ظلام الليل ، مشهد الغروب يستهويني فهو مشهد لا ينتهي يجمع متناقضين النور والظلام كما الفجر ويجمع النهاية والبداية في عكس صريح لموازين البشر التي لا تجتمع نهاياتهم مع بداياتهم أبداً.

عدت إلى سارة بتفكيري ، وكأني عدت لتفكيرها أيضاً فما لبثت إلا قليلاً حتى حدثتني بالهاتف وأبلغتني أنها تنتظرني في “لوبي” الفندق ارتديت ملابسي على عجل ونزلت لأقابلها سلمت علي وقبلتني قبلة تحية وجلسنا في “الكوفي شوب” تناولنا القهوة كانت بسيطة في ملابسها كما رأيتها أول مرة لم تبتذل اليوم حتى في تصرفاتها وحديثها انتبهت لحذرها لكن لمحت البراءة التي كنت أبحث عنها البارحة  وجدتها اليوم بكل تعابيرها .

لا أستطيع أن أنكر تأثيرها عندما تكون بقربي سألتها بصراحة بالغة عما فعلته البارحة كان حديثها حذراً وكان إلحاحي قوياً فلم تجد لهذا المأزق مخرجاً إلا أن تقول ما كانت تخفيه فأخبرتني أنها كانت تختبرني ، وأني قد نجحت في الاختبار ، فأخبرتها بما لم تتوقع أن تسمعه مني أخبرتها عن تأثيرها وهي تراقصني صمتت ولم تقل شيئاً أعرف أنها لم تتوقع مني ذلك وأنها توقعت أني نجحت في الاختبار فلا نجاح لي حين تكون معي .

انتظرت أن تقول شيئاً دون جدوى مسكت يدها ومشينا خارج الفندق بعكس اتجاهه ، توقعت أن تخالفني الرأي أو تعتذر أو تذهب دون أن تقول شيئاً لكنها صمتت ورافقتني ، بقينا هكذا ممسكين بأيدي بعضنا دون حديث ، التفت لها فجأة فوقفت فقبلتها بعنف لا أدري كيف خرج مني هذا التصرف المتهور لكنها تقبلته دون أن تعترض ولو بحركة بسيطة ابتعدت عنها شعرت أني ارتكبت ما لا يجب أن أفعله فقلت لها : آسف .. آسف ، أمسكت بيدي وأخذت تنظر إلي وهي مبتسمة لم أعاود الكرة فهي تعني لي أكثر مما تتوقع .

مشت معي عائدة للفندق لكننا لم ندخل الفندق بل خرجت معها في سيارتها  وتناولنا العشاء معاً اختلفت نظراتنا ، واختلف حديثنا واختلفت لمستي ليدها ، كان المكان رومانسياً لأبعد الحدود وكانت هي رومانسية أكثر مما توقعت بكثير ، أوصلتني بعد ذلك للفندق وقبلتها قبل أن أنزل بل هي من أغرتني لكي أقبلها ففعلت ما تريد وغادرت السيارة بعدها .

سارة

      كان متهوراً لم أتوقع أن لديه الجرأة أن يفعل ما فعل ، توقعت أن يكون مسيطراً على رغباته أكثر من ذلك ، لكنه تهور كنت أتمنى أن يتهور البارحة لكنه لم يفعل ، كل المشاعر كانت متيقظة ، لم يعد أخي لم أعد أشعر تجاهه بذلك الشعور ، بل اختلطت الأمور في نظري وتطورت بشكل مفاجئ ، لم أرتب له مسبقاً ولم ألم نفسي أني من أثار فيه هذه المشاعر المجنونة بل على العكس شعرت أني أحتاجه أكثر مما شعرت أنه يحتاجني وأني من يتمنى أن يتهور أكثر مما تهور وأن يفعل أكثر مما فعل فكنت أتمنى أن يطول عناقه لي أكثر ، لم أستطع الحديث بعدها كان قلبي يخفق بشدة فتلطف بي وأمسك يدي برفق فتركته يذهب بي حيث يريد دون أن أتكلم ، تركت له الخيار حتى وصلنا إلى الفندق فخفت أن يتركني ويذهب فدعوته لتناول العشاء .

افتقدت هذه المشاعر منذ فترة طويلة فبعد انفصالي عن زوجي لم أتجرأ أن أكون علاقة مع أحد فكان حذري كبيراً تجاه أي رجل يقترب مني لا أقول إني لست بحاجة لذلك الشعور فأنا في النهاية امرأة تملك كل المشاعر والأحاسيس لكن خالد مختلف عن كثير ممن قابلت من الرجال ، نوع من البشر لم أقابله من قبل لطيف مؤدب لم يبتذل لكي يقترب مني بل كان بسيطاً في كل تصرفاته كان يشدني لما يريد دون أن يستشيرني لكنه يفعل ما أريد دون أن أخبره كأنه يشعر بما يدور في رأسي وما أرغب فيه .

احتضنت وسادتي بسعادة بالغة احتضنتها بشوق ، كانت مشاعري متهيجة ، بدأت أشعر بالحب يتسلل لقلبي من جديد عادت بي الحياة لمرحلة المراهقة مرت بي هذه المشاعر من قبل وكنت أظنها لن تعود ، كنت أظنها ماتت لدرجة أني كنت أحسب أن الحب الذي حدثونا عنه ونـحـن شباب في سن المراهقة ما هو إلا إغراء أجساد لا قلوب لها ومن تجربتي السابقة ماتت أغلب تلك الأحاسيس لكن خالد أعادها لي من جديد أحياها من جديد أيقظ المشاعر من سباتها العميق وأخذ بيدي لفضاء واسع رحب أخرجني من ضيق نفسي لسعة الهوى .

لا أدري ما الشكل الذي ستصبح عليه علاقتنا ، فأنا لا أريد أن أكون علاقة محرمة معه ، ولا أريد أن أتزوج بمسلم وكذلك أنا لست على استعداد أن اتخلى عن علاقتي به ، هذا الشاب استحوذ على تفكيري ، نعم لم أقابله منذ أن كنا أطفالاً ورغم ذلك أشعر أني أعرفه جيداً ، فكرت كثيراً دون أن أصل لما يمكن  أن أفعله ضاق صدري فجاه عندما فكرت في مستقبل علاقتي معه ، فدينه بالنسبة لي مشكلة لا أعرف هل يمكننني تجاوزها ؟ ولو تجاوزتها هل تتجاوزها عائلتي ؟ ولو تجاوزتها عائلتي هل سيتجاوزها هو ؟ أو أن الأمر سيكون مختلفاً معه ؟ وأتوقع ذلك فالأمور الدينية في الخليج تتسم بالصرامة رغم أني أعرف أن كثيراً من الرجال الخليجيين تزوجوا بمسيحيات لكن ظلت هذه المسألة عالقة في ذهني تلك الليلة .

عادت أوراقي تتداخل من جديد لماذا تغير شعوري بالسعادة سألت نفسي سؤالاً آخر : هل بدأ خالد يحبني أم أنه فعل ما فعل البارحة بعد أن استثرت غرائزه ؟ لكنه توقف لم يكمل ما بدأه الليلة ولو أراد أن يصل لأبعد من ذلك لحاول على الأقل ؟ حتى قبلته وهو يودعني في السيارة كانت قوية لكنها قصيرة تنم عن حب لكنها تنم عن خوف أيضاً  ربما يعاني مثلي ، بل الأكيد أنه يعاني أكثر مني لأني أعرف ما مر به وأعرف أنه غير مؤمن بالمغامرات العاطفية القصيرة .

كيف غلبني النوم ؟ لا أدري لكني استيقظت في موعد العمل ارتديت ملابسي وخرجت للمشغل ، فهناك أعمال يجب أن أقوم بها ، عاد خالد لتفكيري مجدداً قررت أن لا أتصل به أو أمر عليه اليوم فربما يكون ابتعادي عنه أفضل من اقترابي منه بكثير ، فأتمكن من السيطرة على مشاعري المندفعة تجاهه .

وصلت للمشغل وباشرت العمل ، فكثير من الأعمال إن لم أتابع العاملين بها لا تخرج بالشكل الذي تصورته وأقنعت به الزبائن كان المشغل منذ الصباح مزدحماً . هناك ملابس زفاف ستسلم اليوم لأحد المحلات الكبرى ، وهناك فساتين سهرة بدأنا العمل بها طلبها أحد الزبائن في السعودية وكذلك علي أن أعد الموديلات الجديدة التي ستعرض في فصل الصيف لم أنتبه للوقت فكل شيء مع العمل يمر بسرعة كبيرة وبدأت الأمور تهدأ في المشغل في المساء بعد أن مالت الشمس للمغيب ، لم يمر خالد ببالي إلا مروراً عابراً وكان استغرابي الأكبر أنه لم يحاول الاتصال بي فلا مشكلة لديه في أن يجدني فهو يعرف رقم هاتفي المحمول .

أنهيت عملي فيما يقارب الساعة التاسعة فتوجهت للسيارة وأدرتها ، لفت انتباهي أن هناك ورقة وضعت على المساحة الأمامية للسيارة نزلت وفتحتها كان فيها (( أعرف أنك لن تقرئيها إلا في المساء لذا أحببت أن أقول لكِ مساء الخير )) ووقع أسفل هذه الجملة باسمه خالد لقد مر من هنا دون أن يزورني لماذا يفعل ذلك ؟ ورغم ذلك قررت أن لا أتصل به .

في طريقي للمنزل مررت بأحد محلات الزهور واخترت باقة صغيرة وطلبت منهم أن يرسلوها لخالد باكراً في الفندق ، وكتبت في البطاقة صباح الخير ووقعت باسمي سارة ، سألتني والدتي عندما دخل المنزل عنه فأجبتها : لا أدري دون أن أتوقف لأحدثها ، فأنا لا أريد أن تكتشف تأثير الحديث عنه على وجهي ، فوالدتي ماهرة في قراءة تلك الملامح .

خالد

     أثارت خوفي تلك المرأة فلا يجب أن يكون بيننا أي علاقة عاطفية ، فكثير من النساء قابلتهن في عملي وكثير منهن تودد إليَّ دون جدوى ، وكثيرات اللاتي ربطتني بهن صداقة خارج العمل لكنها لم تتجاوز الحدود المسموح بها ، لكن هذه المرأة رغم أني أعرف أن الارتباط بها شبه مستحيل ، تسوقني مشاعري لها سوقاً بل منذ أن راقصتني أصبحت أفقد السيطرة على مشاعري تجاهها .

استقبلت الصباح بالزهور سألت نفسي لماذا لم تحدثني البارحة على الأقل ، لكن سعدت بالباقة الجميلة ، لأنها من سارة انتزعت البطاقة ووضعتها في حقيبتي أحببت أن أحتفظ بها كذكرى جميلة لشعوري بأن ما أنا فيه لن يستمر طويلاً ، ورغم سعادتي بوجودها معي في هذه الفترة القصيرة ، أعرف أنها لن تستمر في علاقتها رغم أنها منحتني قبلة خارج حدود الصداقة البريئة فهذا لا يعني أنها أحبتني أو بدأت تحبني .

غريبة علاقتي بها أظن أن كلانا يعرف أننا لن نستمر سوياً لكننا لم نتوقف عند حدود ، أو لم نضع حدوداً تمنعنا من أن نستمر حتى دينها المسيحي ، لم تتحدث عنه ، وكذلك فعلت أنا دون شعور أو ربما جعلني لطفها أنسى ذلك الامر ، أظن أن علاقة أسرتينا ساعدتنا كثيراً في هذا الجانب ، لكن العلاقة بين رجل وامرأة تختلف كل الاختلاف عن علاقة أسرة بأسرة أو صديق بصديق ، فعلاقة الرجل والمرأة تكتنفها مشاعر ورغبات تتدرج حتى تصل للقمة ثم تنهار أو يكون الارتباط هو الضامن لاستمرارها .

خرجت من غرفتي متأخراً هذا الصباح ، لا أعرف أين سأذهب ولا ما أريد ، لذا اكتفيت بالجلوس في الفندق ومطالعة كتاب جلبته معي من الدوحة ، انتقلت من صالة الاستقبال إلى حمام السباحة إلى المطعم جل الوقت حيث تناولت غدائي في الرابعة مساءً ثم خرجت لأتمشى في شوارع بيروت أتفرج على المحلات تارة وعلى الناس تارة أخرى اكتشفت أن الدنيا تدور هنا بسرعة فالوقت يمر دون أن تشعر به يساعدك في  هذه البلد هواؤها العليل ومناظرها الخلابة في تجاوز حدود الغربة إن جاز التعبير وما يتصف به الشعب اللبناني من رقي في أسلوب التعامل مع الزائرين ، يجعلك محرجاً أغلب الوقت ، فمن الصعب أن تتغلب على عروض البائعين وأسلوبهم الجذاب في استقطابك لتشتري أي شيء من محلاتهم .

هكذا مر بي الوقت ذلك اليوم دون أن أرتب له على غير عادتي ، ربما أردت أن أكسر روتين النظام الذي لم أكن أحب أن أخرج منه أو ربما لم أجد مجالاً لتنظيم يومي  لانشغال عقلي بالتفكير في سارة بشكل قوي ، نعم لم تخرج معي منذ يومين إلا أنها صاحبتني في كل مكان زرته ، بل كنت أبحث عن وجهها بين وجوه النساء اللاتي رأيتهن وتمنيت أن أقابلها صدفة في أحد الشوارع ، وهذا الذي لن يحدث ، ولو أخذت أجوب بيروت شهراً كاملاً لما وجدتها بهذا الشكل.

عدت للفندق مجدداً عدت لأكون وحدي كما تعودت طوال سنين ، عاد بي الزمن للخلف فطردت تلك الأفكار وسحبني التفكير للمستقبل فأبيت أن أعيش بأحلام لا تتحقق لكن الأحلام لها جاذبيتها كالحزن تماماُ ، فالاثنان نقيضان ، لكنهما يستطيعان أن يفصلانك عن واقعك ويسيطران على تفكيرك .

لا أدري لماذا لم أتصل بسارة اليوم ؟ ولا علم لدي لماذا لم تتصل هي أيضاً ؟ هل يهرب كلانا من الآخر ؟ هل رفضنا ما حدث أم أننا استسلمنا ويئسنا مبكراً من علاقة ربما يحكمها الفشل قبل أن تبدأ ؟ أسأل نفسي لماذا ؟ أفكر دائما أنها تبادلني نفس المشاعر  ربما لم تخطر ببالها تلك الأمور التي أفكر فيها .

حتى الآن لا أستطيع أن أقول إني أحب سارة ، ربما ما أشعر به انجذاب نـحـوها أو بوادر حب ولم أصل بعد لتلك المرحلة من الهوى التي أشعر بأني لا أستغني عنها نعم هي جميلة جذابة خلوقه أنيقة قل ما تشاء ورغم ذلك فمشاعري متضاربة تجاهها إلا أنها تشغل تفكيري بصورة دائمة هذه الأيام . لا أنكر احتياجي لامرأة تشغل قلبي فربما حركت سارة تلك المشاعر وربما على العكس ربما حركت أنا بها تلك المشاعر التي تفتقدها هي أيضاً على حد علمي .

قررت أن أترك الأمور تسير دون أن أحسب حسابات ، ودون أن أرتب لها ، فهناك أمور يرتبها القدر في أحيان كثيرة دون أن نستطيع أن نوقفها أو أن نمنعها أو حتى نتجاوزها ، كلقائي بسارة في الصين وما أشعر به الآن تجاهها لم أرتب له ولم أسع إليه بل وجدتها في طريقي واقفة كما كنت أنا واقفاً في طريقها .

سارة

    لا أدري هل غادر بيروت أم لا زال هنا ؟ فهو لم يحاول الاتصال بي ولم أسأل عنه البارحة ، ولا التي قبلها أعرف أنه ترك لي ورقة قبل أمس ربما تكون ورقة وداع وربما ذهبت الباقة التي أرسلتها إليه لشخص آخر نزل نفس الغرفة في الفندق فسعد بها أو رماها ، كلها تخمينات لا ترقى ربما للواقع ولا أدري لماذا لا تطاوعني نفسي أن أتصل به . أعرف أني أتحمل قدراً من المسؤولية بدعوتي له للحضور إلى لبيروت لكن لم أتوقع أن أكون معه ضعيفة لهذه الدرجة وربما يكون هذا الأمر ما جعلني أتردد في أن أتصل به أو ألتقيه .

تناولت إفطاري وخرجت من المنزل متوجهة للمحل وعند اقترابي من قلب بيروت حيث المشغل قررت فجأة أن أمر بالفندق الذي يسكنه وأسأل عنه لا أعرف سبباً لهذا القرار المفاجئ غير أني حين استيقظت من النوم وكنت أفكر فيه ، سألت عنه في الفندق فعرفت أنه لم يغادر بعد وهو غير موجود بالفندق الآن انتابني شعور قلق تجاهه ،  لماذا ؟ ثم سكت ، صدقوني لم أجد الأسئلة التي أضعها لكي أكمل كلمتي ، فهو لم يترك لي مجالاً للأسئلة التي أتوقعها في تصرفاته رغم شعوري بجنونه وأنا معه إلا أني أشعر كذلك بعقله الراجح فعندما أقول لماذا لا يتصل مثلاً أضع له ألف عذر فيصبح سؤالي غير منطقي .

توجهت للمشغل فأبلغوني أن ضيفاً ينتظرني لم يخطر ببالي أن يكون خالد لكنه كان هو بهدوئه المعهود وكلامه اللطيف الذي لا يحمل تأنيباً ولا عتاباً ولا لوم سألني : هل عندي عمل كثير   اليوم ؟ فأجبته هناك بعض الأعمال فطلب أن أنهيها بسرعة وأرافقه لماذا لم أقل له لا أستطيع ؟ ولماذا لم أختلق أي عذر ؟ مع علمي بأنه لن يلح في طلبه ولن يمانعني لكني لم أفعل بل وافقته دون تردد ، ظننت أنه رتب لهذا اليوم ترتيباً خاصاً إلا أنه لم يكن قد قرر لأين سنذهب رافقته منذ الساعة الحادية عشرة ظهراً حتى منتصف الليل ، حينها تركني  ودخل الفندق كنت أتمنى أن يقبلني في تلك اللحظة لكنه لم يفعل .

نعم أشعر بطفولتي معه وأشعر باستسلامي كذلك لا بل أني شعرت أني استسلامي لم يكن نتيجة قوته هو بل نتيجة رغبتي أن أستسلم لكل تصرف يقوم به ، مشى معي كثيراً تلك الليلة وجلس بقربي ووضع يده حول خصري وأزاح شعري عن وجهي ولمس خدي بأصابعه ، إلا أنه لم يقبلني ولم يقل لي ما يعد في دنيا الهوى غزلاً . ورغم ذلك شعرت أن الدنيا كلها هو ، وأن البشر الذين رأيتهم اليوم  أشباح ، لم أشعر بهم ولم أفكر في أن أنظر إلا لمن بجواري وأسمعه وأراقب كل ما يفعل .

دخلت المنزل فاستقبلتني والدتي بالسؤال عن تأخيري فأخبرتها أني كنت مع خالد ، لم تقل شيئاً ، رغم أني أعرف ما يدور بخاطرها ، فطمأنتها وأخبرتها أنه للآن يعتبرني أخته الصغيرة ولم أكذب فاليوم لم يفعل ما يوحي بغير ذلك ، دخلت غرفتي واتصلت به لا شعورياً تكلمت معه ما يقارب الساعة أخبرني أنه سيغادر غداً لقبرص ، حينها سكت ولمت نفسي على تلك الأيام التي لم ألتقيه فيها ، وعدت أتحدث معه أخبرني بأنه يود أن يسلم على والدي قبل أن يسافر فعرضت عليه أن أرافقه حتى يغادر فلم يمانع .

استيقظت بعد نوم عميق شعرت أني لم أنل تلك الراحة منذ فترة ، فما أن مر خالد ببالي بعد استيقاظي ، ابتسمت وارتديت ملابسي وتوجهت للفندق أعرف أن الوقت لازال مبكراً على مغادرته بيروت إلا أني لا أريد أن أخسر أي وقت يمكنني أن أقضيه معه فلن أراه بعد ذلك ، فربما يغيب عاماً آخر دون أن يتصل .

وصلت للفندق فوجدته هناك ولم يتناول إفطاره بعد فدعاني لأفطر معه ، وذكرني بالصين حينما التقينا أول مرة ، وسرقنا الوقت فقد بقينا نتحدث لساعتين حتى أخبرنا الجرسون أن موعد وجبة الإفطار قد انتهى ، قام ونظر في ساعته وقال : أمامي ثلاث ساعات ثم أتوجه للمطار ، قمت حينها وأنا أشعر بالضيق لماذا يغادر بهذه السرعة ؟ لم أخبره بما دار بخاطري لكنه قرأ ذلك على ملامح وجهي وسألت نفسي بعد فترة وجيزة كيف جعلني أضحك مجدداً ؟ هذا ما أسأل نفسي إياه كل مرة دون أن أجد الإجابة .

مر بوالدي في مكتبه فلم يطل الجلوس كثيراً عنده ، ومر بوالدتي ، التي رغم حذرها لعلاقتي بخالد لم تتمالك نفسها وهي تودعه ، فبكت فقبلها على رأسها كعادة أهل الخليج مع النساء كبيرات السن ، ووعدها بأن يزورها في أقرب فرصة تسمح له بزيارة بيروت .

توجهنا بعد ذلك للفندق انتظرته في “اللوبي” لكي يستحم ويغير ملابسه فلم يطل بي الانتظار  فعاد وأنهى إجراءات الفندق وتوجهنا للمطار ، كنت أشعر بشعور غريب حينها كنت أود البكاء حاولت أن أتمالك نفسي واستطعت بعد عناء بقينا طوال الوقت لا نتكلم وعندما وصلنا للمطار نزل من السيارة والتف حولها وفتح الباب الذي بجانبي فنهضت من الكرسي فوقف أمامي واحتضنني بقوة وقبلني ، ثم أبعد شفتيه عني ، لكنه ظل يحتضنني بعدها أرخى يديه وابتعد رأى دموعي فضربته بقبضة يدي على صدره وقلت له : لم ستغادر ؟ قبلني حينها على رأسي وابتسم ، فضربته مرة أخرى ، وطلبت منه أن لا ينساني فقال لي : لا أستطيع أن أنساكِ .

دخلنا المطار أنهى إجراءات الرحلة ثم أمسك يدي وقبلها وقال لي : إلى اللقاء ورحل دون أن ينظر خلفه ، كانت دموعي تنساب من عيني دون أن أشعر لا أعرف لماذا كان شعوري برحيله مؤلماً لهذه الدرجة ؟ لا أشك للحظة أني أثق به رغم أني أخاف من استسلامي السريع له وعدم مقدرتي على مخالفة تصرفاته إلا أني أيضاً أقسم أنه لن يأتي بشيء يجرح به مشاعري أو يخدش كرامتي ، رغم جرأته أحياناً .

عدت للمنزل ولم أجد والدتي حينها فحمدت الرب على أنها لم تكن موجودة وإلا لأخذت تسألني ألف سؤال عن ملامح الحزن البادية على وجهي ولتطرقت في حديثها لخالد ، لكن لحسن حظي أنها غير موجودة أسرعت خطواتي لغرفتي ورفعت البرواز الذي أهداني إياه خالد ، واستلقيت على السرير حتى غالبني النوم .

خالد

     كدت أغير رأيي وأبقى في بيروت حين رأيتها تبكي ، شعرت بقيمة دموعها التي بددت كثيراً من شكوكي وأوهامي تجاهها ، فهكذا يبني الحب نفسه لا يستشير ولا يقاوم ، بدأت أحبها كما قرأت كل الرسائل التي تشير لهذا الشعور في عيني سارة ، قرأتها وهي تنظر إلي وهي تسلمني يدها وهي تترك شفتيها لأقبلها كيف أشاء ، قرأتها في دموعها ، في سؤالها لي ، وقرأت أسئلة كثيرة دارت في عقلها لم تقلها سألتني دون أن تتكلم لماذا ترحل الآن وسألتني أن أنتظر وسألتني أن أحتضنها وسألتني هل تحبني ؟ .

قرأت تلك الرسائل التي أعرف مقامها في النفس وأعرف ألم صاحبها ، ومعنى أن يبكي من الألم أو الفراق ، لم تتجرأ أن تسألني ولم أتجرأ أن أخبرها أن ما نـحـن فيه محكوم عليه بالفشل أو التعاسة لكننا نـحـن الاثنين لم نقدر أن نقاوم بعضنا أو أن نمنع أنفسنا من الاستمرار ، مندفعان في اتجاه واحد نمنع أنفسنا من اللقاء لكي نبتعد عن بعضنا ونكتشف أننا كنا نبتعد لنشتاق ونلتقي بعدها من جديد دون حسابات مسبقة نلتقي لنثبت لأنفسنا أننا كنا على خطأ ، فعندما ذهبت لمشغل سارة لم أكن أنوي الذهاب ، لكني ذهبت وعند عودتي للفندق في الليل اكتشفت أنها جاءت وسألت عني في الصباح ، ربما أرادت أن تسبق خطواتي لتصل إلي باكراً كما فعلت أنا أردت أن يكون الصباح مشرقاً بها .

وصلت للفندق المطل على البحر ، فندق جميل تتناثر غرفه على الشاطئ ، حمدت الله أنه فندق هادئ لأني محتاج لفترة من الهدوء لأعيد حساباتي وأنظر إلى الأمور عن بعد لأعرف ما يمكن أن أفعله فأنا محتاج إلى أن أكون مع نفسي لفترة بعد زيارتي بيروت وبعد أن وصلت العلاقة مع سارة لمرحلة الحب ، أحتاج أن أكون وحدي لأقيس مدى قدرتي على مقاومتها من جديد ربما أتمكن من النسيان أو أجبر نفسي على نسيانها إن اقتضى الأمر ، لا أستطيع أن أجزم بذلك رغم ثقتي الكبيرة بنفسي ،لكن كيف أجبرها على شيء هي راغبة في الاستمرار فيه ؟ لا أنكر أني أشعر بحاجتي لامرأة ورغم ذلك لم أنساق لأي امرأة التقيتها بهذه الطريقة التي انسقت بها خلف مشاعري لسارة ربما مرحلة الطفولة مهدت لذلك ، وربما أن سارة طيعة معي كزوجتي السابقة ، أو ربما أني وجدت بها ما لم أجده فيمن التقيتهن قبل أن ألتقيها ويبقى السؤال هل سنستمر معاً ؟

من ملاحظتي لأسرتها اكتشفت أن سارة  لا تستطيع أن تخالف الرأي العام الذي يتشكل في المنزل ففي النهاية هي توافق والديها الرأي ، حتى وإن كانت لا ترغب فيه ، أو لا تريده فمن الواضح أن زواج سارة السابق كان زواج مصالح لا أكثر ولا أقل ، لذا لم تجد سارة الزوج الحبيب الذي يشغل قلبها بل وجدت نمطاً آخر من الرجال الذين يقيسون أوقاتهم على قدر مصالحهم وكانت صدمتها كبيرة في زوجها ولم تستطع أن تستمر معه ، فانهار كل شيء ، وشغلت نفسها بالعمل دون أن تحاول أن تجد شريك حياتها المناسب .

لا أعرف ردة فعل والديها لو عرفا أن ما يجمعني بسارة يتجاوز الصداقة والأخوة ، فهما مسيحيان متشددان ، لا أجزم بذلك لكن هذا ما رأيته واضحاً في تصرفاتهما ، ربما لا أعاني أنا من هذا الجانب لأن والدي متوفيان ورغم ذلك أجد في نفسي رفضاً أن أرتبط بفتاة مسيحية ، وإن كنت تربيت معها ، ورغم ذلك أنا لا أريد أن أبتعد عن سارة وإن حاولت ذلك لكنها استهوتني بشكل وصل لحد الجنون أو اقترب منه .

لم يطل بي المقام حتى اتصلت سارة لتطمئن على وصولي ، ولم تتحدث معي كثيراً فأنهت المكالمة لتدعني أستريح على حد قولها ، أخذت حماماً دافئاً وأخرجت كتابي من الحقيبة بعد أن بدلت ملابسي وذهبت لأشرب فنجان قهوة ، لأن هدوء المكان استهواني فأردت أن أستخدم هذا الهدوء مع القراءة كمضاد للتفكير .

جلست ما يقارب الساعتين هناك لم ينقطع خلالها حبل أفكاري ولم أستطع أن أركز فيما أقرأ ، فعدت لغرفتي واتصلت بسارة وجدتها لا تزال مستيقظة ، تحدثنا كثيراً تلك الليلة عنها وعني وعما جرى بيننا في بيروت ، سمعت منها  ما كنت أتمنى سماعه ، بكت وضحكت وسألتني في تلك المكالمة مالم تسألني إياه وأنا معها سألتني هل تحبني ؟ ترددت كثيراً ثم أخبرتها بحقيقة الأمر أخبرتها بما كانت تود سماعه من كلمات تسر خاطرها فسألتني : لماذا لم أبقَ في بيروت إن كانت فعلاً قد استهوتني ؟ لم أجبها على هذا السؤال بل لم أحاول أن أقترب من أي موضوع يبحث في مستقبل علاقتنا وقبل أن تنهي مكالمتها طلبت مني طلباً لم أتوقع أن تطلبه ، طلبت أن أعود لبيروت وأن أكمل ما بقي من إجازتي هناك ، استغربت طلب سارة لكني عجزت أن أقول لها لا ! إلا أني لم أحدد موعداً لعودتي أخبرتني بأنها ستصطحبنِ من المطار ولن تسمح لي بأن أغلق هاتفي المحمول لكي تتصل بي في أي وقت تشاء .

بهذا الحديث وصلت علاقتي بسارة لمرحلة لم أود أن تصل إليه ، رغم أني أيضاً لا أود أن أتركها ، وأتمنى أن تكون بقربي دائماً إلا أن الأمور تسير بشكل منتظم ، أعرف أني لن أطيل البقاء في قبرص رغم أن المكان أعجبني كثيراً وسأعود لبيروت إن شئتم القول سأعود لسارة بكل جوارحي لا أدري لم كل هذا الجنون فلم ألتقيها سوى يومين من عام في الصين وسبعة أيام في بيروت ؟ وها أنا ذا سأقطع رحلتي وسأعود إليها في أقرب وقت .

سارة

     أغلقت الهاتف وكدت أصرخ فرحاً فهو سيعود من جديد لا لكي يستمتع بإجازته في بيروت ، بل من أجلي أنا ، سيعود لكي لا يترك لي مجال شك في أنه يحبني سيعود ليمسك بيدي ويأخذني دون أن أمنعه كالسابق ، كنا أطفالاً نلهو وأتمنى أن نعود نلهو ونـحـن كبار لم لا ؟ ألا يحتاج الإنسان الكبير أن يلهو ويلعب ويمرح وينسى الدنيا مع من يحب ؟ .

هل كان يجب أن يغادر لكي أكتشف أني أحببته وأني لا أستطيع أن أتركه فترة طويلة ، في المطار كدت أن أقول له أنا أحبك فلا ترحل ولا أدري ما ردة فعله إن قلتها في ذلك الوقت ؟ لكنه سمعها مني وأجاب دعوتي لن أتركه هذه المرة ولن أتردد في أن أكون معه .

لا أريد أن أوقف مشاعري ولا أريدها أن تخمد أو تهدأ ، ولا أريده أن يشعر حين يحضر لبيروت أني بعيدة عنه ولو للحظة ، فما شعر هو به ، من حاجته لإجازة ينسى فيها عمله ، أشعر أنا به الآن لا لكي أستريح من عملي بل لكي أنسى نفسي معه فأنا محتاجة إليه محتاجة إلى أن أشعر أن هناك إنساناً يحبني من كل قلبه إنساناً يسمعني وإن لم أتكلم ، يمسك يدي ويسير بي يضع يديه على خصري تارة ، وعلى كتفي تارة أخرى ، إنسان أستسلم بين ذراعيه وهو يقبلني ، لم لا ؟ ألست امرأة تملك كل المشاعر والأحاسيس ؟ بلى أنا كذلك وقد وجدت الشخص الذي تمنيته طوال حياتي أعرف أن الأمور سارت بشكل سريع وأن كلاً منا صرح للآخر بما يتمناه لم أفكر في أن أوقف مشاعري عند حد معين ولا أريد أن أفكر في ذلك .

سمعت عن أناس سقطوا في الحب من نظرة فكيف لي أن لا أسقط في الحب وأنا أقابل شخصاً يملك من التألق والتميز والجمال والغنى ما يجعله هدفاً لكثير من النساء  ؟ ورغم ذلك لم أشاهد في عينيه أي إثارة حين يشاهد فتاة جميلة تمر بجواره أو أي اهتزاز في شخصيته وهو يتحدث مع فتاة فكيف لي أن أقاومه ألست امرأة وجدت بجوارها رجلاً يحمل كثيراً من القيم النبيلة إنسان مغرٍ في كل تصرفاته إنسان لم تستطع أن تقاومه بل شعرت بحبه يتسلل لنفسها ويغزوها .

لم أجد مانعاً من أن يكون خليجياً  أو من أي جنسية ، فقط يكفيني أن يكون خالد . أعرف مدى عراقة جذوره وبداوة أصله وأعرف الكثير من عادات مجتمعه الذي ترعرع فيه ، وأعرف أن دينه مختلف ، وأعرف أن كل المشاكل ستثار من هذا الجانب من أهلي وأهله ، ومع ذلك لا أريد أن أفكر في هذا الجانب المظلم بل تشتعل مشاعري وأنسى كل شيء بمجرد أن أتذكر أنه سيحضر لبيروت من أجلي .

مرت ليلتي وأنا أتقلب في الأفكار ولم أنم حتى الصباح ومن المؤكد أني لم أستيقظ باكراً رأيت نظرة الاستغراب في عين والدتي حين قبلتها ، وأنا أخرج من المنزل كانت الشمس تميل غرباً وكان قلبي يميل معها فمن هناك سيأتي من أحب أتمنى أن يراها كما أراها ، وأن يستقبل تحيتي التي أرسلتها له عبر المغيب ، أعرف أنه يحب الغروب حدثني مرة بشوق وهو ينظر إلى الشمس وهي تسقط في الأفق البعيد سيراها حتماً اليوم كعادته .

ذهبت للمشغل ، كنت أود أن أقبل كل من التقيت وأخبره بما في قلبي ، لكن العمل لم يمهلني ، فالأمور متشابكة والأعمال لا تنتهي لا أدري كيف سأحصل على إجازة لكن كل ذلك لن يثني قراري في أن أستريح قليلاً ، انهمكت في العمل حتى العاشرة ، مساءً وخالد لم يتصل حتى الآن ، خطر في بالي أنه ربما يأتي اليوم لم أتمالك نفسي فاتصلت به كان لا زال في قبرص وكان يعطس بشكل متواصل وصوته مبحوح لم أطل الحديث معه وسألت نفسي هل سيتمكن من الحضور لبيروت غداً أو بعد غد ؟ لا أظن وربما سيطول الوقت كثيراً ، عاودت الاتصال به عندما عدت للمنزل كانت حالته مستقرة ، على الأقل لم يعطس كثيراً هذه المرة ، لكن بقي السؤال متى سيأتي ؟ لم أسأله كنت أود لو سافرت إليه لأكون بجواره وأعتني به على الأقل أعرف أن أسرتي لن تمانع في سفري لوحدي لكن بماذا أجيبهم عند طرح الأسئلة المعتادة إلى أين ؟ ومتى ؟ ومع من ؟ ولماذا ؟ وعلي أن أجيب بلا كذب كعادتي فلم أتعود على الكذب منذ صغري ولو عرف والداي أني سأسافر لخالد ستكون علامات الاستفهام أكبر وعلامات التعجب أكبر منها ويبدأ كل شيء في الانكشاف وأنا لا أريد أن يحدث ذلك على الأقل في الوقت الحاضر يجب أن تكون علاقتي مع خالد غير معروفة لهم .

نمت قرابة الثانية بعد منتصف الليل ، واستيقظت في العاشرة صباحاً ، لم يكن نومي مريحاً الليلة الماضية ، على عكس التي قبلها أخذت حماماً دافئاً وتناولت إفطاري وخرجت حينها اتصل بي خالد وأخبرني أنه سيطير لبيروت بعد قليل . رجوته بأن لا يغادر وهو متعب لكنه رفض وقال إنه تحسن .

لم يمنحني الوقت الكافي كان الأجدر أن يخبرني البارحة حين حدثني ، ورغم ذلك فرحت لأنه لم ينتظر حتى يبرأ من مرضه ، بل استعجل المجيء ولو يدري أني أستعجل مجيئه أكثر منه لربما تفاجأ ، أو ربما شعر بما يدور في خاطري أو أنه يشتاق إلي أكثر مما أشتاق إليه ، كلها احتمالات تسر الخاطر على العموم ، لم أذهب للمشغل بل توجهت من فوري إلى المطار ، فلا وقت يسمح لي بالعمل تناولت قهوتي في المطار ، وأنا أراقب شاشة الطائرات القادمة كان الوقت يمر بطيئاً وما إن هبطت الطائرة حتى توجهت للبوابة التي يخرج منها القادمون انتظرت كثيراً ولم يخرج وكذلك لم يتصل بي ، بعد طول انتظار خرج خالد أخيراً أظن أنه آخر راكب خرج ممن حضروا معه قبلته كتحية ، وأمسكت يده وهو يسحب حقيبته باليد الأخرى ، سألته عن سبب تأخيره ؟ فأخبرني أنه فقد إحدى حقائبه ، كان يبدو عليه التعب والإرهاق وصوته المبحوح لازال كذلك . سألته أين سيسكن ؟ فأخبرني أنه يريد أن يسكن في فندق على البحر بعيداً عن إزعاج المدينة .

كان المنتجع الذي اخترته ممتازاً في نظره وقد اختار شاليهاً على البحر ولا أدري كيف يستهويه البحر ولم ندخل في فصل الصيف بعد ؟ لكن المكان كان رائعاً بالفعل وكذلك المنتجع مكانه مميز حيث إنه يقع في منطقة وسطى بين عملي ومنزلي فيمكنني أن أمر عليه في كل وقت ، وقد رافقته للشاليه وأخرجت ملابسه من الحقيبة رتبها وتأكدت من أنه أخذ علاجه ثم تركته كي يستريح وتمنيت أن ينام جيداً لكي أستطيع أن أجلس معه في المساء .

توجهت بعدها للمشغل ، حاولت جهد استطاعتي أن أنهي عملي باكراً وأن أترك ما بقي من عمل للسيدة / ميرنا في وقت غيابي أعرف أنها دقيقة في عملها ، ربما أكثر مني وهذا ما يجعلني مطمئنة على العمل ، أخبرتها بأني سأرتاح لمدة أسبوع وطلبت منها أن لا تخبر الجميع بذلك لكي لا يتراخى أحد في العمل بل يستمر على وجهه المعتاد .

ذهبت لخالد تلك الليلة ولم أطل الجلوس معه أكثر من ساعة فلا زال يعاني من نزلة البرد رغم تحسنه ، تناول معي القهوة وجلسنا نتحدث كان حذراً حينها في الاقتراب مني لكي لا ينقل لي العدوى على حد تعبيره ، كنت أضحك من حذره الزائد وربما يكون حذراً لأسباب أخرى لا أدري ! ولا أمانع أن يكون حذراً معي فقد كان حذراً منذ التقينا ، ربما غادره حذره معي قليلاً ولكن ليس دائماً .

في اليوم التالي أيقظني من النوم على غير عادته فلم أتعود أن يتصل بي في هذا الوقت المبكر كان صوته قد استعاد عافيته قليلاً وأظن أنه تجاوز مرحلة المرض ، كان ينتظرني لكي نتناول الإفطار معاً لم أتأخر عليه فقط انتظرني لمدة ساعتين لا أكثر ولم أقصد التأخير إلا أن اتصاله الأول كان كالحلم بالنسبة لي ، فأكملت نومي اتصل مجدداً بعد ساعة ، فوجدني نائمة سمعته يضحك عرفت أن انتظاره الطويل لي ضايقه استعجلت أمري فتحممت وبدلت ملابسي على عجل ، وخرجت بعد إلقاء التحية على والدتي .

خالد

     لقد تأخرت كثيراً فأن تنتظر شخصاً على وجبة الإفطار لما يقارب الساعتين ولم تتناول أي وجبه طعام من صباح الأمس فهذا أمر مزعج جداً والجوع لا يدع مجالاً للإنسان في أن يفكر كثيراً إلا أني قررت انتظارها رغم ما تعانيه معدتي من فراغ ، لم كان إصراري على أن تتناول الإفطار معي ؟ بإمكاني أن أتناوله لوحدي ثم أتصل بها دون عناء كان سؤالاً سخيفا طرحته على نفسي وأعرف أني أريد أن تكون سارة معي دائماً لأني لم آتِ لبيروت إلا من أجلها .

وصلت أخيراً وها هي مقبلة علي ، قمت من طاولتي ونظرت لساعتي فضحكت ثم قبلتني وجلست فشددت يدها وذهبنا للبوفيه كانت تنظر إلي وأنا آكل وتقول : لم أرك تأكل بهذا السرعة من قبل ؟ شرحت لها الموقف وأنبتها لأنها لم تدعني للعشاء البارحة ، تعمدت إحراجها فوجهها يكون أكثر طفولية في الخجل والإحراج ، خرجنا بعدها من الفندق وكنت أرغب في أن أرى بيروت الشعبية وحمدت الله أنها ترتدي بنطلوناً من الجينز وقميصاً لأن التجوال في الأحياء الشعبية لا يناسبها المبالغة في الأناقة .

رأيت بيروت بشعبها البسيط الذي لا يعرف السياح الاجانب رأيت شوارعها الضيقة وممراتها المتعرجة وجلست في مقاهيها الصغيرة ، استغربت سارة من اهتمامي بأن أرى تلك الأحياء الفقيرة ثم فهمت أني لا أبحث عن الأشكال المتأنقة والمتعالين ولا الكاذبين ولا المنافقين بل أريد أن أعرف طبيعة الإنسان العادي الإنسان ببساطته كنت أشير إليها بكثير من حديثي ربما فهمت وربما تجاوزت ذلك لكنها رغم غنى والدها لم تفكر في التعالي أو التباهي بل أعجبني فيها تلك المسحة الطفولية من البراءة ، وذلك الأسلوب العملي الذي لا يعرف كثيراً من النفاق .

نعم هي كذلك تتجمل وهي تملك كل المقومات لذلك ، ورغم هذا لا يتملكها غرور الجمال ولا شغف التباهي ، أنيقة بشكل دائم رغم بساطة ما ترتدي ، وأظن أنها لو ارتدت أي شيء سيكون جميلاً عليها ، نعم جميل قابلت أناساً كذلك ، ربما يساعدها منظرها الحالم وجسدها المتناسق .

كانت صحبتها ممتعة نظراتها همساتها حديثها ، وقد ساقنا مرورنا بالأحياء الشعبية في بيروت إلى أن نتحدث عن الطوائف والأعراق في لبنان وعن مشاكلها السياسية والعرقية وعن الحروب التي مرت بها ، وكيف أن الإنسان اللبناني ارتبط بانتمائه لطائفته في بعض الأحيان أكثر من انتمائه لبلده ، كان الحديث شائقاً في هذا المجال وأعجبتني معرفتها الواسعة بتلك الأمور وتعاطيها معها بشكل لا ينم عن رغبة في استمرار ذلك .

مشينا كثيراً ذلك اليوم حتى الغروب ، فوكزتني حينها وقالت : هل تجازيني لأني تأخرت على وجبة الإفطار بأن تتركني جائعة حتى المساء ؟ ضحكت لأني قد نسيت الأكل بصحبتها بل نسيت الدنيا رغم ازدحام بيروت بزوارها وسياراتها ، شعرت أني معها وحدنا تناولنا غداءنا على الرصيف ، فكانت “الساندوتشات” لذيذة ، لم أختر ذلك المطعم بل هي من أشارت علي ، سالتها عن هذا الأمر ؟ فقالت : إنهم في صغرها عندما كانوا يزورون بيروت كانت تأكل هنا أحيانا ، جميل أن يرتبط الإنسان بماضيه وأن يعود له بين حين وآخر .

لم أعد إلى الفندق بل كانت سارة أكثر جنوناً مني ذلك اليوم فأخذتني معها لأماكن أخرى رأيت فيها الطابع الباريسي والناس المتأنقة وقالت : عليك أن تقارن بين ما رأيته في الصباح وما تراه في المساء ، حتى تعرف الفرق بين البشر ، صدقت فيما قالت كان الفرق كبيراً جداً ، الوجوه قد تبدلت والملابس تغيرت وكأني لم أرى بشراً متناقضين من قبل أعجبتني فكرتها فسألتها ما هو أرقى مقهى هنا ؟ أشارت لأحدهم فدعوتها فأجابت دعوتي دون تردد ربما كنا مختلفين عن كل الموجودين بملابسنا العادية حتى الويتر ( الجرسون ) كان يتعامل معنا بتعالٍ حينها أشرت لها بأن لا تقول شيئاً ووضعت له بقشيشاً محترماً في نهاية الأمر فاستغربت ! فقلت لها لكي يحترم كل من يرتدي ملابس عادية بعد ذلك .

ساحرة بيروت في المساء هواؤها البارد تسلل لعظامي ، ورغم ذلك لم أشأ أن أذهب للفندق كنت أتمنى أن يطول بي الوقت أكثر لكي تبقى معي سارة ، وفي نهاية الأمر غادرنا للفندق لم تنزل معي بل ودعتني عند المدخل بقبلة دافئة ورحلت .

دخلت الفندق وكأني قد خرجت منه للتو ، خرجت مع سارة وعدت بدونها عدت وحيداً ، وهذه الفكرة لا تستهويني الآن رغم تعودي عليها سابقاً ، أعرف أني بالغت في انعزالي بعد وفاة زوجتي وذلك لحبي الشديد لها ورغم وفاتها لا زلت أذكرها بشوق بالغ وأتذكرها دون وجل حتى وأنا مع سارة كنت أذكرها ، وأترحم عليها لكنها ليست موجودة الآن ومن الصعب أن يعيش الإنسان بلا قلب طوال حياته ، فللمشاعر دور مهم في حياتنا لا يستطيع إنكاره عاقل ، يكثر هذا الفكر في رأسي أحياناً وسرعان ما يذهب كما أتى ، وسرعان ما أعود لطبيعتي وفي الفترة الأخيرة أصبح هذا التفكير نادراً ربما لأني أحببت من جديد .

جميل هذا الشعور لا أود أن يغادرني ، ولا أريد أن أعود للوحدة والعزلة ، استلقيت على فراشي دون أن أبدل ملابسي فغبت في نوم عميق لم يوقظني منه إلا سوى اتصال سارة وهي تسألني : هل تناولت طعام الإفطار ؟ حينها نظرت إلى ساعتي فإذا هي الثامنة صباحاً ، نهضت من السرير اخذت حماماً سريعاً وارتديت ملابسي بسرعة وذهبت للمطعم .

كانت هناك تنتظرني ، كانت متألقة اليوم أكثر من أمس ، قرأت السعادة في وجهها قبل أن أجلس ، قبلتها وجلست سألتها عن سبب سعادتها ؟ قالت أمران أمر ستسمح لي بأن أعرفه وهو أنها قد تعاقدت مع إحدى محلات الملابس الكبرى لتزويدهم بفساتين سهرة أبلغوها بطلب ضعف الكمية السابقة ، وهذا الخبر وصلها قبل أن تدخل للفندق على حد قولها ، سألتها عن الأمر الآخر الذي لن تخبرني به ؟ فأجابتني : يجب أن تعرفه بنفسك ،ابتسمت ورفعت يدها وقبلتها تناولنا الإفطار وخرجنا ، صحبتني سارة للجنوب كان الجو منعشاً وسارة متميزة كعادتها ، لكن سعادتها بالفعل طغت على كثير من تصرفاتها ، ضحكت كثيراً ذلك اليوم وقبلتني كثيراً تركتها تفعل كل ما تريد دون أن أضع أي حدود أو موانع فتصرف البشر دون قيود يثير إعجابي وقد رأيت كثيراً من تصرفات ساره الطفلة التي كانت تلعب معي وتشاكسني أعدت الذكريات معها فكانت تقول لي كنت أفعل هكذا وأنا صغيرة وتعيد الحركة تعيدها كما لو كانت صغيرة بكل براءتها حتى وهي تأكل الآيس الكريم استعادت ذكرياتها وأخذ “الآيس كريم” يقطر من شفتيها نظرت لي ، ضحكت وقالت : هكذا كنت أفعل وأنا صغيرة أليس كذلك ؟ .

مر اليوم سريعاً كسابقه فودعتها عند الفندق بقبلة ورحلت لتكون في مكان آخر ، جلست أفكر كثيراً تلك الليلة ماذا سأفعل عندما تنتهي هذه الأيام الجميلة ؟ هل سأعود لرتابة العمل والوحدة ؟ كأني رفضت وحدتي التي كنت أصر عليها سأعود بين أوراقي وعزلتي هل أقدر على هذا الأمر ؟ أم أني تعودت على وجود سارة وضحكاتها وهمسها وكلامها وجنونها .

ما النهاية ؟ ماذا سيجري ؟ ربما سأكون من يحرك الأحداث وربما تحركني الأحداث ما الذي سيحصل غداً وبعد غد ؟ أسئلة كثيرة ولا إجابات حتى هي لم تتحدث معي عن المستقبل وإلى أين نـحن ذاهبون ، صرحت لي بأنها تحبني وأنا فعلت الشيء نفسه لكننا لم نتطرق لمستقبل تلك العلاقة نعيش يومنا بضحك ولهو نرقص نغني ونفعل كل شيء ، وكأن العالم ملك لنا وكأن ليس به سوانا .

هل سنرتبط أم سنبقى أصدقاء أم عشاق ؟ ولا آمل أن نكون عشاقاً فقط فلا تستحق سارة أن تكون عشيقة ولن أسمح لنفسي أن أجعلها كذلك فأنا أقبلها بشوق ، نعم تثيرني عندما أحتضنها ، فيغلب شوقي لاحتضانها رغبتي في أي شيء آخر ربما فكرت في المزيد ، لكن ليس بهذا الشكل الذي يمكن أن يهدم هذه العلاقة اللطيفة بيننا ، فللحب حسابات أخرى له حدود على عكس ما يشيع البشر أن الجنس نوع من الحب بل هو مكمل له فتجتمع المشاعر مع الغرائز في تناغم جميل لطيف فلا يشعر الرجل بعدها بأن المرأة سلعة ولا تشعر المرأة بأن الرجل لا لزوم له بعد ذلك .

في اليوم التالي التقينا وكان قد مر ثلاثة أيام على عودتي لبيروت ومر اليوم جميلاً كسابقه وبقينا نلتقي كل يوم من الصباح حتى المساء لا يعكر صفونا شيء ولا نهتم بشيء سوانا نـحن الاثنين لم نفتح أي موضوع عن المستقبل أو عما ستؤول إليه علاقتنا فكان لقاؤنا بين المزاح والحب واللعب والتمتع بمباهج بيروت .

مرت ثلاثة أيام أخرى وهنا حدث أمر صغير ربما لم ألتفت إليه كثيراً إلا أنه كان له تأثير مهم في علاقتي مع سارة ، كنا نجلس في أحد المقاهي التي تتميز بطابع الخصوصية قليلاً ، وكانت سارة تجلس بجواري ، دار بيننا ما يدور بين عاشقين من قبلات وضحكات كان هناك رجل كبير في السن في الزاوية الأخرى يجلس بمفرده ينظر إلينا بين حين وآخر ، لم أعره اهتماماً لكن عندما انتبهت له سارة ابتعدت عني قليلاً ، ثم نهضت دون أن تقول شيئاً وتوجهت إليه مباشرة ، رأيتها تسلم عليه وتقبله حينها قام من كرسيه وتوجه مع سارة نـحـوي ، عندما رأيتهما مقبلين وقفت ، مد يده وسلم علي ، عرفتني ساره به على أنه خالها السيد / بيير ، كان الامتعاض مرسوماً بشكل جلي على وجهه حين عرفتني سارة له بأني صديق من الخليج ، لم يطل الموقف أكثر من دقيقتين بعدها استأذن وخرج من المقهى .

أصاب سارة شيء من الارتباك ، بل رأيت في عينيها ملامح الخوف مما سيحدث بعد هذا اللقاء ، حاولت أن أغير من مزاجها قدر ما أستطيع ، سايرتني في حديثي وبعد مرور ساعة رن هاتفها المحمول ترددت وهي تجيب ، وعندما أجابت تغير مزاجها ، ثم استأذنت مني وغادرت دون أن تقول أي شيء سألتها فقالت : إنها ستتحدث معي فيما بعد .

سارة

     كنت أعرف أن خالي / بيير سيبلغ والدتي بما شاهد ، فهو أخوها الكبير وله تأثير قوي عليها لم تقل شيئاً في الهاتف إلا : أريدك أن تأتي إلي حالاً ، وأنا أعرف ما وراء هذه الجملة من أسئلة وأعرف أن والدتي صدمت عندما عرفت أن خالد موجود هنا في بيروت لأني لم أخبرها أنه عاد ولم أخبرها بأني في إجازة من عملي وبهذا تكون صورة خالد في نظر والدتي كأخ لي قد انتهت .

من حقي أن أحب وهي تعرف ذلك ، ومن حقي أن أستمتع بوقتي مع من أختار وهي لا تمانع في ذلك ، لكن بحدود أعرافنا وتقاليدنا كمسيحيين لكني لا أعرف رد فعلها على أن من أحب ليس لبنانياً ولا مسيحياً من الأساس ، وما أعرفه حق المعرفة أن والدتي ملتزمة دينياً وتدعو لي دائماً بأن أرتبط بشخص ملتزم تقول إنه سيحترمني وسيقدرني أكثر .

عندما دخلت المنزل وجدت والدتي بانتظاري سألتني لماذا لم أخبرها بأن خالد موجود في بيروت ؟ لم أجبها بل طلبت منها أن تستمع للموضوع بكامله وبدأت أحدثها منذ أن زارها خالد ليودعها قبل أن يسافر لقبرص استمعت بإصغاء بالغ ولم تقاطعني حتى انتهيت من حديثي في لقائنا مع خالي / بيير في المقهى عندها سألتني : هل تظنين فعلاً أن خالداً يجبك ؟  فأجبتها : بنعم ، فسألتني هل حدثك عن خطوبة أو زواج ؟  فقلت : لا ، حينها قالت : لا أظنه سيحدثك عن هذا الأمر وعندما يرحل لن يترك إلا الذكريات التعيسة .

جلست أتحدث مع والدتي قرابة الساعتين ، كان كلامها منصباً على خالد بأنه عاد ليتسلى بي ، ويستمتع بصحبة فتاة جميلة على حد قولها ، وليكن أنه عاد ليتسلى فأنا أيضاً استمتعت بتلك التسلية ولا أنكر أن حديث والدتي أثار أسئلة كثيرة في عقلي ، كنت لا أحاول أن أفكر فيها ، ولم يتطرق لها خالد فكلانا على ما أظن كان يتجنب أن يتحدث في مستقبل علاقتنا .

لم تتحدث والدتي عن قبولها أو رفضها لارتباطي بخالد من قريب أو بعيد ، لكنها سألتني عن طبيعة العلاقة معه ، فأجبتها بكل وضوح بأننا لم نرتكب معصية ولم تصل علاقتنا لما تتوقعه لم تصدقني بسهولة وأعرف لماذا ؟ فخالي / بيير كما أعرفه نقل لها ما شاهده عن الوضع الحميم الذي كنا أنا وخالد عليه في المقهى ، وأعرف أن أي أحد رآنا سيقسم أن بيننا علاقة أكبر من علاقة بريئة لم تتجاوز القبلات والاحتضان أحياناً .

لم أتحدث مع خالد تلك الليلة ولم أجب على اتصالاته المتكررة فأنا في مزاج سيء للغاية ، وتفكيري مشوش ، لأني لا أحب أن أوضع موضع المتهم ، ولا أريد أن يكون لوالدي تأثير على علاقتي بخالد كما جرى في زواجي السابق ، أريد أن أعيش معه كل لحظة وأن أستمتع معه بكل شيء وأن أتركه يحبني كما يريد لأني لم أجد هذا الشعور الذي منحني إياه خالد في أيام قلية طيلة حياتي السابقة التي عشتها قبل أن ألتقيه .

في الصباح لم أر خالد بل بقيت في غرفتي ، مرت بي والدتي فوجدتني بحالة مزاجية سيئة ، فلم تتكلم معي مجدداً ، بل تركتني في غرفتي ، ولم تدعني للغداء عندما حان موعده ، أما خالد فلا زال يتصل دون أن أرد عليه كيف سأبدأ الكلام معه إن سألني عما جرى البارحة بيني وبين والدتي ؟ أم سأكذب عليه أم سأقول له تعال وأخطبني من أهلي ، شعرت بأني سخيفة وأنا أفكر في هذا الاحتمال ، فلم يكن خالد طامعاً في ثروة ولا سائراً وراء شهوة ، بل كان لطيفاً معي جداً ورغم ذلك لم أتحدث معه والتزمت الصمت وعادت لي تعاستي التي كنت قد تخلصت منها منذ فترة طويلة .

في المساء جاء والدي وجلس معي ، تحدث معي بلطف أكثر من والدتي لكن حديثه لم يخرج عن سياق حديثها ، بل كان واضحاً أكثر فرفضه بأن يكون بيني وبين خالد أي علاقة عاطفية أو زواج كان صريحاً ، ولم يترك لي مجالاً في أن أناقشه عندما قاطعته طلب مني أن أستمع لما يريد قوله وفي النهاية خرج ولم يسمع ما أريد أن أقوله ، هذه هي عادته القديمة يقرر ويترك لوالدتي مهمة إقناعي بما قرر .

لم أترك الأمور تسير بهذا الشكل الذي يرسمه والداي كالسابق بل توجهت لوالدي وجلست معه ، رفض في البداية أن يستمع لما سأقول ، فذكرته بما جناه علي هو ووالدتي بقراراتهما السابقة واتهمته بأنه يريد تحطيم حياتي فسألني ماذا أريد ؟ فأجبته بأن قرار حياتي يجب أن أتخذه بنفسي دون تدخل من أحد ضحك رغم غضبه ، وقال : تذكري أنتِ مسيحية ومن بيئة تختلف عن بيئته ومجتمعه ، فإن كنتِ تريدين أن تقرري فيجب أن تطرحي على نفسك كل الأسئلة وتجدي لها إجابات صحيحة ، ربما جانب كلام أبي الصواب نعم يجب أن أطرح الأسئلة كلها ، لكني لا أستطيع الإجابة عليها وحدي ولا أملك عقل من أحب لكي أجيب عنه ، كان يجب علي أن أقابل خالد وأحدثه بصراحة عما جرى لأنظر مدى صدقه في هذه المسألة لأن الشك قد دخل إلى نفسي رغم معرفتي بأخلاقه .

ترددت قبل أن أخرج من المنزل ، لم تسألني والدتي إلى أين سأذهب ؟ لكن عينيها كانتا تطرحان السؤال هل ستذهبين لخالد ؟ لم أحاول أن أقف عندها في تلك اللحظة ، بل أردت أن أكون بعيدة عن ضغوطها وإلحاحها ، خرجت من المنزل ولا زلت مترددة وأنا أتوجه للفندق ، وقفت هناك ساعة أكرر في نفسي ما سأقوله لخالد وكيف سأقابله ؟ وأشجع نفسي بأن لا أكون ضعيفة أمامه ، لا أخفيكم أني بكيت لشعوري بأن الأيام الجميلة قد ذهبت بسرعة دون أن أحقق ما أتمناه .

خالد

لم أتوقع مجيء سارة للفندق لأني أعرف أنها وقعت في مشكلة مع أسرتها بسببي ، وعندما رأيتها قادمة نهضت لأسلم عليها فلم تفعل ، بل جلست وسألتني : ماذا تريد ؟ كان سؤالها بمثابة الصدمة ، هل تسألني بعد كل ما جرى ماذا أريد ؟ ألم تشعر أني أحببتها بعد كل هذا ؟ لم أجبها بل ركزت نظري عليها والتزمت الصمت لكي تفكر قليلاً ، سألتني ثانياً : ماذا  تريد ؟ لم أجبها ، حينها قامت وصرخت في وجهي ماذا تريد مني ؟

نهضت من مكاني وأمسكتها من كتفيها وهززتها برفق وناديتها باسمها سارة ، سارة ، سارة ، كنت أريدها أن تفيق من حالة الغضب التي وصلت إليها ، بكت كالأطفال هدأت من روعها قليلاً وأجلستها على الكرسي ثم نظرت إلي والدموع لا تزال في عينيها فسألتني مجدداً ماذا تريد مني ؟ فسألتها : هل تعرفين أنتِ ماذا تريدين من حياتك ؟ شعرت أن دموعها قد توقفت فجأة لم أترك لها المجال أن تتحدث بل أكملت حديثي : أنا كنت مثلك تماماً لا أجد إجابة لهذا السؤال لكني الآن أعرف ماذا أريد فهل تعرفين أنتِ ماذا تريدين ؟ هل تريدين أن تصبحي غنية مشهورة سيدة مجتمع ؟ كل هذا لا يهم عندما تتعلق الأمور بالعواطف والاستقرار النفسي كل شيء لا قيمة له في المقابل تريدين أن تعرفي كيف يكون هذا ؟ انظري إلي فكل ما قلته قد مررت به لكني حين وجدتك أهملت كل هذه الأمور لكي أبقى معك أنتِ دون غيرك من آلاف النساء اللاتي رأيتهن .

التزمت الصمت ثم قالت : هل تحبني لهذه الدرجة ؟ نعم لكني لا أستطيع أن أجيب على سؤالك الأول الذي طرحته ، لأنه كان من الواجب أن تسأليني ماذا نريد ؟ نـحن الاثنين !! لا ما أريد أنا وحدي ولا أنتِ وحدك ، ابتسمت وقالت : آسفة ، مددت يدي لها وأخذتها “للوبي” أردت أن تشرب شيئاً يهدئ أعصابها لأني أعرف أنها ستلجأ للخمر وستشرب كثيراً إن لم تهدأ أعصابها تحسنت حالتها النفسية وأخذ الكلام بيننا يدور بهدوء ، طرحنا المشكلة كما هي وناقشناها ، لم نكن متفقين تماماً فقد بقت مشكلة الدين عائقاً آخر يقف في وجه علاقتنا ، لأنها تدرك مدى تصميم والديها وممانعتهم الشديدة التي ستكون عائقاً قوياً ، استمرت جلستنا نـحو الثلاث ساعات ثم غادرت .

لم أغلق أمامها أي باب بل طرحت الاحتمالات كلها  إن كانت في صالحنا أو ضدنا لأني أردت أن يكون قرارها نابعاً من أمور واضحة لا لبس فيها ولا تسويف ، لأنها إن لم تكن مقتنعة بما ستفعل سينعكس ذلك على علاقتنا التي ربما تمضي رغم أنف الجميع ، رغم كل هذا الكلام ، لم ينتج حديثنا قراراً نهائياً بما سنفعل مستقبلاً ، والشيء الوحيد الذي اتفقنا عليه هو أن علاقتنا ستستمر لمتى ؟ ولأين ؟ لم يملك أي منا إجابة على هذا السؤال .

تبدو الأمور واضحة من ناحيتي على الأقل ، أما من ناحية سارة فهناك بعض الغموض أستطيع أن أفسره أو أفسر جزءاً منه فهي وحيدة والديها ، وهي المدللـة التي لا ترفض طلباتها ورغم ذلك يكون تأثير الوالدين في الأسر التي تملك طفلاً واحداً تعلق عليه كل آمالها وتطلعاتها وأحلامها – تأثيراً قوياً – ففي زواجها السابق كانت المصالح جزءاً من الزواج وكذلك مكانة زوجها الاجتماعية ، ربما كان هناك مصالح عمل ، إلا أني اكتشفت أن والدها كان يريد لها أن تكون سيدة مجتمع تحظى باحترام الناس ، ويكون بذلك ضمن الحياة المستقرة والمستقبل لابنته .

لا ألوم والدة سارة فيما تفكر فيه من أني شاب خليجي عاد ليتسلى بابنتها فترة ثم يرحل ، فكثير من الشباب يأتي إلى هنا لهذه الأمور ومن حقها أن تخاف على ابنتها الوحيدة وأظنها فكرت في ارتباطي بابنتها رغم أنها لم تطرح الموضوع على سارة وتعرف ما ستواجه ابنتها إن انتقلت للعيش معي في الدوحة ، لأنها جربت الحياة في قطر ، من الأكيد أنها لا تعرف أن الظروف تغيرت كثيراً هناك ، وهناك أيضاً مسألة مهمة طرحتها على سارة حين تحدثنا فمن الطبيعي أن والديها يرغبان في أن تعيش ابنتهما بالقرب منهما لا أن تكون بعيدة عنهما ، وبينت لها مدى شوقهما لاحتضان أطفالها أيضاً وربما الذهاب بهم للكنيسة وتعميدهم وهذا لا يتأتى لهم بارتباطها بمسلم ومن أين من الخليج ؟! .

استغربت سارة من طريقة تفكيري حتى أنها اهتمتني بأني أريد التخلص منها في بعض الأحيان ، فشرحت لها وجهة نظري كاملة ، وأننا تجاوزنا مرحلة المراهقة ، ويجب أن نفكر بشكل صحيح وأن ننظر للأمور من منظور الإنسان الواعي والمتفهم لما يدور حوله وأنه يمكننا أن نـحقق ما نريد دون أن نخسر أحداً ممن نـحـب ، ذكرتها كذلك بأهمية والديها في حياتها وأنها لو استغنت عنهما كيف لي أن أثق بأنها لن تستغني عني بعد   فترة .

غادرت سارة بعد ذلك وتركتني أفكر … أنا !! هذا هو السؤال الأكبر الذي يجب أن أطرحه على نفسي قبل أن أطرح أي سؤال يتعلق بسارة ، هل أستطيع أن أعود لحياتي السابقة أم لا ؟ تحيرني الإجابة ففي تفكيري الآن ترتبط سعادتي بسارة ارتباطاً قوياً قل ما شئت بدافع الحب بدافع الغريزة بدافع التغيير من حياة الكآبة لحياة السعادة بكل الدوافع مجتمعة لم أجرب الرحيل عن سارة ولا أريد أن أجرب فهذه الفتاة أعجبتني حتى تمكنت من أن تجعلني أرسم مستقبل حياتي معها لا بل إني لم أفكر كيف ستكون سارة وسط مجتمعي الخليجي المحافظ ؟ كيف ستقتنع بعاداته وهي منفصلة عنه اجتماعياً ؟ فإن استطاعت أن تتجاوز هذا فكيف ستتجاوز ديانتها المسيحية التي تعتز بها ؟ ومن حقها ذلك وكيف ستدمجها في علاقاتها هناك إن تم الأمر ؟ .

أسئلة كثيرة دون إجابات فلا أستطيع أن أجيب قبل أن تبدأ المرحلة الأولى من حياتنا المشتركة ، تلك الحياة التي اضطررنا لمواجهتها بعد أسبوع من علاقتنا فبدت أول المشاكل باعتراض والديها ولا أدري أين ستكون المشكلة الثانية ولا الثالثة ؟ ومتى ستبدأ ؟ ومتى ستنتهي ؟ تلك المشاكل ، أعرف أن الدنيا لا تسير بالاتجاه الذي نريد دائماً ورغم ذلك أجد في نفسي العزيمة والتصميم لمواجهة ذلك الأمر والمرور من خلال تلك الظروف وبيدي سارة .

سارة

     لا أنكر أن خالد أزال الشكوك التي زرعتها والدتي في نفسي ليلة البارحة ، لكنه جعلني أفكر في الموضوع بشكل آخر لم أحاول أن أفكر فيه من قبل ، قد رمى المشاكل على الطاولة وقال لي أنظري لماذا تكونت ؟ وكيف ينظر لها الآخرون ؟ وكيف يفكرون في الحلول التي يعتبرونها صحيحة من وجهة نظرهم ؟ كل هذه الأمور لم تكن تخطر في بالي بل استغربت من طريقة تفكيره لدرجة أني ظننت أنه يريد التخلص مني بطريقة مهذبة ، لكنه رغم ذلك أقنعني بأن ما يقول هو الصواب فلا مجال لدي أن أستغني عن والدي ولا مجال لهم للاستغناء عني .

يجب أن أواجه المشاكل بروية وتمعن لا بتسرع وعصبية لكي لا نصل لطريق مسدود بسبب العناد والتعصب فبإمكاني أن أختلف مع والداي وأذهب لخالد ونتزوج بسرعة وينتهي الأمر وسأكون أنانية حينها ، لأني لم أفكر في إسعادهم وإرضائهم ، بل فرضت عليهم ما أريد ، وربما بقليل من الصبر ، ولو تأخرت مسألة ارتباطي بخالد قليلاً أستطيع أن أقنع والداي فتكون السعادة مشتركة وإن لم يسعدا فعلى الأقل لم أعصيهما ، هكذا جعلني خالد أفكر فتبينت لي الجوانب الخفية من المشكلة ، الآن أستطيع أن أواجه ابي بهدوء أكثر من ذي قبل .

توجهت للمنزل وأنا مصرة على أن يكون لقائي مع والدتي هادئاً لأبعد الحدود ، حتى لو اضطررت إلى أن لا أفتح معها موضوع ارتباطي بخالد الليلة ، وفعلاً قابلتها فقبلتها واحتضنتها كأني طفلة وجدت والدتها بعد أن تاهت ، استغربت أنها بكت فلم أتوقع أنها بهذا الضعف أمامي جلست معي تنصحني سمعتها ولم أقل شيئاً بل تركتها تتحدث بإسهاب عما يدور بخاطرها تحدثت معي عن الحياة بشكل عام في هذه المرة ، ولم تركز حديثها على خالد وعندما أتت على ذكره امتدحته وقالت : إنها تعرف أنه شاب ممتاز يتمتع بكل الصفات الطيبة ويكفي أنه مثل ابنها .

لم أناقشها حتى بعد أن انتهت من الحديث حينها نظرت إلي فابتسمت لها فقالت : خرجتِ غاضبة وأتيتِ تبتسمين وتستمعين لما أقول لماذا ؟ لم أحيرها بهذه النقطة بالذات لأني أريدها أن تعرف ما سبب هذا التحول السريع في انفعالي ، أخبرتها بأني ذهبت لخالد فأخبرني أنه لا يستطيع أن يستغني عني مهما جرى ، لكنه شرح لي ما سبب رفضكم وخوفكم فعدت لرشدي وأتيت إليكِ لكي تعرفي أني ابنتك التي تحبك .

تصدقون أنها ضحكت حينها استغربت من الأمر فشرحت لي أنها تذكرت حكمة والدته عندما كانت تذهب إليها وهي غاضبة من والدي فتهدئها وتناقشها وتضع الأعذار فتعود لوالدي مبتسمة منشرحة الصدر ترحمت عليها كثيراً حينها ، بل إنها نسيت حزنها من البارحة ، وأخذت تتحدث عنها تركتها تتحدث فذكرت قطر وكيف كانت في الثمانينيات ؟! وكيف كانت معاناتها مع الوحدة والفراغ !!  .

بعد ذلك استأذنت منها ودخلت غرفتي وبعد خمس دقائق لحقت بي وسألتني : هل غيرتِ رأيك في مسألة الارتباط بخالد ؟ فقلت : لا ، لكني لن أقدم على أي شيء دون موافقتكم جلست بجواري وقالت : انا أحب هذا الشاب كابني لكن لا يمكن أن أدعك تتركيني بسبب ارتباطك بشاب مسلم من الخليج ، قلت لها : يوجد وقت طويل لنفكر بشكل أفضل في هذا الموضوع وأخبرتها بعد ذلك بأن موعد نومها قد فات فقبلتني وخرجت .

ما رأيته اليوم ربما يكون بداية تحول في رأي والدتي ، بل رأيتها ألطف بكثير من ليلة البارحة ، بل رأيتها تتحدث عن خالد ووالدته بطابع الحب الذي كانت تذكرهم به سابقاً سأرى غدا ماذا ستفعل حين تعرف أني ذاهبة لأقابل خالد منذ الصباح ؟ هل ستعود للعصبية من جديد أم أنها ستكون على طبيعتها هادئة ؟ أتمنى أن تتكشف الأمور قريباً وأن لا يطول الأمر كثيراً .

بقي والدي العنيد فهو يأمر ويذهب دون أن يستمع لأحد فكرت كيف أستطيع إقناعه ؟ فلم أجد أسلوباً مناسباً لذلك فأنا لم أتعود أن أتحدث معه مثلما تعودت أن أتحدث لوالدتي بل عندما كنت أريد شيئاً منه أخبر والدتي وهي من يأتيني بالموافقة أو الرفض ، حتى عندما يتحدث والدي في أمور تخصني أجد صعوبة في مناقشته أو ربما أنا لا أريد مناقشته ، لأني أعرف طريقة تفكيره فأتركه يتحدث حتى ينتهي ، ثم أتركه وأغادر إلى غرفتي ، الجيد في الأمر أني لم أقابله الليلة ، فقد أتى للبيت ودخل غرفته كعادته دون أن يمر علي ، فأراحني من عناء التفكير في كيفية إقناعه .

في الصباح اكتشفت أني نمت لأكثر من ثماني ساعات متواصلة فاستغربت أني استطعت أن أنام نوماً عميقاً وسط هذه الأجواء المشحونة والمتوترة ، ارتديت ملابسي على عجل وتوجهت للفندق وجدت خالداً نائماً ، فأيقظته وسألته هل نام جيداً ؟ فأشار بـ  لا  ، عرفت مدى توتره واكتشفت انشغاله بموضوع ارتباطنا ، كان حديثنا طوال الوقت يدور حول هذه المسألة .

سارت الأمور ببرود تام لم أر خالد المرح خالد الذي ينسيني كل شيء وأنا معه ، كان تفكيره مشغولاً طوال الوقت ناقشني كثيراً في موضوع أبي كان يريد أن يتحدث معه لكن طلبت منه أن لا يفعل الآن على الأقل فلو تغير رأي والدتي يمكن أن يغير أبي موقفه هذا من وجهة نظري ، لكن خالداً كان له رأي مختلف قال ربما تلين والدتي لأنها رأتني هادئة وربما تطمع في أن أغير رأيي في الارتباط .

لم أتأخر اليوم ، ففي تمام السابعة عدت للمنزل وجدت العائلة مجتمعة هناك أبي وأمي وخالي بيير من جديد أعرف جيداً لما يقحم نفسه في حياتي الخاصة فأنا بالنسبة له كنز ينتظر أن أكون من نصيبه أو من نصيب ابنه الوحيد ، لقد تحدثت مع والدتي بخصوصه مرات عديدة ، لكنها لا تغلق الموضوع فبين حين وحين تفاتحني في موضوع الاقتران بابن خالي مع علمها المسبق برفضي لذلك الارتباط  .

جلست معهم ، ولم أسمح لأي منهم أن يتحدث في مسألة خالد ، فعندما تكلمت والدتي أخبرتها أني قد منحت نفسي فترة للراحة ولا أريد أن أشوش تفكيري ، ساد الصمت فترة ووجدت أن جلوسي معهم لن يغير من مزاجهم ، فهم يريدون أن تكون الأمور محسومة مبكراً لصالحهم ، وأنا لا أريد على الأقل أن يكون خالي بيير طرفاً في هذه المسألة ، لذا تركتهم وغادرت إلى غرفتي .

خالد

     كانت أهدأ مني اليوم بل كان تفكيرها صائباً في الكثير من الأمور على عكس تفكيري المشوش فكل ما فكرت فيه عدت وعدلت عنه سريعا إلا موضوع حديثي مع والد سارة ، فهذا النوع من الرجال لا يستسلم بسهولة ، لأنه يرى قراراته صائبة دائماً ، هذا النوع من الرجال يحتاج المواجهة لكي يرى أن خصمه أقوى مما توقع حينها يعرف أن به ضعفاً فيغير رأيه .

لم أؤجل المسألة بل اتصلت به وطلبت مقابلته ، رحب ودعاني إلى أن أزوره في منزله الليلة ، استغربت سرعة رده لكني لم أتأخر ارتديت ملابسي وتوجهت لمنزله لا أخفيكم بأنه قد ساورني الشك بأنه سيوافق على ما سأطلبه ، لكني على يقين أنه بعد أن أخرج من عنده سيعيد حساباته من جديد .

لم أستغرب وجود والدة سارة التي انسحبت بعد أن سلمت علي ببرود لكن ما أثار استغرابي وجود السيد / بيير سألت والد سارة مباشرة أني كنت أريد مقابلته بمفرده فأجابني أن بيير خال سارة وفي مقام والدها تماما ، سألت والدها : بصفته في منزلة والدها أم هي في منزلة زوجة ابنه ؟ تغير وجه بيير وقال لي بغضب : احترم نفسك وأنت تتحدث معي ، لم أرد عليه بل وجهت الكلام لوالد سارة وقلت : لا يهم بأي صفة يحضر فأنا أعرف ما جئت من أجله.

لم يطلب مني والد سارة الجلوس لكني جلست في الكرسي المقابل له أردت أن أهمش السيد / بيير قدر المستطاع أو أشعره بعدم جدوى وجوده معنا ورغم ذلك لم يفكر في المغادرة بل هو من بدأ الحديث فسألني جئت لتخطب سارة ؟ أليس كذلك ، تجاهلته ووجهت حديثي لوالدها دون أن ألتفت لبيير الذي كتم غضبه وسكت خاطبته قائلاً : سيدي تحدثت معك سارة بشأن علاقتي بها وعرفت منها أنك رافض لتلك العلاقة وما سيترتب عليها ، نظر لي بهدوء وهو يخفي دهشته من أسلوبي في الحديث وقال : ما دمت تعرف ردي لماذا جئت إلى هنا أساساً ؟ جئت لأبلغك أنك والسيدة حرمك تحتلان منزلة في نفسي لا أريد أن تتأثر بأي مسألة أخرى ، حينها نظر لي باستهزاء فأكملت حديثي ، مسألة علاقتي بسارة لم أرتب لها ولم أفكر فيها سابقاً لكن الآن أصبح الوضع مختلفاً بشكل كبير ، فأنا أريد ان أرتبط بها ولا أريد أن يتم هذا الأمر دون موافقتك ، صرخ في وجهي وقال : لا تهددني ، كنت أتمتع بالهدوء أكثر منه ؛ فقلت : هل تظن أني أستطيع تهديدك في بلدك وفي منزلك إلا أن أكون مجنوناً ؟! لكني جئت لأذكرك أن ابنتك لم تعد مراهقة بل هي في الخامسة والعشرين من العمر ولها تجربة زواج لم تنجح وأظن أن القرار يجب أن يكون لها في هذه المسألة .

كنت أريد أن أستفزه قدر المستطاع ، لكي يدخل في جوانب الرفض التي قالها لسارة ونجح ما فعلت فقال : تريد أن تتزوجها وتذهب بها بعيداً وربما تقنعها بدينك بعد فترة فتسلم ؟! هذا ما تريد فعله أليس كذلك ؟ رددت عليه بسرعة : هل تظن أنها طفلة تقتنع بأي شيء  بقطعة حلوى أو آيس كريم ؟! إنها امرأة ناضجة تتمتع بعقل راجح فإن لم تشعر برجاحة عقلها فهذه قضية أخرة ، أما مسألة أن تعيش معي هناك في قطر فمن الطبيعي أن تعيش مع زوجها وتعرف سيدي وضعي المادي جيد فهل تظن أني سأمنع ابنتك من الحضور لبيروت في أي وقت أو متى شاءت ؟!!! .

صمت قليلاً ثم استطرد قائلاً : أنت تفكر بأسلوبك أنت وتنسى أعرافنا وعاداتنا نـحـن المسيحيين ، أتظن أن مجتمعنا يقبل ما تفكر فيه أنت أو تنوي فعله ، إن وضعي الاجتماعي في الطائفة لا يسمح لي بأن أوافق على زواجك بابنتي وأنت مسلم ، قال هذه الكلمة ثم سكت أو أنه أراد أن يسمع ما ردة فعلي على ذلك ، لم أبخل عليه بالإجابة فقلت : مشكلنا أننا ننظر للدين من اتجاه الطائفة والقبيلة ، كذلك أتظن أن الأمر سهل أن أرتبط بفتاة مسيحية وأنت تعرف أن وضعي الاجتماعي ليس في القبيلة فحسب بل في المجتمع ككل ربما يفوق وضعك بكثير ؟ لكني تجاوزت هذه النظرة المعتمة من أجل سارة .

ساد الصمت من جديد وتغيرت النظرات من الغضب إلى المفاجأة والاستغراب في نظر السيد / بيير والإعجاب بنظر والد سارة لكنه مصمم على رأيه فعدت أحدثه من جديد : سيدي لو أعجبت سارة بشخص مسيحي من أصول لبنانية من الأرجنتين أو البرازيل ربما حصلت على موافقتك وأنت لا تدري هل زار هذا الشخص الكنيسة في حياته من قبل أم لا ؟ ولم تفكر كيف ستزورك ابنتك عبر هذه المسافة الشاسعة التي ستقطعها كل مرة ؟ ربما لأنه مسيحي ستتقبل كل هذه الأمور .

لم يتحدث فالتزمت الصمت أنا أيضاً ودارت النظرات بيننا نـحن الثلاثة فكل واحد منا يصبو لأمر لن يغير رأيه فيه ، ولن يقبل برأي الآخر ، شعرت بأن والد سارة ليس لديه ما يقوله إلا أن نظراته كانت تقول لي ارحل ، وأنا عن نفسي لن أرحل حتى أسمع ما يخفي في نفسه .

كسر الصمت السيد / بيير حين قال : المشكلة يا ابني أنك لا تريد أن تفهم أنه من المستحيل أن تتم الموافقة على زواجك من سارة ، كان كلامه استفزازياً لحد كبير وكان ردي عليه عنيفاً أكثر مما توقع ، فقلت له : أريد أن أعرف هل الموافقة على زواجي من سارة ستصدر منك أم من والدها ، احتقن وجهه غضباً لكن الرد جاء من والد سارة فقال : عليك أن تعرف أن السيد / بيير في منزلة أخي الأكبر وعليك أن تحترمه ، شعرت أن محور المشكلة في حديثنا ليس إقناع والد سارة بل وجود بيير معنا ، فقلت : لا أعرف هل هو خال سارة أم في منزلة والدها أم في منزلة الأخ الأكبر للأسرة ؟ أم أنك ستضع السيد بيير شماعة لتعلق عليها تصميمك على الرفض ؟ امتعض مما قلت  وكأني كشفت ما يخفيه في نفسه لكنه تمالك أعصابه ، وقال : على كل حال أريد وقتاً للتفكير في المسألة وسأرد عليك في وقت لاحق وسكت ، ثم استطرد قائلاً : أظن أن الحديث في هذه المسألة لا يتحمل أكثر من ذلك ، فهمت حينها أنه يجب علي الرحيل فاستأذنت وخرجت من المنزل .

استغربت أن سارة لم تتدخل في حديثنا فعلى حد علمي أنها موجودة في المنزل ، لأنها أخبرتني بذلك عندما وصلت ، لكنها لم تخرج من غرفتها وفي غمرة تفكيري شعرت أن هناك يداً تربت على كتفي فالتفت فإذا بالسيد / بيير يقول أريد أن أتحدث معك ،  نظرت له باستغراب فماذا يريد أن يقول هذا العنيد المتعجرف فعدت إليه بعد لحظة تفكير سريعة وقلت : تفضل ، سألني هل تحب سارة لهذه الدرجة ؟ لم أجب على سؤاله فقال : أعرف أن سارة تكرهني لأني أردتها لابني في السابق وهي نقلت لك الموضوع بهذا الشكل ، لكن يجب أن تعرف أن ابني تزوج من ستة أشهر وهو يقيم الآن في كندا مع زوجته ، سكت ثم عاد ليقول : سارة لا تعرف هذا الأمر حتى الآن ، فنظرت إليه باستغراب وسألته لماذا إذن ترفض ارتباطي بسارة ؟ ضحك  وقال : ربما لم أكن مقتنعاً بك من قبل لكني غيرت رأيي بعد أن سمعتك تتحدث الليلة ، سألته : لماذا لحقت بي إذاً ؟ فأجاب : يمكنني إقناع والد سارة ، فسألته ، كيف ؟ فقال : والد سارة وهب نفسه للتجارة وعالم المال فلو كانت لك معه مصالح تجارية قبل أن تخطب سارة لوافق دون تردد ، سألته مجدداً وما العمل الآن ؟ فقال : يمكننا التأثير عليه من هذا الجانب لكن بشكل مختلف ، نظرت إليه لأعرف ما يفكر فيه هذا الرجل فعاد يحدثني : يمكنك أن تبدأ معه مشاريع بشكل غير مباشر ثم تكشف له الأمر فيعرف أن مصالحه مرتبطة بك فيوافق على الزواج حينها ، قاطعته بسؤالي له : مشاريع بشكل غير مباشر كيف ؟ فقال : أن يكون بينك وبينه شخص وسيط يخفي شخصيتك ، سألته من هذا الشخص ؟ فقال : أنا ، احتقرته وهو جالس معنا في منزل والد سارة وكرهته الآن ، بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى وأردت أن يعرف ما بداخلي فقلت  له : بيير أريدك أن تعرف شيئاً مهماً أني أستطيع أن أفعل في هذه البلد ما لا تستطيع أنت ولا والد سارة فعله ، فأنا شريك لرؤوس كثيرة في بيروت ووسيط لتجارتهم في قطر ، ولو أردت أن أستخدم نفوذهم فيما أريد لفعلت لكني لا أريد أن تدخل مسألة النفوذ ولا المال في علاقتي بسارة ، لذا أنصحك بأن لا تتدخل في هذه المسألة من قريب أو بعيد ، لأن من سيتخذ القرار في النهاية أنا وسارة وما طلبي لموافقة والديها إلا تقديراً لهم ، نظر إلي وهو يبتسم وقال : أنت حر وأعطاني ظهره وغادر .

استفزني حديث بيير كثيراً لكنه بين لي جانباً مهماً في شخصية والد سارة فربما جانب كلامه الصواب فوالدها ترتبط حياته كلها بمصالح العمل حتى في زواج ابنته السابق فعل نفس الشيء لكني لم أقتنع بهذه الوسيلة البغيضة التي يريدني أن أستخدمها لكي أرتبط بسارة ، كما أني عرفت لماذا غير رأيه   تجاهي ؟ فهو يريد أن يستفيد بعد أن عرف أني ثري وأن ثروتي كبيرة فكيف لي أن أقتنع أن أجعله وسيطاً لكي أصل لما أريد وما الذي يجعله لا يغير رأيه بعد أن يتمكن من الحصول على المال ؟! .

سارة

     ما فعله جنون كنت أنصت إليهم وهم يتحدثون معه لقد أحتقر خالي بيير بشكل يثير الغضب ، واستفز أبي من أول حديثه لآخره ، لكنه أدار الحوار بشكل محترف استطاع أن يقول كل ما يمكن أن يقوله دون توسل ولا ابتذال ، منعتني والدتي أن أتدخل في الحوار قالت لي : يجب أن أجعل لنفسي خط رجعة لا أعرف ما تعنيه بخط الرجعة هذا ، هل لوالدي أم لخالد أم لعلاقتنا التي يجب أن تمر من خلالهما ؟ ربما تضايقت لوجود خالد هنا دون أن يخبرني لكني بعد تفكير قصير سعدت بما فعل فقد ظننت أنه كان لا يريد أن يدخل نفسه في هذه المسألة ويتركني أنا وحدي أنتزع الموافقة وقد قطع علي هذا الشك باليقين بمجيئه لوالدي الليلة وطلبه يدي رسمياً .

لم يتحدث أبي معي بعد خروج خالد ، بل دخل غرفته وعندما دخلت أمي الغرفة لتتحدث معه ، خرجت بعد دقائق عابسة الوجه ولم تكلمني كنت أريد أن أتحدث معهما إلا أنهما لم يتركا لي المجال لأفعل ، كنت أتمنى أن ألتقي مع خالي بيير ولا أدري إلى أين ذهب لقد رحل بسرعة .

الآن أصبحت الأمور واضحة أمامي لا يريد خالد أن يكون ارتباطنا دون موافقة أسرتي إلا أنه لو لم يتمكن من الحصول على الموافقة سيكون ارتباطنا بعيداً عنهم هذا ما كان يفكر به لقد طرح كل الأسئلة ووضع الإجابات المطلوبة أمام والدي ، ليفكر وسيتركه كذلك حتى يقنع نفسه بنفسه ، ربما لم يفكر خالد بهذا الشكل ، ولا أدري لماذا أفوض نفسي أن أكون مكانه في التفكير ؟ ولماذا أنا مبتهجة رغم أن ما حدث يثير الخوف والقلق معاً ؟ فربما يعاند والدي أكثر ويصمم على رأيه ، حتى والدتي كانت ممتعضة من أسلوبه ، ورغم ذلك أثار إعجابي فلم يشتت تفكيره أي شيء ولم يترك لأحد المجال أن يقاطع كلامه حتى قال كل ما يريد .

اتصلت به وجدت هاتفه مغلقاً تركه في الفندق كعادته ، كان بودي أن أذهب إليه لكن لم أفعل بل أويت لفراشي وتمنيت أن يحادثني إن وصل للفندق ، لكنه لم يفعل حتى في الصباح ، حين أيقظني من النوم ودعاني لأتناول الإفطار معه كانت سعادتي بالغة خرجت دون أن أمر على والدتي حينها ذهب إليه جلست معه لم يتحدث من قريب أو بعيد عما حدث البارحة كان مرحاً لأبعد الحدود خرجنا سوياً تمشينا معاً ضحكنا ، ضحكنا كثيراً حتى المساء حينما اتصل والدي يسألني : أين أنا ؟؟ فأخبرته أني مع خالد فقال : أريدكما أن تمروا علي في مكتبي الآن ، أخبرت خالد بطلبه فلم يمانع .

لم أخفِ قلقي من طلب والدي ، لكن خالد كان متفائلاً لأبعد الحدود ، بل قبلني وقال ستصبحين خطيبتي من الليلة جعلني أتفاءل معه جعلني أحلم بما تمنيت ، دخلنا مكتب والدي كان هادئاً عندما بدأ يتحدث وجه كلامه لخالد بعد أن سلمنا عليه ، وقال : هل من الجائز عندكم أن يخرج الشاب مع من يحب قبل أن يخطبها ، تفاجأ خالد من حديثه كان يتوقع أنه سيبارك علاقتنا بموافقته فلم يرد عليه أعاد سؤاله مرة أخرى ، حينها قال خالد : سيدي نـحن في بيروت وصدقني لن أتزوج بالطريقة التقليدية وإن كنت في بلدي ، التفت والدي إلي وقال : كبرتِ حتى على احترامك لوالديكِ يا سارة ، شعرت بالذنب حينها بل شعرت أني لا زلت مراهقة لا تتحكم في تصرفاتها الطائشة وانتابني شعور أن كل شيء قد انتهى في نظر والدي وكان ما توقعت صحيحاً حين قال لخالد : اسمع يا ابني هذه سارة ابنتي لها الحرية إن كانت سترتبط بك فهي بالغ عاقل ، لكنها بمجرد أن تفعل هذا الأمر يجب عليها أن تنسى أن لها أهلاً في بيروت ، وقع علي ما قاله أبي كالصاعقة فبكيت وقلت له لماذا ؟ رأيت خالد حينها يتحدث ولم أسمع أي شيء مما قاله ، كان صبر أبي طويلاً انتظرني حتى توقفت عن البكاء وقال : هذا ما لدي يا ابنتي العزيزة فإن كنتِ قد قررتِ أن ترحلي معه فافعلي ولا تعودي للمنزل من اليوم ، وإن كنتِ تبقين على شيء من الاحترام لوالديكِ فعودي للمنزل الليلة .

لم أشعر كيف غادرت مكتبه ، فقد كنت منفعلة وأبكي بحدة لحقني خالد أمسك بيدي وخرجنا كنت أمشي معه بلا شعور وقد بذل قصارى جهده لكي أهدأ وأتوقف عن البكاء ولم أفعل إلا بعد ساعة تقريباً حينها تحدث معي بلطف وقال لم ينته الأمر بعد ، صرخت في وجهه بل انتهى فلن يغير والدي رأيه ، قال : وأنتِ هل ستغيرين رأيك ؟ لم أتمكن من الحديث شعرت أني لا أملك قراري ولن أستطيع أن أكون معه بعد اليوم ، لم يطلب مني الإجابة ثانية بل عرف إجابتي دون أن أتكلم قال حينها : اذهبي لوالديكِ ربما يغيرون رأيهم اليوم أو غداً أو بعد غد أو بعد شهر أو بعد سنة فأنا لن أغير قناعتي بأني وجدت من أحب .

بكيت حينها حتى وصلت للمنزل حاولت والدتي أن تتحدث معي إلا أن حالتي لم تسمح لها أن تتحدث ، تركتني وحدي تلك الليلة كنت أشعر بها تفتح باب غرفتي بين حين وآخر لتطمئن هل أنا نائمة أم لا أو ربما أنها كانت تخشى أن أغادر وأذهب لخالد لا أدري فيم تفكر هي ووالدي ؟ ولا أريد أن أعرف فقد منحوني التعاسة في السابق وها هم ينتزعون سعادتي هل هم خائفون ؟ لا أظن ولا أجد مبرراً لخوفهم هذا فأنا لم أعد طفلة أحتاج رعايتهم ولا مراهقة أحتاج عقلهم ولا حتى فقيرة لأحتاج أموالهم ، لكنهما والداي هذا ما تربيت عليه .

لماذا لم يصر خالد على أن أبقى معه ، ربما احتجت شيئاً من شجاعته لكي أكسر حاجز عجزي وضعفي أمام والدي ، وعدني بأنه سيبقى ينتظرني يوماً ويومين وسنة لكنه تركني أعود للمنزل لم يمسك بيدي كالسابق ويأخذني لأكون معه للأبد لقد أخبرته أن والدي عنيد وعندما يقرر شيئاً لا يعدل عنه فلماذا يطلب مني الانتظار أكثر ؟ ولماذا أنا التي أوضع في هذا الموقف ؟ لماذا لم يكن هو أو أبي ؟؟ كلهم تركوني في هذه اللحظة لأتخذ قراراً لا أستطيع أن أتخذه وحدي وكلهم يعرفون أني ضعيفة لكنهم تركوني لأقرر .

خالد يتصل بي وأنا لا أريد أن أرد على اتصاله ماذا سيقول ؟ وماذا سيفعل ؟ أعرف أن لديه من الحكمة ما ليس عندي لكنها في مسألة خطبتي لم تفلح لم تأتي ثمارها بل أتت بشكل عكسي تركت والدي يركب رأسه ويعاند أكثر لو أنه تريث قليلاً قبل أن يأتي لمنزلنا البارحة لربما تغيرت الظروف أو فكر والدي بشكل مختلف .

أبكي وأعود لأفكر ثم أبكي من جديد وأعود أفكر ولم أنم سوى ساعتين ، وحينما رأيت النور يتسلل لغرفتي ، ودعت فراشي وخرجت ، لم يكن لي هدف سوى أن أتخلص من جو الكآبة المحيط بي في المنزل نظرات والدتي التي تطاردني في كل مكان ، خرجت لأجد لنفسي مكاناً في هذا العالم يشغلني عما أنا فيه ، وينسيني ما أصابني البارحة لكن الدنيا تضيق وتخلو إلا مما يدور في رأسي ويملأ صدري من ضيق فبدت الأشياء التي رأيتها جميلة منذ أيام كئيبة مثلي هل تقرئنا الأشياء فتأخذ شكل ما يمر بنا من فرح وحزن ، وددت أن أشتكي لها وددت لو تسمعني لكنها بقيت صامتة ترى لو أني أملك أن أنزع ما بنفسي من ضيق أو أن أعود قبل شهر من الآن كنت لا أفكر في شيء سوى عملي كأني وجدت نفسي مع خالد ووجدت الجوانب التي أهملتها أو تجاهلتها ، أيقظ خالد شعوري الذي دفنته ذكرني بأني امرأة لا آلة بلا شعور .

خالد

     لا ترد على اتصالي ما بها لا أظن أنها تتعرض لأذى من والدها فقد تجاوزت هذه المرحلة منذ زمن وأظن أن والديها أكثر وعياً من هذه التصرفات لكنها لا ترد على اتصالي هي متضايقة مما جرى البارحة هذا أكيد لم لا تدعني أخفف عنها ما تشعر به ؟ أليست تحبني كما تقول ؟ عاودت الاتصال وأخيراً أجابت كان صوتها يمتلئ بحشرجة أعرف أنها بكت كثيراً سألتني متى سأسافر ؟ فأخبرتها في القريب بعد يومين أو ثلاثة طلبت أن أقابلها فاعتذرت لم أود أن أضغط عليها أكثر فهي في حالة مزاجية سيئة للغاية أريد منها أن تفكر لكني لا أريد أن تبكي ، لا أريد أن أغادر بيروت وهي حزينة .

تملك النساء الكثير من الدموع لكن واحدة فقط من النساء التي تشعر أن دموعها غالية لأنها تهمك ، هذه المرأة تشعر أنها كالأطفال تود أن تضمها حين تبكي تود أن تستمتع بكل شيء فيها حتى البكاء تود أن تكون مباحة لك لكنها تجعلك لا تفعل شيئاً يخدش حياءها أو يجرحها لأن أي شيء يصيبها يؤثر فيك .

هكذا أنا مع سارة ربما تكون رغبتي في الارتباط بها تهور مجنون لم أحسب حسابه لكني لا أريد أن أتراجع عن هذا الأمر لأي سبب كان ، حتى عندما تركتها تغادر إلى منزل والدها البارحة كنت أود أن أمنعها من الذهاب كنت على استعداد أن أتزوجها البارحة ، إن أرادت ذلك ، وما منعني إلا أني أردت أن أعرف اختيارها ومدى تأثير والدها على قراراتها ومن المؤكد أن الأمر صعب والمفاضلة أصعب لكنها يجب أن تختار بنفسها لا أستطيع أن أقول لها دون أن أترك لها الحرية فلو ندمت بعد ذلك سينعكس الندم على علاقتنا ربما أكون المتهم في نظرها ، لأني لم أتركها تختار وأنا لا أريد أن أكون سبباً في خسارتها علاقتها مع والديها .

الحيرة لا تكمن فيما جرى البارحة ، بل تكمن فيما سيكون اختيارها ، هل ستكون معي أم مع والديها ؟ ولو اختارتهم أين سأكون أنا ؟ وكيف ستكون حياتي التي رسمت لها في الأيام الماضية ؟ حلمها الجميل دون أن أضع أي توقعات لمستقبلها الذي بدأت مشاكله منذ قابلنا بيير في المقهى سارت الأمور أسرع مما أتصور بل سارت بعكس ما تصورت كنت أتمنى أن يكون ارتباطي بسارة ارتباطاً هادئاً يباركه الجميع ، لكنه سار بعكس ذلك وها هي تغادر وتعتذر عن مقابلتي اليوم وربما تعتذر في الغد أيضاً وربما تقول لي انساني أو لا أريدك ، او تقول أن ما فعلناه كان خطأ ، لا أدري ، الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه أنها ستراجع علاقتنا من جديد .

لتراجع سارة علاقتنا ؟ لأعرف أين أنا من حياتها ؟ ومستقبلها ؟ وقلبها ؟ أين ستضعني ؟ على الهامش ! أم على الرف ! أم في دفتر الذكريات أم سأكون في المنزلة التي أتمناها ربما أقبل منها القليل لكن لن أقبل أن أكون على الهامش أو سطر في دفتر الذكريات ! تعود له أو تنساه ؟ ربما لامست مشاعرها في كثير من المواقف وأستطيع الإجابة بصراحة إنها تحبني لكن ما الذي يبقى من الحب حين يهدم ؟ الذكريات أم الألم أم الاثنان معاً وكيف نـحاسب من تسبب في ذلك الألم ؟ أينعم هو بالراحة لأنه حقق مبتغاه دون أن يشعر بألم غيره ؟! هذه أنانية ، دكتاتورية ، صفها بما تشاء .

بيير كم احتقرت هذا الشخص ، فقد عرفت من سارة أنه كذب علي بادعائه أن ابنه قد تزوج من ستة أشهر ، وأنه في كندا مع زوجته هناك بل هو في تركيا ولا زال عازباً ولا زال حلم الارتباط بسارة يشغله ويشغل والده لأن سارة أخبرتني أن والدتها سألتها الموافقة على الارتباط بابن خالها قبل شهر فقط وقد رفضت سارة ذلك بشكل قاطع .

أن تقف المشاعر على حواجز الدول والمجتمعات والأديان والطوائف ، فهذا معناه أن لا قيمة لها وأنها تقتل بدم بارد دون أن يبكيها أحد أو يهتم بها أحد ، لماذا وضعت العوائق بيني وبين سارة ؟ لماذا كل هذا التحدي ؟ لعلاقة خلقت بريئة وربما تموت بريئة ربما لن تكتب لها الحياة بعد اليوم أو ربما ماتت البارحة أستطيع أن أقسم أنها تحبني ؟ لكني لا أستطيع أن أجزم في أنها ستختارني أم لا ، وكما وضعت الحواجز يمكن أن توضع حواجز أخرى ربما تكون أصعب في المرة القادمة لا أستطيع أن ألومها فيما ستختار .

مر يومي كئيباً ثقيلاً لم أستطع تحمله ، خرجت فلم أشعر بأي تغيير أو بأي فسحة من الراحة في نفسي ، بل طاردني الضيق في كل مكان ودون أن أشعر قادتني قدماي لذلك المقهى الذي جلسنا فيه عندما قابلنا بيير لا أدري لماذا ذهبت إلى هناك ، ربما توقعت وجودها لكنها لم تكن هناك بل كنت أنا وحدي جلست على نفس الكرسي  ، أردت أن أسترجع ذكراها على الأقل لكي أشعر ببعض الراحة ولم أفلح بذلك ، عدت للفندق من جديد لغرفتي لم تحدثني تلك الليلة ولا في الصباح التالي ، وغداً سأغادر بيروت اتصلت بها فلم ترد عاودت الاتصال فلم ترد كذلك لكنها اتصلت بي لاحقاً لتخبرني أنها تنتظرني في السيارة .

قابلتها ، كانت باردة ، لم تتحدث معي كثيراً حاولت أن أناقشها في موضوع خطبتنا وما جرى ، فأخبرتني أنها لا تريد الحديث في الموضوع لم تطل الجلوس وقتها بل ظلت معي أقل من ساعة فهمت رسالتها جيداً ، فلم أعد أنا محل الاختيار لم تخبرني بذلك لكن رسالتها وصلت مجنونة تظنني سأقنع بتلك الأوقات التي قضيتها معها وأرحل بهدوء .

بعد ساعة من مغادرتها أرسلت لها رسالة قلت فيها : اعرفِ أني أحبك وإن لم نرتبط ، وعندي سؤال واحد فقط يحيرني هل تحبيني فعلاً ؟ أم أنك أعدتِ النظر حتى في هذه المسألة ؟ لم ترد علي حينها بل طال انتظاري ما يقارب الساعة حينها جاءني الرد يقول : كنت أنوي أن أخبرك أني أكرهك لكن عجزت أن تخرج لشخص منحني من الحب مالم يمنحني إياه غيره .. أحبك .

لم أتصل بها ولم أبعث لها رسالة بل فاجأني ما فعلت فبعد نصف ساعة تقريباً سمعت طرقاً على الباب وما إن فتحته ورأتني عانقتني بشدة ، وأخذت تبكي وهي منهارة حملتها وأجلستها على الكرسي ، وجلست بجوارها حاولت أن أضحكها حتى تمكنت من ذلك وعندها ، أمسكت يدها خرجنا من الفندق ونـحن نضحك ، لم تطل الجلوس معي هذه المرة لكن شتان بينها وبين سابقتها ففي خلال الساعة التي جلست معي فيها نسيت أن هناك مشكلة ، ونسيت أن كل شيء على وشك الانهيار ونسيت أنها منذ ساعتين لم تبتسم في وجهي نسيت أني سأغادر غداً ولن أراها مجدداً .

سارة

     كنت أنوي أن أكتب له أي شيء غير كلمة أحبك ، لكني لم أتمكن من ذلك كانت عواطفه اعنف من عواطفي فإصراره على التمسك بي يفوق ما اشعر به تجاهه وقد أراحني كلامه كثيراً رغم أني تضايقت من أنه لم يتدخل في قراري إلا أني اكتشفت أنه على صواب فأنا من سيمر بالتجربة الأصعب ويجب أن يكون القرار نابعاً من قناعتي بما فكرت به دون تدخل منه ، ما أراحني أنه لم يفرض علي اي شيء ولم يبدي ضيق من اختياري البقاء بل قال إن الظروف ستتغير ، وسيقبل والدي بما نريد ، لديه أمل في علاقتنا ،  على عكس تفكيري ، فأنا سلبية أطرح المشكلة ولا أضع لها حلولاً .

في الصباح رافقته للمطار كان اللقاء مريراً فمن الصعب أن تودع قلبك وهو يرحل دون أن تدري هل ستراه مجدداً أم لا أوصاني أن أهتم بنفسي وأن أنتبه لعملي دون أن أهمل حياتي ، أعجبتني كلمته شعرت أن الكلمة تعنيه أكثر مما تعنيني ، فهو من جعل العمل كل حياته ربما عشت تجربة مماثلة لكنها ليست كتجربته فأنا رغم كل المشاكل أعيش وسط أسرة ، أما هو فيعيش وحيداً لا شيء يحيط به إلا العمل .

حدثني حين وصل للدوحة وحدثني في المساء وحدثني كل يوم وفي نهاية الأسبوع وجدته في بيروت يتصل بي لنتناول العشاء فاجأني اتصاله ، لا بل أسعدني فأنا محتاجة لأن أجلس معه وأتحدث كان لقاؤنا دافئاً لم أشعر بتغير في مشاعره بل شعرت بشوقه الكبير وحبه الكبير واندفاعه الصبياني في أغلب الأحيان .

اصبح حضوره في نهاية الأسبوع أمراً متكرراً ، فإن أبلغني أنه لن يأتي رجوته حتى يغير رأيه وإن صمم على ذلك في البداية أجد أنه غير رأيه وجاء لبيروت حتى إنه في إحدى المرات جاء في الصباح وغادر مساءً ، كنت ألوم نفسي لأني ألح عليه لكي يأتي ، لكن عندما أجلس معه لا أجد في نفسه أي ضيق من إلحاحي ، مرت ستة شهور ونـحن على هذا الحل ، نلتقي في كل إجازة وقد اشترى منزلاً صغيراً في بيروت إلا أنه أنيق كنت أعتبره منزلي فمفاتيحه معي أنا من أرتبه وأنظفه وأذهب لأستعيد ذكراه ، إن لم يستطع الحضور لبيروت .

تناقشت مع أبي كثيراً وحاولت إقناعه دون جدوى أما والدتي فهي لا تستطيع أن تخرج من سيطرة والدي ، وفي إحدى الأيام زارنا في منزلنا أحد أقاربنا المغتربين في فرنسا ، وهو رجل أعمال تربطه مع والدي تجارة ، بل يعد أبي وكيل لأعماله في بيروت ، لم أر هذا الشخص منذ حفل زواجي إلا أن أبي كان يأتي على ذكراه ، كلما تطرقنا في حديثنا عن تجارته .

أنطون أكبر مني بأربع أو خمس سنوات فهو في الثلاثين من العمر تقريباً وهو  أعزب لم يتزوج ولم يفكر في الزواج على حد قول والدي ، يتمتع أنطون بقدر كبير من الجمال والأناقة الباريسية المثيرة للإعجاب وكان لبقاً معي جداً ، وتعامل معي باحترام بالغ في تلك الزيارة إلا أني لم ألحظ منه أي اهتمام خاص ، لكن بعد أسبوع من تلك الزيارة ، اتصل والدي وأخبرني أن أنطون سيمر علي في المشغل لعقد صفقة معي ، أثار هذا الحديث استغرابي فعلى حد معرفتي أن أنطون يعمل في مجال العقارات والمقاولات ولا يتطرق للمشاريع الصغيرة ، كنت حذرة في التعامل معه كثيراً حينما جاء لمقابلتي وطرحت عليه الكثير من الأسئلة لأتأكد أنه جاء ليعقد صفقة لا لكي يلفت انتباهي لا أدري لماذا أثار هذا الموضوع ريبتي ؟

كان كلامه مقنعاً لحد ما أخبرني أن له تعاقدات مع محلات ملابس في باريس وأن لديه مشغلاً للإكسسوارات هناك ويريد أن يدخل في مجال الملابس الجاهزة ، لكي ينمي عمله في هذا المجال لم أقتنع في البداية فطلبت منه عنوان المشغل الموجود في باريس واتصلت بإحدى صديقاتي هناك ، وطلبت منها التأكد من وجوده فأخبرتني في اليوم التالي أنه موجود بالفعل .

بدأ عملي مع أنطون وخلال شهر كانت المجموعة الأولى من التصاميم التي طلبها جاهزة للتصدير لفرنسا وخلال أسبوع أرسل تصاميم جديدة ، وطلب كمية لا بأس بها كما أنه طلب عدد من التصاميم السابقة مما جعلني على اتصال مباشر معه في أحيان كثيرة وفي الشهر التالي طلب كمية أخرى وحين أخبرته بأن الطلبية جاهزة للتصدير أرسل إلى طرداً في “الدي اتش إل” بها تذكرة سفر لفرنسا وحجز في أحد أرقى الفنادق في باريس لمدة ثلاثة أيام ، اتصلت به وسألته لماذا قال إنه لتدشين فرع جديد للملابس ويشرفه حضوري الافتتاح .

لا أخفيكم سراً فقد انتابني الخوف من هذه الرحلة كما أنها تتقاطع مع نهاية الأسبوع وربما يحضر خالد لبيروت ، اتصلت بخالد وتحدثت معه لأستطلع هل سيأتي في نهاية الأسبوع أم لا ؟ فعرفت أن حضوره ليس أكيداً وأنه سيبلغني قبل حضوره ، لم أخبره عن رحلتي المزمعة لفرنسا لأني لا أريد أن أثير مشاعره أو أضايقه إن عرف أن صاحب الدعوة رجل أعزب .

قررت أن أكون حذرة في التعامل مع أنطون ، فمنذ أن ركبت الطائرة ، وأنا أفكر في خالد كان لدي شعور أنه سيأتي لبيروت مع أني اتصلت به وأنا في المطار وسألته فقال : إنه لن يتمكن من الحضور إلا أن الشك ينتابني فمفاجآت خالد كثيرة تفوق توقعاتي في أغلب الأحيان .

وصلت لباريس فوجدت مندوب الفندق يحمل لافتة كتب عليها اسمي سررت ، لأني لن أجهد نفسي في البحث عن مواصلات ، نزلت في الجناح الذي تم حجزه مسبقاً كان أنيقاً جداً استرخيت قليلاً ثم تحممت وبدلت ملابسي وإذا بطرق خفيف على الباب ، جاء أحد موظفي الفندق وسلمني ظرفاً وجدت به شريحة هاتف محمول نزعت شريحة هاتفي ووضعتها وبعد عشر دقائق كان أنطون يتصل ليدعوني للعشاء .

كان المطعم رائعاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى وكانت خدمته راقية سألت أنطون ، فأخبرني أنه من المطاعم المصنفة عالمياً حينها سألت نفسي لماذا يفعل أنطون كل هذا معي ، رحلة لباريس وسكن في أعرق الفنادق ، ولقاء في أرقى المطاعم ، وسيارة بسائقها تحت أمري في فترة بقائي هنا هل هذا من دواعي العمل أم أنه للتقرب مني ، إلا أن تصرفاته معي كانت تحمل نوعاً من الرقي واللباقة جعلتني أحترمه وأزالت من نفسي حذري البالغ تجاهه .

تناولنا العشاء وعدت للفندق نمت جيداً تلك الليلة واستيقظت في الصباح تناولت الإفطار ، وخرجت لتستقبلني باريس بجمالها وفتنتها وإغرائها  فالحياة هنا لها طابع خاص من الجمال والفن مثل البشر الذين يعيشون هنا لهم أناقتهم وثقافتهم وأسلوبهم الجميل عدت للفندق وتناولت الغداء متأخرة ثم تجهزت للافتتاح الذي اقترب موعده ، جاء أنطون واصطحبني للمحل الذي وجدت أنه راقٍ جداً ووجدت التصاميم التي عملتها موضوعة بشكل ملفت ، وكانت فساتين الزفاف التي تعتبر اهتمامي الأول في العمل موضوعة في الواجهة الرئيسية للمحل بقيت مع أنطون وتناولنا العشاء معاً ليلتها شربت كثيراً ورقصت معه ، صدقوني أني تحدثت معه على أنه خالد وعندما انتبهت وجدت أنه لم يعر الموضوع أي اهتمام ولم يتضايق بأن أناديه باسم غير اسمه ولم يسألني على أقل تقدير من هو خالد .

رقصت مع أنطون ، وأنا ثملة ، لا أعرف كيف تركته يقبلني تلك الليلة ؟ ولم أعرف لم تركت أصابعه تنساب على جسدي دون أن أمنعه من ذلك ؟ ولم أعرف لما تركته يصعد معي للغرفة ، ولم أعرف كيف تركت لنفسي العنان لكي أرتكب معه ما يريد الرجال من النساء في الفراش ؟ وعندما استيقظت في الصباح وجدت نفسي عارية بجواره وهو يقول لي صباح الخير حبيبتي .

وقعت كلمة حبيبتي موقع الألم في نفسي سحبت الغطاء على جسدي العاري وبكيت حاول أن يعرف سبب بكائي فطلبت منه الرحيل ارتدى ملابسه وخرج من الغرفة ، وبقيت أبكي ، وأسأل نفسي كيف حصل هذا معي دون أن أشعر أو دون أن أمنعه أو أمنع نفسي ؟ .

بكيت لا من أجل ما حصل البارحة ، بل كان بكائي حزناً على خالد الذي منحني كل شيء كنت أتمناه خالد الذي عاش معي بكل مشاعره ولم يفكر أن يجرحني أو يمتهننِ أو يثيرني ليحصل على شيء ، خالد الذي أعادني لكي أعيش بسعادة ، وضحى من أجل حبه ولم ييأس ، كيف لي أن أشعر أني مخلصة له أو حبيبته إن جاز التعبير وأنا في أول علاقة عابرة بعد معرفته استسلمت لغيره بهذه البساطة ؟!! .

بكيت عندما عرفت أن خالد كان في بيروت يوم الجمعة وحاول الاتصال بي دون جدوى حتى أنه ذهب للمشغل وتحدث مع مدام / ميرنا وعرف منها أني في رحلة عمل في باريس أسرعت وأعدت شريحة هاتفي يا إلاهي ماذا فعلت لم أراعِ مشاعره ولم أفكر فيما سيشعر به وهو يأتي لبيروت ؟! فيجدني في مكان آخر بعيد ، فتحت الهاتف ورأيت عدة رسائل واحدة فقط من خالد كتب فيها ( كنت أتمنى لقاءك للأسف لم تتحقق أمنيتي هذه المرة ولو عرفت أنك مسافرة لما تكبدت عناء السفر لأجلك …  أتمنى لك أوقاتاً   سعيدة  .

خالد

     لم أظن في أي فترة من الفترات السابقة أن علاقتي بسارة ستمر بمثل هذه اللحظات المؤلمة ولم أشعر أني افتقدتها مثل هذه المرة ولم أشعر أن كل ما بيننا قد انهار مثل هذه المرة ، فأن تغادر بيروت دون أن تخبرني وهي تعرف أني ربما آتي في أي وقت يحمل معنين لا ثالث لهما إما أنها لا تريد مقابلتي أو أن لديها أمراً لا تريدني أن أعرفه وكلا الأمرين مؤلم فما تخفيه المرأة يكون مؤلماً للرجل مهما صغر شأنه أو عظم لأنه لا قيود ولا أسرار بين الأحبة فلماذا غادرت بيروت دون إخباري ؟ كان بإمكانها أن تقول إن لديها عملاً في باريس وهي تعرف أني لن أفرض عليها شيئاً يضايقها ولن أمنعها من أن تعمل أو تطور أعمالها .

لم ألحظ أي تغير في مشاعرها في المرة السابقة ، فشوقها لي كان كبيراً مثل كل مرة : همساتها نظراتها لم تتغير وها هي في الأسبوع الذي تلاه تغادر وتغلق هاتفها دون أن تخبرني ، عاودت الاتصال بها بعد عودتي للدوحة فلم ترد على اتصالي ، هاتفتها في المشغل فأخبروني أنها خرجت في عمل وهذه الإجابة تكررت عند كل اتصال فمدام ميرنا ترد على الهاتف وتقول نفس الجملة أخبرتها أني أريد سارة في أمر ضروري وطلبت منها أن تخبرها بضرورة الاتصال بي حين عودتها لكنها لم تتصل .

سافرت لبيروت يوم الخميس سافرت لأرى مدى انشغال سارة ، لم أخبرها هذه المرة ، ولم أذهب للمنزل هناك بل حجزت في فندق قريب من مشغلها رأيتها وهي تأتي للمحل ورأيتها وهي تخرج منه منعت نفسي من الاتصال بها ذلك اليوم ، وفعلت الشيء نفسه يوم الجمعة أما يوم السبت اتصلت بها فلم ترد استغربت فهي تعرف رقم هاتفي الذي أستخدمه في بيروت ، لكنها لم ترد على اتصالي كررت الاتصال بها مساءً أكثر من مرة وفي المرة الأخيرة أجابت جاء صوتها متحشرجاً ثقيلاً ، طلبت مقابلتها فاعتذرت سألتها ما الأمر ؟ فلم تجبني أجبرتها على مقابلتي فاستجابت أخيراً .

كنت أنتظرها هناك على الشاطئ ، تأخرت ، لكنها جاءت رأيتها وهي تأتي ، كانت تسحب قدميها بتثاقل حتى اقتربت مني أمسكت يدها قبلتها كتحية ، لكن تحيتها كانت باردة مترددة كانت لا تحاول أن تنظر إلي ، وضعت يدي على كتفها هززتها بعنف وسألتها : سارة ما بكِ ؟ أجابت : لا شيء ؛ لكننا يجب أن نراجع علاقتنا ، كان كلامها متقطعاً متردداً سألتها لماذا ؟ قالت : إننا لا يمكن أن نستمر سوياً ، فقلت لها : هل حصل أمر ما ؟ هزت رأسها بنعم فسألتها ثانياً : هل هناك شخص آخر ؟ فهزت رأسها بنعم ليتها لم تجب ليتها لم تأتِ لمقابلتي استدرت لأغادر  فأمسكت يدي فسحبت يدي ولم ألتفت لها وأنا أغادر سمعتها تبكي ، ولأول مرة لم أشعر لبكائها أي تأثير في نفسي فغصتي أكبر من بكائها ألف مرة .

عدت للفندق وطلبت منهم أن يحجزوا لي على أول طائرة أردت مغادرة بيروت بأسرع وقت ، أردت التخلص من ألم المكان لكي أتفرغ لألم نفسي ، إلا أني لم أستطع البقاء في الفندق ، غادرته وذهبت لمنزلي في بيروت أغلقت الباب خلفي ودخلت ، جلست على أقرب كرسي دون أن أشعل الأنوار واكتفيت بالضوء المتسرب من النوافذ وفي هذا الوقت شعرت بحركة في الخارج سحبت نفسي لإحدى الغرف ، وتركت الباب مفتوحاً ثم سمعت الباب يفتح ، ووقع أقدام والأنوار تضيء ثم ساد الهدوء فترة قصيرة ثم صوت بكاء متواصل ظلت سارة تبكي بشكل متقطع قرابة الساعة لم أقم من مكاني ولم أحدث أي جلبة فلا أريدها أن تعرف أني موجود .

سمعت وقع أقدامها من جديد كانت تتحرك بسرعة ثم تتوقف كأنها تبحث عن شيء تمنيت أن لا تدخل الغرفة ، فلم تنفع أمنيتي وفجاه وجدتها تضغط على زر النور فاشتعل رأتني فبكت وجاءت لتجلس بقربي لم أمنعها ، بل تركتها حتى توقفت عن البكاء ثم قالت : خالد أرجوك سامحني ، لم أقل شيئاً ، عادت وقالت : انا لا أستحقك ، وبكت مجدداً مسحت دموعها بيدي وقبلت رأسها وخرجت .

هربت منها لأني لا أريد أن أعرف الأسباب فمهما كان عذرها فالهدف واحد فلا علاقة بيننا بعد اليوم انهار كل شيء : الأمل الحب المستقبل الحياة كل شيء منذ ذلك اليوم رحلت بعد أن ظننت أني وجدت مستقر نفسي عند تلك السيدة رحلت دون أن تعيد قلبي الذي أخذته مني .

ماذا كانت ستقول لو اعترفت ؟ هل ستخبرني أنها أحبت شخصاً آخر ؟ ما هذا الحب الذي يأتي فجأة فيخطف كل الذكريات ويمسح الماضي ويغير الحياة ويخطفها من بين يدي ؟ هل أحبت  فعلاً ؟ بت أشك أنها أحبت عندما سمعت بكاءها في المنزل ببيروت فكيف تحب غيري وتبكيني بحسرة ، أسباب وتخيلات كثيرة وضعتها ولم أفهم ما جرى ولم أحاول الاتصال بها لكي أطلب تفسيراً بل حرمت نفسي حتى من سماع صوتها وبعد أربعة أيام من مغادرتي لبيروت اتصلت سارة سلمت علي ، فرددت عليها على قدر سؤالها ، كانت تطمئن على صحتي على حد قولها ، وقد طمأنتها حاولت التحدث معي أكثر إلا أني اعتذرت منها لانشغالي ، لم أكن مشغولاً بل لا أريد أن أتحدث معها ، فلماذا تتصل لتطمئن على صحتي ؟ وهي سبب كل شيء مؤلم أيهمها أمري ؟ أم أنها تراجع نفسها فيما قالت ؟ .

لا أفكر أن أنتقم ولا أن أسبب لها أي إزعاج أو أطلب منها أي شيء ، فحياتها ومستقبلها بين يديها لتذهب حيث تريد ومع من تريد بل أتمنى أن تلقى السعادة فأنا أعرفها جيداً رغم ما فعلت فإنسانيتها تطغى عليها مهما فعلت .

سارة

     كدت أن أموت عندما سألني هل هناك شخص آخر ؟ وتمنيت أنه قتلني قبل أن يفلت يده ويغادر ، كانت نظرته تحمل كل معاني الغضب والألم والحسرة كل شيء فما يحويه ذلك الرجل أكبر مما أعرفه وأكبر مما أتصوره ، لقد غادر ليذهب لذكرياتي في منزله ليراني في ظلمة المكان ليسمع بكائي وليعرف ألمي لكني جرحته جرحاً لا أظنه سيبرأ منه قريباً ، لأني أعرف أنه يحبني بكل ما تحمل كلمة الحب من معنى يحبني لأني سارة الطفلة والمرأة والإنسانة والحبيبة والعاشقة يحبني : بكلامه بنظراته وهمساته بلمساته ، لم يترك لي مجالاً في الهوى إلا ولامسه : بدفء مشاعره ولطافة عشقه وجنون محبته .

نعم أحبه لكنه رحل بعد أن ترك لي الكثير من الذكريات في غرفتي في أحلامي في حياتي كلها ، كيف لي أن أغادر الألم الذي سببته لخالد وسببته لنفسي ؟ فأنا من فعل كل شيء ودمر كل شيء ووضعت نفسي على هامش رجل أحبني لكي يرحل في صمت ، توقعت منه أن يثور أن يصفعني ، أن يصرخ في وجهي على أقل تقدير ، أن يؤنبني ، أن يجبرني ، أن أتحدث وأقول له الأسباب والأعذار والمبررات لكنه لم يفعل شيئاً وهذا ما يؤلمني وأنا أفكر فيه فقد كتم كل شيء في نفسه ورحل تركني لألوم نفسي ألف مرة على ما فعلت لنفسي ومليون مرة على ما فعلت في حفه  .

رحل خالد وترك لي الفراغ والذكريات المتناثرة تركني ألملم نفسي في جسد يخلو من كل شيء يحمل إحساساً أو مشاعر تركني أدور في دوامة فلكه دون أن أصل إليه وألمسه بيدي إن مر بي الشوق فلا يمر إلا من خلاله ولا يمضي إلا في اتجاهه ولا ينتهي إلا عنده ، تركني بين أحضان الألم فأمسي في ضيق وأصبح في ضيق وأعمل بضيق وأتحدث بضيق .

لكن الحياة تمضي سواءً أردت ذلك أم لا ، فكان العمل متنفسي الوحيد الذي أهرب من خلاله للنسيان ، كنت أعمل ليل نهار دون توقف ودون حساب للوقت ولا طلب للراحة ، وكان هناك في الطرف الآخر أنطون الذي كان يتصل بي دائماً منذ عودتي لبيروت فأتهرب منه تارة وأصده تارة أخرى استمر على هذا النحو لستة أشهر بعد عودتي من باريس يحاول التقرب والتودد لي ويطلب مقابلتي دون جدوى .

لا ألقي باللوم عليه فهو لا يعرف أن ما فعله معي في باريس تسبب في ألم شخص آخر بل أنا ألوم نفسي فربما كانت رحلتي لباريس نهاية علاقتي بخالد لكن أنطون لم ينتزع ما أخذ مني عنوة بل وجدني مستسلمة بين يديه فكيف لي أن ألومه بعد كل هذه الفترة ، قابلت أنطون في بيروت كان في زيارة قصيرة تناولنا العشاء معاً لكني لم أستسلم ولما سألني حينها هل أنا مرتبطة بعلاقة ؟ فأجبته : لا ، فأخبرني بأنه يريد خطبتي أخبرته بأني لا أريد الارتباط في الفترة الحالية لكي أهتم بعملي ، طلب مني التفكير في الأمر وتركني أفكر لكن تفكيري طال أكثر من احتماله فأن تنتظر رد فتاة تريد الارتباط بها ثلاثة أشهر دون رد شافٍ أظن أنه شيء يفوق احتمال أي رجل ، لكن أنطون لم ييأس بل تحدث مع أبي في موضوع خطبتنا وبدأ الأمر يأخذ الطابع الرسمي وسط ترحيب من عائلتي بذلك العريس الذي يحمل كل الشروط المطلوبة .

وافقت في نهاية الأمر لا لأني أريد الارتباط بأنطون بل لأني لا أملك إلا الموافقة فكل شيء انتهى برحيل خالد عن حياتي وكان تصوري أنه لابد أن أرتبط بشخص لكي أعيش حياتي الطبيعية وهذا ما فعلته فارتباطي بأنطون ربما يكفر خطأه من وجهة  نظري .

خالد

عدت للدوحة وأنا لا أملك من نفسي شيئاً حتى الذكريات الجميلة تشوهت من الضيق والحزن عدت لأجد أن العمل لم يعد يشغلني عن التفكير زهدت في العمل بل إني شبه هجرته ولو لا مدير أعمالي الذي يتمتع بالأمانة والصدق لما سار العمل بالشكل المطلوب .

ما الذي أدخلني في هذه المغامرة المجنونة من الأساس ؟ وما الذي جعلني أقتنع أنه يمكن أن أرتبط بتلك المرأة على وجه التحديد ؟ ألهذا الحد يكون الإنسان محدود التفكير حين تحكمه العواطف لكن عندما أعيد التفكير من جديد أجد أننا كنا نسير في الطريق الصحيح بل إننا كنا نقترب مما نريد فمع مرور الوقت كان والدي سارة يستجيبان بشكل جيد لمطالبها ، لكن فجأة كل شيء انهار لا أدري هل دمرته أنا بسذاجتي وحذري في علاقتي مع سارة ؟ أم أن سارة هي من دمر كل شيء ؟ لكن الأكيد أنه لم يعد هناك سارة هذا ما أقنعت به نفسي أو حاولت أن أقنع به نفسي بعد رحلتي الأخيرة لبيروت فعدت أنا وحدي كما في السابق ، أجلس وحيداً آكل وحيداً أسهر وحيداً ، تشاركني الذكريات وهي صديقة وحدتي الدائمة .

مضت ثلاثة أشهر وأنا لا أذهب للعمل كان مدير مكتبي ينتزع مني الوقت انتزاعاً لكي أوقع ورقة أو عقداً أو اتفاقية شراكة ، ثم بدأت أزور الشركة في أوقات متقطعة حتى عدت للعمل بشكل كامل ، بعد تلك الفترة العصيبة التي أصابتني ساعدني العمل على أن أفقد الكثير من همومي ، لم يخلصني العمل من التفكير ولا الذكريات لكنه على الاقل خفف عني تلك الوحدة التي كنت أحبس نفسي وسطها .

جدت أمور كثيرة في حياتي ، بل إني كسرت حواجز كثيرة في حياتي السابقة ، فأصبحت لا أمانع في أن اقيم علاقة مع أي فتاة أو سيدة تعجبني ، وقد عزلت عواطفي عن تلك العلاقات القصيرة في أبعد الأحيان ، وكانت أول علاقة أقمتها مع فتاة متهورة اقتحمت حياتي فتركتها تفعل ما تريد ، وأنا أعترف بأن تهورها كان مسلياً جداً خصوصاً عندما سقطت الحواجز وأصبحت العلاقة جسدية ، ثم توالت النساء بعدها ، لم أكن أسرف في ذلك الأمر ، لكن لم أمنع نفسي من التمتع بما أقابل من جمال .

كنت أرفض ذلك النوع من العلاقات كنت أرفضه بشكل صارم ، ربما كان موت زوجتي حاجزاً قوياً آلمني ، لكنه لم يجرحني ، أتعبني لكنه لم يقتلني حتى التقيت سارة وافترقنا كان إحساسي برحيلها يشبه الخيانة في كثير من جوانبه فهي تركتني رغم معرفتها بحبي وإخلاصي لها فما الذي استقدته من ذلك الإخلاص غير الألم والضيق وقليل من الذكريات الجميلة التي جعلتني مرتبطاً بسيدة تخلت عني ، أعرف أني لا أستطيع أن أنكر حبي لها ولا أنكر شوقي ولا رغبتي في رؤيتها واحتضانها ، لكن الحب الذي رجوته لم يتحقق ولم يمنحني ما كنت أصبو إليه من استقرار .

لم تكن علاقاتي الجديدة من دافع الانتقام ، لا على العكس تماماً ، بل كان لها دوافع أخرى فتفكيري السابق بأن الحب هو أساس أي علاقة قد انهار وكنت أنظر للرجال والنساء كيف يكونون تلك العلاقات المحرمة ويتخلصون منها دون جروح أو ألم ؟! بل يقفزون من زهرة لأخرى يتمتعون بالجلسات الحميمة والرغبات الجامحة ويفترقون ، فقررت أن أجرب وجربت ، هذا الجنون وأنا أصر أنه جنون لأنه مخالف لمبادئي ، لكنه استهواني ولو لفترة من الوقت وساعدتني أن أكتشف النساء أكثر وأعرف خوافيهن ودوافعهن ورغباتهن وأحلامهن الوردية .

مضت الأيام سريعة فلم يكن لدي كثير من الوقت بين العمل والعلاقات ورحلات العمل ؛ فالوقت أصبح محسوباً بشكل دقيق فكثير من العمل وشيء من المتعة وبقي الألم حين آوي لفراشي حين أنام لم أتمكن من نزع ذكرياتي السابقة رغم كل ما فعلت فلا النساء ولا العمل ولا السفر استطاع أن ينزع تلك المعشوقة القاسية التي أخرجتني من حياتها دون سبب واضح .

هناك شيء لم أخبركم به فسارة كانت تتصل بي تقريباً كل شهر ، لتطمئن على صحتي كنت أتضايق من اتصالها في البداية لكن تقبلت الأمر في نهاية المطاف دون أن أفتح لها المجال لتعود لحياتي فقد أصبحت مصدر خوف لدي ، أحبها وأخاف أن أقترب منها أحب كل شيء فيها لكن لا أريد ملامستها رغم اشتياقي إليها ولا أريد رؤيتها أعرف أن ما أقوله دليل واضح أني أتهرب منها أو أتهرب من مشاعري ، فأنا أعرف لو عادت إلي لن أتمكن من كبح جماح شوقي ، بل سأعود يدفعني ذلك الحب الذي لا يريد أن يموت .

سارة

      تحدد موعد زواجي بأنطون بعد شهر ، كنت أريد تأجيله أكثر لكن الجميع عارض فكرتي ، فقد أجلته مرتين حتى الآن رغم معارضة أسرتي ، وفشلت في تأجيل الأمر أكثر من ذلك ، كان أنطون يتردد على بيروت كثيراً بل شعرت أنه يريد أن يتم الزواج بأسرع وقت ، أعرف شيئاً من أسبابه فقد فشلت كل محاولاته التي جربها لاستمالتي للفراش في فترة الخطوبة بل كنت أتضايق أحياناً من يده وهي تلامسني ونـحن نرقص لكن كنت أقول لنفسي إنه سيستبيحني من جديد حين نتزوج فلم أتضايق الآن من تصرفه ، حاولت أن أتقبل الأمر ، لكنه كان صعباً على نفسي ، أعرف أني استسلمت له سابقاً لكن صدقوني لا أدري كيف تم الأمر بتلك السهولة في ذلك الوقت ؟! .

أحبني أنطون أحبني كثيراً رغم أني لم أجد مكاناً فارغاً في قلبي لأمنحه شيئاً من العواطف أو شيئاً من الحب ، بل على العكس كنت جامدة معه وقد صارحته بأنه كانت لدي علاقة سابقة مع شاب فلم يهتم بالأمر بل سألني هل وصلت العلاقة للفراش ؟ فقلت له : لا ، فقال : أي شيء آخر لا يهم ، استغربت من رده لكن شعرت بالراحة لأني أخبرته لم يسألني أنطون عن اسم الشاب الذي كنت أحبه ولا عمله ولا عن أي شيء بل قال : المهم أنك الآن لي أنا وحدي .

سيمتلك جسدي ، لكن لا أدري هل أمنحه قلبي في المستقبل أم سأبقى عاجزة أمام حبي السابق ؟ كان هذا الأمر يشغلني كيف سأكون معه في فراش واحد وأنا أفكر في غيره ؟ كيف ستكون علاقتنا بعد الزواج ؟ باردة فلا يبالي أحدنا بالآخر أم مزعجة تشوبها المشاكل والشجار ؟ لم أفكر أن تكون علاقتنا لطيفة بأي شكل بل تعاملت مع الأمر على أنه واقع يجب أن أعيشه دون نقاش أو جدل .

لم يحاول خالد الاتصال طوال الفترة السابقة وقد مضى ما يقارب التسعة أشهر بعد آخر زيارة له لبيروت يوم افترقنا كنت أتصل لأطمئن عليه بين حين وآخر كان يحدثني بلا مبالاة ويدعي انشغاله بالعمل ويعتذر مني لينهي المكالمة شعرت أن كرامته تمنعه أن يحدثني بإسهاب أو أنه لا يريد لأن يعود لما كان بيننا ولا ألومه بل أتصل لأطمئن عليه لأني السبب فيما جرى من تدمير لحياته وأتمنى رغم عدم معرفتي بظروفه كاملة أن يكون قد تجاوز الأمر أو على الأقل تجاوز ألمه .

أتمنى أن أراه وقد فكرت في الذهاب للدوحة ، ومنعني من ذلك خوفي أن لا يهتم خالد بزيارتي ، وأن لا يقابلني من الأساس ، ثانياً ما الذي سأقوله لو ذهبت إلى هناك ؟ هل أخبره بحبي له أم أواسيه على ما جرى أم ماذا ؟ تمنيت أن أكون معه فقط دون أن يتحدث فأنا مشتاقة له بكل معنى للشوق وكل معنى للحب ، لا يزال صدى كلماته يتردد في أذني ، وتأثيره يطغى على ما سواه من تأثير ، أنا السبب في كل ما جرى .

حصل أمر لم أكن أتوقعه تماماً فعندما اقترب موعد الزواج وجلست مع أنطون ، لكي نـحصر أسماء المدعوين وضع أسماء تجار كثر منهم أشخاص من الخليج ، وكان من ضمن المدعوين خالد سألته عن هذا الاسم فنظر لي باستغراب وقال : هل تعرفينه ؟ أخبرته أننا تربينا سوياً ، كنت أريد أن أكمل الحديث وأخبره بكامل القصة وأن خالد هو ذلك الشخص الذي كنت أريد إخباره عن علاقتي معه ، لكني التزمت الصمت لعلي أراه للمرة الأخيرة ، ثم ساقني فضولي إلى أن أسأل أنطون عن كيفية معرفته لخالد ففعلت ما خطر ببالي فأجابني : إن خالد كان شريكه في فترة من الفترات وقد ربطته به علاقة صداقة منذ ذلك الحين ، لم أشأ أن أتحدث أكثر عن الموضوع بل أخذت أسجل أسماء المدعوين لكي لا ألفت نظر أنطون للتغير الذي طرأ على ملامحي  .

هل سيأتي ليراني في فستان الزفاف ؟ لا شك أنه سيعتبرها طعنة أخرى أوجهها له ، لا أدري ما وقع الأمر عليه وهو يرى بطاقة الزواج ؟! وإن أتى تلك الليلة لا أدري ما سيكون وقع هذا الأمر في نفسي عندما أراه بعد تسعة شهور ؟! غادرني أنطون وأنا أكتب البطاقات ليتحدث في الهاتف فحاولت أن أخفي البطاقة التي كتب عليها اسم خالد إلا أنه عاد وطلب بطاقات رجال الأعمال التي عزلها عن باقي البطاقات ، وأخذ يتأكد من الأسماء مرة أخرى ثم خرج ليسلمها للمندوب ، لكي يودعها مكتب البريد .

كنت أذهب لمنزل خالد في نهاية كل أسبوع وأجلس كنت أتمنى أن يدخل ويفاجئني لكن المفاجآت غابت مع غيابه فأجلس في المنزل الذي لا يعرفه سوانا أسترجع ذكرياتي معه ، ثم أقوم وأرتب المكان وأنظفه لعله يأتي فيجد مكانه نظيفاً مرتباً كما كان في السابق وأخرج وأنا ألملم الذكريات من جديد ، لأعود في الأسبوع الذي يليه وأفعل نفس الشيء ، ويبقى الأمل في نفسي دون أن يتحقق .

بدأت الترتيبات على قدم وساق ، فكل شيء يجب أن يكون على مستوى الحفل الذي ستحضره شخصيات عامة ورجال أعمال ، كل الترتيبات كان أنطون ووالدي يعدون لها باهتمام بالغ الدقة ، ورغم أنه حفل زواجي لم أهتم كثيراً بالتفاصيل ولا حتى بالأمور الأخرى ، فأنا سائرة لقدري .

خالد

     كنت أتصفح البريد باهتمام كبير لكثرة ما به من اوراق مهمة وقد لفت انتباهي مظروف أنيق بجوار الأوراق عرفت أنها دعوة لحضور حفل زفاف ، فأسعدني الأمر ، فالزواج هو مستقر الحب الأخيرة مددت يدي وفتحت الظرف وأخذت أقرأ كان أول ما لفت انتباهي اسم سارة وأكملت فعرفت أن زوجها أنطون شريكي السابق في مصنع الأنابيب في ماليزيا ، هل يكون هو من اقتحم حياة سارة وجعلها تغير رأيها في الارتباط ؟ أخذت أتعرق بشكل كبير وكأن أجهزة التكييف لا تعمل وانتابني إحساس بالضيق كدت أختنق خرجت من المكتب لا شعورياً خرجت هارباً من ماذا ؟ هل أخاف أن يراني أحد في هذه الحالة ؟ أم أن الدنيا ضاقت لهذه الدرجة ؟ لعنت تلك الظروف التي عرفتني بسارة ثم بكيت كطفل لا يمكنه أن يتحكم في مشاعره كانت هذه المرة الأولى التي لم أستطع أن أتحكم في دموعي بعد وفاة زوجتي لكني لا أبكي ميتاً بل أبكي من الضيق .

لماذا اختارت أنطون ؟ لا أدري فإن كانت تفكر في الغنى والثروة فأنطون لا يعد أحد الأصفار في خانة ثروتي ، لماذا إذن اختارته ؟ لماذا رمتني من أجله ؟ لا أظن أن لوالديها تأثيراً في هذا الأمر بل إني أتوقع أن يكون الأمر صدر منها دون تدخل أحد ، أعرف أنطون جيداً فهو لا يعرف شيئاً في الدين الذي يعتنقه ، وربما قد زار الكنيسة وهو طفل برفقة والدته فقط ، أعرفه جيداً نعم هو ليس بسيئ الخلق لكنه ليس الشخص الذي يمكن أن تعجب سارة بشخصيته أو أن تحبه .

مرت ثلاث ساعات منذ خروجي من المكتب وأنا لا أعرف لأين أذهب ، حتى استقرت نفسي قليلاً فعدت لأرى أعمالي ، لا أريد أن يؤثر أي شيء على تجارتي التي أعتبرها الشيء الوحيد المضمون في حياتي ، عدت لمكتبي وأخذت البطاقة ، ووضعتها في أحد الأدراج وأغلقته لكي لا أراها ، كنت أريد أن أرميها في البداية ، لكني لم أفعل ولم أفكر لماذا في ذلك الحين فقط أردت الاحتفاظ بها ؟! .

بقيت بين العمل والمنزل في الأيام التالية ولم أذهب لأي مكان ولم أحاول أن أفعل أي شيء آخر كان تفكيري منصباً على سارة وكيف ستكون في فستان الزفاف ؟ هل ستكون سعيدة بالفعل أم لا ؟ بدأت أغير رأيي في مسألة الدعوة فآياً من كان قد أرسلها لكي يحطمني فلن يستطيع بل سأذهب وأبارك وسأقبل العروس والعريس ، فكرت بهدية تليق بسارة بمناسبة زواجها فكرت في كل الهدايا الممكنة فلم أجد أثمن ولا أفضل من منزلي الصغير الأنيق في بيروت ، لكي أبقي الذكريات حية في مخيلتها ، نعم سأهديها منزلها الذي كنت أصبو أن نكون فيه سوياً ، سأهديها المنزل الذي اختارته لي بنفسها ووضعت لمساتها في كل أرجائه أعرف أن لديها مفاتيحه حتى الآن ، ربما زارته بعد رحيلي لتتأكد هل أتيت لبيروت أم لا ؟ كنت أريد أن تتذكرني دائماً حتى لو كانت في أحضان رجل غيري ثم أفكر في أنها رغم ما فعلته معي قد منحتني السعادة على مدى ستة أشهر متواصلة نسيت فيها الدنيا ونسيت نفسي وكنت لا أفكر إلا فيها وكيف ألتقيها وما أفعل من أجلها لأني كنت أشعر بذلك الحب بذلك البريق الذي كان يملأ عينيها حين أنظر إليها وتلك الابتسامة الطفولية واحمرار الخجل وعناق اللقاء ودموع الفراق .

أسترجع كل المواقف وكل الأوقات أعيدها أتخيلها ، حتى أني أشعر بها أحياناً بجواري ثم أعود وأطرد تلك الأفكار لم تستطع النساء اللاتي عرفتهن بعدها أن تغير وجهة نظري في تلك السيدة ولن يستطعن مهما فعلن ، فللحب معانٍ خفية لا تصل لها نظرات ولا همسات ولا قبلات عابرة مجنونة ، سارة شيء مختلف نعم رحلت دون أن أعرف السبب دون أن أعرف دوافعها ولم أسألها لكي لا أجهدها وهي تبحث عن العذر المناسب للرحيل .

حكمت علينا الظروف في البداية ورغم ذلك لم أتخلَ عنها وهي كذلك بقيت معي على ذلك الشوق تقابلني به وتودعني به في كل مرة ، ولم يتغير أي شيء حتى صدمتني برحيلها المفاجئ ، كنت حريصاً عليها كل الحرص لا أجرحها ولم أغضبها ولم أستميلها لمتعة الجسد وقد اتفقنا على ذلك حتى يكون زواجنا شرعياً فيكون بيننا رباط يهبنا طفلنا الأول فكرنا لهذه الدرجة ، وفكرنا في تفاصيل أكثر صغيرة ، كانت أحلامنا كبيرة ، كنا نرسم الحياة والأمل والمستقبل دون ملل من الانتظار ودون التفات للظروف التي عاكستنا ، كنا نقول إن كل شيء يمكن تجاوزه ، وأن الكل يرضى بما نقرره نـحـن ، لكن كل ذلك لم يحصل وأظنه بعد هذه البطاقة لن يحصل أبداً .

مرت الأيام بطيئة هل تصدقون لو قلت لكم إني كنت أريد أن يأتي موعد الزواج سريعاً لأرى سارة بفستانها الوردي لأنها كانت تقول دائماً بأن فستان الزفاف يجب أن يكون وردياً كما أحلام العاشقين ، وأريد أن أرى بريق عينيها هل خف ؟ أم بقي على تألقه المعهود ؟ أريد أن ؟ أرى والدها كيف سيراني وأنا أحضر حفل الزفاف ؟ وأنطون شريكي السابق الذي لا أعرف لم وجد في هذا المكان الذي كان من المفروض أن أكون أنا فيه ؟ نعم هي الأقدار أذهب لحفل حبيبتي السابقة لكي أبارك زواجها بشريكي السابق .

الغريب في الأمر أني تلقيت دعوة ثانية لحفل الزواج بعد أربعة أيام من الدعوة الأولى وبعد أن طلبت من السكرتير أن يتأكد من اسم صاحب الدعوة ، عرفت أن والد سارة هو من أرسلها كدت أضحك حينها وقلت في نفسي هناك شخص آخر استطاع أن يثير غضبي قبلك ، أرسل لي والد سارة البطاقة ، لكي يعلمني أن ابنته بقيت مطيعة له وأنها تنفذ كل رغباته ، كنت أستبعد والد سارة من جميع الاحتمالات ، لكن وبعد إرساله للدعوة شعرت أنه وراء كل ما حصل .

لم يبق على زواج سارة سوى خمسة أيام وسأغادر غداً لبيروت أعرف أن الذكريات ستطاردني هناك ، لكن ذهبت لأسجل المنزل باسم سارة ، عند وصولي لبيروت ذهبت للمنزل في صباح اليوم التالي وأنهيت إجراءات نقل الملكية ووضعت السند في علبة أنيقة وبها مفاتيح البيت ، وبقيت في المنزل في ذلك اليوم لا أدري كيف اتصلت بسارة كان بداخلي شيء لا أستطيع أن أتحكم   فيه ؟ شيء يدفعني لتلك المرأة ردت على اتصالي سمعت نبرة الفرح في صوتها دعوتها أن تقابلني ترددت قليلاً لكنها أجابت الدعوة وجاءت لم تقبلني ولم تحتضنني كما كانت تفعل في السابق ، لكني لمست فرحها بلقائي كما لمست شوقي لها .

جلست معي سارة قرابة الساعة سألتها حينها لكي ترتاح نفسي هل كان أنطون يعرف بعلاقتنا ؟ فأجابت : لا ، أرادت أن تتحدث فمنعتها من ذلك وطلبت منها أن تهتم به لأنه إنسان جيد وأعطيتها الهدية ورحلت ، غادرت بعدها المنزل وحجزت في أحد الفنادق ، ويبدو أن الهدية فاجأتها فاتصلت وهي تبكي سألتني بعد أن هدأت لماذا أترك لها الذكريات ؟ أجبتها أنها من اختار المنزل وأنها من وضعت لمساتها الأنيقة في ديكوراته وتوزيعه وأنها من تستحق أن تكون صاحبته ، حاولت أن أغير رأيي في مسألة المنزل فأقنعتها أن الذكريات ليست تعيسة رغم رحيلها وأنها تركت لي كثيراً من الذكريات الجميل التي سأذكرها دائماً وطلبت منها أن لا تبدي أي انفعال يجرح مشاعر أنطون في الحفل فوعدتني بذلك .

كنت أكذب على نفسي وأنا أتحدث معها بهدوء كنت أريد أن أصرخ وأقول لها أحبك ، لكني لم أفعل ، بل أردت أن تنعم بحياتها وتشعر بالاستقرار الذي أفقده في حياتي بعدها ، أعرف أن الحب أناني والحبيب يريد حبيبته له وحده لا يلمسها غيره ، ولا يراها غيره دون أن يفكر أن لها قلباً ربما يجد سعادة أكثر مع شخص آخر يمنحها من الحب ما لم يمنحها هو ويعطيها من الحنان أكثر منه وتشعر بالراحة معه أكثر ، نعم الحب أناني فمن يفكر في أن المحبوبة رحلت حتى يتهمها بالخيانة والكذب وكل الصفات السيئة ويجعلها أيقونة للجروح ، من حق سارة أن تحب غيري ، فهي تملك قرارها ولا يحق لأي أحد كان أن يتدخل فيه .

كانت بيروت بالنسبة لي مجمع الذكريات الجميلة ومصدر الألم كذلك ، فكل مكان فيها كان يذكرني بمعشوقتي كل الشوارع والمطاعم حتى غروب الشمس ، كان يحيي في نفسي الألم كل ليلة كانت سارة تقف معي حين تنزل الشمس مؤذنة بليلة جميلة أخرى مع من أحب لكن الشمس اليوم تودعني وحيداً وترحل .

زواج سارة في الغد كان الأمر مثيراً ومؤلماً ، كانت إثارته فيما سيحدث وكيف ستكون سارة في حفلها ؟ وكان الألم أنها لن تكون وحيدة بعد الآن بل ستكون مع رجل آخر ، يمزقني هذا الشعور فكيف سأرى أنطون وهو يقبلها بعد لبس الخواتم ، قررت بعد هذا التفكير أن أتأخر قليلاً لكي لا أشاهد هذا الموقف بالذات ، صاحبني الأرق تلك الليلة وعند الفجر نمت وصحوت في الثالثة عصراً ، كان نوماً عميقاً لكني استيقظت بكابوس مزعج .

سار اليوم ببطء شديد وضيق شديد ، حاولت جهد استطاعتي أن أتغلب على هذا الإحساس لكي أكون في مزاج حسن عند حضوري للحفل الليلة ، لكن الأمور لا تسير بما أشتهي بل بقيت على حالي حتى ذهبت للحفل في التاسعة ، كانت الأناقة مطلوبة وتجربة الابتسامة المصطنعة التي يجب أن تكون مرتسمة في مثل هذه المناسبات ، ذهبت للحفل كان في الاستقبال والد سارة ووالدتها سلمت على والدها وقبلته وكذلك والدتها التي لحقت بي وشدتني لتتحدث معي بعيداً عن المدعوين سألتني عن صحتي ربما لاحظت حالة الهزال التي أصابتني فطمأنتها وسألتني : هل سارة تعرف أني سأحضر ؟ فأخبرتها أنها تعرف تنهدت لتطرد خوفها فقلت لها : سارة أختي ومهما حصل ستبقى في هذه المنزلة وأنطون صديق قديم هو من وجه لي الدعوة استغربت والدة سارة من كلامي لكنها ارتاحت لهذا الأمر .

كانت الصالة أنيقة جداً ورحبة ، والعريسان هناك على الكراسي الملكية يهنئهم الحضور ، توجهت لأنطون احتضنني بقوة وقال لي كنت أخاف أن لا تحضر فقلت له لا أستطيع أن أغيب عن  هذه المناسبة التفت لسارة وقال : فاجأتني بأنكما تربيتم سوياً ، قبلتني سارة حينها ودار حديث بسيط أوصيت أنطون أن يهتم بأختي الصغيرة ، فضحك ، ونزلت من المسرح توجهت لطاولة بعيدة جلست قليلاً ثم خرجت .

كان حفل الزواج جميلاً ، لكنه ليس كما كانت تحلم به سارة وفستانها أبيض لم ترتدِ الوردي الذي أخبرتني أنها ترغب فيه وعيناها لا تحمل ذلك البريق كانت جميلة نعم لكنها لم تكن مبتهجة لم أجد تلك الطفلة التي كنت أشاهدها في وجهها ، ولا تلك العاشقة التي أترقب كلماتها الناعمة ، لم تتحدث وأنا واقف معهم على المسرح ، بل كان حديثي مع أنطون الذي ارتسمت كل علامات السعادة والفرح على وجهه ، كان مبتهجاً ومن حقه لأنه سيرتبط بسارة ، أسعدني لقاء أنطون ؛ لكن لم يسعدني أن يرتبط بحبيبتي .

خرجت وقد اعتصرنِ الألم ، أوقفتني والدة سارة ثانية وأنا أغادر لا أعرف كيف نزلت دموعي وأنا أمامها احتضنتني فابتعدت عنها وغادرت المكان عرفت أن هذه الليلة هي ليلة الفراق الحقيقية بيني وبين سارة ، فلا مجال لأي علاقة معها مهما كانت الظروف ، حسدت أنطون كثيراً مع أني أكره هذا التعبير لكن ما مر بخاطري هو الحسد فكيف لي أن لا أحسده وسارة ستنام على سريره  الليلة ؟! سيلامسها ويقبلها ويعاشرها وسيستيقظ في الصباح ليجدها بجواره ، كيف لي أن لا أحسده وهو سيحظى بتلك القبلة الدافئة والأحاسيس الجميلة التي تغمر أي رجل يرافق امرأة تحمل كل الصفات التي يحلم بها ؟! .

في اليوم التالي غادرت بيروت عائداً للدوحة وقد مات ذلك الشعور الذي كنت أشعر به حين أعود بعد مقابلة سارة في السابق بل ماتت أشياء كثيرة بعد زواجها بأنطون .

سارة

     آه تنهدت ، وبكيت بعد أن خرجت من منزل خالد قبل زواجي بيومين كنت أود أن أحتضنه لكني منعت نفسي وكنت خائفة من أن يتهور فكان أكثر تحفظاً مني بكثير بل لم يحاول أن يقبلني وهو يسلم علي ، حينها بكيت ، يوصيني خيراً بأنطون فآه لو عرف أنه السبب في فراقنا ، لقد أصبح خالد نـحيلاً جداً والحزن بادٍ في ملامح وجهه ورغم ذلك كان يوصيني بنفسي .

لم أفكر في أن أفتح الهدية ، وأنا معه لكن المفاجأة التي رأيتها في العلبة الأنيقة لم تكن خاتماً أو عقداً غالياً بل عقد أبرم بيننا دون أن نكتبه عقد كتب بكل صدق بين عاشقين اختارا حتى منزلهما ورتباه وجهزاه لاستقبالهما أهداني المنزل الذي كان مصدر فرحتي في السابق كنت أعتبره منزلي وهو معي ، فأهداني إياه ليكون هو مرافقاً لي وأنا مع غيره من الرجال .

تحدثت معه ، حاولت أن أثنيه عما فعل حاولت أن أقنعه ، لأعيد له المنزل ، حاولت أن أتخلص من بعض الذكريات ، لكنه أراد أن تبقى ذكراه معي ترافقني أراد أن أجد رائحته في المنزل ، وأراد أن أتخيله في كل زاوية وكل ركن ، غريب ذلك الرجل يعرف أين يضع نفسه فهو يملك الثقة حتى في حزنه وألمه ، نعم رأيت ألمه رأيت حزنه في عينيه في نبرة صوته كان هادئاً لكن الحزن كان يطغى عليه .

كنت أود أن أحتضنه على المسرح حين جاء  ليبارك لي أنا وأنطون ، لكن عجزت حتى عن الكلام وعندما نزل من المسرح نزلت مني دمعة جففتها بسرعة لكن أنطون انتبه لها واقترب مني وسألني فأخبرته : بأني تذكرت أن خالد فقد زوجته فدمعت عيني ، احتضنني أنطون وقتها تمنيته خالد لكني عاجزة عن تغير قدري ، سارت الليلة على النسق الذي تسير عليه بين كل الأزواج لم أمنع أنطون من شيء ، وكان هو لطيفاً معي  ، وفي الصباح كنا نجهز أغراضنا لنسافر في شهر العسل الذي اقتصر في نهاية المطاف على أسبوع للانشغال أنطون وارتباطه بالعمل .

حمدت الله أن شهر العسل كان قصيراً لأن أنطون كان يرافقني في كل وقت ، وكنت أضغط على أعصابي حتى لا يشعر بتغير في تصرفاتي و مزاجي ، كان لطيفاً معي لأبعد الحدود وكان يراعي مشاعري كثيراً حتى في أوقاته الحميمة كان كذلك ، احترمت أنطون فقد شعرت أنه يحبني ، لكني لا أستطيع أن أدخله إلى قلبي ، لكن يجب أن ينعكس احترامي لاهتمام وهذا ما أحاول دائماً فعله .

عدت بعد رحلة العسل القصيرة لبيروت جلست في منزل والدي كضيفة هذه المرة ، لأن أنطون كان يجهز منزلنا في باريس ، ولم يبقَ سوى اللمسات الأخيرة طلبت أن أضع ديكوراته بنفسي لكنه صمم أن يسلمه لمكتب ديكور مختص ، لم أهتم بالأمر بل رضيت بما أختار دون كثير من النقاش والجدل ، سأبقى في بيروت ما يقارب الأسبوعين ، سيقضي أنطون الأسبوع الأخير هنا أيضاً في منزل والدي .

كانت والدتي تحدثني دائماً عن واجباتي الزوجية وما يجب أن أفعل مع زوجي من اهتمام به وبالمنزل حتى ضجرت من حديثها وطلبت منها أن تكف عن هذه النصائح ، لأن الزمن تغير وأني سأعمل حتى وأنا متزوجة ، ولن أبقى في المنزل وفجأة سألتني هل تحدثت مع خالد بعد الزواج أخبرتها بأن علاقتي بخالد انقطعت قبل أن يخطبني أنطون وأن عليهم أن يصدقوا هذا الأمر وأن لا يكرروه على مسامعي هي ووالدي ثانياً لكن فضولي دفعني أن أسألها ما الذي ذكرها بخالد في هذه الفترة كان كلامها واضحاً وقد فوجئت عندما علمت أن والدي أرسل له بطاقة دعوة لحضور الزفاف ، وعرفت منها أنها تحدثت مع خالد من قبل في حفل الزفاف لكنه كان منهاراً ولم يحدثها .

أخبرت والدتي بأن أنطون أرسل بطاقة دعوة لخالد ولهذا حضر للحفل ، فحضوره لم يكن بناءً على دعوى والدي وأن أنطون يُكن له احتراماً بالغاً تحدث معي عن شراكته السابقة مع خالد وكيف كانت تعامله تجارياً سألته عن ثروة خالد حينها فقال لي شيئاً لا أصدقه فقد كان خالد ثرياً لدرجة أن ثروة أبي وزوجي لا تساوي شيء عند ثروته استغربت من كلامه أبديت استغرابي ، وأخبرته بأن خالد لا يبدو عليه أنه يملك ثروة بهذا الحجم وهو صغير السن فأخبرني أن والده كان ثرياً وأن عمه أدار ثروته ببراعة وعلمه كثيراً من أساليب التجارة ، وساعدته دراسته للاقتصاد كذلك وأخبرني انه لا يحب التصنع بل البساطة ، وافترض أنطون لو أني زرت الدوحة لعرفت مستوى المعيشة التي يعيشها خالد ومدى قوته في عالم المال .

لم يخبرني خالد عن هذه الثروة الطائلة حتى والدي لم يخبرني بذلك ، أو ربما لا يعرف ما وصل إليه خالد بعد وفاة والده ولا يدري لأنه غادر قطر منذ زمن طويل ولو كان يدري لغير رأيه ، لأني أعرف نظرة أبي للمال نعم كان خالد يأتي إلينا في تاكسي ويذهب أحياناً ماشياً خرجت معه كثيراً لم ألحظ قط أنه ثري لهذه الدرجة التي تحدث عنها أنطون كان يأكل على الرصيف ولا يبالي ويمشي في الحواري دون خوف ويلبس نعم كل ملابسه ماركات مسجلة ، لكنها بسيطة ربما المرة الوحيدة التي رأيته متأنقاً بشكل كامل هي عندما علمته الرقص تلك الليلة التي غيرت رأيي في أسلوب علاقتي معه نعم كان متأنقاً وكانت بدلته تحمل علامة ماركة عالمية غالية الثمن ، كما أني لاحظت أنه لا يسكن إلا بفنادق خمس نجوم ولا يسافر إلا على الدرجة الأولى ولم يقل قط لشيء يريد شراءه أنه لا يستطيع أو أنه غالي الثمن حتى يوم أن أشرت عليه بشراء المنزل الذي أهداني إياه لاحقاً لم يناقش في السعر بل حول لي المبلغ خلال يومين .

لن تزيد معرفتي أن خالد ربما يكون مليارديراً حبي له فقد أحببته لأنه خالد ذلك الشاب الجذاب الغريب المؤدب لم أفكر ولم أسأله عما لديه وما يملك وهو كذلك كان يتحدث عن المال بشكل بسيط لا يبالغ كعادته في كل شيء واقعي بسيط نعم هذه أفضل صفة تميزه بساطته ، فلم يكن مغروراً ، ذهبت حينها لغرفتي فتحت العلبة التي أحضرها لي في زيارته الأولى أخرجت البروش الذي أحضره لي فأخذته ، وتوجهت لأقرب محل مجوهرات يمكنه أن يعرف نوع الألماس والأحجار الكريمة الموضوعة فيه ، وقد عرفت أنه ألماس حر سألته عن قيمة البروش فأجاب بأنه ربما يتجاوز الثلاثين ألف دولار بقليل .

جاء أنطون لبيروت خرجنا سوياً كان الخروج في بيروت مع أنطون مؤلماً فكثير من الأماكن ، كانت تذكرني بخالد تحملت كل شيء كتمت في نفسي ذلك الضيق ، لكي لا أصدم أنطون ولا أجرحه ومضى الوقت وغادرنا لفرنسا لمنزلنا هناك كانت شقة أنطون أنيقة وراقية ، لكنه لم يجلس معي كثيراً فالعمل يشغل كل وقته وقد جعلني أشرف على المحلات التي أسسها لبيع الملابس والإكسسوارات مما شغلني كثيراً وطور من تصوراتي للعمل في مجال التصميم والإكسسوار بل في مجال التجارة النسائية بشكل كامل ، بذلت جهداً كان واضحاً ، حتى إن نسبة المبيعات زادت خلال ثلاثة أشهر بمعدل الربع مما أدهش أنطون فجعلني شريكة بنسبة الربع على أن أدخل مشغلي ومحلي في بيروت ضمن المشروع ، فوافقت واستمر العمل .

خالد

     عدت للدوحة متعباً جسدياً ونفسياً أيضاً أرهقتني تلك الرحلة لبيروت أرهقتني سارة كثيراً دون أن تعرف ما أعاني مما تفعل كان زواجها بأنطون نهاية مرحلة من حياتي ، كنت أود أن لا تنتهي أبداً بهذا الشكل المأساوي الذي تمت عليه ، فلا أنا ولا هي كنا نتمنى ذلك ، ثم رحلت هي وبقيت أنا وحدي الذي لا أتمنى ذلك ، ربما رحلت ربما لما تتمنى أو ربما كانت لديها دوافع ومبررات أخرى لا أعرفها .

لم أترك مشاعري هذه المرة تؤثر على عملي مطلقاً فتحاملت على نفسي وتابعت أعمالي دون توقف ودون أن يشعر أحد بأي تغير في تصرفاتي أو قراراتي فالعمل يجب أن يكون هو الهم الأول بعد الآن ، فلا سارة بعد ذلك وإن كانت موجودة ، فهي بعصمة رجل آخر لا يحق لها أن تخونه أو أن تحب غيره ولا يحق لي أن أكون بينهم كي لا أؤثر على حياتهم الخاصة التي يعيشانها .

مرت الأيام برتابة كعقارب الساعة لا تقف أبداً رغم طولها ومللها وثقلها إلا أنها سارت دون توقف ، وأنا لا زلت منهمكاً في عملي ولا أفكر في شيء سواه إلا تلك الذكريات التي كانت تمر ببالي كل يوم ، لكنها ذكريات مؤلمة تزعجني كل ليلة ، حاولت أن أبعدها عن رأسي دون جدوى وبعد جهد تمكنت أن أبقيها في خانة الذكريات وإن كانت تحمل الحزن في جوانبها وتأتي باستمرار دون مواعيد مسبقة  .

مرت السنة الأولى على زواج سارة ولم يتم بيننا أي اتصال أو لقاء ولو بالصدفة ربما نسيت سارة كثيراً من الأمور بعد أن تزوجت أنطون ، أو ربما أصبحت أنا سطراً في ذكرياتها ، لأنها أصبح هناك مع شخص آخر يلهمها الذكريات الجديدة ويشاركها أيامها فلا  تفكر في غيره ولو فكرت في غيره ، لا تفكر كثيراً ولا تفكر بحزن أو ألم بل تكون ذكرى عابرة ربما تحمل قدراً من السعادة أو التعاسة .

يوجد أمر مهم في حياتي أو شخصية قوية ، إن جاز التعبير وجدت منذ زواجي الأول تجسدت في سيدة أعمال تعرفت عليها في فترة زواجي  كانت تهتم بأعمالي أو تجعلني شريكاً في بعض أعمالها التي كانت تديرها ربما أعجبها أن ينخرط شاب صغير السن في العمل التجاري ، ويحقق نجاحات قوية من البداية كانت تتشارك معي في مسائل غريبة ، فعندما تريد أن تكون عضو مجلس إدارة في إحدى الشركات كانت تتصل بي وتطلب أن أشتري أسهماً في تلك الشركة وتكون هي قد فعلت نفس الشيء ثم أوكلها بالانتخاب في انتخابات مجلس الإدارة وبأخبار التداولات والتعاقدات التي تصدر من الشركة ، وعندما يرتفع سعر السهم أبيع نصيبي وأخرج بمبلغ محترم من المال في أقل من شهر ، كان هذا أغلب شراكتنا مصلحتها وفائدتي كانت تكبرني بثماني سنوات ، فهي في الخامسة والثلاثين وعلى فكرة لم يكن بيننا أي علاقة من أي نوع يخطر ببال أحد على الإطلاق بل بقيت أحترمها وبقيت تحترمني .

هذه السيدة أعتبرها نوعاً خاصاً من النساء التي وقفت كثيراً وأنا أتأمل تصرفاتها فهي تعرف كل شيء عني وعن والدي وأمي وزوجتي السابقة نعم ، فهي تصل لزوجتي السابقة بصلة قرابة وبسبب زوجتي تعرفت عليها ، هي ليست جميلة بالقدر الذي تتوقعه لكنها تحمل قدراً كبيراً منه ومن الجاذبية والأناقة كذلك كانت تتصل باستمرار  بعد وفاة زوجتي ، وتتحدث معي ومنها أصبحت هي الأخت الكبيرة التي ألجأ إليها بعد كل مرحلة مؤلمة في حياتي ولم أتحدث معها بعد عن أمر علاقتي بسارة قبل زواجها لكن اتصلت بها بعد عودتي من بيروت وحضوري حفل الزفاف لأتحدث معها لأني كنت أريد أن أخرج ما بي من ضيق .

كان كلامها يصب في مصلحة سارة هذه المرة ، على عكس عادتها التي كانت تقف بجانبي دائماً ، سألتها عن دفاعها عنها ، فقالت : تملك النساء قلباً وجسداً ، فللقلب شأنه ، وللجسد شأن آخر ، طلبت منها تفسير ما تقول فقالت : لو أن علاقتي بسارة وصلت لمرحلة الفراش لما تركتني ، فكرت في الكلمات التي قالتها وقلت لها : لا لا يكون الحب هكذا ؟ فردت بجرأتها المعهودة : لو كان من تتحدث عنها آنسة ، لقلت لك إن كلامك صحيح ، لكنها سيدة تزوجت من قبل لذا فعلاقة الحب مرتبطة مع الجسد لديها ، فقلت لها : لما لم أفكر أنا بهذا الشكل ؟ فقالت : لأنك تحبها من كل قلبك لذا كنت تخاف أن تجرحها أو أن تفعل شيئاً تفقدها بسببه وربما يكون تأثير المجتمع الخليجي أو الوازع الديني لديك قوي ، أخبرتها بأننا اتفقنا على أن يكون زواجنا هو قمة العلاقة ، فقالت : لو كان زواجكما خلال شهر لصدقت أنكما تستطيعان أما أن يمتد قرابة العام ، فهذا مستحيل لدى كثير من النساء والرجال أيضاً .

كانت محقة كنت أشعر برغبة سارة في كل لحظة تكون معي فيها ، ولم أفعل لها شيئاً بسبب خوفي عليها وعلى مشاعرها وعلى علاقتنا ، كانت السيدة / نورا مصدر راحة بالنسبة لي وبقيت كذلك قرابة العام ، حتى بعد أن تزوجت لم تتحجم العلاقة الأخوية التي بيننا ، وعرفتني على زوجها فكان شخصية محترمة منفتحة يؤمن بأن زوجته سيدة أعمال ولها الكثير من العلاقات العامة كما أنها عرفتني عليه على أني زوج أحد قريباتها ، بل وأكدت على أني أخوها الصغير .

كانت تسألني بين حين وآخر عن سارة هل نسيتها ؟ أم لا ؟ وفي إحدى المرات أجبتها أني بدأت أنساها فصرخت في وجهي وقالت : يجب أن تبقى تحبها دائماً ، بعد شهر من هذه المكالمة اتصلت وطلبت أن تشاركني في مجمع تجاري على غرار كبرى المحلات العالمية يختص بكل أمور النساء الراقيات على حد قولها لم أمانعها وحولت لها المبلغ كان قرابة الخمسة عشر مليوناً ، أخبرتني بعدها بشهر أن معنا شريكاً أجنبياً سيتولى إدارة المجمع ، فلم أبالِ لمعرفتي بدقتها وحسن تصرفها في الإدارة بشكل خاص ، استمر الاتصال بيننا لمعرفة التطورات التي تتم بالمشروع الجديد  حتى اتصلت ودعتني لحفل الافتتاح .

كان مشروعاً راقياً بالفعل ، وضعته على غرار كبرى محلات الأزياء العالمية ، لكنها شكلته بشكل ملفت للانتباه فهو يمثل محلاً كبيراً يشمل كل شيء وكل التخصصات كلها من الماركات العالمية المعروفة ، وبعض الماركات الجديدة التي رأت فيها جودة التصنيع الأوربي الراقية ، كان الافتتاح بسيطاً وما أحرجني ان أغلب الحاضرين كن من النساء إلا أنا وشخص اعتقدت في البداية أنه الشريك الأجنبي الذي حدثتني السيدة / نورا عنه ، لكني اكتشفت أنه مدير إحدى الشركات الموردة  لمستحضرات التجميل الاجنبية .

مرت قرابة العامين على شراكتي مع السيدة / نورا ولم تقف الشراكة على هذا المستوى بل تعددت وكنت أقبل كل المشاريع التي تعرضها من شركات فرعية ، أو فروع للمحلات ، فهي تتحمل الإدارة وأنا أجني الأرباح كما أنها شريك مضمون ومحل ثقة ، لم أحاول التدخل في أي مشروع أقامته تحت مسمى شركتنا ، بل لم أسألها عن أي تكاليف مالية أو أرباح لأن هذه الأمور يراجعها مكتب محاسبة مالية مختص ، أما في إدارتها للمشاريع والوكالات التي حصلت عليها الشركة فكان لها الحرية الكاملة في التصرف ، ورغم ذلك كانت تبلغني بكل التطورات التي حصلت وكل تصوراتها المستقبلية للشركة .

لم ألحظ أي شيء يثير انتباهي تجاهها ، ولم ألحظ أنها تخطط لأشياء لم أحسب حسابها من قبل ، فالسيدة / نورا كانت تعتبرني أخاها الصغير بالفعل فبعد وفاة زوجتي التي كانت قريبتها كانت تطالبني بالاستمرار بالحياة بشكل طبيعي وأن لا أترك الحزن يسيطر على حياتي ، وكنت بدوري أستمع لها فقد كانت تقول الصواب ، وبعد معرفتها بعلاقتي مع سارة كانت لحوحة في هذا الجانب وتطالبني بأن أعيد الاتصال بسارة ، وأن لا أقطع الأمل أخذت هذا الجانب من حديثها بنوع من التهكم ، ولم أوليه أي اهتمام ، لكنها كانت مهتمة بالفعل بل فعلت ما لم أتوقعه أو ما لا يخطر ببالي .

اتصلت بي ذات يوم ودعتني لعشاء عمل ، استغربت لأنها لم تفعل ذلك منذ أن تزوجت ، ذهبت إليها تلك الليلة فوجدتها قد حجزت طاولة في زاوية المطعم جلست معي قليلا ثم استأذنت وقالت إنها ستعود بعد ربع ساعة إلا أنها تأخرت كنت لا أرى من يدخل للمطعم لأني كنت أجلس في الجهة المقابلة للمدخل وإذا بالجرسون يأتي ويزيح الكرسي بجواري لكي يجلس عليه شخص ما ، لفت انتباهي المشهد ونظرت للكرسي لأرى من الذي سيجلس فيه ، والأكيد أنها ليست نورا لأن كوب العصير الذي كانت تشرب منه في الكرسي المقابل لي والكرسي الذي حركه الجرسون بجواري كانت سيدة ، وقفت حين رأيتها فتجمدت مكانها لما رأتني تصدقون ، كانت سارة وقف قلبي حينها ولم أستطع أن أقول شيئاً وأظنها شعرت بصدمة حينها ، لأنها لم تسلم علي بل خرجت من المطعم دون أن تتكلم .

اتصلت بنورا مباشرة سألتها عن الذي فعلته فضحكت وقالت : لأنكم لا تعرفون مصلحتكم أين ! لا تغادر المطعم سأعالج الموقف نفذت رغبتها المجنونة لكي أعرف سبب وجود سارة ، جاءت بعد نصف ساعة ومعها سارة فجلست وأجلستها بجواري وقالت : شريكتنا سارة ، اكتشفت من الحديث أن سارة كانت هي الشريك الأجنبي الذي أخبرتني عنه ، لم أعرف ذلك لأني منحتها توكيلاً عاماً  منذ تأسيس الشركة بالإدارة والتعاقد في كل المشاريع المشتركة بيننا ولم تكن سارة شريكة في مشروع واحد بل في ثلاثة مشاريع .

أدارت نورا الجلسة باحتراف كبير ثم طلبت الإذن لربع ساعة عرفت أنها ستغيب لفترة أطول مما ادعت لتترك لي المجال أن أبقى مع سارة ، سالت سارة بعد خروجها عن أنطون فأخبرتني بأنه بخير لكنه لم يستطع الحضور للدوحة لانشغاله بالعمل لم أعرف كيف أبدأ حديثاً متصلاً معها ؟! ولم أحسن التصرف في تلك الليلة كانت مشاعري خارج السيطرة حتى أني تعرقت كثيراً مع أن الجو بارد في المطعم .

سارة

     ما هذا الأمر الذي جرى في المطعم ؟ متى أصبح خالد شريكاً ؟ فكل هذه المشاريع التي نفذتها مع السيدة / نورا وكل العقود التي أبرمتها مع الشركة التي تعاقدت معها يذكر فيها فقط اسم الشركة الأم كطرف أول ويحمل العقد توقيعي وتوقيع السيدة / نورا دون أي طرف ثالث ، لكنها أخبرتني بأن هناك شريكاً لها في تلك الشركة وقد منحها توكيلاً عاماً للتصرف في جميع أعمال الشركة لم أسألها عن اسم الشريك ولم أحاول معرفته لكن لماذا خالد بالذات ؟ هذا ما أثار استغرابي وفضولي ، لذا سألت السيدة / نورا عندما اتصلت بي بعد أن خرجت من المطعم فسألتني حينها عن سبب انزعاجي  فتجاهلت سؤالها وسألتها : من ذلك الشخص الموجود على الطاولة ؟ فأجابت شريكي لقد أخبرتك أن هناك شريكاً ثالثاً فسألتها : لم أر اسمه في العقود ؟ فأجابت : هو شريكي في الشركة الأم المتفرعة منها شركتنا ، بعدها سألتني : لماذا أنتِ متوترة لهذه الدرجة ؟ تمالكت أعصابي حينها ، وقلت : إني كنت أتوقع أن تكون وحدها هناك ، طلبت مني العودة للتعرف على شريكنا وقالت : الرجل يمنحني الثقة في إدارة أمواله وقد طلب مني أن أحضر الشريك الثالث لكي يسأله عن بعض الأمور فلو لم تعودي ستنهار ثقته ، فانتظرتها ودخلت معها المطعم .

لم أره منذ أكثر من عامين ، لم يتغير لكنه مختلف كل الاختلاف بالزي الخليجي ، تجنبت النظر إليه بشكل مباشر رغم تحديقه في ملامحي وتجنبت أن أتحدث معه وفعل هو نفس الشيء وعندما غادرت نورا سألني عن أنطون كدت أخطئ وأخبره بأني انفصلت عنه منذ ما يقارب السنتين لكني أبقيت هذا الأمر في نفسي ولم أخبر به أحداً ، قلت له : إن أنطون مشغول ولا يحضر للدوحة لهذا السبب ، لم يتحدث معي عن أي شيء آخر كأن ما جرى كان بمثابة الصدمة له ، لاحظت هذا في كلامه المتلعثم في تعرقه الشديد في طريقة أكله فكانت الشوكة ترتعش في يده ، بل وسقطت أكثر من مرة حتى أنه لم يكمل طعامه بل اكتفى بالقليل .

لم أخبركم عن سبب انفصالي عن أنطون كان السبب تافهاً في نظره وعظيماً في نظري ، فقد كنا في بيروت حينها وكان أنطون قد خرج لينجز بعض أعماله فأردت ، أن أزور منزلي الذي أهداني أياه خالد لأرتبه وأنظفه فذهبت إلى هناك وبقيت قرابة الساعتين وأنا أنظف المنزل فقد كان متسخاً ، لأني لم أزره على مدى أربعة أشهر متتالية ، وفجاه دق جرس الباب استغربت خفت أن يكون الطارق خالد ، لكنه كان أنطون فتحت له الباب فدخل مندفعاً إلى الداخل وأمسك بكتفي وصرخ في وجهي ماذا تفعلين هنا ؟ أصبت بالصدمة من تصرفه الفظ ، فأزحت يده عن كتفي وقلت هذا منزلي وتركته واقفاً وجلست على الأريكة جاء وجلس بجواري وأعتذر ، لكنه سألني : لم تخبريني أنك تملكين منزلناً هنا من قبل ؟ أجبته قائلة : لم تأتِ فرصة مناسبة لكي أخبرك ، فرد بسرعة : ألم يكن من الأفضل أن نبقى في منزلك فترة وجودنا في بيروت ؟ فقلت له : لا أفضل البقاء في هذا المنزل ، سألني : لماذا ؟ فأجبته بعد تردد : أفضل أن أبقى عند والدتي في فترة وجودي هنا ، سكت أنطون ثم وقف وأخذ يتجول في أرجاء المنزل ، دخل كل الغرف فتح كل الخزانات لم يقلقني تصرفه هذا ، بل أردت أن يطفئ شكه بنفسه ، وبعد كل هذا جاء وفي يده برواز به أشكال طفولية سألني من الذين بالصورة ؟ أخبرته أنه خالد ووالدته ووالده ، فقال : يبدو أنك تحتفظين بذكريات جميلة مع خالد ، لا أعرف كيف أجبت على هذا السؤال ؟ فقد قلت له : نعم ، فسألني ليتحقق : في فترة الطفولة أم بعدها ؟ نظرت إليه باستغراب وقررت أن أتحدث معه بصراحة مطلقة فقلت : في الطفولة وبعدها حتى قابلتك في باريس .

سكت أنطون وأخذ يتعرق بشدة أخذت أناديه : أنطون ، أنطون فلم يرد علي بل حدق بي وهو يفكر ثم قال : لم تخبريني عن علاقتك معه ، فأجبته : كنت أريد أن أخبرك فمنعتني من الكلام وسألتني حينها هل وصلت علاقتكما للفراش ؟ هل تتذكر هذا الحديث أم نسيته ، هز رأسه وبلع ريقه فسألته : ما بك ؟ فرد على سؤالي بسؤال : هل كان خالد هو الذي تقدم لخطبتك قبل أن أقابلك ؟ فأجبته : نعم ، قام وأخذ يدور في المكان ثم قال : لم يخبرني والدك بذلك ، عندها نهضت من مكاني وسألته : وما الذي كان يجب على أبي أن يخبرك به ؟ فقال : لا تفكري بما قلت وخرج من المنزل ناديته لكنه لم ينتظر .

ذهبت للبيت توقعت أن يكون أنطون هناك لكنه لم يأتِ إلا في وقت متأخر برفقة والدي استوقفتهما ، وأعدت السؤال على أنطون : ما الذي كنت تريد أن يخبرك به أبي قبل خطبتنا ؟ بلع ريقه وطلب مني الجلوس ليشرح الأمر ، فجلست وأنا متوترة استأذن أبي وذهب لغرفته وتحدث أنطون فقال : لقد زرتكم في المنزل بعد انقطاع طويل ورأيتك عرفت حينها أنك منفصلة عن زوجك أعجبت بك وبدأنا نعمل سوياً ، وجدت أنك فتاة محترمة مؤدبة جادة ، فقلت لنفسي هذه هي السيدة المناسبة لتشاركني حياتي فاتحت والدك بالموضوع ، فقال لي اصرف النظر فلديها مشكلة عاطفية .

لم أنهِ الموضوع مع والدك بهذا الشكل بل أخذت ألح عليه حتى أخبرني بأنكِ على علاقة مع شاب وهو يريد الزواج  بك ، ووالدك رافض ، لم يخطر ببالي أن أسأله ما اسم الشخص الذي تقدم لخطبتك ؟ لكن استأذنته في محاولة إقناعك بالأمر فقال : لم لا ؟! بدأت أتودد إليك دون أن ألفت انتباهك وفي باريس بالذات تعمدت أن يكون الشراب الذي في كأسك قوي المفعول لعلمي بأنك لا تشربين كثيراً ، لكنك شربتِ من ذلك الشراب كمية أكبر من أن تبقي أي شخص في وعيه ، لا أنكر أني كنت أتوق لاحتضانك ففعلت ولم أجد أي ممانعة منك ونـحـن نرقص وشربتي مجدداً في الديسكو وكنتِ ممتعة ورافقتك للفندق كنت أتمنى أن تصل علاقتنا للفراش لكي لا تستطيعي الرفض إن تقدمت لخطبتك وهذا ما تركتينِ أفعله عندما ذهبنا للفندق .

كان أنطون يتحدث وأنا في حالة من الذهول حتى انتهى فنهضت من على الكرسي وصفعته حينها دون أن أشعر ، ذهبت بعدها لغرفة والدي ، رأى أني غاضبة فانتبه لي وأنا أقول له : يكفي تدخل في حياتي لقد دمرتني مرتين يكفيك تعسفاً وخرجت من عنده متوجهة لغرفتي لم يأتِ أنطون لينام في غرفتنا تلك الليلة بل نام في أحد الفنادق لكنه عاد في اليوم التالي حاول أن يتحدث معي فطلبت منه أن يوكل محامياً ليبدأ إجراءات الطلاق نظر لي باستغراب وقال : هل جننتِ ؟ فقلت له : لتعلم أني كنت أظن أنك تجهل أني كنت أحب شخصاً غيرك وبمقابلتنا في باريس وما جرى في تلك الليلة ، انهارت علاقتي بمن أحب ، لأني خنته مع شخص لا يعني لي شيئاً ، أما أنك تعرف أني مرتبطة عاطفياً مع غيرك وتهدم كل شيء متعمداً فأنت لا تستحق أن تعيش معي ساعة ، نظر أنطون إلى باستغراب ، ثم حمل الجاكيت على كتفه وخرج كان حزينا بدا ذلك في ملامحه .

بعد أسبوع من هذه المشاجرة اتصل محامي أنطون وطلب أن أحضر لباريس لنسوي موضوع الطلاق ، وما يترتب عليه من أمور فطلبت منه أيضاً أن يبدأ بمسألة فض الشراكة التجارية بيني وبين أنطون ، لم تأخذ الإجراءات فترة طويلة ، فلم يكن هناك اختلافات كثيرة بل بعض المشاكل البسيطة كتصميمه أن يبقي المشغل والمحل في بيروت ضمن الشركة ، وأن يعوضني عن ذلك واستطعت أن أحل هذه المسألة بعد أن اتصلت بوالدي ,اخبرته بأنه يتحمل المسؤولية في هذا الأمر فتحدث مع أنطون وتم حل المسألة بسرعة ، لكن دون أن يعيد انطون لي المشغل والمحل فبالغت في طلب التعويض فلم يعارضني ودفع لي مليون دولار ثمناً لهما بالإضافة لقيمة شراكتي معه التي كانت بنفس القيمة تقريباً كان هذا المبلغ رأس المال الذي شاركت به السيدة / نورا .

عدت حرة ، لا أنطون ولا خالد ، بل عدت صاحبة قراري فوالداي بعد هذه المسألة التي صدمتني مجدداً لم يحاولا أن يؤثرا علي في أي شيء بل إنهما لم يعارضا أن أعيش لوحدي فذهبت لمنزلي الصغير الأنيق وبقيت هناك لم أفكر حينها في أن أعيد علاقتي بخالد فكيف لي أن أضمن أنه لازال يحبني كيف لي أن أعرف مشاعره بعد كل ما جرى توقعت أنه كون علاقة مع فتاة أخرى أو تزوج  … ربما .

لكن أثار فضولي وجوده مع نورا فما نوع هذه العلاقة القوية التي تربطه  بتلك السيدة لكي يقيم شراكة معها ويمنحها توكيلاً مطلقاً للتصرف في الشركة ؟ دون أن يسألها كيف تتصرف في أمواله على أقل تقدير أعرف أنها ممتازة في الإدارة التجارية لكن أن يمنحها ثقة مطلقة فهذا أمر يستوجب الشك .

خالد

     تحدثت مع نورا بعد خروجي من المطعم فردت علي : هل هذه التي تحبها أم لا ؟ قلت : نعم ، قالت : لكي تعرف أن أختك الكبيرة لا تتوانى في إسعادك وقد أتعبتني تلك السيدة لكي أعقد معها أول شراكة ولكني أشهد بأن ذوقك في النساء رائع ، كنت أسمعها وهي تتحدث دون أن أنبس ببنت شفة أو أقاطعها أو أستفسر عما تقول استأذنت بعدها وأغلقت الهاتف وتركتني أفكر فيما جرى الليلة .

لم تتغير سارة كثيراً ، لكنها أصبحت أكثر جدية وأكثر قوة من ذي قبل هل استطاع أنطون أن يغير من طباعها أم أنها هي التي أرادت أن تكون بهذا الشكل المختلف ؟ ما الذي سيحصل بعد لقائنا هذا ؟ هل ستعود العلاقة بسارة علاقة عاطفية أم علاقة شراكة فقط ؟ لا أتحمل أن تجلس معي كل مرة وهي تتحدث عن المال والأرباح والعمال والبضائع لم أتعود منها على هذا النوع من الحديث بل لا أريد أن أسمعه منها من الأساس ثم إنها متزوجة من صديقي وشريكي سابقاً هل سأعتدي على حياته الخاصة وأعيد علاقة الحب بيني وبين زوجته ؟ شعرت بالضيق يتسرب لقلبي وتمنيت حينها أن نورا لم تفعل ما فعلت من الأساس أو أنها لم تدعني على الأقل للعشاء .

تحدثت مع نورا في اليوم التالي سألتها لماذا فعلت ذلك الآن ؟ أجابتني : لأنك ستموت لو بقيت بعيداً عنها ألم تنظر لنفسك في المرآة فقد أصابك الهزال ؟ وتغيرت طباعك نعم لا زلت تاجراً ممتازاً لكنك أصبحت إنساناً تعيساً والتعاسة لا يعالجها إلا النقيض ونقيض تعاستك هي سارة ، قاطعتها : سأتسبب في تعاسة إنسان آخر ، ردت ببرود : لا بل سترحمه لأني لمست في سارة عدم اهتمام بزوجها ، بل إنها لا تبالي به من الأساس فكيف ستتسبب في تعاسته بل وجوده سبب التعاسة لشخصين لم لا يسعدان ويبقى هو في التعاسة قليلاً ثم ينسى مع مرور الوقت ، لم يكن كلامها مقنعاً ولم أستطع أن أستوعب ما تقول أو أناقشها فأنهيت المكالمة وتوجهت لعملي .

شعوري أن سارة موجودة في الدوحة جعلني سعيداً فكل شيء كنت أظن أنه انتهى تجاهها ، لكن اكتشفت أنه مختبئ في نفسي وظهر بعد أن رأيتها البارحة ، انشراح نفسي ابتسامتي المستمرة تفاؤلي نعم لم أتحدث معها ولم ار منها رغبة في ذلك إلا أني سعيد فقد كنت أتوقع أن لا أراها إلا صدفة وكنت أتخيلها تمشي بجوار أنطون وهي تدفع عربة طفلها نعم كنت أتخيلها بهذا الشكل وقد استقرت لها الحياة مع زوجها لكن كلام نورا في الصباح أثار في نفسي الغبطة مع أني لا أقبل أن أكون سعيداً على حساب شخص آخر أتسبب له بالتعاسة والألم بل ربما تدمير حياته التي سعى جاهداً أن تكون سعيدة مع المرأة التي اختارها زوجة له .

اتصلت بنورا في المساء سألتها إن كانت مشغولة أم لا ؟ فأجابت أن لديها وقتاً لتتحدث معي ، وقالت : تريد أن تسأل عن أمور كثيرة أليس كذلك ؟ قلت نعم ، فقالت : تفضل اسأل ؟ سألتها كيف تعرفت على سارة ، وأقامت الشراكة معها حدثتني في البداية باختصار فطلبت منها أن تتحدث عن التفاصيل كاملة ضحكت حينها ثم بدأت تتحدث فقالت : كنت أفكر في مشروع نسائي راقٍ ، لكن لم أضع دراسة الجدوى ولا التصور النهائي للمشروع ومنذ عامين زرت باريس لمدة أسبوعين تقريباً كنت أتسوق وأجمع الأفكار لمشروعي وفي ذلك اليوم دخلت محلاً كبيراً أعجبني توزيعه كثيراً وكمية الماركات العالمية الموجودة اشتريت منه بعض الإكسسوارت وسألت البائعة عن صاحب المحل أعطتني اسمه لكنها أخبرتني بأن زوجته هي من يدير المشروع في الوقت الحالي ثم ضحكت ، وقالت : هم عرب من أصل لبناني طبعاً عرفت أني عربية من ملابسي أعطيتها بطاقة التعريف الخاصة بي وطلبت منها أن توصلها للمسؤول أياً كان .

في مساء ذلك اليوم اتصلت بي سارة وطبعاً لم أكن أعرفها تحدثت معي باللغة العربية مباشرة شرحت لها رغبتي في إقامة مشروع ولم أعطها التفاصيل كاملة فطلبت أن تقابلني في اليوم التالي وقد حصل ما أرادت فقابلتها اندهشت حين رأيتها لم أتوقع أنها صغيرة في السن بل توقعت أنها في الأربعين أو أكثر لكن وجدتها شابة جميلة جداً حتى أني كنت أتأمل ملامحها وهي تتحدث معي .

كان حديثنا منصباً على المشروع ونوعه واتفقنا مبدئياً على الخطوط العريضة إلا أننا لم نتفق على آلية العمل والشراكة ، عدت للدوحة وبحثت عن مكان مناسب ، وتحدثت معك عن الشراكة في مشروع نسائي فلم تمانع ، كأن القدر ساقك لما تريد ، ضحكت حينها وقلت لها : لم أكن محظوظاً مع النساء ، قالت : لا تقاطعني ودعني أكمل عندما حولت لي المبلغ اتصلت مباشرة بالسيدة / سارة فلم ترد على اتصالي فاضطررت إلى أن أتصل بالمحل الذي زرته في باريس وطلبتها أخبروني أنها غادرت باريس فطلبت أن أتحدث مع صاحب المحل فأعطوني رقم السيد / أنطون فاتصلت به وسألته عن حرمه السيدة / سارة ، سألني حينها هل أريدها في عمل ؟ فأخبرته بأننا صديقتان ، أخبرني أنها غادرت إلى بيروت وأعطاني هاتف منزلها طلبت منه رقم الهاتف المحمول فأخبرني بأنها ستغير رقم هاتفها قريباً لذا لم يعطني إياه .

اتصلت بالرقم الذي أعطاني إياه أنطون فردت علي سيدة كبيرة ، عرفت أنها في منزل العائلة ، طلبت سارة فنادوها وتحدثت معها بشكل موجز كان من المقرر أن أسافر لبيروت في اليوم التالي لحضور اجتماع مجلس إدارة إحدى الشركات أخبرتها بأني سأقابلها بعد يومين في بيروت ، فوافقت وقد قابلتها في الموعد الذي اتفقنا عليه ، تحدثنا عن المشروع والشراكة وكيف ستكون ، وأخبرتها حينها أن الشركة ستضم ثلاثة أشخاص فسألتني عن الثالث ؟ فأخبرتها رجل أعمال وطلبت أن لا تقلق بهذا الخصوص لأن لدي توكيلاً عاماً للتصرف في الشركة .

لم تستطع سارة أن تغطي تكلفة نصف المشروع فكان التوزيع السليم الذي أردته منذ البداية ومن الطبيعي أن لا أخبرها بما أريد مباشرة لكن وصلت معها للاتفاق الذي خططت له على أساس الثلث لكنها لن تدفع عشرة ملايين ريال بل ستدفع خمسة ملاين فقط بالإضافة إلى أنها ستكون من يتابع التوريد للملابس والماركات العالمية وأتحمل أنا مسؤولية الإدارة والترتيبات الأخرى ، تم الاتفاق مبدئياً على هذه الأمور على أن توكل سارة محامياً من قبلها ومحامياً من قبلي لمراجعة العقود واعتمادها على أن يكون مقر الشركة الرئيسي في الدوحة .

كانت مرحة جداً في تلك الليلة ، على عكس مقابلتها في باريس فهناك كانت متحفظة وجادة ، ساعدتني روحها المرحة على أن أسألها عن الأماكن التي يمكنني أن أتسوق فيها ، أخبرتني بأن لديها وقتاً في الغد لتصحبني للسوق ، وافقتها وقابلتها في الصباح التالي خرجنا سوياً وأخذتني حيث أريد ، اشتريت أشياء كثيرة في ذلك اليوم واشترت سارة أيضاً أشياء كثيرة .

كانت صحبتها ممتعة وكان حديثها ودوداً ، لم تفتح أي حديث عن المشروع في ذلك اليوم ثم دعتني للغداء ، فأخبرتها بأني أريد أن أخلع حجابي وألقي عباءتي لأشعر بالراحة ، لذا عرضت عليها أن نتناول غذاءنا في غرفتي في الفندق فقالت إن لديها منزلاً جميلاً في بيروت فعارضتها لأني لا أريد أن أقابل أحداً فردت بسرعة : هذا منزلي الخاص لا يوجد به أحد.

أخذتني حينها لمنزل صغير تحيط به حديقة أنيقة دخلت معها ولا أخفي إعجابي بتنسيق المنزل فكان رغم بساطته أنيقاً جداً وضعت سارة الغداء الذي جلبناه معنا على طاولة الطعام وجلسنا كصديقتين وبعد الغذاء لاحظت سارة أن التعب قد استبد بي فعرضت على أن أرتاح قليلاً لم أعارضها فأخذتني لغرفة النوم ، وغادرت عندما جلست على السرير ، وجدت صورة قديمة لرجل وامرأة خليجيين معهما طفلان فتاة وصبي أثارت هذه الصورة استغرابي .

حين استيقظت بعد ساعة تقريباً وجدت سارة قد حضرت لي القهوة وجلست معي فسألتها هل تعرف أحداً في الخليج ، فصدمتني حين قالت إنها ولدت في قطر وسألتني : رأيتِ الصورة لذا تسألين ؟ فهززت رأسي بالإيجاب فقالت : أنا الفتاة التي بالصورة ؟ لم أسألها حينها من الذي بالصورة لأني تذكرت كلامك عمن تحب فجمعت خيوط المسألة بسرعة سارة وتربت في قطر والمنزل ، تذكرت حديثك عن المنزل الهدية التي أنبتك عليها كثيراً لكن صدقني حين عرفت تلك الفتاة أيقنت أنها تستحق الهدية ، حينها غيرت مجرى الحديث كي لا تكتشف سارة أي شيء بل تبقى مرحة ، ولا تتحفظ لكي أتأكد أكثر ، قضيت معها اليوم وعدت للدوحة في اليوم التالي .

أنهى المحامون العقود خلال عشرة أيام طلبت من سارة بعدها أن تحضر مع محاميها لتوقيع العقود ، ولتعاين بعض المواقع المرشحة للمشروع رحبت بالفكرة وجاءت بعد ثلاثة أيام استغربت كثيراً حين رأت التطور الذي وصلت له الدوحة في فترة قياسية اتفقنا خلال هذه الزيارة على الموقع الرئيسي للمشروع وسألتني عن المدة التي ينتهي العمل بها لتجهيز الموقع ؟ فأخبرتها أنها ثلاثة أشهر على أقل تقدير ، غادرت بعدها وباشرت العمل على تجهيز الموقع وديكوراته ، وكانت هي تعمل على الموديلات والمكياج والأدوات الأخرى وافتتحنا المشروع بعد أربعة أشهر من هذه الزيارة .

أردت أن تكون سارة موجودة في حفل الافتتاح لكن الظروف لم تساعدها ، فقد كانت في ذلك الوقت تتفق مع شركة مستحضرات تجميل ولم تتمكن من الحضور ، إلا أني حمدت الله أنها لم تحضر الحفل لأنها عندما عادت للدوحة لتباشر عملها هنا رأيت أنها متحفظة كثيراً تجاه الرجال فخفت أن تراك وتكتشف أنك الشريك الثالث ؛ فيضايقها الأمر وأنت كذلك لم تكن في مزاج حسن حينها بل عدت للانكماش والعزلة مرة أخرى ، ربطتني مع سارة صداقة ليست قوية ، لكنها جيدة ففي كل شهر تقريباً كنا نخرج لتناول الغداء أو العشاء ونتحدث عن أمورنا نـحـن النساء .

لاحظت أن سارة لا تتحدث عن زوجها مطلقاً ؛ فسألتها ذات مرة فقالت إن زواجها بأنطون لم يكن ذلك الزواج الذي بني على حب ربما أحبها هو لكنها لم تشعر تجاهه بأي عاطفة سألتها هل تحبين رجلاً غيره ؟ فأجابت : الآن لا ، فسألتها : وفي السابق ؟  فقالت : نعم ، حاولت أن أضغط عليها لكي تتكلم لكنها تضايقت من أسئلتي فغيرت مجرى الحديث كنت أريد أن أعرف هل تحبك سارة حتى الآن أم لا ؟ لكن مع قليل من الصبر اكتشفت الأمر منذ ثلاثة شهور فقط عندما دخلت مكتبها وهي مسافرة ، وبحثت في أوراقها فوجدت كثيراً من الذكريات التي كتبتها تحمل ترميزاً لقصة حب مستمرة فتحت كمبيوترها ، فوجدت صورك ولم أجد صور زوجها أو أقاربها أو أي أحد آخر رتبت المكتب من جديد لكي لا تكتشف الأمر وخرجت .

بقي أمر واحد كنت حريصة عليه كنت أريد أن تعترف سارة بأنها تحب ، لا يهمني أن تخبرني باسمك أو لا ، فهذا الأمر معروف لدي فلو كانت تحب غيرك لما تركت كل هذه الذكريات ، عندما عادت من السفر هذه المرة دعوتها للعشاء وطلبت منها أن تتأنق لأن أختي ستحضر فجاءت سارة لكن أختي لم تأتِ تلك الليلة فقد اعتذرت لمرض ابنتها ، لاحظت مدى أناقة سارة فأبديت إعجابي بفستانها ومكياجها ولفت انتباهي بروش كانت ترتديه على طرف صدر فستانها فسألتها عنه فخلعته وأعطتني إياه فقلت لها : هدية مقبولة ، فقالت : لا أستطيع فهو هدية ، سألتها بخبث : لا بد أنه شخص عزيز على قلبك ؟ فقالت : هو الذي كان معي في الصورة برفقة والديه ، لاحظت أنها تتحدث بشجن ، فسألتها : هل هو من كنتِ تحبين ؟ فهزت رأسها بنعم وسكتت ، تركتها تفكر قليلاً ولم تلتزم الصمت طويلاً بل تكلمت وقد ملأت الدموع عينها : أتمنى أن أقابله وأمنع نفسي من ذلك ، سألتها لماذا ؟ فقالت لقد تسببت في تعاسته ، بكت حينها انفطر قلبي تأكدت أنها تحبك بجنون وتحتفظ بكل ذكرياتك : صورتك هديتك منزلك وحبك أيضاً ، لم تقل سارة أكثر مما قالت ولم تنطق اسمك .

على مدى السنتين الماضيتين لم تتحدث معي عن زوجها ولم أره معها قط ، عرفت أن علاقتهما شبه مدمرة ، وأن ما يربطهم في الزواج هو اسمه فقط ، فرتبت للقائك معها وكنت خائفة منك ومنها ، وعندما خرجت من المطعم وهي غاضبة لوجودك أجبرتها على العودة وقلت لها : الرجل يمنحني الثقة في إدارة أمواله وقد طلب مني أن أحضر الشريك الثالث لكي يسأله عن بعض الأمور فلو لم تعودي ستنهار ثقته فعادت وتناولت العشاء معنا .

يوجد أمر آخر أريدك أن تعرفه ، فقد سجلت شركة لدى وزارة الاقتصاد بيني وبينك بعد أن حولت مبلغ الخمسة عشر مليوناً ،  وبعد أن اتفقت مع سارة على المشروع ، وبعد أن رأيت صورتك معها وأنتم أطفال خفت أن تعرف سارة اسمك وأنك الشريك الثالث فسجلت لدى وزارة الاقتصاد شركة جديدة متفرعة من الشركة الرئيسية ، وبهذا كان اسمك لا يذكر في العقود المبرمة بيني وبينها مما جعلها لا تعرف من هو الشريك الثالث الذي أخبرتها عنه هذا كل ما جرى حتى الآن .

قالت نورا كل ما أريد ورغم ذلك كنت أود أن أسمع المزيد عن سارة ، حاولت أن أسألها أكثر فقالت : لدي عمل كثير وأنت أخذت من وقتي ساعتين ، واعتذرت وأنهت المكالمة استغربت من اهتمامها بالموضوع وصبرها الطويل حتى تتأكد من مشاعر سارة تجاهي ومن حذرها في إخفاء شخصية شريكها ، كان الأمر ممتعاً وأنا أستمع لها وهي تتحدث عما جرى ، وددت أن تطول المحادثه أكثر من ذلك لأعرف منها أكثر .

سارة

     لم أكن أتوقع أن يكون خالد شريكي في الشركة ، كنت أتجنب رؤيته لا لأني لا أحبه بل لأني تسببت في ألمه فلا أدري هل سيتقبلني أم لا ؟ فكرت في أن أذهب إليه وأشرح له كل ما جرى منذ أن تركته في بيروت لكن الوقت تأخر لو أني أخبرته في ذلك الوقت لكان الأمر أكثر وضوحاً بالنسبة له على الأقل لن ينظر لي على أني تركته لأجرحه بل تركته لأكفر عن ذنبي الذي اقترفته في حقه ، فلا ذنب لخالد في كل ما جرى ، لقائي بأنطون وسفري لباريس وتركي له ثم زواجي لم يقترف في كل هذه الأمور أي خطأ ، والدي ربما يتحمل جزءاً من اللوم لكنه لم يطلب مني أن أقيم علاقة مع أنطون أو أتزوجه ، مع أنه أفسح له المجال لذلك وأنا لا أغفر له ذلك بطبيعة الحال لكن اللوم الأكبر يقع علي أنا فأنا من ألقى بنفسه في أحضان أنطون وتركت حبيبي وأنا من قبل الزواج بغيره في نهاية الأمر .

نعم حملت نفسي كل المسؤولية ربما ابتعادي عن منزل الأسرة فترة طويلة مكنني من أن أعرف أني قادرة على اتخاذ القرارات الحاسمة على عكس ما كنت معهم كانت خطواتي تخضع لاستشارات كثيرة وتدرس أكثر من مرة وتقيّم كذلك ، أما الآن فالوضع مختلف تماماً أشعر بأني حرة بكل المقاييس ، تمنيت لو كنت هكذا حين خيرني أبي بين أسرتي وبين خالد ، صدقوني لكنت اخترت خالد دون أدنى تردد لأني لست أنا من لا يستطيع الاستغناء عن أسرته بل أسرتي لا تستطيع الاستغناء عني فأنا ابنتهم الوحيدة ومن الصعب أن يلفظوني للأبد .

هناك أمر آخر جعلني أتردد ولا أتصل بخالد فعندما كنا سوياً كعشاق ، كنت أعرف أنه غني أو ميسور الحال أو لديه ميراث يعتمد عليه ، ولم أكن أعرف أن خالد فاحش الثراء وأن أخباراً كثيرة تدور حوله في التجارة ، لم أسأله طوال فترة بقائنا معاً عن ثروته ، لكن بعد زواجي بأنطون من المؤكد أنه فهم أني عرفت حجم ثروته التي لم يخبرني بها ، الشيء الجميل أن علاقتنا السابقة لم ترتبط بالمال فلا شراكة ولا هدايا ثمينة بل علاقة إنسانية كأي شاب وشابة أعجبا ببعضهما وكونا علاقة عاطفية بناءً على الإعجاب لا المصلحة .

خالد الآن شريكي وما رأيته من علاقة قوية قائمة بينه وبين السيدة / نورا أزعجني ، لكن معاملتها معه كانت سلسة رغم ذلك فهي تتحدث معه كأنه أحد أفراد عائلتها ، توقعت أن بينهما علاقة مختلفة لكنها لم تمد يدها للسلام عليه وهذا أمر بسيط جداً بين رجل وامرأة لكنهما لم يفعلاه رغم ذلك ، لاحظت شيئاً آخر بين خالد ونورا كان بالإشارة أو لغة يفهمونها دون أن ينطقانها هل يمكن أن يكون خالد حدثها عني وعن علاقته معي ، لماذا استبعدت هذا الاحتمال سابقاً ، حديثها لي وسؤالها الدائم عن علاقتي بزوجي في كل لقاء تثير الشكوك لكن أظن ان الأمر كان في السياق الطبيعي ولم تجبرني ولم تلح على معرفة أسرار حياتي .

يتعبني التفكير في هذا الجانب الحساس المرتبط بالماضي ويسوقني الفضول إلى أن أعرف التفاصيل لكني تركت الأمور تسير بشكل شبه طبيعي فربما تتكشف مستقبلاً والأكيد أني لن أسمح لنفسي أن أكون أنا من يبداً الاتصال بخالد فلو كان يحبني حتى الآن فسيتصل ليطمئن على الأقل .

هكذا قررت ، أو هكذا ظننت ، أني أستطيع أن أمنع نفسي منه بعد مقابلته لكن الظروف سارت بشكل مغاير فبعد أربعة أيام من لقائي معه في المطعم اتصلت السيدة / نورا وأخبرتني أنها ستسافر لحالة طارئة وأن خالد هو الذي يمكنه أن يوقع على المعاملات المتعلقة بالشركة أثناء غيابها وضعتني نورا باتصالها هذا في مواجهة خالد ، فأنا من سينسق معه الأعمال ويطلب منه التوقع على المعاملات ؟ جعلني هذا الأمر قلقة ومتوترة ، في فترة العمل المسائية حين ذهبت لمكتبي اكتشفت أن السيدة / نورا لم توقيع أغلب المعاملات ، الموجودة على مكتبها ، مما اضطرني إلى أن أرسلها لخالد ولم أذهب بنفسي بالطبع بل أرسلت المندوب وبعد وصوله لمكتب خالد اتصل بهاتف مكتبي وسألني عن سبب إرسال المعاملات ؟ فأخبرته عن سفر نورا المفاجئ فأنهى المكالمة وبعد قليل اتصل مرة ثانية وسألني عن  بعض الأوراق فوضحت له المطلوب وأنهى المكالمة وبعدها عاد المندوب بالأوراق كلها موقعة من خالد ما عدا عقد توريد مهم لم أجده مع الأوراق ، اتصلت بمكتبه حينها فلم يجب على اتصالي ، فاتصلت بسكرتيره الخاص ، فأخبرني أن خالد قد غادر المكتب فطلبت رقم هاتفه المحمول واتصلت وأخبرته عن العقد فأخبرني أنه  سيعود ليوقعه ويرسله للشركة ، وأنهيت المكالمة على هذا الأساس لكن خالد على عادته القديمة لازال يحب المفاجآت فبعد نصف ساعة من اتصالي ، وجدته واقفاً أمامي في المكتب وبيده العقد .

وقف أمامي وهو يبتسم ، فتجاوزت مرحلة المفاجأة بسرعة وابتسمت له وطلبت منه الجلوس ، فجلس وأخذ يقلب ناظريه في المكتب ثم قال : لازال ذوقك جميلاً ، هززت رأسي بــ لا وأخبرته أن كل الديكورات من اختيار السيدة / نورا وسألته : ماذا تحب أن تشرب ؟ ابتسم ونظر لي بتمعن شعرت بنظراته تخترق رأسي شعرت بالخجل فقال : ألا تعرفين ؟ هززت رأسي مشيرة له بمعرفتي فقال : لازلت أحب القهوة ، بقي خالد في مكتبي قرابة النصف ساعة ، وقد تحول كلامه للجدية أكثر ، فأخذ يستفسر مني عن عمل الشركة وهيكليتها وتنظيمها فأجبت على ما أعرف من أسئلة واعتذرت لأني لم أكن أعرف أموراً كثيرة  أيضاً تتعلق بعمل السيدة / نورا تقبل الأمر ، واقترح بعض الأمور المهمة للعمل من وجهة نظره ، وعدته أن أطرحها في الاجتماع القادم مع السيدة / نورا ، عرفت أنه أراد أن يطيل الحديث معي فكل الاستفسارات التي سأل عنها كان بإمكانه أن يسأل السيدة / نورا عنها ويقترح عليها ما اقترح فهما شريكان منذ فترة طويلة ولا أظن أنه لا يعرف أنها من يدير المشروع لا أنا .

رغم ذلك كان وجوده بالنسبة لي مثيراً فلا زال يفاجئني ولا زلت أشعر بالضعف أمامه لقد عرفت رقم هاتفه المحمول وعرف رقم هاتفي فهل سيسبقني أم سأسبقه بالاتصال ؟ لا أدري شعرت بالسرور يتدفق في قلبي وهو عندي وأشعر بالسرور وأنا أفكر به كم تمنيت أن لا تنتهي علاقتي معه أبداً .

عادت لي الذكريات منذ اللقاء الأول في الصين حتى أفلت يده من بين يدي وهو يرحل عني على الشاطئ في بيروت كل البهجة كانت باللقاء الأول وكل الألم بالمشهد الأخير لكن اليوم هناك أمر حصل في قلبي أمر تجدد لقد فاجأني بحضوره بل تعمد ذلك وهو لا يفعل هذه الأشياء لمن لا يمنحهم محبته وثقته ، هل لا زال يحبني ؟ جعلني حضوره وحديثه أجزم في البداية أنه كذلك لكن وما إن تكلم في العمل شعرت بجديته وغابت روح  المرح التي رأيتها حين دخل مكتبي لكنه غادر بلطف بعد أن أستأذن مني ، غادرت مكتبي بعد خروجه ذهبت لشقتي ، أخرجت كل شيء يذكرني بخالد ، فأنا محتاجة أن أتذكر كل شيء جميل مع هذا الإنسان الذي انتشلني من الفراغ والعمل ووضعني على أطراف الحب ، وقال يمكنك الآن أن تمضي فيه كما تشائين فمضيت معه بإرادتي ورغبتي حتى انتصف الطريق ، فتركته واقفاً هناك لا أدري ماذا جرى له بعد تلك اللحظة ؟ لا أدري كيف عاش الفراق ؟ لكنه الآن يبدو قوياً استعادت نفسه عافيتها من جديد رغم هزال جسده الواضح وانهماكه في العمل .

ضل الوضع على ما هو عليه التقيه أحياناً حين أحتاج توقيعه وقد زرته في مكتبه مرتين تقريباً كان يبتسم حين يراني ويعاملني بلطف لكنه لم يحاول أن يتصل بي أو يقول شيئاً خارج حدود العمل إلا حين يسأل عن والدي أو أنطون ولو يعرف خالد أن سبب ما جرى هو أنطون هل سيسأل عنه ؟ أم ماذا سيفعل ؟ هل سينتقم منه ؟ ربما ؟؟ لا أريد أن أتوقع الشر ، عادت السيدة / نورا بعد عشرة أيام من مغادرتها فرحت بلقائها لكن تضايقت لأني لن أرى خالد بعد ذلك .

سبقتني الأحداث في اليوم التالي ذهبت للسيدة / نورا في شركتها العقارية وكان خالد موجوداً سلمت عليها ومددت يدي وسلمت على خالد ، كانت يده دافئة كما أذكرها وهذه هي المرة الأولى التي ألمس يده منذ ما يقارب الثلاث سنوات ، حينها صافحني وأنا عروس ابتسمت وأنا أسلم عليه انتبهت السيدة / نورا فضحكت وقالت : ابتسمت سارة لخالد لو أعرف أن سفري سيجعلها تبتسم لك لسافرت من زمن ، وفجأة سكتت وكأنها قالت شيئاً يجب أن لا تقوله ، تأكدت بعد هذا الموقف أن خالد أخبرها عن علاقتنا السابقة ، أثارت حفيظتي كلمات السيدة / نورا فلم أترك هذا الشيء في بالي بل اتصلت بها في المساء ودعوتها على العشاء ، فأجابت دعوتي دون تردد سألتها عما شغلني تلك الليلة ، فأخبرتني أن خالد بمثابة أخيها الصغير وأنه أخبرها بعد أن انهارت علاقتنا بكلِ شيء لكنها أقسمت لي أنها حين اتفقت معي لم تكن تعرف أني أنا سارة حبيبة خالد بل شكت في الموضوع عندما رأت الصورة وأخبرتها أني ولدت في الدوحة فاستنتجت ذلك .

جعلني كلام السيدة / نورا حذرة جداً معها ومع خالد ، فكنت أتأكد كل مرة تدعوني على العشاء أو الغداء أن أعرف قبل حضوري من الموجود معها ، وقد حدث أنها دعت خالد على العشاء ودعتني ولم تخبرني بأنه موجود وقبل أن أدخل رأيت سيارة خالد فعدت للمنزل واتصلت بها واعتذرت عن الحضور تضايقت حينها لكنها تقبلت الموضوع .

السيدة / نورا لم تكن متفرغة تفرغاً كاملاً للشركة التي نتقاسمها ، بل لديها أعمال أخرى كثيرة ، فبدأت بعد فترة تمنحني الصلاحيات تباعاً حتى أصبحت أنا المسؤولة الوحيدة عن الشركة مما اضطرني للتعامل مع الجميع ومنهم خالد ، لكن بقي الحذر موجوداً تجاه العلاقة معه لا أقول إنه حاول أن يعيد العلاقة معي لكنه أصبح أكثر تلطفاً من ذي قبل وأكثر ابتساماً .

خالد

     الأيام تأكل بعضها وأنا على حالي ، سررت في البداية لوجود سارة في الدوحة ، لكن لأول مرة لم أجد لدي الشجاعة على أن أعيد علاقتنا القديمة ، فما أحمله لها أصبح مختلطاً ما بين الذكريات الجميلة والتعيسة ، ولا أدري ما الذي تحمله لي ؟ فمرة أرى أنها لطيفة معي ومرة أخرى أراها جافة جداً أو جادة جداً وأخرى تتجنبني لكنها والحمد لله لم تتجاهلني حتى الآن مما جعل الأمل يستمر في نفسي ولا ينقطع وكان ما يصبرني ويجعلني أبتعد عنها معرفتي بأنها متزوجة ، لكن في إحدى الأيام كنت في بريطانيا في معرض عقاري دعيت إليه وقابلت أنطون بالصدفة رأيته يتهرب مني ولا ينظر إلي لم أعرف السبب ، فاستوقفته وسألته : ما به ؟ فأجابني : إنه لم ينتبه لوجودي مع أنه كان يراني حين رفعت يدي لأشير إليه لم تدم مقابلتي معه أكثر من خمس دقائق ، حاولت بعدها أن أقابله لكن لم تفلح محاولاتي .

عدت بعدها للدوحة وتصادف وجود سارة في الشركة ذات يوم مع وجودي ، فسألتها عن أنطون ؟ أخبرتني أنه بخير ، فطلبت منها رقم هاتفه ؟ فأخبرتني بأنها سترسله لي في رسالة انتظرت ذلك اليوم ولم ترسل سارة أي شيء وفي اليوم التالي اتصلت لأذكرها فقالت إنها تحاول أن تتصل به من البارحة ، لكن هاتفه مغلق فطلبت منها رغم ما قالت أن تعطيني الرقم لكنها اعتذرت وقالت إنها ستتأكد من أن أنطون لم يغير رقم هاتفه ثم ستعطيني إياه .

استغربت من تصرف سارة ودار في ذهني وقتها أن أنطون طلب منها أن لا تعطيني رقم هاتفه لكن سارة في الدوحة أساساً ولو أنه عرف ما بيننا لمنعها من العمل هنا فكرت بطريقة أخرى ربما سارة لا تعرف رقم أنطون أصلاً لكي تعطيني إياه ، أردت أن أتأكد من ذلك فاتصلت بها في اليوم التالي وسألتها هل أنطون عرف ما كان بيننا ؟ فأجابت : بنعم ، فقلت لها : لذا لا يريد أن يتحدث معي ؟؟ استغربت من إجابتها حين قالت : لا أظن ، فهاتفه مغلق ولا علم لدي أن لأنطون رقم هاتف آخر .

كيف هي زوجته ولا تعرف رقم هاتفه أو أن عنده هاتفاً آخر أم لا ! جلست أفكر طويلاً في هذه المسألة فكلامها يدل على أنها لا تعرف شيئاً عن أنطون ، هو لا يريد أن يتحدث معي هذا أكيد ، لكن سارة وعلاقتها مع زوجها أصبحت محل شك لدي فهل ساءت علاقتهما لهذه الدرجة أم انفصلا ، سألت نورا ؟ فأخبرتني بأنها لا تعرف شيئاً عن هذا الأمر ولم تقل لها سارة أي شيء بهذا الخصوص ، أخذت أتتبع خطوات سارة وأنا أعرف أن ما أفعله جنون لكني فعلته ، كنت أراقبها بل إني فعلت أكثر من ذلك فرشوت العامل الذي يقوم بخدمتها في الشركة ليأتيني بأخبارها وكان من شياطين البشر ولغته العربية ممتازة ، لكنه رغم ذلك لم يأتني ببينة تريحني .

بقيت على هذا الحال نـحو الشهر ، وجدت أني لا أستطيع الصبر أكثر ، فتوجهت لبيروت وذهبت لوالدة سارة في الصباح لعلمي بأن زوجها في العمل ، استقبلتني بترحابها المعهود وبدأت الكلام معي بشكل عادي وبينت لها أني في بيروت فأحببت زيارتها والاطمئنان عليها ، حاولت أن لا أثير فضولها بأسئلتي عن سارة بل تركتها تتحدث حتى جاءت هي على سيرة ابنتها ، حينها اكتشفت الأمر الذي كانت تخفيه سارة عن الجميع في الدوحة ، فهي قد انفصلت عن أنطون بعد ستة أشهر من زواجهما أي أنها الآن لها أكثر من سنتين ونصف عزباء ولم تخبر أي أحد بالموضوع حتى نورا .

عدت للدوحة وكان أول اتصال أجريته بسارة طلبت مقابلتها فقالت إنها ستمر على بالمكتب فقلت لها : الموضوع لا يناسب الحديث في المكاتب أعرف أني أثرت خوفها بطلبي في تلك اللحظة لكني فعلت ذلك عمداً ، لكي أجعلها تشك في كل شيء حولها لكنها رغم تلعثمها وهي تتحدث معي ، جاءت لمقابلتي في لوبي أحد الفنادق بدأت معها الحديث بكل صراحة وكشفت لها كل ما عرفت طبعاً لم أقل لها من أين استقيت معلوماتي لأني وعدت والدتها حين تحدثت معي أن لا أخبر سارة بزيارتي لبيروت .

كانت متوترة وهي جالسة تتحدث بتردد وحذر في البداية ، ثم أخذ طابع الحديث حدة لم أتوقعها منها ، نعم  كانت منفعلة حتى أنها قامت من مكانها فجأة ، وقالت : ليس من حقك أن تبحث في أموري الخاصة وخرجت ، مسكينة سارة ظننت أني سأتوقف عند هذا الحد تبعتها حيث توقف سيارتها استوقفتها رغماً عن إرادتها فقالت : ماذا تريد مني ؟ فقلت : قلبي ألم  تأخذيه ؟ ألم تتركيه دون سبب ؟ أتظنين أني عشت حياة سعيدة بعد ما فعلت ؟ سكتت سارة توقعت أنها ستبكي لكنها كانت أقوى هذه المرة من كل مرة أقف أمامها وأحدثها بعنف ، سكتت فتكلمت أنا : الشيء الوحيد الذي شعرت بالعجز أمامه هو أنتِ تمنيت أني لم أقابلك ولم أحبك ، تحدثت فقالت : تريدني أن أرحل ، لم أتكلم بل رفعت يدي لألمس وجهها ، فتركتني فشددتها إلي وانتزعت قبلة من شفتيها ثم تركتها ، نظرت إلي بذهول واستدارت ركبت سيارتها وغادرت .

كنت في حالة انفعالية وأنا أتحدث معها لكن لم أستطع أن أقاوموها اشتقت لتلك القبل التي كانت تمنحني إياها اشتقت لاحتضانها للمسها ، حرمتني من نفسها ثلاث سنوات ، جربت خلالها نساء كثيرات لم أجد لديهن قلبي فكيف أتركها قبل أن ترده لي ؟ لم أتصل بها ولم تتصل بي خلال الأيام الثلاث التي تلت لقاءنا ، لكنها اتصلت في اليوم الرابع وطلبت مقابلتي فأجبت دعوتها ، كان المطعم هادئاً وقد جلست تتحدث عن العمل في البداية فقاطعتها بقولي : هل أنا مدعو لعشاء عمل ؟ ردت بضيق : أريد أن أتحدث لكن لا أعرف كيف أبدأ ؟ فقلت لها : لتبدئي يوم أن زرت بيروت ولم أجدك ولم تجيبي على اتصالي كانت هذه الحادثة كما تذكرين قبل أسبوع من آخر لقاء لنا في بيروت .

بدأت تتحدث ، وليتها لم تقل شيئاً ، ليتها لم تخبرني بأن ليلة مع شخص غريب قضت على كل الأحلام التي كنت أبنيها من أجلها ليتها لم تقل إنها ألقت بنفسها في أحضان أنطون ليلتها كنت أستمع لها وهي تتكلم وأنا أعتصر من الألم ، لكن بقيت معها حتى أنهت حديثها فقلت لها : هذا كل شيء ؟ فقالت : نعم فقط أريدك أن تعرف أني كنت أتجنب هذه اللحظة التي أرى غضبك مني يفوق حبك لي ، وأعرف أني لازلت أحبك رغم معرفتي بأنك سترفضني حين تعرف الحقيقة التي خبأتها عنك كل هذه الفترة ، قالت جملتها الأخيرة وخرجت ، بقيت في مكاني شعرت بأن عظامي لا تحملني دار كلامها في رأسي ألف مرة ورغم كل استنتاجاتي السابقة ، لم يخطر ببالي ما قالته توقعت أنها أحبت شخصاً آخر ، لكنها لم تفعل بل فعلت ما هو في نظري أكبر .

سارة

     تركته هناك يصاحب أفكاره ليقرر أنه لا يريدني ، فأنا أعرفه جيداً يحبني لكنه لن يترك كرامته تهان لسبب تافه في نظره ويقبل أن يعود كما كان معي سابقاً ، أعرف أن الصدمة كانت كبيرة جداً على شخص يحب من كل قلبه ، ولو أننا تركنا بعضنا منذ أكثر من ثلاث سنوات إلا أن الحب لازال يشغله ويشاغله ، أعرف أن هذا اليوم هو اليوم الأخير الذي ربما أراه فيه ، أو أرى في نظرته ما كنت أشتاق إليه من لهفته وحبه لي ، ستغادره تلك النظرة المترقبة التي تتابع كل تصرفاتي عندما أتواجد في مكان هو فيه ستغادره سعادته التي شعرت بها عندما التقيته في المطعم ستغادره الأحلام التي أعاد بناءها بعد أن عرف أني انفصلت عن أنطون لا أدري ما الذي سيفعله ؟ لكن من الأكيد أن شيئاً بيننا وإن كنا نخفيه تحطم الليلة ربما للأبد .

عدت لعملي في اليوم التالي ، كنت أفكر في فسخ التعاقد والعودة لبيروت ، وخفت من الشروط الجزائية التي وضعت في العقد ، لكن هناك إمكانية أن تلغى في حالة الاتفاق بين الطرفين على التسوية المالية وهيهات أن تسوي السيدة / نورا الأمر بعد أن تعرف أن علاقتي مع خالد انتهت للأبد ، انتهت وبسببي خالد يعيش مأساة عندها ستنتقم مني ربما لن أخاف لو كان خالد مكان نورا ، لأني أعرف أنه لا يحب الانتقام لكن نورا لازلت أجهل الكثير من طباعها .

مرت ثلاثة أيام على لقائي بخالد وقد حصل اليوم شيء أخافني عليه ففي فترة المساء كنت في مكتب السيدة / نورا وكانت متوترة كثيراً ، فسألتها لماذا التوتر ؟ فقالت : خالد لا يرد على اتصالي فقل لها اتصلي بالشركة ، قالت : اتصلت وسكرتيره أخبرني إنه اليوم الثالث الذي لم يحضر فيه للشركة ، انتابني القلق عرفت أن خالد في حالة سيئة ، إما نفسية لدرجة الانهيار وإما مرضية لحالة الخطر ، أردت أن أذهب إليه وأخبرت السيدة نورا برغبتي فشرحت لي كيفية الوصول لمنزله فذهبت استأذنت بالدخول من الحارس فأذن لي وعندما دخلت المنزل استقبلتني الخادمة فطلبت منها أن تخبره أن لديه ضيوفاً وطلبت منها أن لا تخبره باسمي لأني خفت أن يرفض مقابلتي ذهبت الخادمة وعادت بعد دقائق وهي تدعوني للصعود للأعلى ، رافقتها فأخذتني لغرفة مكتب بالطابق العلوي.

لا أدري لم ساقني الفضول إلى أن أعبث بالمكتب ؟ كان المكان كأن أحداً لم يمسه كأنه جديد وضع للتو تميل ألوان المكتب للذوق النسائي الهادئ ، وجدت شيئاً لفت انتباهي عقب سيجار في طفاية السجائر على الطاولة في الزاوية الأخرى عرف أنه كان يجلس هنا لكن لم لا توجد أي ورقة في مكتبه ؟ كيف يكون مكتب رجل أعمال خالياً من الورق والملفات ؟ كل شيء صامت في هذا المكان لا أدري لماذا ؟! .

توقعت أن يكون خالد في مزاج سيئ لكنه عندما حضر لم يقابلني بضيق ولا حذر بل سلم علي وقبلني رأيت أن حالته النفسية ليست بذلك السوء الذي توقعته ، تحدثنا قليلاً وأخبرته بإعجابي بديكور منزله فعرض على أن يريني المنزل بكل تفاصيله نزلنا للأسفل شرح لي أنه ترك المكان في الأسفل مفتوحاً بالكامل ليكون النظر ممتداً فيريح النفس ، وعلى الزاوية اليمنى دخلنا من باب لجناح أنيق به صالة استقبال وميني بار صغير أو مطبخ صغير – إن جاز التعبير – على طريقة الفنادق وغرفة نوم رئيسية أخبرني بأنه للضيوف وفي الزاوية الأخرى هناك مطبخ أنيق مفتوح على طاولة طعام سبور ، والمشهد لبهو المنزل من الزاوية الأخرى أراني كيفية توزيع الديكور هناك بعد تأثيرات الإضاءة ، والجبس المشغول بعناية وتصميم راقٍ للأرضيات الرخامية والتشكيلات الحجرية التي زخرفت الجدران وطاولة الطعام الأخرة الكلاسيكية الكبيرة كان المكان بالأسفل متسعاً كما يشبه الفندق بل أرقى ربما ، صعدنا للأعلى فالسلالم كانت على الجانبين دخلنا لملحق آخر أخذ ديكور الحداثة بكل تفاصيلها فغرفة الاستراحة بها مكتب صغير وتلفاز وغرفة ملابس ثم الغرفة الرئيسية وملحقاتها ثم ذهبنا لجناح آخر عاد بي تأثيثه إلى القرون الوسطى وجناح آخر للأطفال بكل ملحقاته فسألته : وأنت أين تقيم ؟ فأخذني لجناحه الخاص فكان أروعها جمالاً من كثرة ما وضع فيه من لوحات وزخارف لم تخرج عن نسق الأناقة ، وأنتيك موزع بشكل جعل المكان يبدو كالخيال ، ثم أعادني لغرفة المكتب الذي كانت تسبقه صالة استقبال بها مكتب كلاسيكي صغير ويوجد باب على كل طرف أشار لأحدهما وقال : هذا المكتب الذي كنا فيه وهذا هو مكتبي دخلنا إلى المكتب الآخر فشممت رائحة السيجار القوية ، ورأيت الأوراق المتناثرة والملفات المتراكمة والفاكس والهاتف والطابعة كل شيء تشوبه الفوضى تركني أتفرج ثم قال ما رأيك هذا مكتبي فسألته والمكتب الآخر لمن ؟ ضحك ولم يجبني بل أخذني للمكتب الذي استقبلني فيه وقال دققي في تفاصيل المكتب ستعرفين لمن هو وتركني وخرج .

نظرت أسفل قدمي فرأيت الباركيه الغامق ورفعت بصري ودققت بالمكتب فوجدته في نفس درجة اللون والتذهيب وضع بشكل راقٍ على الأطراف الستائر كسرت قوة لون الأرضية الداكن والإضاءة موزعة بشكل يلفت الانتباه لأجزاء المكتب : الخزانات التفاصيل الدقيقة ، وضعت بعناية واختيرت بعناية عرفت كل شيء وضع المكتب على ذوقي بالفعل به ملامح من مكتبي في بيروت السجادة وضعت كأنها متفرعة من الأرضية كل شيء كما أحب بالفعل استرجعت تفاصيل المنزل ، جناح الأطفال الذي وضع به سريران ، لقد اتفقنا أن ننجب طفلين ثم نرى هل نريد المزيد أم لا ؟ غرفة الضيوف وتوزيعها على نظام الاستيديو الفندقي اعجابي بالديكورات الحداثية وحبي للديكورات الكلاسيكية البهو وحبي لاتساع المكان لقد وزع منزله على ذوقي كل الألوان هي التي أحبها كل شيء كما أتمنى لم أتوقع أنه بنى أحلامه لهذه الدرجة التي رأيتها لقد وضع كل شيء من أجلي ألقيت بجسدي على الكرسي وأنا في حالة من الذهول وارتفع صوتي بالبكاء دون أن أشعر ، عاد خالد ومد يده واحتضنني وهو يقول لم أتركك تفكرين لكي تبكي بل لتعرفي مدى حبي لكِ ، شعرت بدفئه يتسلل لجسدي وهو يحتضنني فتركته يحتضنني حتى أجلسني على الكرسي .

قال لي بعدها : تعرفين أن كل ما جرى مؤلم وحزين وأني خلال الثلاث سنوات الماضية مرت بي كل مراحل الحزن حتى عاد الأمل بعودتك رغم حذري في التعامل معك وأني في اليومين الماضيين مر بي الضيق مروراً قاسياً ثم تركني بعد أن اتضح التفكير فكنت أؤنبك وأغفر لك أما تأنيبي فكان لتركك لي وهدمك أحلامي وأما مغفرتي فأتت مما فعلتي فرحلتي لأنك خنتِ حبي في بيروت ولم تكذبي وتتدعي أنك صنتِ ذلك الحب بل صبرتي وارتبطتِ بشخص لا تحبينه لتكفري عن ذنبك وتركته بعد أن عرفتِ ما جرى من اتفاق بينه وبين والدك ، ومغفرة أخرى تفرض نفسها لأنك كشفتِ لي كل شيء قبل أن أسمعه من غيرك ولو أردتِ لكان من السهل التقرب لي وإعادة العلاقة السابقة بكل تفاصيلها .

كان يتكلم وأنا أستمع باستغراب لما يقول كيف يفكر هذا الرجل كيف يستنتج ؟ ويضع الأعذار التي لو أردت أن أضعها لن أتمكن من وضعها بهذا الشكل المقنع كيف له أن يغفر لي بعد هذه الفترة التي عاشها بسببي في ضياع الراحة والسكينة ثم استوقفني كلامه وهو يقول : لقد غفر لكي عقلي أما قلبي فلم يغفر لك بعد لقد كان يحبك بكل ما تحمله كلمة الحب من معانٍ جميلة تحمل صاحبها ليلامس أحلامه ويشكلها فانزلتيه لدرك الظلام ليعيش بين وحشة نفسه وألمها ، فلا ينام إلى نوم المريض المتألم ولا يأكل إلا أكل الخائف من الوهن ، لقد تركتيه ليجرب كل المباهج ليكتشف أن كل شيء حوله مبتهج ، إلا هو فقد حصر نفسه بين رحيلك والضياع ، فإن عاد لحبك طوى نفسه وإن عاد للضياع لم يجدك .

تحدث بألم لم أسمعه من قبل احمرت عيناه ودمعت حاولت أن ألمس وجهه لأمسح دموعه فقال : لا عليكِ فليس وجودك هنا سبب ألمي بل كل شيء في المكان وضعته لكِ فصار وبالاً علي يذكرني بك صباح مساء أترين كل شيء ؟! بكيت لكني شعرت بضآلة دموعي أمام حجم ألمه وصغر حبي أمام عظمة قلبه حاولت أن أخرج إلا أنه شدني وقال : لن تخرجي متضايقة من منزلي أبداً ، قام من كرسيه وشدني من يدي لخارج المنزل ، صحبني لنجلس على كراسي الحديقة أمام حمام السباحة كان الجو منعشاً حينها أشار للخدم بأن يجهزوا العشاء فاعتذرت منه ، فقال : إنه لم يأكل منذ البارحة فألزمني بأدب بأن أتعشى معه .

طال بنا الجلوس حتى الواحدة بعد منتصف الليل حينها استأذنه ، لأذهب لشقتي فأشار إلى السائق أن يوصلني ، وآخر بأن يقود سيارتي ويضعها أمام منزلي ، حاولت أن أتملص من كل هذه الرسميات ، لكني فشلت في إقناعه كما كنت أفشل دائماً وأنا أحاول أن أغير رأيه فيما يريد .

تحدث معي مطولاً تلك الليلة تحدث بلطف بالغ وأدب جم وأسلوب ساحر يجعل المستمع إليه ينتبه لكل ما يقول دون غيره من تفكر أو حديث وعدني بأن يكون صديقي للأبد صديقاً بمعنى الأخ الأكبر الذي يحنو على أخته الصغيرة ويخاف عليها ويتابع تصرفاتها ، لا أستطيع أن ألومه فيما قال فهذا نتيجة طبيعية لما فعلت به ، بل إنه رغم ذلك يحمل لي الحب ، لكنه حب سيحمل طابع الوقار والاحترام لا مشاعر فيه ولا أحاسيس تلمس ولا حبيب في الانتظار .

خالد

أعرف أن سارة صدمت لما قلت تلك الليلة لكنها تقبلته رغم ذلك تقبلته أو بمعنى أصح قبلت أن أخرج من نطاق الحبيب إلى نطاق الأخ الأكبر إلا أني أعود كما التقيتها أول مرة لكني لا أجد في نفسي الرغبة لكي أكون في هذا الموضع الذي حددته لنفسي وقبلته سارة فلا زلت أحبها لقد احتضنتها بشوق كبير حين بكت في غرفة المكتب وكان ذلك خارج سيطرتي إلا أني تحكمت في انفعالي ولم أتمادى في الأمر .

بعد تلك الليلة تجنبت اللقاء بسارة أو التحدث إليها وقد لاحظت ذلك ، فتجنبت بدورها اللقاء والتحدث معي ، لكن كنت أتقصى أخبارها في الشركة من خادمها الخاص وفي سكنها من الحارس الذي يخبرني إن خرجت سارة في وقت غير الوقت المقرر لخروجها أو الزيارات التي تستقبلها في شقتها ، وإن أتيحت لي الفرصة أن أعرف أخباراً أخرى لا أتوانى في ذلك وكانت نورا مصدر أخبار مهم لدي لأعرف كل ما أريد ، ومع مرور الوقت أصبحت سارة صديقة حميمة لنورا بل أصبحتا كالأختين تسافران سوياً وتعملان سوياً وتخرجان سوياً .

وقد قالت نورا إن سارة أخبرتها بكل شيء يتعلق بنا وبما تسبب في افتراقنا ، حاولت أن تقنعني أن ما حصل جرى رغماً عن سارة وأنه يجب أن تعود علاقتي بها إلى وضعها الطبيعي إلا أنها لم تجد مني القبول فتقول لي كل مرة أسألها عن أخبار سارة نفس الجملة ( تحبها وتبحث عن أخبارها وتريد أن تعرف كل شيء تفعله ولا تريد أن ترتبط بها أنت مجنون ) وهي محقة فيما تقول ، فأنا مجنون بتلك المرأة لكن في نفسي شيء يمنعني أن أرتبط بها أعيد الأسباب لما جرى فأجد أنه يمكن أن يحدث وينسى لكن كبريائي كان يمنعني أن أعود لامرأة أبعدتني عن حياتها بتصرفاتها الخاطئة .

مرت الأيام بعد ذلك بطيئة ، لكنها تسير ولا تتوقف ، وربما مرت بسرعة في حياة سارة بسبب العمل المتواصل لكن بعد أسبوع بدأت تأتيني أخبار تزعجني فقد عرفت أن محامي الشركة بدأ يتودد لها ويزورها في مكتبها بشكل متكرر ويطيل الجلوس معها إن سنحت له الفرصة ، وفي الأسبوع التالي ، عرفت أنها تلقت منه دعوة للعشاء أخبرتني نورا بذلك كانت تريد أن تستفزني وتثير مشاعري فكنت بارداً وأنا أتلقى الخبر لكني تبعت سارة في تلك الليلة وعرفت أين ستتناول العشاء ؟! .

انتظرت حتى خرجت من المطعم ورأيتها برفقة المحامي وهي تتوجه لسيارتها وترحل ، رغم محاولتي أن أتعاطى مع الأمر ببرود ولا مبالاة إلا أني لم أستطع أن أتحمل ذلك ، وبعد ربع ساعة من خروج سارة من المطعم اتصلت بها وطلبت مقابلتها فاعتذرت واستأذنت ، وأنهت المكالمة إلا أنها بعد دقائق عاودت الاتصال بي وأخبرتني بأنها ستأتي لمنزلي لتشرب القهوة معي ، وجاءت بالفعل حاولت أن لا تشعر سارة بضيقي أو معرفتي بما جرى وقد فشلت في ذلك وسألتها عن طبيعة علاقتها بالمحامي فضحكت في البداية ، ثم قالت : إنه يتودد إلي منذ فترة  ، سألتها : وأنتِ هل تتوددين إليه ؟ فأجابت بسخرية واضحة من سؤالي فقالت : وما يهمك في هذه المسألة ؟ هل ستقول إنك أخي الكبير الذي يخاف علي ويراقبني ؟ لقد رأيت سيارتك وأنا في المطعم كنت تنتظر في الخارج أليس كذلك ؟ هززت رأسي بنعم فتابعت كلامها : لم يعجبني المحامي ولم يرق لي لقاؤه بالأساس لكن إلى متى سأبقى أعمل وأجتهد دون راحة دون أن أجد شخصاً يهتم بي ويلاطفني ، في النهاية أنا امرأة إن لم أكن أحب أن أتزوج فأنا في شوق أن يكون لي طفل على الأقل  أليس ذلك من حقي ؟ نعم أنا أخطأت في حقك خطأ لم أغفره لنفسي ولم أطلب منك أن تغفره لي لكن إلى متى سأبقى على هذا الحال عزباء ؟! .

كنت أستمع إليها وأتأمل ملامحها كانت جادة فيما تقول ولها الحق كل الحق ، ولكن لمَ ، لم أفكر مثل هذا التفكير لم أبحث عن زوجة ولا حبيبة ، هل ستكون حياتي ناجحة أم ستكون الزوجة المقترحة جزءاً من ديكور المنزل أو لوازمه ؟ هل تريد سارة أن تكون جزءاً من ديكور منزل ذلك المحامي أو ربما العكس ؟  هل سيكون هو ديكور رجل في منزلها وشركتها ؟ هل تستطيع أن تعيش معه لمجرد أنه رجل ولا تشعر تجاهه بأي عاطفه ؟ لقد جربت ذلك الأمر مرتين ولم تنجح ، بدأت احاججها فيما تقول وبدأ صوتها يرتفع طلبت منها أن تهدأ فلم تهدأ ، قمت من مكاني وجلست بجوارها وأخذت أرجوها أن تهدأ فصرخت في وجهي ، وقالت : ماذا تريدني أن أفعل ؟ هل تريد أن أبقى أنتظرك طول حياتي ؟؟  ابتعد عن حياتي أرجوك ابتعد .

خرجت سارة بعد ما قالت ولم تلتفت إلي وفي اليوم التالي تحدثت مع نورا وأخبرتني بأن سارة ترغب في فض الشراكة وهي جادة في طلبها فاتصلت بها ورجوتها أن لا تتسرع في هذا القرار بالذات ، لكنها رفضت ما أقول وأنهت المكالمة ، حاولت نورا أيضاً لكنها أفلحت فيما لم أفلح فيه أنا فقد أقنعتها أن تأخذ إجازة تستريح فيها قليلاً ثم تقرر ما تريد وحينها لن يقف أحد في وجه قرارها ، وقد فعلت سارة ما تم الاتفاق عليه مع نورا وغادرت في نفس اليوم .

اتصلت نورا بي في ذلك اليوم وطلبت أن أحضر لمكتبها ففعلت ما طلبت وعندما دخلت دعتني للجلوس وطلبت لي عصير ليمون بارد ، ثم قالت : ماذا تريد من سارة ؟ سكت ولم أجب فأعادت السؤال : ماذا تريد منها ؟ قلت : كل شيء سعادتي قلبي حبي ، ردت بعنف : أنت لا تعرف ماذا تريد ؟ كل شيء بيديك وترفض أن تأخذه ، حاولت أن أتكلم لكنها طلبت مني أن أصمت لكي تنهي حديثها فقالت : أعرف أن سارة جرحتك لكنها استحملت كل نتائج خطئها الأول مع أنطون وتزوجته وكانت تعيسة معه لأجل أن لا تخدعك ثم تركته أيضاً بسببك ومن أجلك ، أخبرني كم مرة حاولت أن تتصل بها من بعد أن تزوجت أنطون ؟ قلت : لأنها تزوجت لم أتصل بها ، ردت علي بعنف : تعرف أن هذه الأعراف ليست موجودة في المجتمع اللبناني بل هذه حواجز أنت وضعتها بينك وبين من تحب أجبني هل حاولت أن تعرف لماذا تركتك سارة ؟ سكت ولم أجب فأكملت : لم تحاول أن تعرف حتى أخبرتك هي بما جرى ، لقد تركتك سارة وأنت محق ، إن هذا شيء يجرح النفس لكنك لم تحاول أن تعرف سبب ذلك ولم تحاول أن تعرف ألمها أو ما تعانيه من مشاكل أو ضيق بسبب غلطة لم تكن هي المسؤولة عنها بالكامل ، دفعك كبرياؤك للرحيل للعزلة ، لمتع لم أعرف أنك كنت تفعلها من قبل .

أسمح لي أن أقول لك أنت تتحمل جزءاً من المسؤولية لماذا لم تنتزعها من أحضان والديها من البداية ؟ إن كنت تحبها بهذا الشكل المجنون أنت سمحت لوالدها أن يكون له سلطة في قرارها ، وأنت سمحت لأنطون أن يدخل حياتها ، وأنت سمحت لنفسك أن تخلدها كصنم لا حبيبة ، فلا تحملها كل المسؤولية ؟ لأنك تظلمها بهذا التصرف .

خرجت من مكتب نورا دون أن أتركها تسترسل أكثر ذهبت بعدها لمنزلي ، ولم أتمكن من النوم حتى تناولت أقراصاً منومة ورغم ذلك لم أنم إلا أربع ساعات فقط ، استيقظت بعدها ولا زالت كلمات نورا ترن في أذني كأنها قالتها للتو ، وقد نويت السفر لبيروت فاتصلت بمكتب السفريات وسألته عن أقرب طائرة متوجهة للبنان فأخبرني أنه بعد ساعتين طلبت منه أن يحجز لي تذكرة ونهضت ، جهزت حقيبتي قبل أن أغسل وجهي وارتديت ملابسي وتوجهت لمكتب السفريات أخذت التذكرة وغادرت  الدوحة .

وصلت بيروت عصراً ، أجرت سيارة وتوجهت لمنزل سارة ، طرقت الباب فتحت والدتها سألتني : ما بها سارة ؟ قلت : لا شيء أين هي ؟ قالت : في غرفتها ، استأذنتها بأن أذهب إليها فأشارت إلى باب في نهاية الممر توجهت له طرقت الباب فسألت : من ، لم أجبها بل عاودت الطرق مجدداً ففتح الباب لم أنتظر أن تقول شيئاً ضممتها بكل ما أملك من قوة وقلت : أحبك ، لم تحرك سارة ساكناً بين ذراعي بل تركتني حتى أرخيت يدي من حولها فذهبت ، وجلست على السرير ، وقالت : هل أتيت لتقول لي  أحبك ؟ أنا أعرف أنك تحبني دون أن تقول ذلك ، سكتت ثم سألتني : لماذا أتيت لبيروت ؟؟ .

تحركت من جوار الباب الذي كنت أستند إليه ووقفت على ركبتي لأواجهها وأمسكت يدها وأجبتها : جئت من أجل أن آخذك بكل شيء بماضيك وحاضرك جات لتبقي معي للأبد ، حاولت أن تتكلم فوضعت يدي على فمها بلطف لكي لا تقول شيئاً ، فسكتت وأخذت عيناها تدمعان ، لا مست وجهها بلطف واقتربت منها وقبلتها ما أجملها ذكرني ارتخاء شفتيها بذلك الشوق الذي كانت تقابلني به سابقاً ، ابعدت شفتاي عنها فنظرت إلي وابتسمت فقلت لها : هل تقبلين أن تتزوجيني ؟ ابتسمت وهزت رأسها بنعم ، شددتها من يدها وذهبنا لوالدتها فأخبرتها بأني أرغب في الارتباط بسارة  فقالت : ألف مبروك ، أخذت سارة بعد ذلك وخرجنا .

طلبت مني سارة أن لا أتكلم مع والدها تلك الليلة بل ستتحدث هي معه أولاً ، وقد أخبرتني بعد ساعة من عودتها للمنزل بأن والدها ليس لديه مانع من الخطوبة ، فذهبت لمكتبه في الصباح ، وطلبت منه سارة رسمياً ، فأخبرني بالموافقة وقال : هذا قراركم لم يكن وجهه يحمل أي تعبير بل كان بارداً بشكل يشعر من يسمعه أنه وافق رغماً عنه كنت سعيداً بذلك رغم بروده ذهبت وقتها لسارة وأخذتها معي لتختار  دبلتها ووضعت اسمي عليها ، وكذلك فعلت أنا ، اتفقنا على حفلة زفاف عائلية يضم عدداً محدوداً من أفراد عائلتها والأصدقاء وأن يكون حفل الزواج بعد أسبوع من اليوم .

سارة

     كان الخاتم جميلاً في يدي ، وهذه أول مرة أشعر أن خاتم خطوبتي مهم ، بل أول مرة أشعر أنه جزء مني ، ارتديته مرتين من قبل فكان خاتماً قيماً بثمنه فقط ، لكنه الآن قيم في ثمنه وقيم بمن اشتراه لي ، لم أتوقع أن تكون سعادتي هكذا حين يخطبني خالد ففي السابق رسمت الأحلام ووضعت كل شيء أريد أن أفعله في حفل زفافي لكن اليوم اتفقنا أن يكون حفل الزفاف بسيطاً ومدعووه قليلين لكني أملك من السعادة والفرح ما يملأ الكون وما يجعل نفسي ترقص طرباً .

كانت أحلى مفاجأة يفاجئني بها خالد منذ عرفته ، فتلك الطرقات التي سمعتها على باب غرفتي عرفت أنها شبيهة بطرقاته ، لكن استبعدت بكل الأشكال أن يكون هو الطارق فما الذي سيجعله يأتي لفتاة كانت أمامه منذ يوم ولم يحرك ساكناً تجاهها ، بل تركها ترحل ما الذي سيجعله يأتي لفتاة اختارت غيره في السابق وتركته ؟ لكن كل التوقعات انهارت بعد أن فتحت الباب لم يترك لي فرصة لأتكلم بل سارع لاحتضاني كان جسده دافئاً بما يكفي لأشعر بحبه كان دافئاً لدرجة أنه جعلني أرخي يدي ولا أقاومه وعندما تركني شعرت أن قدماي لا تحملاني فتوجهت للسرير لأجلس كنت أكذب نفسي في وجوده ، لم أساله لأني أشك في حبه لي في تلك اللحظة بل سألته لأؤكد لنفسي أنه جاء من أجلي ، فأثبت لي بكل ثقه أنه يريدني بكل عيوبي خفت عندما وقف على ركبتيه وقابلني ، لكنه خوف تحول بسرعة لأجمل شعور شعرت به في حياتي تجاه إنسان .

مر اليوم معه كالبرق أو أسرع ، توالت الساعات برفقته كالدقائق بل كالثواني كم اشتقت لأن أكون بجواره وأن يلاطفني كم اشتقت أن أجلس بجواره مجدداً وأنا حبيبته  ، حين كنت أراه في الدوحة لكن ذلك لم يحدث هناك لأنه على ما يبدو أن قراراته الحاسمة بشأن علاقتنا لا تنفذ إلا في بيروت ، أنساني وجوده أن أتصل بنورا لأخبرها بما جرى ، وأن أدعوها لحضور حفل زواجنا فاتصلت بها قالت فور أن أجابت : لقد تأخرتِ يا عزيزتي تم حل الشركة وخالد سافر للمكسيك ، ضحكت من كل قلبي حينها فقالت : ألف مبروك كنت أتمنى أن أكون موجودة في هذه الأوقات السعيدة لكي أشاكسكم ، طلبت مني أن أخبرها بكل التفاصيل ، فأخبرتها بكل شيء كانت سعيدة وقد وعدتني بأن تحضر هي وزوجها حفل الزفاف في نهاية الأسبوع .

مرت الأيام سريعة ، وخالد ذلك المزعج تدخل في كل شيء : في فستان زفافي في إكسسواري ، كنت أصرخ فيه : يجب أن لا ترى ما أشتري للزواج لكنه لم يستمع لطلبي بل لم يتركني وحدي ذلك الأسبوع  ، فكنا نلتقي من الصباح حتى ما يقارب منتصف الليل ونتناول وجبات الطعام كلها سوياً .

يوم زواجنا كان الحفل أنيقاً وبسيطاً ، حضره عدد لا يتجاوز الخمسة وعشرين مدعواً فقط ، كانت والدتي مسرورة جداً حتى أنها رقصت معي ، أما والدي فأخذ الأمر بجدية بالغة لكنه التزم الصمت وجلس بعيداً في طرف القاعة ، حضرت نورا مع زوجها الذي لم أره في فترة وجودي في الدوحة ، باركت لي وقدمت لي هدية لكن الهدية الأجمل التي تلقيتها بمناسبة زواجي كانت من خالد كان عقداً به أحجار كريمة وقطع من الماس كنت قد رأيته معه قبل أن ألتقي أنطون بعدة شهور فاجأني بأنه اشتراه واحتفظ به لهذه المناسبة .

غادرنا بيروت في الثانية عشر مساءً أخذني لليونان بقينا هناك لمدة أسبوع ، مر كأنه ساعة من الزمن ، لم أتوقع أن تكون سعادتي مع خالد لهذه الدرجة فكان كل شيء مختلفاً حين تزوجت الشخص الذي أحبه لم أشعر أني تزوجت بغيره ، فالمتعة التي وجدتها مع خالد تختلف كثيراً عن سابقاتها ، نعم الحب الذي بيننا جعل كل شيء جميلاً لدرجة أني لم أشعر بالوقت ولم أحسب حسابه .

عدت معه للدوحة لمنزله لا ، لا بل لمنزلنا الذي دخلته ضيفة في السابق وها أنا الآن أصبحت ربة المنزل أعرف أن كل شيء فيه يخصني وصمم من أجلي ، فلم أغير فيه شيئاً مطلقاً ، بل كنت حريصة كل الحرص على أن يبقى كل شيء فيه كما هو لأن كل شيء يذكرني بمدى حب خالد لي ، وما فعله من أجلي ، وما عاناه في سبيل الاقتران بي  .

خالد

     توجهنا للقاعة بعد أن أتممنا عقد الزواج ، القاعة الصغيرة الأنيقة والحفل الهادئ الذي رتبنا له بسرعة ، والمدعوون القليلون الذين حضروا للحفل لا يتجاوزون الخمسة والعشرين ، كان كلهم من أقارب سارة ولم يحضر من الدوحة سوى نورا وزوجها ولم يطيلوا الجلوس في الحفل ، وكذلك فعل أغلب المدعوين ، فأخذت زوجتي بعدها وتوجهنا للمطار كان بودي أن أغادر لمكان لا يوجد به أحد سوانا ، لكن الوقت لم يسعفنا هذه المرة ، فكانت اليونان هي المحطة الأقرب والأجمل في تصوري .

كانت ليلتنا الأولى حميمة بكل المقاييس ، فالعواطف التي نـحـملها لبعضنا دفعتنا لكل ما نتمنى وما نشتهي جميلة سارة في كل تفاصيلها وجميلة هي مشاعرها وعواطفها الجياشة ، كان الليل والنهار يتواليان علينا دون أن نـحسب حسابهما وتمر الساعات كالدقائق سريعة فلا شيء في الكون سوانا أنا وهي ، وكل الأحلام التي مرت بخيالي منذ أن قابلتها ، شاركتني سارة الأماني والأحلام شاركتني فراشي الذي كنت أتمنى أن أراها فيه منذ ثلاث سنوات ، عدنا للدوحة بعد أسبوع قضيناه في اليونان وعادت سارة لمنزلي دعوني أقول منزلنا الذي لم تحرك فيه أي شيء ولم تغير فيه أي شيء .

بعد الزواج لم تهتم سارة كثيراً بالعمل بل اهتمت بشؤوني كثيراً فلم آتِ للمنزل في المساء إلا ووجدتها قد أعدت كل ما يريح نفسي ويهدئ أعصابي ويزيل عني عناء العمل ، تركت عملها في الفترة المسائية نهائياً وإن اضطرت للعمل في تلك الفترة كانت تؤديه في مكتبها في الطابق العلوي ، مرت السنة الأولى كالحلم مرت مرور السحاب ، لم أشعر بالوقت وهو يتدفق من بين يدي فكان عملي مريحاً وبيتي مريحاً وحبيبتي في منزلي تنتظرني بشوقها الذي لم ينقطع ولم يقل .

وجود سارة معي أراحني نفسياً وانعكست راحتي على عملي فركزت أعمالي في قطاع العقارات والإنشاءات وذلك بسبب الانتعاش العقاري الذي تميزت به قطر في تلك الفترة ، تكللت كل أعمالي بنجاح باهر ، حتى إني أستطيع القول : إني لم أخسر في أي مشروع أقمته في ذلك العام  ربما جاءت الأقدار متوافقة مع وجود سارة معي فانعكس ذلك الوجود على حياتي بالسرور والفرح .

حاولت قدر استطاعتي أن أكون مع سارة وأن أرضيها في كل شيء ، وأقسم إن شئتم أن أقول : إنها لم ترهقني بطلب ولم تلح في أي موضوع تريده : ولم تنزعج من انشغالي في أغلب الأحيان بل كانت ترسم لي حياتي بهدوئها ومرحها وقد تأثرت سارة بالمحيط الذي عاشت فيه ، وبما أنها شخصية اجتماعية ناجحة وزوجة رجل أعمال معروف ، كونت سارة علاقات كثيرة مع نساء قطريات بل أستطيع القول إن أغلب صداقاتها في تلك الفترة من القطريات فكانت تحضر أعراسهم وتشاركهم مسراتهم وأحزانهم ، وكانت مسرورة بما هي فيه ، كانت نورا صديقة العائلة التي كنا نمنحها كل الثقة والاحترام والتقدير كأخت كبرى ، وكانت هي كذلك بالفعل تسعد عندما نزورها وتسعدنا بزيارتنا في منزلنا باستمرار بل كان لقاؤنا معها هي وزوجها يتكرر بشكل دوري كل شهر تقريباً .

كان تأثر سارة بمحيطها تأثيراً إيجابياً في حياتها الاجتماعية والعملية ، أما من الناحية الاجتماعية فقد حرصت سارة على أن تلغي كثيراً من عادات المجتمع اللبناني من سهولة تكوين الصداقات العامة أقصد تجاه الرجال فاقتصرت معارفها على النساء فقط ، ما عدا الأشخاص الذين تربطهم بنا علاقات صداقة أسرية ، وقد فعلت ذلك دون أي توجيه مني بل من قناعتها ومعرفتها بمجتمعنا الخليجي المحافظ .

لم تكن سارة بعيدة عن دينها المسيحي بل كانت متمسكة به ، لكنها لا تحاول أن تضع أي رمز ديني أمامي بل كانت تحتفظ بتلك الرموز في أدراجها حفاظاً على مشاعري ومشاعر صديقاتها المسلمات اللاتي كن يزرنها في المنزل باستمرار ، بل كنت أستغرب منها للباقتها في ذلك الجانب ولحفظها الوقار والاحترام للدين الاسلامي ، حتى إني شككت أنها أسلمت ، لكن عندما سألتها قالت إنها تعتز بديمها المسيجي وتعتز أنها متزوجة من مسلم يعتز بدينه .

من جانبي كنت حريصاً على مشاعرها الدينية لكن ذلك لم يمنعنا من النقاش في بعض الجوانب التي تلامس حياتنا وما يجب أن نلتزم به في الدين من قبلي وقبلها ، فكنا نتناغم في أمور كثيرة وحتى إن وجد موضع اختلاف لم نقف عنده بل كنا نتجاوزه دون كثير نقاش أو جدل ، وسارت حياتنا على هذا النسق دون مشاكل ودون خلافات مؤثرة .

زارتنا والدة سارة في ذلك العام مرتين وكانت سعيدة في فترة تواجدها معنا ، بل شعرت أنها لا تحمل أي ضيق من كوني مسلماً ، أما والد سارة فلم يزرنا نهائياً ، وصادف في ذلك العام وجوده في مؤتمر مالي في الدوحة فدعته سارة لمنزلنا فلم يحضر فتضايقت كثيراً ، تحدثت معي في الموضوع ، فأقنعتها بعد جدل طويل أن تزوره في الفندق وتقضي بعض الوقت معه ، وقد فعلت ذلك وعادت وهي مرتاحة النفس إلا أنها كانت تحمل في نفسها شيئاً من الضيق تجاه والدها ، انعكس على تصرفها حين زارت بيروت فلم تذهب في اليومين الأولين لمنزل والدها ، لكنها راجعت نفسها بعد ذلك وذهبت إليه .

سارة

     لم تكن سعادتي بالمنزل ولا بالمال الذي كان خالد يعطيني إياه دون حاجة ، ودون طلب مني ، بل كانت سعادتي به أكبر من كل شيء وكذلك المجتمع الذي عشت فيه قبل أن أتزوج اكتشفت أنه مختلف كثيراً عندما اقتربت منه فرأيته من الداخل وكونت صداقات لا تعد ولا تحصى مع سيدات مجتمع وربات بيوت آنسات وسيدات ، أعجبني نمط الحياة القطرية ، فرغم أنه مجتمع يوصف دائماً بأنه مجتمع مغلق ، إلا أنه مجتمع مغرٍ يثير من يعيش فيه ويستهويه وقد استهواني بالفعل فأصبحت صداقاتي الكثيرة صداقات قوية ، وأصبحن لا يتركن لي مجالاً لكي أفارقهن فتعددت الدعوات وتعددت الزيارات حتى خفت أن يشغلوني عن خالد إلا أني لم ألحظ أي ضيق منه حين أكون عند صديقاتي أو أخرج معهن لأي مكان ما دمت أحافظ على أعراف البلد وتقاليده .

حاولت أن أرتدي الزي الخليجي وارتديته بالفعل لكن لم أجد نفسي فيه ، فتركته ولم يشر علي خالد بلبسه ، ولم يعارض حين تركته ، بل تركني أجرب ما أريد وكذلك فعل في كل شيء كنت أطرحه عليه أو أطلبه منه كان لطيفاً معي حتى في جانب الدين فحين يراني متضايقة من أمر يطلب مني أن أزور الكنيسة لأرتاح نفسياً ، وكان يضحكني بطلبه لأني كنت أظن أنه حين نتزوج سيقربني خالد بأي شكل من الأشكال للإسلام ، أو سيعرض علي أن أسلم ، فوجدته يأمرني أن أذهب للكنيسة رغم أني كنت أتهكم عليه حين يطلب مني هذا الأمر إلا أني كنت سعيدة بكلامه وبتصرفه في هذا الجانب الحساس في حياتي ، وكذلك عندما أناقشه في أمر ديني يناقشني بلطف واستغربت معرفته الجيدة بالدين المسيحي ومعتقداته .

كانت حياة الترف التي وضعني فيها خالد حياة ملكية بكل المقاييس من كوكبة الخدم في المنزل والسائقين والسيارات التي أركبها والهدايا الثمينة التي يهديني إياها مع كل صفقه أو كل رحلة يقوم بها حتى عندما كنا نذهب للبنان ، كان يحرص أن يكون البريستيج الذي أحظى به هناك لا يقل عن الدوحة أي أنه عاملني كأميرة ، وكان كل ما يهمني من ذلك هو نفسه فشغفه بي وشوقه لي لم يتأثرا بوجودنا باستمرار معاً بل أشعر أن تعلقي به وتعلقه بي قد زادا كثيراً ولذته التي أشعر بها وهو يحتضنني لم تتغير وقبلاته لازالت متهورة كما هي في السابق ، ولا زلت لا أستطيع مقاومته حتى الآن .

كنت أحرص رغم كل مشاغل خالد وعلاقاتي التي أصبحت متشعبة أن تكون لنا لحظاتنا الحميمة التي تجمعنا فنسترجع الماض الجميل ، ونقطف ثمار الحب الذي جمعنا في منزل واحد كان الليل دنيانا المشتركة ، فيه نجلس نتحدث نضحك نلعب ، تركته يحبني بكل الطرق التي يريدها وتركني أحبه بكل الطرق التي أريدها لم يبخل أحدنا على الآخر ولم يمنع أحدنا الآخر من شيء يريده فكنا متحابين متفاهمين منسجمين لأبعد الحدود .

أردت أن أكون أنا ولا أحد غيري في قلبه فكنت أضع له ما يحب وأفكر فيما يسعده كما يفعل هو معي أحرص على إثارته واستمالته أحرص على أن أكون جميلة دائماً في نظره جميلة بما يحب مني وما يشتهي أضعه دائماً في المقام الأول ويضعني في المقام الأول ، كلما فكرت في شيء يسعده أجده قد فكر في شيء يسعدني به ، كان يحاول كل منا أن يسبق الآخر بما يفعل وما يقدم لكننا كنا نلتقي في نقطة مشتركة تجمعنا بكل الحب وكل الشوق وكل الود .

مرت السنة سريعة ، لم أشعر بأيامها وهي تنقضي ولم أشبع من خالد رغم وجودي معه لم يترك نظرته المتأملة التي ينظر لي بها نظرة البحث عن البراءة ، كما يقول : نظرة البحث عن سارة الطفلة المطيعة فأسأله هل أنا مطيعة ؟ فيقترب مني ويقبلني بعنف فلا أمنعه مما يفعل ، فيقول : ألستِ مطيعه ، يحمر وجهي خجلاً فيعيد الكرة من جديد فلا أمنعه وكيف لي أن أمنعه من قلبي وهو له ؟ كيف لي أن أكون عنيفة أو قاسية أو جاحدة أو متجاهلة له وأنا أقر أني بكاملي له وحده ؟ يملكني فيترفق بي ويمنحني حبه  وقلبه وعمره وأحلامه وأمانيه برضا دون أن يبدي أي ضيق أو تأفف أو ملل ، كيف لي أن أمل الحياة معه وهو الذي جعلني أشعر بقيمتي كامرأة ؟ ولا أقصد المرأة بجسدها بل بمشاعرها وقلبها وشكوكها وظنونها نعم كان يحرص على إرضائي نفسياً ولا يمس نفسي إلا بما يرضيها ويسعدها .

كان عملي على الهامش في هذه السنة إلا أن كثرة معارفي وعلاقاتي الاجتماعية الجديدة ، تفاعلت مع عملي التجاري بشكل ملحوظ فهذه الدولة تعتمد على العلاقات في أغلب تعاملاتها التجارية حتى الصغيرة منها ، ربما لأنهم يحبون التعامل بود ولطف ويجدون ذلك في علاقاتهم الاجتماعية ويتحدثون عما اشتروه وما أعجبهم ، فلبيت كثيراً من الرغبات التي عرفتها في جلساتهم وكانت أعمالي ناجحة رغم أني لم أسافر إلا مرة واحدة خلال هذه السنة وقد وكلت إحدى العاملات للسفر في طلب بعض الأمور مع متابعة دقيقة لعملها ، فأدت عملها بنجاح .

مع انقضاء السنة الأولى ثارت مسألة مهمة لدي ومهمة لخالد أيضاً ، وقد أثارت هذه المشكلة والدتي حين سألتني متى ستنجبين لنا طفلاً ، كانت تلك البذرة التي زرعتها في أفكاري فسألت نفسي لم ، لم يتم الحمل ؟ رغم أني لم أتعاط أي موانع ،  فلماذا لم يتم الحمل حتى الآن ؟ وما جعلني أحذر قبل طرح الموضوع مع خالد خوفي من أن أكون عقيماً فقد تزوجت مرتين ولم أرزق بطفل ولم يحصل حمل خصوصاً في زواجي الأول الذي كان يلح فيه زوجي على رغبته في وجود طفل أما في زواجي الثاني فأنا من أراد أن لا ينجب وقد تفاهمت مع أنطون في ذلك لكن الأمر مختلف مع خالد فقد عشنا حياتنا بلا تفكير في هذا الموضوع وإن دعا لنا أحد بأن نرزق بطفل نظرنا لبعضنا وضحكنا .

ذهبت لأحد الأطباء المختصين وأجريت الفحوصات فكانت الأمور شبه عادية ، إلا من بعض المشاكل البسيطة التي تصيب النساء ، فأعطاني بعض الأدوية والمنشطات التي أخذتها بعناية ثم أعدت الفحص من جديد ، وحين قابلت الطبيب مجدداً أخبرني أن النتائج جيدة لكنه أشار علي بأن أذهب أنا وزوجي لأحد المستشفيات المختصة فربما احتجنا لتحاليل وأشعة لا يمكن أجرائها لديه في العيادة ، لم أفتح الموضوع مع خالد ، ولم أخبره بأني ذهبت للطبيب لهذا الأمر ، وبقي هذا الأمر في بالي يذهب ويعود وأصبح يشغلني لأني أتمنى أن أرزق بطفل يكون تاج حبي فأحقق لزوجي سعادته الكاملة في بيته بوجود زوجة تحبه وطفل يشغل حياته وكانت مشكلتي التي أفكر فيها كثيراً كيف أخبره برغبتي الجامحة في وجود طفل ، وبما أن تحاليلي كلها سليمة خفت أن يكون الخلل من خالد وخفت أن أجرحه بما سأطلب منه .

لم يطل الأمر بي كثيراً ففاتحت خالد في مسألة الإنجاب واقترحت عليه أن أذهب لطبيب ، فأشار علي بطبيب له سمعه طيبة في مجال الحمل والولادة في أحد العيادات المختصة ففعلت ما قال ، قابلت الطبيب وأجريت فحوصات أخرى وكانت النتائج سليمة كما أخبرني الطبيب ، سألني حينها : زوجك لبناني  ؟ فأخبرته بأن زوجي قطري وقلت أسمه ، لم أفاجئ أن الطبيب يعرفه ، فخالد رجل معروف ، شدد علي الطبيب أن يزوره زوجي لكي يجري بعض الفحوصات فربما تكون لديه بعض المشاكل .

خالد

     انتصفت السنة الثانية من زواجنا ولا زلنا سعداء لا يشغلنا شيء سوى الحب إلا أن سارة البارحة فتحت مسألة الأطفال فقالت لي : إنها ستراجع طبيباً لتعرف ما سبب تأخر الحمل ؟ لم أعارضها فأنا أيضاً أرغب في أن أكون أباً وربما أنساني حبي لها هذه المسألة ، فلم أتطرق إليها ، وربما استرجعت حياة زوجتي السابقة التي كانت مهتمة بمسألة الإنجاب وذهبت لأكثر من طبيبة وطبيب وأخذت عدداً لا يحصى من الأدوية ، ولكنها لم تفلح في ذلك بل إن حالتها الصحية تدهورت وتوفت بعد ذلك فجعلني هذا الأمر لا أتطرق لقضية الأطفال ولا أوليها الكثير من الاهتمام بل حين أفكر في المسألة أتركها لتقدير الله عز وجل ، فأنا مؤمن بقدره ، أشرت على سارة أن تذهب لطبيب له خبرة جيده فوافقتنِ على ما طلبت .

عادت سارة من عند الطبيب وفي اليوم التالي بعد أن عرفت نتائج التحاليل ، أخبرتني أنها في حالة صحية ممتازة ولا يوجد بها أي خلل هرموني ولا عضوي يمنعها من الحمل سررت بما سمعت منها وسألتني : لماذا لم يتم الحمل إذاً ؟ ربما يكون السؤال عادياً منها لكني وجدت فيه علامات استفهام كبيرة تضعها سارة أمامي ، فلم أنتظر أن تطلب مني أن أذهب للطبيب الذي راجعته وذهبت له ربما تأخرت لبضعة أيام لأرى هل ستسألني سارة عن الموضوع أم لا ؟ لكنها لم تسألني ، وبقي السؤال موجوداً في عينها  دون أن تتلفظ به .

كان الاستشاري الذي راجعته سارة طبيباً معروفاً ، وهو كبير في السن وله خبرة واسعة في ذلك المجال ، وقد زرته أكثر من مرة مع زوجتي السابقة ، فتكونت بيني وبينه علاقة طيبة ، وحين قابلته رحب بي ، ولم يطلب مني أن أجري أي تحليل أو فحص بل جلس معي وشرح لي أسباب عديدة لتأخر الحمل وطلب مني أن أذهب في إجازة مع زوجتي ، لأبتعد عن توتر العمل وأعطاني بعض الأدوية وعندما صرفتها من الصيدلية وجدت أنها بروتينات ومنشطات جنسية ، فعدت له وبينت له أني لا أعاني من أي خلل أو ضعف في هذا الجانب فأقنعني بضرورة الاستمرار بتناول تلك الأدوية للتنشيط لا أكثر وقال : استمتع وهو يضحك .

سافرت مع سارة لمدة أسبوع قضينا أغلب وقتنا في الفراش فما أعطاني إياه الطبيب سبب لي حالة من الهيجان الجنسي حتى أني توقفت عن تناول الأدوية ، ولم تتوقف رغبتي في ممارسة الحب مع سارة التي لم أجد منها أي ممانعة وعرفت أن ما يدفعها لذلك الجنون ليس رغبتها في الممارسة ، بل رغبتها في أن ترزق بطفل ولا أدري لماذا هي مستعجلة على ذلك فنحن لا زلنا شباباً وأمامنا الوقت الكافي لذلك .

عدنا للدوحة بعد أسبوع وبعد عودتنا بعدة أيام  وجدت سارة تبكي ، فسألتها ما المسألة ؟ فأخبرتني أنها ليست حامل فأخبرتها أن الأمر ليس بهذه الأهمية هدأت من روعها فطلبت مني أن أراجع الطبيب في الغد ، فلبيت رغبتها وذهبت للطبيب سألني حينها عن رحلتي مع سارة ؟ فأخبرته بأنها أجرت اختبار حمل البارحة وكانت النتيجة سلبية ، ابتسم طلبت من الدكتور أن أجري فحوصات للتأكد من سلامتي في هذا الجانب فعبأ لي نماذج الفحص وأشار إلى موقع المختبر . أجريت الفحوصات اللازمة وعدت للطبيب بعد يومين ، ساورني شك بأن تكون اختباراتي غير سليمة أو أن أكون عقيماً لكن كل الشكوك والظنون تبددت حين نظر الطبيب لفحوصاتي وقال : أني أتمتع بصحة جيدة جداً ولا أعاني من أي مشاكل في هذا الجاني .

هممت بالمغادرة ، إلا أن الطبيب استوقفني وطلب مني الجلوس ليتحدث معي ، استغربت طلبه لكني نفذت ما أراد بدأ حديثه بطرح بعض المشاكل الناتجة عن العقم فطلبت منه أن يدخل في الموضوع دون مقدمات ، لأني فهمت أنه يريد أن يبلغني شيئاً لا أعرفه وكان ظني سليماً فقال : جاءتني السيدة / سارة حرمك وأخبرتني بتأخر الإنجاب لديها وطلبت أن تجري فحوصات لتعرف سبب تأخر الحمل وقد حددت لها كل الفحوصات اللازمة لذلك ، وجاءت نتائج الفحوصات لتشير بأن زوجتك تعاني من ضمور وضعف حاد في المبايض ، وهذه الحالة تجعل الحمل صعباً للغاية ، وإن حصل يكون الحمل ضعيفاً جداً ولا يثبت في الرحم .

قد رأيت رغبة زوجتك الجامحة لطفل تحمله بين يديها فسألتها هل زوجك يصر أن تنجبي له في الوقت الحالي ؟ فأجابت بأنك لا تفكر ولا تطرح الموضوع من الأساس فأخفيت عنها تلك النتائج وأعطيتها بعض البروتينات ، ولعلمي بأنها ستبحث عن السبب فطلبت منها أن تراجعني لإجراء فحوصات الخصوبة ولم ألحظ اهتمامك بالأمر فأعطيتك بعض الأدوية المنشطة لأني أذكر جيداً أني أجريت لك فحوصات سابقة وكنت لا تعاني من أي مشكلة .

سألته : لماذا لم تخبر سارة بحالتها ؟ فقال : خفت أن تصدم وقد رأيتها مهتمة جداً بهذا الموضوع فسألته لماذا لم تخبرني في المرة السابقة ؟ فقال : يا بني لقد مرت بي حالات كثيرة ومشاكل كثيرة من مثل هذه المواضيع ، فأردت أن أتثبت من الموضوع وقد أرسلت التقارير الخاصة بها في تلك الفترة لمركز متخصص في تلك الحالات وجاء ردهم منذ أيام فقط ، سكت الطبيب عند هذا الحد فسألته : هل هناك ما يخيف في التقارير ، فقال : لا يوجد ما يثير الخوف في حالة زوجتك الصحية ، ولكن الحمل صعب جداً في هذه الحالات وغير مستقر إن وقع فالضمور في المبايض لدى السيدة / سارة ناتج عن تشوه خلقي ، أي أن المبايض لم تكن نشطة من الأساس وتصعب المعالجة أو تستحيل في مثل هذه الحالات ، سألته ما العمل ؟ فقال : اهتم بصحتها النفسية إن أخبرتها بما سمعت فربما يكون النبأ صادم لها ، استأذنت منه وأنا من أصابتني الصدمة لما سمعت .

نعم أريد طفالاً وأرغب في ذلك لكن وجود سارة في حياتي أمر أساسي لا أستطيع أن أستغني عنه ورغم أني لم أفكر في هذا الموضوع بجدية ، إلا أن الخبر كان صادماً لي ، والمشكلة ليس أنا بل سارة ، كيف ستتقبل الموضوع ؟ وكيف سأخبرها بما سمعت من الطبيب ؟ فكرت في سيناريوهات كثيرة واستقر رأيي على أحدهم وهو أن أذهب مع سارة في إجازة تعيد ذكرياتنا السابقة ثم نذهب لإحدى المستشفيات المتخصصة في أوربا لإجراء فحوصات جديدة فربما تكون تلك الفحوصات التي أجرتها دقيقة بشكل كاف .

لم أعد للشركة في ذلك اليوم بل اتصلت بسارة ، وطلبت منها أن تتجهز لنخرج سوياً ومررت بها فرافقتني سألتني عن ما أخبرني به الطبيب فقلت لها أنا وأنتِ نتمتع صحة جيدة ومسألة الحمل مسألة وقت ، فقط سكتت سارة وأظنها لم تقتنع بما سمعت لكنها سايرتني فيما أقول ولم أفاتحها في نيتي أن نسافر لأوروبا لكي لا أثير شكوكها ، كنت أعرف أنها سترجع في الغد لتسأل الطبيب لذا طلبت منه أن لا يخبر ها بنتائج الفحوصات فوعدني بذلك .

بدأت أحدث سارة في الأيام التالية عن رغبتي في إجازة طويلة نقضيها معاً فلم تمانع ، وطلبت مني أن نذهب لبيروت لم أستطع أن أمنعها مما تريد ، لكن طلبت منها أن تكون زيارتنا لبيروت قصيرة لمدة ثلاثة أيام نتوجه بعدها لليونان لنعيد ذكريات أيام زواجنا الأولى فلم تمانع ، ولم أخبرها بأن وجهتنا بعد ذلك ستكون بريطانيا لإجراء فحوصات طبية هناك ، بل تركت هذا الأمر حتى يبدو وكأنه أمر ناتج عن اتفاق بيننا في حال تناقشنا في موضوع الإنجاب ، كنت مهتماً بأن لا تشعر بأي شيء يؤثر على حالتها النفسية .

سارة

      لقد عدنا من السفر منذ أقل من شهر ، لماذا إذاً يريد خالد أن نسافر مجدداً ؟ أعرف أن لديه ضغط عمل متواصل في هذا الوقت من العام وأن سفره لا يكون أمراً سهلاً ، وإن كان ذلك تكون رحلته ليوم أو يومين لا أكثر لكنه يتحدث عن إجازة طويلة نقضيها معاً في أوربا هو يعرف مدى صعوبة الجو في هذا الوقت من العام هناك فنحن في شهر يناير ، أي أن أوربا مليئة بالثلوج ، حيرني فيما طرح لكني لم أستطع أن أرفض طلبه فأن نكون سوياً دون ما يشغلنا شيء ، أمر ممتع أرغب فيه بشده .

غادرنا إلى بيروت وقضينا الأيام الثلاثة في منزل والدي ، لم يعارض خالد رغبتي في ذلك رغم أني أعرف أنه يتضايق من تصرفات والدي تجاهه لكنه لم يعترض ولم يبدِ حتى مجرد رأي يخالف رأيي ، وأحمد الرب بأن والدي كان لطيفاً معه هذه المرة بل وجدته يتعامل معه بلطف بالغ ، أما والدتي فكانت قريبة جداً منه وكان حديثهم متواصلاً ومشوقاً في أغلب الأحيان حتى أننا كنا نصحبها معنا في بعض الأحيان ، أراحني تصرف خالد اللبق مع والدي ، وأراحني كثيراً تصرف والدي اللطيف مع خالد ، وددت أن يطول بقائنا في بيروت ، لأتمكن من زيارة طبيب فرفض خالد ذلك الأمر وقال لو أردتِ ذلك في نهاية رحلتنا سنجري الفحوصات والتحاليل في أوربا .

أثار كلامه الشك في نفسي ، لكني تذكرت كلام الطبيب الذي سألته في الدوحة ، عندما أنهى خالد فحوصاته هناك ، وقد أقسم لي حينها أن خالد لا يعاني من أي شيء يعوق حدوث الحمل ، لكن تصرفات خالد مثيرة للريبة في هذه الأوقات فهو لا يعارضني في شيء ولا يطلب مني أي شيء ويحاول إسعادي بشكل يثير الريبة ، إلا حين أحدثه في مسألة الإنجاب فيتغير وجهه وينفعل بشكل يثير الاستغراب ، رأيت أن لا أثيره في هذا الجانب فلعل الطبيب أخبره بشيء يعاني منه لا يريدني أن أعرفه ، لكن المسألة لا تتعلق به وحده ولا تمسه وحده فهذه رغبتي وإرادتي التي لا يحق له أن يمنعني منها كما أني أعرف أن خالد صريح في كل جوانب حياته ولم أره غامضاً مثل هذه الأيام التي أشعر أني لا أفهم كثير من تصرفاته .

غادرنا لليونان حجز في نفس الفندق الذي قضينا فيه الأيام الأولى لزواجنا ، وكانت رحلتنا ممتعة بكل المقاييس ، رأيت خالد الذي أحبه ببنطلونه “الجينز” خالد المتواضع الذي كنت أهيم به ، صحبني لكل مكان للأزقة والشوارع الضيقة والمقاهي الصغيرة ، وأكلنا على الرصيف ، كنت مشتاقة لمثل هذه التصرفات المجنونة المتهورة التي تنسيني اهتمامي بكل شيء سوى خالد ، ولم يبخل علي خالد لا بوقته ولا عواطفه بل غمرني بالحب الأمر الذي جعلني حريصة على إسعاده وإرضائه لأبعد الحدود ، وقد استمر هذا الوضع عندما غادرنا لسويسرا ، وشاهدنا تجمد البحيرات وفرنسا وهدوءها في يناير وقد تحدثت معه هناك عن موضوع الإنجاب فقال إنه يعرف مركزاً متخصصاً في تلك المسائل في بريطانيا ، وأننا يمكننا أن نذهب ونعيد الفحوصات ، ونستمع لاستشارة الأطباء هناك كنت سعيدة بما قاله واستعجلته في الذهاب لبريطانيا فوافقنِ على ذلك .

ذهبنا إلى بريطانيا ، وفي اليوم التالي راجعنا الطبيب ، وبدأنا إجراء الفحوصات اللازمة وانتظرنا ليومين ، لكي نـحـصل على النتائج بعدها عدنا للطبيب الذي تحدث مع خالد أولاً وأخبره بأن كل فحوصاته سليمة ، وأنه لا يعاني من أي مشاكل ، ثم تحدث معي وأخبرني أني أعاني ضموراً وضعفاً حاداً في المبايض يجعل الحمل شبه مستحيل ، لم أستطع الحديث وأنا عند الطبيب من قوة الصدمة فأخذت أبكي بانفعال هدأ خالد من روعي وأخذ يتناقش مع الطبيب بشكل مستفيض ، لكن كلامه لم يتغير ، خرجنا من هناك مباشرة لمكتب سفريات وغادرنا لألمانيا وأعدنا تلك الفحوصات والتحاليل ، وقابلنا أكبر الأطباء فكان حديثهم متطابقاً مع ما قاله الطبيب البريطاني كنت منهارة في ذلك الوقت وعرفت من خالد أنه يعلم بما أعانيه ولم يخبرني بل أراد أن أكون في حالة نفسية تساعدني على تقبل الصدمة ، غضبت منه حينها ، لكني عدت إليه وقد زاد حبي له أكثر من السابق ، فأن يعرف رجل أن زوجته عاقر ويحاول أن يرضيها ويخفف عنها ، أمر لا يستطيع فعله الكثير من الرجال .

طلبت من خالد أن نعود لبيروت وطلبت منه أن أبقى هناك لوحدي لوقت أطول ، فبقي معي يومين ، ثم تركني عائداً للدوحة ، أردت أن أبقى في بيروت بجوار والدتي أردت أن أبتعد عن خالد قليلاً لأعرف مدى قدرتي على فراقه وبعده فلا يمكنني أن أقابل تضحياته التي فعلها لأجلي بجحود وحرمانه من أن يكون له طفل يلاعبه ويلاطفه ويغمره بحبه وعنايته ، كان خالد هاجسي الوحيد ما الذي سيفعله بعد أن تأكد من عقم زوجته ، هل سيتركني أم سيفعل ما أحل له في الشرع الإسلامي بأن يتزوج من ثانية ، شعرت بالاختناق وأنا أفكر في هذا الموضوع فكيف لي أن أعرف أن خالد سينام في حضن امرأة أخرى ، تناقشت مع والدتي كثيراً في هذا الأمر كانت تدافع عن خالد بشكل يستثيرني أحياناً ويجعلني أشعر بأنني زوجة ابنها .

بقيت في بيروت لمدة أسبوعين لم ينقطع اتصال خالد بي في تلك الفترة بل كان يحدثني في كل وقت يستطيع أن يتحدث معي فيه ولم أكلمه فيما ينوي أن يفعل بعد ما عرف أني عقيم وأجلت ذلك لحين عودتي للدوحة ، فهذا الأمر مهم بالنسبة لي ، فلا يجوز في شرعي المسيحي أن أكون متزوجة من رجل له أكثر من زوجة فإن أراد خالد أن يتزوج فهذا من حقه لكنه بذلك يقرر انفصالنا للأبد وإن فعل ذلك فلا ألومه ، فهذا حقه الذي يجب أن يناله حتى وإن بقي معي فما المدة التي سيتحملها من أجلي قبل أن يغير رأيه في وجودي معه قبل الارتباط بغيري ، وإن تمسك ببقائي معه فلم أظلمه  وأحرمه من أن يكون له أبناء ولو من امرأة أخرى.

كل هذه الأسئلة تحيرني وتوصلني لمرحلة الجنون لأن كل ما جرى بيني وبين هذا الرجل لم يكن في يوم ولا يومين بل في سنين سعى كل منا للآخر وقدم كل منا ما يملك لإسعاد الآخر فكيف ينهار كل شيء في أيام ، وإن انفصلت عنه ما الذي يكون عليه حالي بعده ؟ لقد تعبت عندما كنت حبيبته وتركته حتى كدت أصاب بالجنون فكيف لي أن أتركه وهو الآن زوجي وحبيبي ، كيف أستطيع أن أتحمل ما سيصيبني وما سيصيبه بسببي ؟ والأمر الذي يشغلني أكثر وأخاف منه أن يضحي خالد برغبته في الأبناء من أجلي فأكون أنا المسؤولة أمام الله وأمام نفسي وأمام الناس عن السبب .

خالد

     لم ينفع كل ما فعلته لأخفف عنها الصدمة فإجازتي الطويلة التي صحبتها فيها ، وكل ما فعلته لإسعادها ، قبل أن نزور المستشفى في بريطانيا ، لم تنفع في تخفيف حدة الصدمة التي أصيبت بها عندما سمعت حديث الطبيب عن حالتها لقد توقفت عن الأكل تماماً حتى خفت عليها من الموت فأقنعتها بعد عناء أن نذهب لمستشفى آخر في ألمانيا ربما تكون التحاليل هناك أدق والحلول ممكنه لكننا لم نسمع إلا ما سمعناه سابقاً ، إلا أنها تقبلت الصدمة في المرة الثانية بقدر كبير من الحزن والبكاء المتواصل ، لكن حالتها كانت أخف مما كانت عليه في بريطانيا .

طلبت مني أن تعود لبيروت وتبقى هناك لفترة تستريح فيها من العمل ، كنت أعرف أنها تريد الابتعاد عني فترة من الوقت لتفكر ، لم أخبرها بما استنتجت بل أخذتها لبيروت وبقيت معها ليومين لاحظت أنها تريد أن تبقى وحدها ، فغادرت للدوحة وبقيت هناك ، ولم تحاول أن تتصل بي حتى حدثتها ، لا ألومها فما أصابها أعتبره مصيبة تهز كيان أي إنسان وقد أصاب ما جرى علاقتنا الزوجية في مقتل ، إن جاز التعبير ،فمن واقع معرفتي بسارة أستطيع أن أقول إنها ستراجع علاقتنا مراجعة دقيقة وما سيترتب علي وعليها جراء ما عرفنا وأنها لن تقبل أن تكون السبب في حرماني من الأبناء لمجرد رغبتي في البقاء معها .

كنت أتصل بها دائماً مرة ومرتين أو أكثر كل يوم وأتحدث معها حتى أرى أنها لا ترغب في الحديث معي فأستأذن وأنهي المكالمة ، بدا التغير واضحاً في نفسيتها وبدأت أرى ملامح قرارها الذي تريد اتخاذه وهي تعرف أني لن أتخلى عنها ولن أتركها تواجه الأمر بمفردها لأني لم أفكر في الأطفال في الوقت الحالي ولم أطلب منها الإنجاب ولا حتى أن تراجع طبيباً لتعرف المشكلة ، كنت مقتنعاً فقط بأنها معي تحبني هذا هو همي الأكبر أما الآن فهمي الأكبر أن لا تتهور سارة وتفعل ما يدمر حياتنا لمجرد أنها تفكر في إسعادي لكنها نسيت أن سعادتي الكبرى كان وجودها معي وارتباطها بي .

بقيت سارة أسبوعين في لبنان كنت خلالها لا آتي إلى المنزل إلا للنوم ، فلا أرى في المنزل شيئاً مريحاً وهي بعيدة عنه ثم عادت للدوحة يلفها الحزن وأصبح مزاجها متقلباً جداً تثور لأتفه الأسباب وتغضب كالأطفال وتبكي دون سبب ، لم أكن أنا سبب ما أراه منها بمزاج حسن لكن تقبلت كل تصرفاتها لمعرفتي أسبابه .

تقبلت أن تصرخ في وجهي وأن تتشاجر معي وأن ترفض أي طلب أطلبه منها ولم يفلح تدخل نورا في الموضوع بل رأيتها تتجنب التدخل بيني وبين سارة بقيت على هذا الشكل قرابة الثلاثة أشهر بعدها تحدثت مع والدتها لكي تأتي إلى الدوحة وتبقى معها ، وفعلت ما طلبت منها وجاءت وحصل أن ثارت سارة في وجهي لسبب تافه ، فسكت ولم أرد على استفزازها فلم يهدأ ذلك من غضبها بل علا صوتها أكثر فقامت والدتها وصفعتها على وجهها ، انهارت بعدها وأخذت تبكي بشكل هستيري وتركتنا وذهبت لغرفتها ، ولم تنزل في تلك الليلة ، طلبت من والدتها أن تترفق بها وتتقبل تصرفاتها .

جاءتني سارة في اليوم التالي واعتذرت مني وبكت كثيراً بكت وقالت لي ما لم تقله من قبل قالت : كيف لي أن أهدأ وأنا أعرف أن علاقتنا أصبحت في حكم المنتهية ؟ سكت ولم أقل شيئاً فقالت : ألم تقرر بعد متى ستتركني ؟ ضممتها بكل ما أملك من قوة وهمست في أذنها : لماذا نستعجل الأمور لنتركها تسير لنرى ما ستصل إليه ، فقالت : لمتى سنصبر ؟ فقلت لها : أرجوك لا تحرميني منك لسبب لم أهتم له حتى الآن ولم أطالبك به ، عادت للبكاء من جديد لكنها سكنت إلي وبقت بجواري طوال اليوم لم تفارقني ، ومع مرور الوقت  بدأت حالتها النفسية تستقر حتى عادت لحالتها الطبيعية ، عادت لي سارة التي أحب .

لكن بقي الهاجس الأكبر كما قالت سارة : متى ؟ متى سننفصل ؟ نعم هذا هو السؤال الذي جعلني أفكر بشكل كنت أستبعده ولا يمر ببالي إلا نادراً ودون اهتمام كبير ، فالأطفال هبة من الله يحق لكل إنسان أن يسعى لنيلها لكن ربما أراد الله أن يجعلني هكذا بلا أبناء ، لذا كان ارتباطي بسارة قدراً كتب علي ومرضها قدراً كتب عليها وتلاقى قدرانا لكي نبقى سوياً ونـحـيا سوياً .

لماذا فكرت سارة في هذا الموضوع بشكل مغاير ؟ لماذا لم تترك الأمور تسير ببساطتها دون أطفال ؟ كنت لا أفكر في سواها ، يمر ببالي أن أحمل طفلي بين يدي وألهو معه وبجواري سارة نعم أحببت ذلك التفكير ، لأن أمه ستكون سارة لا امرأة غيرها فهي التي اخترت ، وهي التي أحببت من كل قلبي فكيف لي أن أترقب طفلاً من امرأة أخرى أتزوجها لتكون وعاء فقط ؟وعاء تحمل وتنجب لي طفلاً يقول أبي ألن تعيش تلك المرأة في بيتي ؟ وتجلس معي ؟ وتأكل معي ؟ وتنام معي ؟ ألن أظلمها وأنا أحب امرأة غيرها لحد الجنون كيف لي أن أبادلها تلك الهمسات اللطيفة التي تمر على العشاق والأحباب ؟ ربما تترقب من أقترن بها تلك اللحظات الحميمة فلا تجدها وما سيكون شعورها إن عرفت أني متيم بامرأة سواها هل ستقبل العيش معي ؟ أم ستقول لي اتركني وارحل ؟ كما تريد سارة الآن أن تتركني وترحل .

أعود لسارة من جديد فهي تلك المجنونة التي جعلتني أتعلق بها وها هي الآن تحيرني من جديد كما حيرتني في السابق وأظنها ستحيرني في المستقبل أكثر من كلتا المرتين نعم فقد تحدثت مع نورا بعد أن عادت من بيروت لفض الشراكة ، وقد بدأت نورا تلك الإجراءات بعد أن يئست من أن تغير سارة رأيها وتحدثت معي بأن أبيع أنا وسارة نصيبنا في الشركات وقد وافقت ، فلا مجال لدي بأن أدير مشروعاً نسائياً لا أفهم فيه شيئاً ولا أدري كيف أتصرف في شؤونه ؟! كانت نورا سلسة لأبعد الحدود وقد رفعت قيمة المشروع لأعلى درجة حتى أني تناقشت معها في القيمة المفترضة فقالت إن المشروع يساوي قيمته فهو مشروع اكتسب أرضية تجارية قوية فتم الاتفاق وبقيت سارة منذ أن عادت من بيروت في المنزل لا تغادره إلا في أوقات نادرة وقد أرخت الستار على كثير من علاقاتها الاجتماعية وكأنها كانت تجهز للرحيل لكنها عادت لرشدها مرة أخرى عادت لتوقظ في نفسي كل التساؤلات والتناقضات والشكوك والحيرة لما ستكون عليه علاقتنا في المستقبل .

سارة

     عدت للدوحة ونفسي مشحونة بكل الاحتمالات وكل السيناريوهات التي ستؤول إليها علاقتي بخالد وفي قرارة نفسي كنت أترقب متى ستنتهي العلاقة بالطلاق ؟ وكنت أترقب الأمر في ضيق شديد جعلني لا أطيق شيئاً حولي وأصبحت طباعي بسب توتري الشديد حادة ، بل مستفزة ، شعرت بنفسي وحاولت أن أكبت تلك الأفكار التي تهيج نفسي وتثير غضها دون فائدة ففي نظري كل شيء محسوم والآتي هو نقطة النهاية .

كنت مخطئة فقد فكرت وحدي وقررت وحدي ونسيت أن هناك شريكاً في حياتي تربطني معه علاقة حب ورباط مقدس متمثل في الزواج ، نسيت ذلك الأمر رغم أني كنت أفكر في مصلحته وكيف يجب أن يسعد بأبنائه في المستقبل ؟ ولم أتوقع صبره الطويل الذي كان يثير أعصابي في أغلب الأحيان فأقول لنفسي غداً يتخلى عن رباطة جأشه ويبوح بما في نفسه ويقول لي يجب أن ننفصل ، لكن كل ذلك كان خطأ اقترفته في حقه ، كان صبره نابعاً من حبه لي ورغبته في أن أبقى معه .

يقتلني الشعور كل مرة أكتشف فيها أن خالد يحبني أكثر مما أحبه فألوم نفسي على كل مرة ثرت في وجهه و تجاهلته أو عاملته معاملة فظة لا تليق بشخص يعاملني بكل الحب والاحترام ويراعي مشاعري لأبعد الحدود ، وعندما ثرت في وجهه في وجود والدتي لم تتحمل هي أسلوبي المستفز فصفعتني وكانت هذه أول مرة تصفعني فيها والدتي على وجهي في حياتي كلها ، بكيت كثيراً لكني سألت نفسي بعدها إذا كانت والدتي لم تتحمل أن تراني أصرخ في وجه زوجي مرة واحدة فكيف تحمل خالد أن أثور في وجهه وأتجاهله لثلاثة شهور متواصلة دون أن أعطيه ولو قدراً قليلاً من الحب الذي ينتظره مني ؟ .

ذهبت إليه وأنا خجلة مما فعلت فكل مرة أكتشف أني ارتكبت حماقة في حقه أكتشف مدى رجاحة عقله وطول صبره سألته متى سنفترق ؟ فلم يجبني الإجابة الشافية التي انتظرها لكنه قال كلاماً صائباً فطلب مني أن نبقى سوياً لنرى قدرنا دون أن نتضايق أو نقرر أمرنا باستعجال ، وله الحق فيم قال لماذا أستعجل القدر وأطلب الرحيل ؟ لماذا أنا التي تثير الأمور المزعجة في حياة خالد باستمرار ؟ لماذا لا أمنحه الحب الذي يريد مني ؟ فهو لم يطلب سواه ولم يسع لغيره لكن فضولي وحيرتي تسوقني نـحـو الجنون أحياناً فكل مرة أطرح فيها السؤال أعرف أني أستثير مشاعره وأحيي رغبته في الأبناء لكني أنساق خلف نفسي وما يدور بها من هواجس .

كان خالد رحيماً متلطفاً معي يعاملني كطفلة إن غضبت ويتوسل إلي لكي يرضيني كما الحبيب ، ويلامس حزني بلطف دون أن يغضبني ، وعندما جاءت والدتي وبقيت معي شهراً في الدوحة كانت تصرخ في وجهي وتقول : حرام عليك ما تفعلينه بالرجل الذي يحبك ، حتى فقدت شعورها وصفعتني ولم تبق بعدها إلا يومين غادرت بعدها لبيروت ، حاولت أن أرضيها قبل أن تسافر ، فلم ترضَ حتى رضي خالد وتحدث معها .

رأيت كيف أجلت أمي خالد واحترمته بسبب ما يفعله من أجلي ورأيت كيف كسب قلبها بما يفعله لابنتها ؟ لكنهم نسوا شيئاً نسوا أني أشعر بالذنب تجاه خالد أشعر بالذنب لدرجة أني أحتقر نفسي فقد ضحى من أجلي ووهبني كل الحب وفي النهاية غفر لي كل ما فعلت وتزوجني ، وها أنا الآن عاجزة أن أمنحه طفلاً يحمل اسمه ويخلد ذكراه ويستمتع بوجوده ، ببكائه ، وضحكه ولعبه ، أشعر بتأنيب الضمير وأنا أفكر في خالد فقد ظلمته أكثر من مرة وهو يغفر لي كل مرة ويصبر على تهوري وجنوني ، لم ينتج هذا التفكير من كرهي له ، لا بل أقسم بكل شيء أنه نبع من حبي له فلماذا يظلم نفسه ويبقى مع امرأة عاقر لا تنجب ؟ يبقى معها فقط لأنه يحبها ويريد أن يحافظ على مشاعرها أعرف أنه ممكن أن يصبر خالد حتى النهاية لا أجزم بذلك لكنه مخلص أعرف مدى إخلاصه في حبي فلمَ لا أجنبه أنا كل هذا العناء والصبر الطويل وأتركه وأرحل ؟ لقد انقطع عملي في التجارة ولم يبق لي في الدوحة سواه .

مر عام على عودتنا من تلك الرحلة المؤلمة التي مررنا بها بالأطباء وعدت لخالد أطرح عليه نفس السؤال : متى سننفصل ؟ أخذني بلطفه وأدبه وغمرني بحبه وحاول أن يقنعني بكل السبل أن الحياة ممكنة بدون أطفال وأن الأمر لم ينتهِ والأمل لا يزال موجوداً لكني لم أتنازل عن سماع إجابته فعقد معي اتفاقاً أن نبدأ العلاج ولا نيأس لعل القدر يمنحنا أمنيتنا فاشترطت عليه شرطاً أن لو فشلت المحاولات تكون هذه هي نهاية علاقتنا الزوجية لكنه لم يوافق على شرطي وقال : لا يجب أن نقرر دون تفكير وقبل أن نعرف النتائج ، دعينا نـحـاول ثم نقرر ما سنفعل .

أرضى دائما بالنهاية التي يحددها لأني أعرف رجاحة عقله ولأني لا أريد أن أجرحه أكثر مما جرحته سابقاً ، يعرف خالد أن قدرنا الانفصال ويعرف أني عازمة على ذلك الأمر ما لم يتم الحمل لكنه يريد أن يطيل الوقت لكي يبقى معي وأنا أموت كل لحظة أرى فيها نظرت الرجاء في عينيه ، يقتلني ذلك الشعور القوي في رغبته في أن يبقى بقربي ويحظى بحبي فليت حبي يمنحه ما يتمنى لكي أوفيه حقه كاملاً ، أجل خالد سفرنا لشهرين كاملين متحججاً بعمله ومشاريعه ، ولم أضايقه ، ولم ألح عليه كثيراً ، لأني أعرف أن الأمر سائر للنهاية المحتومة وأنه متمسك بي لآخر لحظة .

عندما يراني متضايقة يفعل كل شيء ليرضيني حتى أنه كان يأخذني لبيروت في إجازة نهاية الأسبوع ونعود ليجدد ذلك الشعور الجميل الذي كان بيننا ، طلبت منه أكثر من مرة أن أبقى هناك لبعض الوقت لكنه كان يرفض ويصر أن أعود معه للدوحة كان حريصاً أن أبقى بقربه وأن لا أبتعد عنه لكي لا أفكر في حلول مجنونة قال لي هذا الكلام في إحدى المرات فلم أتضايق منه ولم أطلب منه بعدها أن أبقى بعيدة عنه فأنا أيضاً محتاجة لأن أبقى معه لأطول فترة ممكنة قبل أن نفترق للأبد .

خالد

     مجنونة هي مجنونة أقول هذا الكلام ثم أتراجع عنه ، وأقول إنها تحبني ، ولا أستطيع أن أنكر حبها فهي تريد أن تضحي من أجلي وتتركني ، لكي أكون أسرتي الجديدة وأرى أبنائي ، لكنها لا تعرف مدى حبي لها فما أريده منها لا تلبيه لي أي امرأة أخرى على وجه الأرض ، فأنا أريد سارة التي أخذت قلبي وأنستني كل همي وأسعدتني بعد أن يئست من أن أجد السعادة التي أتمناها ، نعم كانت هي نقطة تحول في حياتي تغير بعدها كل شيء للأفضل وتحول كل شيء من التعاسة إلى السعادة والفرح ، وجودها مهم في حياتي هذا ما اكتشفته فبمجرد أن أفكر أننا سننفصل عن بعضنا يصيبني الجنون ، ولا أستطيع أن أبعد ضيقي ولولا خوفي من أن تنتبه لما أنا فيه فتتضايق لصرحت لها بكل ما في قلبي .

يوجد شيء في سارة انكسر وتلاشى تألقها ، وملامحها التي أخذت تتأثر بحزنها كنت ألاحظ كل شيء في وجهها وهو يتحول من الإشراق إلى الذبول ، ذبلت ملامح سارة البريئة وبدت ملامحها التعيسة وانكسرت نفسها المرحة التي كانت ترقص طرباً ولا تستطيع أن تقاوم وجودي معها ، فأصبحت تفعل ما يرضيني كأنه روتين فرض عليها وكأنه عمل يجب أن تؤديه حتى نهايته تغيرت سارة كثيراً ، لكن شيئاً واحداً لم يتغير رغم كل ذلك حبي لها ورغبتي الجامحة في أن تكون معي للأبد أذكرها دائماً بما بيننا من حب لكي لا تنسى أو لكي تراجع قراراتها التي تتخذها دون أن تستشير أحداً .

تسألني بين فترة وفترة متى ؟ وأنا أحاول جهد استطاعتي أن أبقيها معي لأطول فترة ممكنة وأحاول أن أجد الحلول فخاطبت أكبر المستشفيات والمختبرات المتخصصة في مجال العقم والخصوبة ولم تأتني نتيجة تبشر بخير وأن أعلى نسبة وضعوها لكي تنجب سارة لا تتجاوز العشرين بالمئة وفي النهاية عندما سألتني متى ؟ طلبت منها أن نـحـاول ولا نيأس فربما ننجح في مسعانا وافقتني لكن خوفي من أن تفشل كل محاولاتنا ، فتطلب سارة الرحيل كان يؤرقني فحاولت أن أؤخر رحلة العلاج لأطول فترة ممكنة ، ورغم ذلك ، لم أستطع تأجيلها لأكثر من شهرين ثم غادرنا لبيروت ، لنبقى فيها قليلاً ، ونأخذ والدتها معنا في رحلة العلاج المقررة .

بقينا في بيروت لمدة أسبوع ، رفضت أن نتحدث خلالها عن ما سيجري في العلاج وما سيجري بعده ، كانت سارة متفائلة أكثر مني أو ربما أحيت بيروت في نفسها شيئاً من الشجن القديم ، فعادت ترخي رأسها على كتفي حين ترقص معي وعاد لي شيء من سارة التي أحببت ، كانت الذكريات الجميلة تحيط بنا في بيروت من كل جانب حتى ألمنا كنا نتذكره بشيء من الحب ، فلا يضايقنا ولا ينغص علينا تلك اللحظات الحميمة التي عشناها قبل مرحلة العلاج .

بعدها غادرنا بيروت لبريطانيا ، وبدأنا الفحوصات ، وبدأنا معها الخطوات الأولى من العلاج الطويل الذي تقرر لستة أشهر ، كنت أترك سارة أحياناً مع والدتها وأعود لأنهي بعض الأعمال في الدوحة ثم أعود لهم مجدداً كانت مراحل العلاج مملة ، في كثير من الأحيان يفقد الإنسان فيها رغبته في لحظات الحب الحميمة على الفراش ، لأنها لم تكن ليستمتع الحبيب بحبيبته بل ليجرب نتيجة العلاج فتكون الحبيبة كوعاء تجارب نشغلها كل مرة لنرى نتيجة تجاربنا عليها ، ورغم ذلك لم تنجح كل المحاولات التي جربناها في بريطانيا ، وبدأ اليأس يتسلل لنفس سارة وبدأت تطالبني بأن نتوقف عن العلاج ، لكني كنت أرفض طلبها في كل مرة وأقترح عليها حلولاً جديدة .

اقترحت عليها أن نذهب للولايات المتحدة ونجرب العلاج هناك وأخبرتها بأني خاطبت أحد المراكز المتخصصة هناك من قبل وأفادني بأنهم يستخدمون أساليب علاج جديدة للحمل ، وافقتني على مضض ، وافقتني لكي لا تقطع الأمل شعرت بذلك الشعور وهو يسري في ملامحها وهي تحدثني وشعورها بأني متمسك بها لآخر لحظة وآخر أمل يبقينا سوياً ، ذهبنا لأمريكا وأخذنا كل الفحوصات والتحاليل ونتائج المحاولات السابقة وبدأنا مرحلة جديدة من العلاج الطويل الممل دون جدوى .

تحملت سارة خلال هذه السنة ما لم تكن تستطيع تحمله من أدوية وعلاجات غريبة لم نألفها في عالم الطب من قبل فقد قابلنا في أمريكا بعض الأطباء الذين كانوا يجرون اختبارات لأنواع علاجات جديدة في طور الاختبار ورغم تحذيري لها من أن العواقب ربما تكون كارثية قبلت سارة دون تردد أن تخوض تلك التجارب لكنها لم تنجح في النهاية وقررنا العودة لبيروت والبقاء فيها لأسبوع .

عدت لبيروت مع سارة ، وأنا أعرف أننا يجب أن نقرر ما يجب أن نفعله ، فسارة مصرة على أن لا تبقى معي إن لم تستطيع الإنجاب وأنا مصر على أن تبقى معي رغم كل الظروف ، كان كلانا يفكر في مصلحة الآخر دون أن نشعر بأننا نضحي من أجل بعضنا فهي تريدني أن أسعد بوجود أبنائي وأن لا تكون هي سبب حرماني منهم وأنا لا أريد أن أستغني عنها بعد أن عرفت أنها لا تنجب .

لم تفتح معي سارة موضوع انفصالنا وأنا في بيروت لكنها طلبت مني أن تبقى هناك لبعض الوقت فلم أمانعها لمعرفتي حاجتها أن تبقى بجوار أسرتها ولمعرفتي بمدى حاجتها أن تبقى بعيدة عني بعض الوقت لتفكر فيما ستفعل بعد عام كامل من  العلاج المرهق والممل .

عدت للدوحة ، ولم ينقطع اتصالي بها ،ولم تتوانَ هي بالاتصال بي والاطمئنان على حالي ، لكنها كانت تؤجل عودتها للدوحة كل مرة وتقول إنها محتاجة لمزيد من الوقت ولا أعرف ما المدة التي تحتاجها وهي بعيدة عني ؟ .

زارتها نورا في تلك الفترة وكانت تحمل لها حلاً غريباً كنت أعرف أن سارة لن تقبله بأي شكل من الأشكال فقد اقترحت نورا اقتراحاً غريباً عندما عرفت حرمة أن تبقى المسيحية مع زوج مسلم يتزوج من امرأة ثانية فقد اقترحت أن تعلن سارة إسلامها وكنت أعرف ردها على هذا الاقتراح قبل أن تطرحه نورا عليها فسارة لن تقدم على شيء هي غير مقتنعة به فما بالكم لو كان هذا الشيء يتعلق بعقيدتها التي تعتز بها ، نعم هي معجبة بكثير من تعاليم الإسلام إلا أنها لم تقتنع أن تعتنقه .

جاء ردها قاطعاً في هذا الجانب بل قالت : لنورا إنها حتى لو أسلمت فلن تقبل أن تعيش معي وأنا مرتبط بزوجة غيرها ، وتحدثت معي في هذا الجانب ، فأخبرتها أني أبلغت نورا بمعرفتي المسبقة بردها تقبلت الأمر لكنها بعد هذه المحاولة بدأت تبتعد عني أكثر فأكثر فبدأت تغلق هاتفها كثيراً مما اضطرني أن أذهب إلى بيروت لحل هذه المشكلة ، وطلبت من والدها ووالدتها أن يكونوا متواجدين في الحوار لعلهم يقنعونها بالعدول عن قرارها الذي تصمم عليه .

تحاورنا كثيراً وتجادلنا كثيراً ، وكان والد سارة مرناً معنا لأبعد الحدود على عكس ما كان عليه سابقاً ، فكان يضغط عليها لكي تغير رأيها أو تؤجل قرارها لكنها كانت مصممة على الانفصال ، عدت للدوحة بعد رحلتي القصيرة لبيروت ، لكن لم يطب لي العيش وسارة بعيدة عني ، فعدت لها بعد يومين من سفري تفاجأت حين رأتني فطلبت منها أن نتحدث في موضوع انفصالنا وحاولت أن أحيي في نفسها ما تحمله لي من حب وقد نجحت في هذا الجانب لكن ليس نجاحاً كاملاً نجحت في أن تؤجل سارة قرارها لشهر ننفصل بعده فقبلت ما اتفقنا عليه واشترطت عليها أن لا تتركني في تلك الفترة أبداً فقبلت .

سارة

     كان ما مررت به خلال العام الأخير مرهقاً جداً فخالد كان مصمماً على أن يبذل كل جهده معي وأن لا يكون مقصراً في شيء ، لاحظت هذا جلياً في كل تصرفاته كان يحاول أن يطيل مدة العلاج وكنت مسرورة بذلك وربما خفف عني اهتمام خالد الكثير من همومي وضيقي ، لكني رغم المحاولات الجادة التي بذلت كان لدي شعور أن هذه المحاولات لن تنجح أبداً لكن أردت أن أستمر للنهاية لأثبت لنفسي ولخالد أن لا فائدة من المحاولات الوهمية التي نقوم بها وأن الأمور بدت محسومة خصوصاً بعد مغادرتنا لندن متجهين لأمريكا .

تكبد خالد الكثير من العناء في تلك الفترة فقد كان بين نارين نار متابعة علاجي وحالتي النفسية السيئة وعمله الذي تركه لمدة عام لكنه كان يغادر في كل شهر لمدة أسبوع تقريباً ويعود مجدداً ليبقى معي أعجبني إصراره على العلاج وتحمله كل هذه المشقة لأجلي وتمنيت أن أتمكن من إسعاده لكن كنت عاجزة عن ذلك فالأمر ليس بيدي ، ولو كنت أستطيع لما بخلت عليه بشيء يحتاجه أبداً .

وفر خالد كل وسائل الراحة لي ولوالدتي في تلك الفترة العصيبة لم يبخل علي ولا على أمي بأي شيء كما رفض أن أصرف درهماً واحداً من أموالي لأي سبب من الأسباب حتى لو كان أمراً شخصياً أرغب في اقتنائه ، كانت والدتي كذلك مهتمة كثيراً وكانت تنظر لخالد ليس بعين الرضا فقط بل كانت تشفق عليه لما كان يفعله من أجلي وتذكرني بمدى حبه لي .

بقينا عاماً كاملاً خارج الدوحة ، وعندما استنفدنا كل السبل قررنا العودة فطلبت من خالد أن نعود لبيروت لأني محتاجة أن أبتعد عن أي شيء يذكرني بمسؤوليتي كزوجة لم تستطع أن تحقق حلم الأسرة السعيدة لزوجها ، عدت لبيروت بقيت في منزل أبي ورفضت أن أعود مع خالد وأظنه فهم أني المسألة في مراحلها الأخيرة ، وأن انفصالنا بات مسألة وقت لا أكثر ، فلم يعارضني في مسألة بقائي في بيروت بل تركني أستريح هناك ولم يضغط علي لأعود للدوحة .

كنا نتحدث كثيراً عن طريق الهاتف وعبر وسائل الاتصال الأخرى حاول خالد بعد فترة أن يقنعني بالعودة للدوحة دون فائدة فلم أستجب لكل توسلاته بل فضلت البقاء بعيداً عنه حتى تنتهي المسألة ، إلى أن جاءت السيدة/نورا لبيروت وتحدثت معي كان الأمر مضحكاً عندما طلبت مني أن أعتنق الإسلام فلا يضطر خالد أن يتركني لو أراد الزواج بأخرى ولم تفكر نورا كيف لي أن أقبل حتى لو اعتنقت الإسلام أن يتزوج خالد امرأة أخرى وأنا على ذمته ، فرفضت طلبها من واقع أني أرفض أن يكون لي شريكة في زوجي وليس لدي مشكلة مع الإسلام كدين فكثير من مبادئ الإسلام تعجبني لكن أن أسلم لأن خالد يريد أن يتزوج بامرأة أخرى تنجب له أطفال فهذا لا يعتبر قناعة بالدين بل يعتبر تحايلاً للوصول لرغبات وأهواء شخصية نـحـققها بشكل ديني .

مر بي الشك في أن خالد طلب منها ذلك الأمر لكن خالد إنسان متفتح ، ولم يرغمني منذ أن عرفته على أي شيء لا أقتنع به فكيف يريد أن يرغمني على أن أسلم وأغير ديني الذي أقتنع به ، أردت أن أقطع الشك باليقين ، فاتصلت بخالد وأخبرته بما جاءت نورا من أجله ، فأخبرني أنه عرف بالموضوع وأخبرها بأني لن أقبل هذا الاقتراح أقنعني حديثه ، لأني أعرف طريقة تفكيره ومبادئه التي يتمسك بها فخالد محاور ممتاز وصاحب أسلوب مقنع لو أراد أن يقنعني بالإسلام ، لحدثني في وقت مناسب أكثر للحديث في هذا الموضوع دون أن يجعل بيننا وسيطاً يتحدث باسمه .

حاولت بعد ذلك أن أبتعد عنه أكثر فأخذت أقلل من عدد اتصالي ثم بدأت أغلق هاتفي المحمول لفترات فلم يعجبه هذا الأمر وجاء لبيروت وطلب أن يتحدث معي بحضور والدي ، وكان الأمر المثير أن أبي كان يدافع عنه باستماته لدرجة أنه رجاني ذات ليلة أن أبقى مع خالد وقال : إنه لا يستحق كل هذا الألم الذي سببته له ولم أستجب لتلك الدعوات بل كانت الأمور واضحة لدي .

غادر خالد بيروت لكنه فاجأني بعودته بعد يومين وطلب مني أن أجلس معه وكان لقاؤنا في منزلنا بعيداً عن أسرتي ، تحدثنا كثيراً عن حياتنا وما جرى بها وعن قراري ، لم أستطع مقاومته في ذلك اللقاء رغم أني لم أتركه يقترب مني منذ عودتنا من الولايات المتحدة كنت مشتاقة إليه كثيراً أقنعني بعد أن قضينا وقتاً ممتعاً في الفراش أن ننهي علاقتنا بوقت سعيد نقضيه سوياً ، لكي لا يكون افتراقنا مصدر ألم وحزن بل تكون خاتمته بشهر نقضيه سوياً كما لوكنا في شهر العسل الأول ، لم أستطع أن أعارضه فوجوده بقربي أثار بي كل شجون الحب والعواطف التي يملكها في قلبي فقبلت فاشترط أن لا أتركه في تلك الفترة أبداً فقبلت وهذه أمنيتي أن لا أتركه أبداً ، ولأني أحبه وأريده أن يحقق كل أحلامه وأن يرزق بالطفلين اللذين حلم بهما طوال عمره ، ولم يتحقق حلمه مع زوجته السابقة ولا معي .

عدت معه في اليوم التالي للدوحة لينجز بعض الأعمال هناك وغادرنا بعد يومين زرنا دولاً كثيرة وكانت الرحلة بمجملها مغامرة جميله عدنا بعدها لبيروت لم يحاول أن يثنيني عن رأيي ولم يطلب مني التأجيل أكثر بل تركني أفعل ما أريد فذهبنا وأنهينا كل الإجراءات المتعلقة بالطلاق وعاد للدوحة .

إن قلت لكم لا أشعر بغصة من فراقه فأنا كاذبة ، وإن قلت لكم إني لا أحبه فلا يجب أن تصدقوني لأني حين غادر خالد بيروت غادر قلبي مع ذلك الحبيب الذي لو حلمت أن يحبني شخص بقدر حبه الذي رأيت لكانت أحلامي وأمنياتي كلها عاجزة فما أعطاني إياه خالد أكبر وأكثر مما تتمناه أي امرأة على وجه الأرض .

أردته أن يرحل بسلام دون قيود ، أردته أن يكون حراً في كل شيء وهو بعيد عني ، أعرف أنه سيعاني بعد فراقنا ربما أكثر مما سأعاني أنا لكنه في النهاية سيجد ما يشغله عني وعن الجميع سيجد أبناءه الذين تمناهم وسأبقى أنا وحدي تحيطني الوحدة والذكريات من كل جانب ، فذكرياته على قدر ما حاولت أن أمحوها لم أستطع فهو في منزلي وعملي وقلبي ، وحتى جسدي الذي لم أرغب في أن يمسه إنسان بقدر ما رغبت أن يمسه خالد الذي أحببته من كل قلبي .

عذاب للمرأة أن تحب من كل قلبها وعذاب لها إن وجدت رجلاً يحبها من كل قلبه إن افترقا يصبح الجرح مضاعفاً فلا تستطيع أن تحمل من تحب مسؤولية ذلك ولا تستطيع أن تتنكر لحبه ولا أن تمحوه ولا أن تتجاهله بقيت أماني كما هي أتمنى مقابلته ولو بالصدفة ، وتدفعني نفسي لأن أحدثه ، وهو كذلك كان يحدثني باستمرار بل ويزورني ويخرج معي حين يكون في بيروت ، وقد عرفت في لقائنا الأخير أنه رزق ببنت سماها عائشة على اسم زوجته الأولى سرني ذلك كثيراً وهنأته بقدومها .

خالد

     عادت معي سارة للدوحة كانت سعادتي لا توصف ، أعرف أنها سعادة محدودة ستنتهي بعد شهر ، لكني كنت محتاجاً لأن تكون بجواري ولو ليوم واحد ، فمنحتني شهراً تقضيه معي سافرت معها في جولة حول العالم وامتد الشهر ليكون شهراً ونصف الشهر مرت كأنها يوم واحد عادت بي الذكريات لأيامنا الأولى التي كنا لا نفكر في شيء سوانا أنا وهي ، كانت الأيام الأولى من الإجازة ممتعة وكانت الأيام الأخيرة يشوبها الحزن ورغم ذلك كان كلانا حريصاً على أن يبقى مع الآخر وبعد نهاية الرحلة عادت سارة لبيروت وبدأنا إجراءات الطلاق ، حاولت قدر استطاعتي أن يكون انفصالنا سلساً وأن تبقى علاقتنا طيبة بعد الانفصال ، وكان ما أردت ومن ناحيتها كانت سارة حريصة على أن تبقى علاقتي بها طيبة التقينا عدت مرات في بيروت قضت سارة أحياناً النهار كاملاً معي طبعاً لم يكن بيننا بعد الانفصال تلك العلاقة الحميمة بين العشاق لكننا بقينا أصدقاء .

أحبها لا أستطيع أن أنكر ذلك ولم أستطع الزواج بعد أن انفصالنا مباشرة بل استغرق الأمر سنتين كانت نورا هي التي اختارت لي زوجتي الحالية وكنت صريحاً معها فأخبرتها بكل شيء ومدى حبي لزوجتي السابقة وسبب انفصالي كما كنت صادقاً معها بأني لن أقطع علاقتي بسارة حتى لو تزوجتها كان الأمر ملتبساً عليها في العام الأول ، لكنها تقبلت ذلك فيما بعد وقد قابلنا سارة في باريس وعرفتها بها فلم تبدِ اعتراضاً مع بعض الغيرة . وتأكدت خلال لقائنا أن ما بيني وبين سارة الآن لا يتعدى الصداقة والإخوة ، حين طلبت منها أن أسمي ابنتي عائشة على زوجتي الأولى  كانت حكيمة ، فوافقت ، لكنها قالت : تحيطني بذكرياتك السابقة لكني أتمنى أن تحبني كما كنت تحب زوجتك الأولى .

رغم أني لم أستطع أن أكون مع زوجتي كما كنت في السابق مع سارة ، ولم أستطع أن أنزع ذكرى محبوبتي السابقة من قلبي إلا أني احترمت زوجتي وأخلصت لها لكن قلبي لم يتمكن أن ينسى ما مر به من تلك العلاقة العنيفة التي جمعتني بسارة فكنت أحياناً أذهب لبيروت لكي أبقى معها لبعض الوقت تقول كل مرة : ستدمر حياتك ، لكني لم أكن أصغي لما تقول وأعيد الكرة في العام مرة أو مرتين ، وعندما تعاتبني كعادتها أقول لها : لم يبقَ بيننا إلا لقاءاتنا البريئة فلا تحرميني من بقايا حبك ، كانت تضحك وأعود للدوحة من جديد لبيتي وزوجتي وابنتي .

 

رواية التقينا .. الفصل السابع والأخير ..

الفصل السابع والاخير

خالد

أعرف أن سارة صدمت لما قلت تلك الليلة لكنها تقبلته رغم ذلك تقبلته أو بمعنى أصح قبلت أن أخرج من نطاق الحبيب إلى نطاق الأخ الأكبر إلا أني أعود كما التقيتها أول مرة لكني لا أجد في نفسي الرغبة لكي أكون في هذا الموضع الذي حددته لنفسي وقبلته سارة فلا زلت أحبها لقد احتضنتها بشوق كبير حين بكت في غرفة المكتب وكان ذلك خارج سيطرتي إلا أني تحكمت في انفعالي ولم أتمادى في الأمر .

بعد تلك الليلة تجنبت اللقاء بسارة أو التحدث إليها وقد لاحظت ذلك ، فتجنبت بدورها اللقاء والتحدث معي ، لكن كنت أتقصى أخبارها في الشركة من خادمها الخاص وفي سكنها من الحارس الذي يخبرني إن خرجت سارة في وقت غير الوقت المقرر لخروجها أو الزيارات التي تستقبلها في شقتها ، وإن أتيحت لي الفرصة أن أعرف أخباراً أخرى لا أتوانى في ذلك وكانت نورا مصدر أخبار مهم لدي لأعرف كل ما أريد ، ومع مرور الوقت أصبحت سارة صديقة حميمة لنورا بل أصبحتا كالأختين تسافران سوياً وتعملان سوياً وتخرجان سوياً .

وقد قالت نورا إن سارة أخبرتها بكل شيء يتعلق بنا وبما تسبب في افتراقنا ، حاولت أن تقنعني أن ما حصل جرى رغماً عن سارة وأنه يجب أن تعود علاقتي بها إلى وضعها الطبيعي إلا أنها لم تجد مني القبول فتقول لي كل مرة أسألها عن أخبار سارة نفس الجملة ( تحبها وتبحث عن أخبارها وتريد أن تعرف كل شيء تفعله ولا تريد أن ترتبط بها أنت مجنون ) وهي محقة فيما تقول ، فأنا مجنون بتلك المرأة لكن في نفسي شيء يمنعني أن أرتبط بها أعيد الأسباب لما جرى فأجد أنه يمكن أن يحدث وينسى لكن كبريائي كان يمنعني أن أعود لامرأة أبعدتني عن حياتها بتصرفاتها الخاطئة .

مرت الأيام بعد ذلك بطيئة ، لكنها تسير ولا تتوقف ، وربما مرت بسرعة في حياة سارة بسبب العمل المتواصل لكن بعد أسبوع بدأت تأتيني أخبار تزعجني فقد عرفت أن محامي الشركة بدأ يتودد لها ويزورها في مكتبها بشكل متكرر ويطيل الجلوس معها إن سنحت له الفرصة ، وفي الأسبوع التالي ، عرفت أنها تلقت منه دعوة للعشاء أخبرتني نورا بذلك كانت تريد أن تستفزني وتثير مشاعري فكنت بارداً وأنا أتلقى الخبر لكني تبعت سارة في تلك الليلة وعرفت أين ستتناول العشاء ؟! .

انتظرت حتى خرجت من المطعم ورأيتها برفقة المحامي وهي تتوجه لسيارتها وترحل ، رغم محاولتي أن أتعاطى مع الأمر ببرود ولا مبالاة إلا أني لم أستطع أن أتحمل ذلك ، وبعد ربع ساعة من خروج سارة من المطعم اتصلت بها وطلبت مقابلتها فاعتذرت واستأذنت ، وأنهت المكالمة إلا أنها بعد دقائق عاودت الاتصال بي وأخبرتني بأنها ستأتي لمنزلي لتشرب القهوة معي ، وجاءت بالفعل حاولت أن لا تشعر سارة بضيقي أو معرفتي بما جرى وقد فشلت في ذلك وسألتها عن طبيعة علاقتها بالمحامي فضحكت في البداية ، ثم قالت : إنه يتودد إلي منذ فترة  ، سألتها : وأنتِ هل تتوددين إليه ؟ فأجابت بسخرية واضحة من سؤالي فقالت : وما يهمك في هذه المسألة ؟ هل ستقول إنك أخي الكبير الذي يخاف علي ويراقبني ؟ لقد رأيت سيارتك وأنا في المطعم كنت تنتظر في الخارج أليس كذلك ؟ هززت رأسي بنعم فتابعت كلامها : لم يعجبني المحامي ولم يرق لي لقاؤه بالأساس لكن إلى متى سأبقى أعمل وأجتهد دون راحة دون أن أجد شخصاً يهتم بي ويلاطفني ، في النهاية أنا امرأة إن لم أكن أحب أن أتزوج فأنا في شوق أن يكون لي طفل على الأقل  أليس ذلك من حقي ؟ نعم أنا أخطأت في حقك خطأ لم أغفره لنفسي ولم أطلب منك أن تغفره لي لكن إلى متى سأبقى على هذا الحال عزباء ؟! .

كنت أستمع إليها وأتأمل ملامحها كانت جادة فيما تقول ولها الحق كل الحق ، ولكن لمَ ، لم أفكر مثل هذا التفكير لم أبحث عن زوجة ولا حبيبة ، هل ستكون حياتي ناجحة أم ستكون الزوجة المقترحة جزءاً من ديكور المنزل أو لوازمه ؟ هل تريد سارة أن تكون جزءاً من ديكور منزل ذلك المحامي أو ربما العكس ؟  هل سيكون هو ديكور رجل في منزلها وشركتها ؟ هل تستطيع أن تعيش معه لمجرد أنه رجل ولا تشعر تجاهه بأي عاطفه ؟ لقد جربت ذلك الأمر مرتين ولم تنجح ، بدأت احاججها فيما تقول وبدأ صوتها يرتفع طلبت منها أن تهدأ فلم تهدأ ، قمت من مكاني وجلست بجوارها وأخذت أرجوها أن تهدأ فصرخت في وجهي ، وقالت : ماذا تريدني أن أفعل ؟ هل تريد أن أبقى أنتظرك طول حياتي ؟؟  ابتعد عن حياتي أرجوك ابتعد .

خرجت سارة بعد ما قالت ولم تلتفت إلي وفي اليوم التالي تحدثت مع نورا وأخبرتني بأن سارة ترغب في فض الشراكة وهي جادة في طلبها فاتصلت بها ورجوتها أن لا تتسرع في هذا القرار بالذات ، لكنها رفضت ما أقول وأنهت المكالمة ، حاولت نورا أيضاً لكنها أفلحت فيما لم أفلح فيه أنا فقد أقنعتها أن تأخذ إجازة تستريح فيها قليلاً ثم تقرر ما تريد وحينها لن يقف أحد في وجه قرارها ، وقد فعلت سارة ما تم الاتفاق عليه مع نورا وغادرت في نفس اليوم .

اتصلت نورا بي في ذلك اليوم وطلبت أن أحضر لمكتبها ففعلت ما طلبت وعندما دخلت دعتني للجلوس وطلبت لي عصير ليمون بارد ، ثم قالت : ماذا تريد من سارة ؟ سكت ولم أجب فأعادت السؤال : ماذا تريد منها ؟ قلت : كل شيء سعادتي قلبي حبي ، ردت بعنف : أنت لا تعرف ماذا تريد ؟ كل شيء بيديك وترفض أن تأخذه ، حاولت أن أتكلم لكنها طلبت مني أن أصمت لكي تنهي حديثها فقالت : أعرف أن سارة جرحتك لكنها استحملت كل نتائج خطئها الأول مع أنطون وتزوجته وكانت تعيسة معه لأجل أن لا تخدعك ثم تركته أيضاً بسببك ومن أجلك ، أخبرني كم مرة حاولت أن تتصل بها من بعد أن تزوجت أنطون ؟ قلت : لأنها تزوجت لم أتصل بها ، ردت علي بعنف : تعرف أن هذه الأعراف ليست موجودة في المجتمع اللبناني بل هذه حواجز أنت وضعتها بينك وبين من تحب أجبني هل حاولت أن تعرف لماذا تركتك سارة ؟ سكت ولم أجب فأكملت : لم تحاول أن تعرف حتى أخبرتك هي بما جرى ، لقد تركتك سارة وأنت محق ، إن هذا شيء يجرح النفس لكنك لم تحاول أن تعرف سبب ذلك ولم تحاول أن تعرف ألمها أو ما تعانيه من مشاكل أو ضيق بسبب غلطة لم تكن هي المسؤولة عنها بالكامل ، دفعك كبرياؤك للرحيل للعزلة ، لمتع لم أعرف أنك كنت تفعلها من قبل .

أسمح لي أن أقول لك أنت تتحمل جزءاً من المسؤولية لماذا لم تنتزعها من أحضان والديها من البداية ؟ إن كنت تحبها بهذا الشكل المجنون أنت سمحت لوالدها أن يكون له سلطة في قرارها ، وأنت سمحت لأنطون أن يدخل حياتها ، وأنت سمحت لنفسك أن تخلدها كصنم لا حبيبة ، فلا تحملها كل المسؤولية ؟ لأنك تظلمها بهذا التصرف .

خرجت من مكتب نورا دون أن أتركها تسترسل أكثر ذهبت بعدها لمنزلي ، ولم أتمكن من النوم حتى تناولت أقراصاً منومة ورغم ذلك لم أنم إلا أربع ساعات فقط ، استيقظت بعدها ولا زالت كلمات نورا ترن في أذني كأنها قالتها للتو ، وقد نويت السفر لبيروت فاتصلت بمكتب السفريات وسألته عن أقرب طائرة متوجهة للبنان فأخبرني أنه بعد ساعتين طلبت منه أن يحجز لي تذكرة ونهضت ، جهزت حقيبتي قبل أن أغسل وجهي وارتديت ملابسي وتوجهت لمكتب السفريات أخذت التذكرة وغادرت  الدوحة .

وصلت بيروت عصراً ، أجرت سيارة وتوجهت لمنزل سارة ، طرقت الباب فتحت والدتها سألتني : ما بها سارة ؟ قلت : لا شيء أين هي ؟ قالت : في غرفتها ، استأذنتها بأن أذهب إليها فأشارت إلى باب في نهاية الممر توجهت له طرقت الباب فسألت : من ، لم أجبها بل عاودت الطرق مجدداً ففتح الباب لم أنتظر أن تقول شيئاً ضممتها بكل ما أملك من قوة وقلت : أحبك ، لم تحرك سارة ساكناً بين ذراعي بل تركتني حتى أرخيت يدي من حولها فذهبت ، وجلست على السرير ، وقالت : هل أتيت لتقول لي  أحبك ؟ أنا أعرف أنك تحبني دون أن تقول ذلك ، سكتت ثم سألتني : لماذا أتيت لبيروت ؟؟ .

تحركت من جوار الباب الذي كنت أستند إليه ووقفت على ركبتي لأواجهها وأمسكت يدها وأجبتها : جئت من أجل أن آخذك بكل شيء بماضيك وحاضرك جات لتبقي معي للأبد ، حاولت أن تتكلم فوضعت يدي على فمها بلطف لكي لا تقول شيئاً ، فسكتت وأخذت عيناها تدمعان ، لا مست وجهها بلطف واقتربت منها وقبلتها ما أجملها ذكرني ارتخاء شفتيها بذلك الشوق الذي كانت تقابلني به سابقاً ، ابعدت شفتاي عنها فنظرت إلي وابتسمت فقلت لها : هل تقبلين أن تتزوجيني ؟ ابتسمت وهزت رأسها بنعم ، شددتها من يدها وذهبنا لوالدتها فأخبرتها بأني أرغب في الارتباط بسارة  فقالت : ألف مبروك ، أخذت سارة بعد ذلك وخرجنا .

طلبت مني سارة أن لا أتكلم مع والدها تلك الليلة بل ستتحدث هي معه أولاً ، وقد أخبرتني بعد ساعة من عودتها للمنزل بأن والدها ليس لديه مانع من الخطوبة ، فذهبت لمكتبه في الصباح ، وطلبت منه سارة رسمياً ، فأخبرني بالموافقة وقال : هذا قراركم لم يكن وجهه يحمل أي تعبير بل كان بارداً بشكل يشعر من يسمعه أنه وافق رغماً عنه كنت سعيداً بذلك رغم بروده ذهبت وقتها لسارة وأخذتها معي لتختار  دبلتها ووضعت اسمي عليها ، وكذلك فعلت أنا ، اتفقنا على حفلة زفاف عائلية يضم عدداً محدوداً من أفراد عائلتها والأصدقاء وأن يكون حفل الزواج بعد أسبوع من اليوم .

سارة

     كان الخاتم جميلاً في يدي ، وهذه أول مرة أشعر أن خاتم خطوبتي مهم ، بل أول مرة أشعر أنه جزء مني ، ارتديته مرتين من قبل فكان خاتماً قيماً بثمنه فقط ، لكنه الآن قيم في ثمنه وقيم بمن اشتراه لي ، لم أتوقع أن تكون سعادتي هكذا حين يخطبني خالد ففي السابق رسمت الأحلام ووضعت كل شيء أريد أن أفعله في حفل زفافي لكن اليوم اتفقنا أن يكون حفل الزفاف بسيطاً ومدعووه قليلين لكني أملك من السعادة والفرح ما يملأ الكون وما يجعل نفسي ترقص طرباً .

كانت أحلى مفاجأة يفاجئني بها خالد منذ عرفته ، فتلك الطرقات التي سمعتها على باب غرفتي عرفت أنها شبيهة بطرقاته ، لكن استبعدت بكل الأشكال أن يكون هو الطارق فما الذي سيجعله يأتي لفتاة كانت أمامه منذ يوم ولم يحرك ساكناً تجاهها ، بل تركها ترحل ما الذي سيجعله يأتي لفتاة اختارت غيره في السابق وتركته ؟ لكن كل التوقعات انهارت بعد أن فتحت الباب لم يترك لي فرصة لأتكلم بل سارع لاحتضاني كان جسده دافئاً بما يكفي لأشعر بحبه كان دافئاً لدرجة أنه جعلني أرخي يدي ولا أقاومه وعندما تركني شعرت أن قدماي لا تحملاني فتوجهت للسرير لأجلس كنت أكذب نفسي في وجوده ، لم أساله لأني أشك في حبه لي في تلك اللحظة بل سألته لأؤكد لنفسي أنه جاء من أجلي ، فأثبت لي بكل ثقه أنه يريدني بكل عيوبي خفت عندما وقف على ركبتيه وقابلني ، لكنه خوف تحول بسرعة لأجمل شعور شعرت به في حياتي تجاه إنسان .

مر اليوم معه كالبرق أو أسرع ، توالت الساعات برفقته كالدقائق بل كالثواني كم اشتقت لأن أكون بجواره وأن يلاطفني كم اشتقت أن أجلس بجواره مجدداً وأنا حبيبته  ، حين كنت أراه في الدوحة لكن ذلك لم يحدث هناك لأنه على ما يبدو أن قراراته الحاسمة بشأن علاقتنا لا تنفذ إلا في بيروت ، أنساني وجوده أن أتصل بنورا لأخبرها بما جرى ، وأن أدعوها لحضور حفل زواجنا فاتصلت بها قالت فور أن أجابت : لقد تأخرتِ يا عزيزتي تم حل الشركة وخالد سافر للمكسيك ، ضحكت من كل قلبي حينها فقالت : ألف مبروك كنت أتمنى أن أكون موجودة في هذه الأوقات السعيدة لكي أشاكسكم ، طلبت مني أن أخبرها بكل التفاصيل ، فأخبرتها بكل شيء كانت سعيدة وقد وعدتني بأن تحضر هي وزوجها حفل الزفاف في نهاية الأسبوع .

مرت الأيام سريعة ، وخالد ذلك المزعج تدخل في كل شيء : في فستان زفافي في إكسسواري ، كنت أصرخ فيه : يجب أن لا ترى ما أشتري للزواج لكنه لم يستمع لطلبي بل لم يتركني وحدي ذلك الأسبوع  ، فكنا نلتقي من الصباح حتى ما يقارب منتصف الليل ونتناول وجبات الطعام كلها سوياً .

يوم زواجنا كان الحفل أنيقاً وبسيطاً ، حضره عدد لا يتجاوز الخمسة وعشرين مدعواً فقط ، كانت والدتي مسرورة جداً حتى أنها رقصت معي ، أما والدي فأخذ الأمر بجدية بالغة لكنه التزم الصمت وجلس بعيداً في طرف القاعة ، حضرت نورا مع زوجها الذي لم أره في فترة وجودي في الدوحة ، باركت لي وقدمت لي هدية لكن الهدية الأجمل التي تلقيتها بمناسبة زواجي كانت من خالد كان عقداً به أحجار كريمة وقطع من الماس كنت قد رأيته معه قبل أن ألتقي أنطون بعدة شهور فاجأني بأنه اشتراه واحتفظ به لهذه المناسبة .

غادرنا بيروت في الثانية عشر مساءً أخذني لليونان بقينا هناك لمدة أسبوع ، مر كأنه ساعة من الزمن ، لم أتوقع أن تكون سعادتي مع خالد لهذه الدرجة فكان كل شيء مختلفاً حين تزوجت الشخص الذي أحبه لم أشعر أني تزوجت بغيره ، فالمتعة التي وجدتها مع خالد تختلف كثيراً عن سابقاتها ، نعم الحب الذي بيننا جعل كل شيء جميلاً لدرجة أني لم أشعر بالوقت ولم أحسب حسابه .

عدت معه للدوحة لمنزله لا ، لا بل لمنزلنا الذي دخلته ضيفة في السابق وها أنا الآن أصبحت ربة المنزل أعرف أن كل شيء فيه يخصني وصمم من أجلي ، فلم أغير فيه شيئاً مطلقاً ، بل كنت حريصة كل الحرص على أن يبقى كل شيء فيه كما هو لأن كل شيء يذكرني بمدى حب خالد لي ، وما فعله من أجلي ، وما عاناه في سبيل الاقتران بي  .

خالد

     توجهنا للقاعة بعد أن أتممنا عقد الزواج ، القاعة الصغيرة الأنيقة والحفل الهادئ الذي رتبنا له بسرعة ، والمدعوون القليلون الذين حضروا للحفل لا يتجاوزون الخمسة والعشرين ، كان كلهم من أقارب سارة ولم يحضر من الدوحة سوى نورا وزوجها ولم يطيلوا الجلوس في الحفل ، وكذلك فعل أغلب المدعوين ، فأخذت زوجتي بعدها وتوجهنا للمطار كان بودي أن أغادر لمكان لا يوجد به أحد سوانا ، لكن الوقت لم يسعفنا هذه المرة ، فكانت اليونان هي المحطة الأقرب والأجمل في تصوري .

كانت ليلتنا الأولى حميمة بكل المقاييس ، فالعواطف التي نـحـملها لبعضنا دفعتنا لكل ما نتمنى وما نشتهي جميلة سارة في كل تفاصيلها وجميلة هي مشاعرها وعواطفها الجياشة ، كان الليل والنهار يتواليان علينا دون أن نـحسب حسابهما وتمر الساعات كالدقائق سريعة فلا شيء في الكون سوانا أنا وهي ، وكل الأحلام التي مرت بخيالي منذ أن قابلتها ، شاركتني سارة الأماني والأحلام شاركتني فراشي الذي كنت أتمنى أن أراها فيه منذ ثلاث سنوات ، عدنا للدوحة بعد أسبوع قضيناه في اليونان وعادت سارة لمنزلي دعوني أقول منزلنا الذي لم تحرك فيه أي شيء ولم تغير فيه أي شيء .

بعد الزواج لم تهتم سارة كثيراً بالعمل بل اهتمت بشؤوني كثيراً فلم آتِ للمنزل في المساء إلا ووجدتها قد أعدت كل ما يريح نفسي ويهدئ أعصابي ويزيل عني عناء العمل ، تركت عملها في الفترة المسائية نهائياً وإن اضطرت للعمل في تلك الفترة كانت تؤديه في مكتبها في الطابق العلوي ، مرت السنة الأولى كالحلم مرت مرور السحاب ، لم أشعر بالوقت وهو يتدفق من بين يدي فكان عملي مريحاً وبيتي مريحاً وحبيبتي في منزلي تنتظرني بشوقها الذي لم ينقطع ولم يقل .

وجود سارة معي أراحني نفسياً وانعكست راحتي على عملي فركزت أعمالي في قطاع العقارات والإنشاءات وذلك بسبب الانتعاش العقاري الذي تميزت به قطر في تلك الفترة ، تكللت كل أعمالي بنجاح باهر ، حتى إني أستطيع القول : إني لم أخسر في أي مشروع أقمته في ذلك العام  ربما جاءت الأقدار متوافقة مع وجود سارة معي فانعكس ذلك الوجود على حياتي بالسرور والفرح .

حاولت قدر استطاعتي أن أكون مع سارة وأن أرضيها في كل شيء ، وأقسم إن شئتم أن أقول : إنها لم ترهقني بطلب ولم تلح في أي موضوع تريده : ولم تنزعج من انشغالي في أغلب الأحيان بل كانت ترسم لي حياتي بهدوئها ومرحها وقد تأثرت سارة بالمحيط الذي عاشت فيه ، وبما أنها شخصية اجتماعية ناجحة وزوجة رجل أعمال معروف ، كونت سارة علاقات كثيرة مع نساء قطريات بل أستطيع القول إن أغلب صداقاتها في تلك الفترة من القطريات فكانت تحضر أعراسهم وتشاركهم مسراتهم وأحزانهم ، وكانت مسرورة بما هي فيه ، كانت نورا صديقة العائلة التي كنا نمنحها كل الثقة والاحترام والتقدير كأخت كبرى ، وكانت هي كذلك بالفعل تسعد عندما نزورها وتسعدنا بزيارتنا في منزلنا باستمرار بل كان لقاؤنا معها هي وزوجها يتكرر بشكل دوري كل شهر تقريباً .

كان تأثر سارة بمحيطها تأثيراً إيجابياً في حياتها الاجتماعية والعملية ، أما من الناحية الاجتماعية فقد حرصت سارة على أن تلغي كثيراً من عادات المجتمع اللبناني من سهولة تكوين الصداقات العامة أقصد تجاه الرجال فاقتصرت معارفها على النساء فقط ، ما عدا الأشخاص الذين تربطهم بنا علاقات صداقة أسرية ، وقد فعلت ذلك دون أي توجيه مني بل من قناعتها ومعرفتها بمجتمعنا الخليجي المحافظ .

لم تكن سارة بعيدة عن دينها المسيحي بل كانت متمسكة به ، لكنها لا تحاول أن تضع أي رمز ديني أمامي بل كانت تحتفظ بتلك الرموز في أدراجها حفاظاً على مشاعري ومشاعر صديقاتها المسلمات اللاتي كن يزرنها في المنزل باستمرار ، بل كنت أستغرب منها للباقتها في ذلك الجانب ولحفظها الوقار والاحترام للدين الاسلامي ، حتى إني شككت أنها أسلمت ، لكن عندما سألتها قالت إنها تعتز بديمها المسيجي وتعتز أنها متزوجة من مسلم يعتز بدينه .

من جانبي كنت حريصاً على مشاعرها الدينية لكن ذلك لم يمنعنا من النقاش في بعض الجوانب التي تلامس حياتنا وما يجب أن نلتزم به في الدين من قبلي وقبلها ، فكنا نتناغم في أمور كثيرة وحتى إن وجد موضع اختلاف لم نقف عنده بل كنا نتجاوزه دون كثير نقاش أو جدل ، وسارت حياتنا على هذا النسق دون مشاكل ودون خلافات مؤثرة .

زارتنا والدة سارة في ذلك العام مرتين وكانت سعيدة في فترة تواجدها معنا ، بل شعرت أنها لا تحمل أي ضيق من كوني مسلماً ، أما والد سارة فلم يزرنا نهائياً ، وصادف في ذلك العام وجوده في مؤتمر مالي في الدوحة فدعته سارة لمنزلنا فلم يحضر فتضايقت كثيراً ، تحدثت معي في الموضوع ، فأقنعتها بعد جدل طويل أن تزوره في الفندق وتقضي بعض الوقت معه ، وقد فعلت ذلك وعادت وهي مرتاحة النفس إلا أنها كانت تحمل في نفسها شيئاً من الضيق تجاه والدها ، انعكس على تصرفها حين زارت بيروت فلم تذهب في اليومين الأولين لمنزل والدها ، لكنها راجعت نفسها بعد ذلك وذهبت إليه .

سارة

     لم تكن سعادتي بالمنزل ولا بالمال الذي كان خالد يعطيني إياه دون حاجة ، ودون طلب مني ، بل كانت سعادتي به أكبر من كل شيء وكذلك المجتمع الذي عشت فيه قبل أن أتزوج اكتشفت أنه مختلف كثيراً عندما اقتربت منه فرأيته من الداخل وكونت صداقات لا تعد ولا تحصى مع سيدات مجتمع وربات بيوت آنسات وسيدات ، أعجبني نمط الحياة القطرية ، فرغم أنه مجتمع يوصف دائماً بأنه مجتمع مغلق ، إلا أنه مجتمع مغرٍ يثير من يعيش فيه ويستهويه وقد استهواني بالفعل فأصبحت صداقاتي الكثيرة صداقات قوية ، وأصبحن لا يتركن لي مجالاً لكي أفارقهن فتعددت الدعوات وتعددت الزيارات حتى خفت أن يشغلوني عن خالد إلا أني لم ألحظ أي ضيق منه حين أكون عند صديقاتي أو أخرج معهن لأي مكان ما دمت أحافظ على أعراف البلد وتقاليده .

حاولت أن أرتدي الزي الخليجي وارتديته بالفعل لكن لم أجد نفسي فيه ، فتركته ولم يشر علي خالد بلبسه ، ولم يعارض حين تركته ، بل تركني أجرب ما أريد وكذلك فعل في كل شيء كنت أطرحه عليه أو أطلبه منه كان لطيفاً معي حتى في جانب الدين فحين يراني متضايقة من أمر يطلب مني أن أزور الكنيسة لأرتاح نفسياً ، وكان يضحكني بطلبه لأني كنت أظن أنه حين نتزوج سيقربني خالد بأي شكل من الأشكال للإسلام ، أو سيعرض علي أن أسلم ، فوجدته يأمرني أن أذهب للكنيسة رغم أني كنت أتهكم عليه حين يطلب مني هذا الأمر إلا أني كنت سعيدة بكلامه وبتصرفه في هذا الجانب الحساس في حياتي ، وكذلك عندما أناقشه في أمر ديني يناقشني بلطف واستغربت معرفته الجيدة بالدين المسيحي ومعتقداته .

كانت حياة الترف التي وضعني فيها خالد حياة ملكية بكل المقاييس من كوكبة الخدم في المنزل والسائقين والسيارات التي أركبها والهدايا الثمينة التي يهديني إياها مع كل صفقه أو كل رحلة يقوم بها حتى عندما كنا نذهب للبنان ، كان يحرص أن يكون البريستيج الذي أحظى به هناك لا يقل عن الدوحة أي أنه عاملني كأميرة ، وكان كل ما يهمني من ذلك هو نفسه فشغفه بي وشوقه لي لم يتأثرا بوجودنا باستمرار معاً بل أشعر أن تعلقي به وتعلقه بي قد زادا كثيراً ولذته التي أشعر بها وهو يحتضنني لم تتغير وقبلاته لازالت متهورة كما هي في السابق ، ولا زلت لا أستطيع مقاومته حتى الآن .

كنت أحرص رغم كل مشاغل خالد وعلاقاتي التي أصبحت متشعبة أن تكون لنا لحظاتنا الحميمة التي تجمعنا فنسترجع الماض الجميل ، ونقطف ثمار الحب الذي جمعنا في منزل واحد كان الليل دنيانا المشتركة ، فيه نجلس نتحدث نضحك نلعب ، تركته يحبني بكل الطرق التي يريدها وتركني أحبه بكل الطرق التي أريدها لم يبخل أحدنا على الآخر ولم يمنع أحدنا الآخر من شيء يريده فكنا متحابين متفاهمين منسجمين لأبعد الحدود .

أردت أن أكون أنا ولا أحد غيري في قلبه فكنت أضع له ما يحب وأفكر فيما يسعده كما يفعل هو معي أحرص على إثارته واستمالته أحرص على أن أكون جميلة دائماً في نظره جميلة بما يحب مني وما يشتهي أضعه دائماً في المقام الأول ويضعني في المقام الأول ، كلما فكرت في شيء يسعده أجده قد فكر في شيء يسعدني به ، كان يحاول كل منا أن يسبق الآخر بما يفعل وما يقدم لكننا كنا نلتقي في نقطة مشتركة تجمعنا بكل الحب وكل الشوق وكل الود .

مرت السنة سريعة ، لم أشعر بأيامها وهي تنقضي ولم أشبع من خالد رغم وجودي معه لم يترك نظرته المتأملة التي ينظر لي بها نظرة البحث عن البراءة ، كما يقول : نظرة البحث عن سارة الطفلة المطيعة فأسأله هل أنا مطيعة ؟ فيقترب مني ويقبلني بعنف فلا أمنعه مما يفعل ، فيقول : ألستِ مطيعه ، يحمر وجهي خجلاً فيعيد الكرة من جديد فلا أمنعه وكيف لي أن أمنعه من قلبي وهو له ؟ كيف لي أن أكون عنيفة أو قاسية أو جاحدة أو متجاهلة له وأنا أقر أني بكاملي له وحده ؟ يملكني فيترفق بي ويمنحني حبه  وقلبه وعمره وأحلامه وأمانيه برضا دون أن يبدي أي ضيق أو تأفف أو ملل ، كيف لي أن أمل الحياة معه وهو الذي جعلني أشعر بقيمتي كامرأة ؟ ولا أقصد المرأة بجسدها بل بمشاعرها وقلبها وشكوكها وظنونها نعم كان يحرص على إرضائي نفسياً ولا يمس نفسي إلا بما يرضيها ويسعدها .

كان عملي على الهامش في هذه السنة إلا أن كثرة معارفي وعلاقاتي الاجتماعية الجديدة ، تفاعلت مع عملي التجاري بشكل ملحوظ فهذه الدولة تعتمد على العلاقات في أغلب تعاملاتها التجارية حتى الصغيرة منها ، ربما لأنهم يحبون التعامل بود ولطف ويجدون ذلك في علاقاتهم الاجتماعية ويتحدثون عما اشتروه وما أعجبهم ، فلبيت كثيراً من الرغبات التي عرفتها في جلساتهم وكانت أعمالي ناجحة رغم أني لم أسافر إلا مرة واحدة خلال هذه السنة وقد وكلت إحدى العاملات للسفر في طلب بعض الأمور مع متابعة دقيقة لعملها ، فأدت عملها بنجاح .

مع انقضاء السنة الأولى ثارت مسألة مهمة لدي ومهمة لخالد أيضاً ، وقد أثارت هذه المشكلة والدتي حين سألتني متى ستنجبين لنا طفلاً ، كانت تلك البذرة التي زرعتها في أفكاري فسألت نفسي لم ، لم يتم الحمل ؟ رغم أني لم أتعاط أي موانع ،  فلماذا لم يتم الحمل حتى الآن ؟ وما جعلني أحذر قبل طرح الموضوع مع خالد خوفي من أن أكون عقيماً فقد تزوجت مرتين ولم أرزق بطفل ولم يحصل حمل خصوصاً في زواجي الأول الذي كان يلح فيه زوجي على رغبته في وجود طفل أما في زواجي الثاني فأنا من أراد أن لا ينجب وقد تفاهمت مع أنطون في ذلك لكن الأمر مختلف مع خالد فقد عشنا حياتنا بلا تفكير في هذا الموضوع وإن دعا لنا أحد بأن نرزق بطفل نظرنا لبعضنا وضحكنا .

ذهبت لأحد الأطباء المختصين وأجريت الفحوصات فكانت الأمور شبه عادية ، إلا من بعض المشاكل البسيطة التي تصيب النساء ، فأعطاني بعض الأدوية والمنشطات التي أخذتها بعناية ثم أعدت الفحص من جديد ، وحين قابلت الطبيب مجدداً أخبرني أن النتائج جيدة لكنه أشار علي بأن أذهب أنا وزوجي لأحد المستشفيات المختصة فربما احتجنا لتحاليل وأشعة لا يمكن أجرائها لديه في العيادة ، لم أفتح الموضوع مع خالد ، ولم أخبره بأني ذهبت للطبيب لهذا الأمر ، وبقي هذا الأمر في بالي يذهب ويعود وأصبح يشغلني لأني أتمنى أن أرزق بطفل يكون تاج حبي فأحقق لزوجي سعادته الكاملة في بيته بوجود زوجة تحبه وطفل يشغل حياته وكانت مشكلتي التي أفكر فيها كثيراً كيف أخبره برغبتي الجامحة في وجود طفل ، وبما أن تحاليلي كلها سليمة خفت أن يكون الخلل من خالد وخفت أن أجرحه بما سأطلب منه .

لم يطل الأمر بي كثيراً ففاتحت خالد في مسألة الإنجاب واقترحت عليه أن أذهب لطبيب ، فأشار علي بطبيب له سمعه طيبة في مجال الحمل والولادة في أحد العيادات المختصة ففعلت ما قال ، قابلت الطبيب وأجريت فحوصات أخرى وكانت النتائج سليمة كما أخبرني الطبيب ، سألني حينها : زوجك لبناني  ؟ فأخبرته بأن زوجي قطري وقلت أسمه ، لم أفاجئ أن الطبيب يعرفه ، فخالد رجل معروف ، شدد علي الطبيب أن يزوره زوجي لكي يجري بعض الفحوصات فربما تكون لديه بعض المشاكل .

خالد

     انتصفت السنة الثانية من زواجنا ولا زلنا سعداء لا يشغلنا شيء سوى الحب إلا أن سارة البارحة فتحت مسألة الأطفال فقالت لي : إنها ستراجع طبيباً لتعرف ما سبب تأخر الحمل ؟ لم أعارضها فأنا أيضاً أرغب في أن أكون أباً وربما أنساني حبي لها هذه المسألة ، فلم أتطرق إليها ، وربما استرجعت حياة زوجتي السابقة التي كانت مهتمة بمسألة الإنجاب وذهبت لأكثر من طبيبة وطبيب وأخذت عدداً لا يحصى من الأدوية ، ولكنها لم تفلح في ذلك بل إن حالتها الصحية تدهورت وتوفت بعد ذلك فجعلني هذا الأمر لا أتطرق لقضية الأطفال ولا أوليها الكثير من الاهتمام بل حين أفكر في المسألة أتركها لتقدير الله عز وجل ، فأنا مؤمن بقدره ، أشرت على سارة أن تذهب لطبيب له خبرة جيده فوافقتنِ على ما طلبت .

عادت سارة من عند الطبيب وفي اليوم التالي بعد أن عرفت نتائج التحاليل ، أخبرتني أنها في حالة صحية ممتازة ولا يوجد بها أي خلل هرموني ولا عضوي يمنعها من الحمل سررت بما سمعت منها وسألتني : لماذا لم يتم الحمل إذاً ؟ ربما يكون السؤال عادياً منها لكني وجدت فيه علامات استفهام كبيرة تضعها سارة أمامي ، فلم أنتظر أن تطلب مني أن أذهب للطبيب الذي راجعته وذهبت له ربما تأخرت لبضعة أيام لأرى هل ستسألني سارة عن الموضوع أم لا ؟ لكنها لم تسألني ، وبقي السؤال موجوداً في عينها  دون أن تتلفظ به .

كان الاستشاري الذي راجعته سارة طبيباً معروفاً ، وهو كبير في السن وله خبرة واسعة في ذلك المجال ، وقد زرته أكثر من مرة مع زوجتي السابقة ، فتكونت بيني وبينه علاقة طيبة ، وحين قابلته رحب بي ، ولم يطلب مني أن أجري أي تحليل أو فحص بل جلس معي وشرح لي أسباب عديدة لتأخر الحمل وطلب مني أن أذهب في إجازة مع زوجتي ، لأبتعد عن توتر العمل وأعطاني بعض الأدوية وعندما صرفتها من الصيدلية وجدت أنها بروتينات ومنشطات جنسية ، فعدت له وبينت له أني لا أعاني من أي خلل أو ضعف في هذا الجانب فأقنعني بضرورة الاستمرار بتناول تلك الأدوية للتنشيط لا أكثر وقال : استمتع وهو يضحك .

سافرت مع سارة لمدة أسبوع قضينا أغلب وقتنا في الفراش فما أعطاني إياه الطبيب سبب لي حالة من الهيجان الجنسي حتى أني توقفت عن تناول الأدوية ، ولم تتوقف رغبتي في ممارسة الحب مع سارة التي لم أجد منها أي ممانعة وعرفت أن ما يدفعها لذلك الجنون ليس رغبتها في الممارسة ، بل رغبتها في أن ترزق بطفل ولا أدري لماذا هي مستعجلة على ذلك فنحن لا زلنا شباباً وأمامنا الوقت الكافي لذلك .

عدنا للدوحة بعد أسبوع وبعد عودتنا بعدة أيام  وجدت سارة تبكي ، فسألتها ما المسألة ؟ فأخبرتني أنها ليست حامل فأخبرتها أن الأمر ليس بهذه الأهمية هدأت من روعها فطلبت مني أن أراجع الطبيب في الغد ، فلبيت رغبتها وذهبت للطبيب سألني حينها عن رحلتي مع سارة ؟ فأخبرته بأنها أجرت اختبار حمل البارحة وكانت النتيجة سلبية ، ابتسم طلبت من الدكتور أن أجري فحوصات للتأكد من سلامتي في هذا الجانب فعبأ لي نماذج الفحص وأشار إلى موقع المختبر . أجريت الفحوصات اللازمة وعدت للطبيب بعد يومين ، ساورني شك بأن تكون اختباراتي غير سليمة أو أن أكون عقيماً لكن كل الشكوك والظنون تبددت حين نظر الطبيب لفحوصاتي وقال : أني أتمتع بصحة جيدة جداً ولا أعاني من أي مشاكل في هذا الجاني .

هممت بالمغادرة ، إلا أن الطبيب استوقفني وطلب مني الجلوس ليتحدث معي ، استغربت طلبه لكني نفذت ما أراد بدأ حديثه بطرح بعض المشاكل الناتجة عن العقم فطلبت منه أن يدخل في الموضوع دون مقدمات ، لأني فهمت أنه يريد أن يبلغني شيئاً لا أعرفه وكان ظني سليماً فقال : جاءتني السيدة / سارة حرمك وأخبرتني بتأخر الإنجاب لديها وطلبت أن تجري فحوصات لتعرف سبب تأخر الحمل وقد حددت لها كل الفحوصات اللازمة لذلك ، وجاءت نتائج الفحوصات لتشير بأن زوجتك تعاني من ضمور وضعف حاد في المبايض ، وهذه الحالة تجعل الحمل صعباً للغاية ، وإن حصل يكون الحمل ضعيفاً جداً ولا يثبت في الرحم .

قد رأيت رغبة زوجتك الجامحة لطفل تحمله بين يديها فسألتها هل زوجك يصر أن تنجبي له في الوقت الحالي ؟ فأجابت بأنك لا تفكر ولا تطرح الموضوع من الأساس فأخفيت عنها تلك النتائج وأعطيتها بعض البروتينات ، ولعلمي بأنها ستبحث عن السبب فطلبت منها أن تراجعني لإجراء فحوصات الخصوبة ولم ألحظ اهتمامك بالأمر فأعطيتك بعض الأدوية المنشطة لأني أذكر جيداً أني أجريت لك فحوصات سابقة وكنت لا تعاني من أي مشكلة .

سألته : لماذا لم تخبر سارة بحالتها ؟ فقال : خفت أن تصدم وقد رأيتها مهتمة جداً بهذا الموضوع فسألته لماذا لم تخبرني في المرة السابقة ؟ فقال : يا بني لقد مرت بي حالات كثيرة ومشاكل كثيرة من مثل هذه المواضيع ، فأردت أن أتثبت من الموضوع وقد أرسلت التقارير الخاصة بها في تلك الفترة لمركز متخصص في تلك الحالات وجاء ردهم منذ أيام فقط ، سكت الطبيب عند هذا الحد فسألته : هل هناك ما يخيف في التقارير ، فقال : لا يوجد ما يثير الخوف في حالة زوجتك الصحية ، ولكن الحمل صعب جداً في هذه الحالات وغير مستقر إن وقع فالضمور في المبايض لدى السيدة / سارة ناتج عن تشوه خلقي ، أي أن المبايض لم تكن نشطة من الأساس وتصعب المعالجة أو تستحيل في مثل هذه الحالات ، سألته ما العمل ؟ فقال : اهتم بصحتها النفسية إن أخبرتها بما سمعت فربما يكون النبأ صادم لها ، استأذنت منه وأنا من أصابتني الصدمة لما سمعت .

نعم أريد طفالاً وأرغب في ذلك لكن وجود سارة في حياتي أمر أساسي لا أستطيع أن أستغني عنه ورغم أني لم أفكر في هذا الموضوع بجدية ، إلا أن الخبر كان صادماً لي ، والمشكلة ليس أنا بل سارة ، كيف ستتقبل الموضوع ؟ وكيف سأخبرها بما سمعت من الطبيب ؟ فكرت في سيناريوهات كثيرة واستقر رأيي على أحدهم وهو أن أذهب مع سارة في إجازة تعيد ذكرياتنا السابقة ثم نذهب لإحدى المستشفيات المتخصصة في أوربا لإجراء فحوصات جديدة فربما تكون تلك الفحوصات التي أجرتها دقيقة بشكل كاف .

لم أعد للشركة في ذلك اليوم بل اتصلت بسارة ، وطلبت منها أن تتجهز لنخرج سوياً ومررت بها فرافقتني سألتني عن ما أخبرني به الطبيب فقلت لها أنا وأنتِ نتمتع صحة جيدة ومسألة الحمل مسألة وقت ، فقط سكتت سارة وأظنها لم تقتنع بما سمعت لكنها سايرتني فيما أقول ولم أفاتحها في نيتي أن نسافر لأوروبا لكي لا أثير شكوكها ، كنت أعرف أنها سترجع في الغد لتسأل الطبيب لذا طلبت منه أن لا يخبر ها بنتائج الفحوصات فوعدني بذلك .

بدأت أحدث سارة في الأيام التالية عن رغبتي في إجازة طويلة نقضيها معاً فلم تمانع ، وطلبت مني أن نذهب لبيروت لم أستطع أن أمنعها مما تريد ، لكن طلبت منها أن تكون زيارتنا لبيروت قصيرة لمدة ثلاثة أيام نتوجه بعدها لليونان لنعيد ذكريات أيام زواجنا الأولى فلم تمانع ، ولم أخبرها بأن وجهتنا بعد ذلك ستكون بريطانيا لإجراء فحوصات طبية هناك ، بل تركت هذا الأمر حتى يبدو وكأنه أمر ناتج عن اتفاق بيننا في حال تناقشنا في موضوع الإنجاب ، كنت مهتماً بأن لا تشعر بأي شيء يؤثر على حالتها النفسية .

سارة

      لقد عدنا من السفر منذ أقل من شهر ، لماذا إذاً يريد خالد أن نسافر مجدداً ؟ أعرف أن لديه ضغط عمل متواصل في هذا الوقت من العام وأن سفره لا يكون أمراً سهلاً ، وإن كان ذلك تكون رحلته ليوم أو يومين لا أكثر لكنه يتحدث عن إجازة طويلة نقضيها معاً في أوربا هو يعرف مدى صعوبة الجو في هذا الوقت من العام هناك فنحن في شهر يناير ، أي أن أوربا مليئة بالثلوج ، حيرني فيما طرح لكني لم أستطع أن أرفض طلبه فأن نكون سوياً دون ما يشغلنا شيء ، أمر ممتع أرغب فيه بشده .

غادرنا إلى بيروت وقضينا الأيام الثلاثة في منزل والدي ، لم يعارض خالد رغبتي في ذلك رغم أني أعرف أنه يتضايق من تصرفات والدي تجاهه لكنه لم يعترض ولم يبدِ حتى مجرد رأي يخالف رأيي ، وأحمد الرب بأن والدي كان لطيفاً معه هذه المرة بل وجدته يتعامل معه بلطف بالغ ، أما والدتي فكانت قريبة جداً منه وكان حديثهم متواصلاً ومشوقاً في أغلب الأحيان حتى أننا كنا نصحبها معنا في بعض الأحيان ، أراحني تصرف خالد اللبق مع والدي ، وأراحني كثيراً تصرف والدي اللطيف مع خالد ، وددت أن يطول بقائنا في بيروت ، لأتمكن من زيارة طبيب فرفض خالد ذلك الأمر وقال لو أردتِ ذلك في نهاية رحلتنا سنجري الفحوصات والتحاليل في أوربا .

أثار كلامه الشك في نفسي ، لكني تذكرت كلام الطبيب الذي سألته في الدوحة ، عندما أنهى خالد فحوصاته هناك ، وقد أقسم لي حينها أن خالد لا يعاني من أي شيء يعوق حدوث الحمل ، لكن تصرفات خالد مثيرة للريبة في هذه الأوقات فهو لا يعارضني في شيء ولا يطلب مني أي شيء ويحاول إسعادي بشكل يثير الريبة ، إلا حين أحدثه في مسألة الإنجاب فيتغير وجهه وينفعل بشكل يثير الاستغراب ، رأيت أن لا أثيره في هذا الجانب فلعل الطبيب أخبره بشيء يعاني منه لا يريدني أن أعرفه ، لكن المسألة لا تتعلق به وحده ولا تمسه وحده فهذه رغبتي وإرادتي التي لا يحق له أن يمنعني منها كما أني أعرف أن خالد صريح في كل جوانب حياته ولم أره غامضاً مثل هذه الأيام التي أشعر أني لا أفهم كثير من تصرفاته .

غادرنا لليونان حجز في نفس الفندق الذي قضينا فيه الأيام الأولى لزواجنا ، وكانت رحلتنا ممتعة بكل المقاييس ، رأيت خالد الذي أحبه ببنطلونه “الجينز” خالد المتواضع الذي كنت أهيم به ، صحبني لكل مكان للأزقة والشوارع الضيقة والمقاهي الصغيرة ، وأكلنا على الرصيف ، كنت مشتاقة لمثل هذه التصرفات المجنونة المتهورة التي تنسيني اهتمامي بكل شيء سوى خالد ، ولم يبخل علي خالد لا بوقته ولا عواطفه بل غمرني بالحب الأمر الذي جعلني حريصة على إسعاده وإرضائه لأبعد الحدود ، وقد استمر هذا الوضع عندما غادرنا لسويسرا ، وشاهدنا تجمد البحيرات وفرنسا وهدوءها في يناير وقد تحدثت معه هناك عن موضوع الإنجاب فقال إنه يعرف مركزاً متخصصاً في تلك المسائل في بريطانيا ، وأننا يمكننا أن نذهب ونعيد الفحوصات ، ونستمع لاستشارة الأطباء هناك كنت سعيدة بما قاله واستعجلته في الذهاب لبريطانيا فوافقنِ على ذلك .

ذهبنا إلى بريطانيا ، وفي اليوم التالي راجعنا الطبيب ، وبدأنا إجراء الفحوصات اللازمة وانتظرنا ليومين ، لكي نـحـصل على النتائج بعدها عدنا للطبيب الذي تحدث مع خالد أولاً وأخبره بأن كل فحوصاته سليمة ، وأنه لا يعاني من أي مشاكل ، ثم تحدث معي وأخبرني أني أعاني ضموراً وضعفاً حاداً في المبايض يجعل الحمل شبه مستحيل ، لم أستطع الحديث وأنا عند الطبيب من قوة الصدمة فأخذت أبكي بانفعال هدأ خالد من روعي وأخذ يتناقش مع الطبيب بشكل مستفيض ، لكن كلامه لم يتغير ، خرجنا من هناك مباشرة لمكتب سفريات وغادرنا لألمانيا وأعدنا تلك الفحوصات والتحاليل ، وقابلنا أكبر الأطباء فكان حديثهم متطابقاً مع ما قاله الطبيب البريطاني كنت منهارة في ذلك الوقت وعرفت من خالد أنه يعلم بما أعانيه ولم يخبرني بل أراد أن أكون في حالة نفسية تساعدني على تقبل الصدمة ، غضبت منه حينها ، لكني عدت إليه وقد زاد حبي له أكثر من السابق ، فأن يعرف رجل أن زوجته عاقر ويحاول أن يرضيها ويخفف عنها ، أمر لا يستطيع فعله الكثير من الرجال .

طلبت من خالد أن نعود لبيروت وطلبت منه أن أبقى هناك لوحدي لوقت أطول ، فبقي معي يومين ، ثم تركني عائداً للدوحة ، أردت أن أبقى في بيروت بجوار والدتي أردت أن أبتعد عن خالد قليلاً لأعرف مدى قدرتي على فراقه وبعده فلا يمكنني أن أقابل تضحياته التي فعلها لأجلي بجحود وحرمانه من أن يكون له طفل يلاعبه ويلاطفه ويغمره بحبه وعنايته ، كان خالد هاجسي الوحيد ما الذي سيفعله بعد أن تأكد من عقم زوجته ، هل سيتركني أم سيفعل ما أحل له في الشرع الإسلامي بأن يتزوج من ثانية ، شعرت بالاختناق وأنا أفكر في هذا الموضوع فكيف لي أن أعرف أن خالد سينام في حضن امرأة أخرى ، تناقشت مع والدتي كثيراً في هذا الأمر كانت تدافع عن خالد بشكل يستثيرني أحياناً ويجعلني أشعر بأنني زوجة ابنها .

بقيت في بيروت لمدة أسبوعين لم ينقطع اتصال خالد بي في تلك الفترة بل كان يحدثني في كل وقت يستطيع أن يتحدث معي فيه ولم أكلمه فيما ينوي أن يفعل بعد ما عرف أني عقيم وأجلت ذلك لحين عودتي للدوحة ، فهذا الأمر مهم بالنسبة لي ، فلا يجوز في شرعي المسيحي أن أكون متزوجة من رجل له أكثر من زوجة فإن أراد خالد أن يتزوج فهذا من حقه لكنه بذلك يقرر انفصالنا للأبد وإن فعل ذلك فلا ألومه ، فهذا حقه الذي يجب أن يناله حتى وإن بقي معي فما المدة التي سيتحملها من أجلي قبل أن يغير رأيه في وجودي معه قبل الارتباط بغيري ، وإن تمسك ببقائي معه فلم أظلمه  وأحرمه من أن يكون له أبناء ولو من امرأة أخرى.

كل هذه الأسئلة تحيرني وتوصلني لمرحلة الجنون لأن كل ما جرى بيني وبين هذا الرجل لم يكن في يوم ولا يومين بل في سنين سعى كل منا للآخر وقدم كل منا ما يملك لإسعاد الآخر فكيف ينهار كل شيء في أيام ، وإن انفصلت عنه ما الذي يكون عليه حالي بعده ؟ لقد تعبت عندما كنت حبيبته وتركته حتى كدت أصاب بالجنون فكيف لي أن أتركه وهو الآن زوجي وحبيبي ، كيف أستطيع أن أتحمل ما سيصيبني وما سيصيبه بسببي ؟ والأمر الذي يشغلني أكثر وأخاف منه أن يضحي خالد برغبته في الأبناء من أجلي فأكون أنا المسؤولة أمام الله وأمام نفسي وأمام الناس عن السبب .

خالد

     لم ينفع كل ما فعلته لأخفف عنها الصدمة فإجازتي الطويلة التي صحبتها فيها ، وكل ما فعلته لإسعادها ، قبل أن نزور المستشفى في بريطانيا ، لم تنفع في تخفيف حدة الصدمة التي أصيبت بها عندما سمعت حديث الطبيب عن حالتها لقد توقفت عن الأكل تماماً حتى خفت عليها من الموت فأقنعتها بعد عناء أن نذهب لمستشفى آخر في ألمانيا ربما تكون التحاليل هناك أدق والحلول ممكنه لكننا لم نسمع إلا ما سمعناه سابقاً ، إلا أنها تقبلت الصدمة في المرة الثانية بقدر كبير من الحزن والبكاء المتواصل ، لكن حالتها كانت أخف مما كانت عليه في بريطانيا .

طلبت مني أن تعود لبيروت وتبقى هناك لفترة تستريح فيها من العمل ، كنت أعرف أنها تريد الابتعاد عني فترة من الوقت لتفكر ، لم أخبرها بما استنتجت بل أخذتها لبيروت وبقيت معها ليومين لاحظت أنها تريد أن تبقى وحدها ، فغادرت للدوحة وبقيت هناك ، ولم تحاول أن تتصل بي حتى حدثتها ، لا ألومها فما أصابها أعتبره مصيبة تهز كيان أي إنسان وقد أصاب ما جرى علاقتنا الزوجية في مقتل ، إن جاز التعبير ،فمن واقع معرفتي بسارة أستطيع أن أقول إنها ستراجع علاقتنا مراجعة دقيقة وما سيترتب علي وعليها جراء ما عرفنا وأنها لن تقبل أن تكون السبب في حرماني من الأبناء لمجرد رغبتي في البقاء معها .

كنت أتصل بها دائماً مرة ومرتين أو أكثر كل يوم وأتحدث معها حتى أرى أنها لا ترغب في الحديث معي فأستأذن وأنهي المكالمة ، بدا التغير واضحاً في نفسيتها وبدأت أرى ملامح قرارها الذي تريد اتخاذه وهي تعرف أني لن أتخلى عنها ولن أتركها تواجه الأمر بمفردها لأني لم أفكر في الأطفال في الوقت الحالي ولم أطلب منها الإنجاب ولا حتى أن تراجع طبيباً لتعرف المشكلة ، كنت مقتنعاً فقط بأنها معي تحبني هذا هو همي الأكبر أما الآن فهمي الأكبر أن لا تتهور سارة وتفعل ما يدمر حياتنا لمجرد أنها تفكر في إسعادي لكنها نسيت أن سعادتي الكبرى كان وجودها معي وارتباطها بي .

بقيت سارة أسبوعين في لبنان كنت خلالها لا آتي إلى المنزل إلا للنوم ، فلا أرى في المنزل شيئاً مريحاً وهي بعيدة عنه ثم عادت للدوحة يلفها الحزن وأصبح مزاجها متقلباً جداً تثور لأتفه الأسباب وتغضب كالأطفال وتبكي دون سبب ، لم أكن أنا سبب ما أراه منها بمزاج حسن لكن تقبلت كل تصرفاتها لمعرفتي أسبابه .

تقبلت أن تصرخ في وجهي وأن تتشاجر معي وأن ترفض أي طلب أطلبه منها ولم يفلح تدخل نورا في الموضوع بل رأيتها تتجنب التدخل بيني وبين سارة بقيت على هذا الشكل قرابة الثلاثة أشهر بعدها تحدثت مع والدتها لكي تأتي إلى الدوحة وتبقى معها ، وفعلت ما طلبت منها وجاءت وحصل أن ثارت سارة في وجهي لسبب تافه ، فسكت ولم أرد على استفزازها فلم يهدأ ذلك من غضبها بل علا صوتها أكثر فقامت والدتها وصفعتها على وجهها ، انهارت بعدها وأخذت تبكي بشكل هستيري وتركتنا وذهبت لغرفتها ، ولم تنزل في تلك الليلة ، طلبت من والدتها أن تترفق بها وتتقبل تصرفاتها .

جاءتني سارة في اليوم التالي واعتذرت مني وبكت كثيراً بكت وقالت لي ما لم تقله من قبل قالت : كيف لي أن أهدأ وأنا أعرف أن علاقتنا أصبحت في حكم المنتهية ؟ سكت ولم أقل شيئاً فقالت : ألم تقرر بعد متى ستتركني ؟ ضممتها بكل ما أملك من قوة وهمست في أذنها : لماذا نستعجل الأمور لنتركها تسير لنرى ما ستصل إليه ، فقالت : لمتى سنصبر ؟ فقلت لها : أرجوك لا تحرميني منك لسبب لم أهتم له حتى الآن ولم أطالبك به ، عادت للبكاء من جديد لكنها سكنت إلي وبقت بجواري طوال اليوم لم تفارقني ، ومع مرور الوقت  بدأت حالتها النفسية تستقر حتى عادت لحالتها الطبيعية ، عادت لي سارة التي أحب .

لكن بقي الهاجس الأكبر كما قالت سارة : متى ؟ متى سننفصل ؟ نعم هذا هو السؤال الذي جعلني أفكر بشكل كنت أستبعده ولا يمر ببالي إلا نادراً ودون اهتمام كبير ، فالأطفال هبة من الله يحق لكل إنسان أن يسعى لنيلها لكن ربما أراد الله أن يجعلني هكذا بلا أبناء ، لذا كان ارتباطي بسارة قدراً كتب علي ومرضها قدراً كتب عليها وتلاقى قدرانا لكي نبقى سوياً ونـحـيا سوياً .

لماذا فكرت سارة في هذا الموضوع بشكل مغاير ؟ لماذا لم تترك الأمور تسير ببساطتها دون أطفال ؟ كنت لا أفكر في سواها ، يمر ببالي أن أحمل طفلي بين يدي وألهو معه وبجواري سارة نعم أحببت ذلك التفكير ، لأن أمه ستكون سارة لا امرأة غيرها فهي التي اخترت ، وهي التي أحببت من كل قلبي فكيف لي أن أترقب طفلاً من امرأة أخرى أتزوجها لتكون وعاء فقط ؟وعاء تحمل وتنجب لي طفلاً يقول أبي ألن تعيش تلك المرأة في بيتي ؟ وتجلس معي ؟ وتأكل معي ؟ وتنام معي ؟ ألن أظلمها وأنا أحب امرأة غيرها لحد الجنون كيف لي أن أبادلها تلك الهمسات اللطيفة التي تمر على العشاق والأحباب ؟ ربما تترقب من أقترن بها تلك اللحظات الحميمة فلا تجدها وما سيكون شعورها إن عرفت أني متيم بامرأة سواها هل ستقبل العيش معي ؟ أم ستقول لي اتركني وارحل ؟ كما تريد سارة الآن أن تتركني وترحل .

أعود لسارة من جديد فهي تلك المجنونة التي جعلتني أتعلق بها وها هي الآن تحيرني من جديد كما حيرتني في السابق وأظنها ستحيرني في المستقبل أكثر من كلتا المرتين نعم فقد تحدثت مع نورا بعد أن عادت من بيروت لفض الشراكة ، وقد بدأت نورا تلك الإجراءات بعد أن يئست من أن تغير سارة رأيها وتحدثت معي بأن أبيع أنا وسارة نصيبنا في الشركات وقد وافقت ، فلا مجال لدي بأن أدير مشروعاً نسائياً لا أفهم فيه شيئاً ولا أدري كيف أتصرف في شؤونه ؟! كانت نورا سلسة لأبعد الحدود وقد رفعت قيمة المشروع لأعلى درجة حتى أني تناقشت معها في القيمة المفترضة فقالت إن المشروع يساوي قيمته فهو مشروع اكتسب أرضية تجارية قوية فتم الاتفاق وبقيت سارة منذ أن عادت من بيروت في المنزل لا تغادره إلا في أوقات نادرة وقد أرخت الستار على كثير من علاقاتها الاجتماعية وكأنها كانت تجهز للرحيل لكنها عادت لرشدها مرة أخرى عادت لتوقظ في نفسي كل التساؤلات والتناقضات والشكوك والحيرة لما ستكون عليه علاقتنا في المستقبل .

سارة

     عدت للدوحة ونفسي مشحونة بكل الاحتمالات وكل السيناريوهات التي ستؤول إليها علاقتي بخالد وفي قرارة نفسي كنت أترقب متى ستنتهي العلاقة بالطلاق ؟ وكنت أترقب الأمر في ضيق شديد جعلني لا أطيق شيئاً حولي وأصبحت طباعي بسب توتري الشديد حادة ، بل مستفزة ، شعرت بنفسي وحاولت أن أكبت تلك الأفكار التي تهيج نفسي وتثير غضها دون فائدة ففي نظري كل شيء محسوم والآتي هو نقطة النهاية .

كنت مخطئة فقد فكرت وحدي وقررت وحدي ونسيت أن هناك شريكاً في حياتي تربطني معه علاقة حب ورباط مقدس متمثل في الزواج ، نسيت ذلك الأمر رغم أني كنت أفكر في مصلحته وكيف يجب أن يسعد بأبنائه في المستقبل ؟ ولم أتوقع صبره الطويل الذي كان يثير أعصابي في أغلب الأحيان فأقول لنفسي غداً يتخلى عن رباطة جأشه ويبوح بما في نفسه ويقول لي يجب أن ننفصل ، لكن كل ذلك كان خطأ اقترفته في حقه ، كان صبره نابعاً من حبه لي ورغبته في أن أبقى معه .

يقتلني الشعور كل مرة أكتشف فيها أن خالد يحبني أكثر مما أحبه فألوم نفسي على كل مرة ثرت في وجهه و تجاهلته أو عاملته معاملة فظة لا تليق بشخص يعاملني بكل الحب والاحترام ويراعي مشاعري لأبعد الحدود ، وعندما ثرت في وجهه في وجود والدتي لم تتحمل هي أسلوبي المستفز فصفعتني وكانت هذه أول مرة تصفعني فيها والدتي على وجهي في حياتي كلها ، بكيت كثيراً لكني سألت نفسي بعدها إذا كانت والدتي لم تتحمل أن تراني أصرخ في وجه زوجي مرة واحدة فكيف تحمل خالد أن أثور في وجهه وأتجاهله لثلاثة شهور متواصلة دون أن أعطيه ولو قدراً قليلاً من الحب الذي ينتظره مني ؟ .

ذهبت إليه وأنا خجلة مما فعلت فكل مرة أكتشف أني ارتكبت حماقة في حقه أكتشف مدى رجاحة عقله وطول صبره سألته متى سنفترق ؟ فلم يجبني الإجابة الشافية التي انتظرها لكنه قال كلاماً صائباً فطلب مني أن نبقى سوياً لنرى قدرنا دون أن نتضايق أو نقرر أمرنا باستعجال ، وله الحق فيم قال لماذا أستعجل القدر وأطلب الرحيل ؟ لماذا أنا التي تثير الأمور المزعجة في حياة خالد باستمرار ؟ لماذا لا أمنحه الحب الذي يريد مني ؟ فهو لم يطلب سواه ولم يسع لغيره لكن فضولي وحيرتي تسوقني نـحـو الجنون أحياناً فكل مرة أطرح فيها السؤال أعرف أني أستثير مشاعره وأحيي رغبته في الأبناء لكني أنساق خلف نفسي وما يدور بها من هواجس .

كان خالد رحيماً متلطفاً معي يعاملني كطفلة إن غضبت ويتوسل إلي لكي يرضيني كما الحبيب ، ويلامس حزني بلطف دون أن يغضبني ، وعندما جاءت والدتي وبقيت معي شهراً في الدوحة كانت تصرخ في وجهي وتقول : حرام عليك ما تفعلينه بالرجل الذي يحبك ، حتى فقدت شعورها وصفعتني ولم تبق بعدها إلا يومين غادرت بعدها لبيروت ، حاولت أن أرضيها قبل أن تسافر ، فلم ترضَ حتى رضي خالد وتحدث معها .

رأيت كيف أجلت أمي خالد واحترمته بسبب ما يفعله من أجلي ورأيت كيف كسب قلبها بما يفعله لابنتها ؟ لكنهم نسوا شيئاً نسوا أني أشعر بالذنب تجاه خالد أشعر بالذنب لدرجة أني أحتقر نفسي فقد ضحى من أجلي ووهبني كل الحب وفي النهاية غفر لي كل ما فعلت وتزوجني ، وها أنا الآن عاجزة أن أمنحه طفلاً يحمل اسمه ويخلد ذكراه ويستمتع بوجوده ، ببكائه ، وضحكه ولعبه ، أشعر بتأنيب الضمير وأنا أفكر في خالد فقد ظلمته أكثر من مرة وهو يغفر لي كل مرة ويصبر على تهوري وجنوني ، لم ينتج هذا التفكير من كرهي له ، لا بل أقسم بكل شيء أنه نبع من حبي له فلماذا يظلم نفسه ويبقى مع امرأة عاقر لا تنجب ؟ يبقى معها فقط لأنه يحبها ويريد أن يحافظ على مشاعرها أعرف أنه ممكن أن يصبر خالد حتى النهاية لا أجزم بذلك لكنه مخلص أعرف مدى إخلاصه في حبي فلمَ لا أجنبه أنا كل هذا العناء والصبر الطويل وأتركه وأرحل ؟ لقد انقطع عملي في التجارة ولم يبق لي في الدوحة سواه .

مر عام على عودتنا من تلك الرحلة المؤلمة التي مررنا بها بالأطباء وعدت لخالد أطرح عليه نفس السؤال : متى سننفصل ؟ أخذني بلطفه وأدبه وغمرني بحبه وحاول أن يقنعني بكل السبل أن الحياة ممكنة بدون أطفال وأن الأمر لم ينتهِ والأمل لا يزال موجوداً لكني لم أتنازل عن سماع إجابته فعقد معي اتفاقاً أن نبدأ العلاج ولا نيأس لعل القدر يمنحنا أمنيتنا فاشترطت عليه شرطاً أن لو فشلت المحاولات تكون هذه هي نهاية علاقتنا الزوجية لكنه لم يوافق على شرطي وقال : لا يجب أن نقرر دون تفكير وقبل أن نعرف النتائج ، دعينا نـحـاول ثم نقرر ما سنفعل .

أرضى دائما بالنهاية التي يحددها لأني أعرف رجاحة عقله ولأني لا أريد أن أجرحه أكثر مما جرحته سابقاً ، يعرف خالد أن قدرنا الانفصال ويعرف أني عازمة على ذلك الأمر ما لم يتم الحمل لكنه يريد أن يطيل الوقت لكي يبقى معي وأنا أموت كل لحظة أرى فيها نظرت الرجاء في عينيه ، يقتلني ذلك الشعور القوي في رغبته في أن يبقى بقربي ويحظى بحبي فليت حبي يمنحه ما يتمنى لكي أوفيه حقه كاملاً ، أجل خالد سفرنا لشهرين كاملين متحججاً بعمله ومشاريعه ، ولم أضايقه ، ولم ألح عليه كثيراً ، لأني أعرف أن الأمر سائر للنهاية المحتومة وأنه متمسك بي لآخر لحظة .

عندما يراني متضايقة يفعل كل شيء ليرضيني حتى أنه كان يأخذني لبيروت في إجازة نهاية الأسبوع ونعود ليجدد ذلك الشعور الجميل الذي كان بيننا ، طلبت منه أكثر من مرة أن أبقى هناك لبعض الوقت لكنه كان يرفض ويصر أن أعود معه للدوحة كان حريصاً أن أبقى بقربه وأن لا أبتعد عنه لكي لا أفكر في حلول مجنونة قال لي هذا الكلام في إحدى المرات فلم أتضايق منه ولم أطلب منه بعدها أن أبقى بعيدة عنه فأنا أيضاً محتاجة لأن أبقى معه لأطول فترة ممكنة قبل أن نفترق للأبد .

خالد

     مجنونة هي مجنونة أقول هذا الكلام ثم أتراجع عنه ، وأقول إنها تحبني ، ولا أستطيع أن أنكر حبها فهي تريد أن تضحي من أجلي وتتركني ، لكي أكون أسرتي الجديدة وأرى أبنائي ، لكنها لا تعرف مدى حبي لها فما أريده منها لا تلبيه لي أي امرأة أخرى على وجه الأرض ، فأنا أريد سارة التي أخذت قلبي وأنستني كل همي وأسعدتني بعد أن يئست من أن أجد السعادة التي أتمناها ، نعم كانت هي نقطة تحول في حياتي تغير بعدها كل شيء للأفضل وتحول كل شيء من التعاسة إلى السعادة والفرح ، وجودها مهم في حياتي هذا ما اكتشفته فبمجرد أن أفكر أننا سننفصل عن بعضنا يصيبني الجنون ، ولا أستطيع أن أبعد ضيقي ولولا خوفي من أن تنتبه لما أنا فيه فتتضايق لصرحت لها بكل ما في قلبي .

يوجد شيء في سارة انكسر وتلاشى تألقها ، وملامحها التي أخذت تتأثر بحزنها كنت ألاحظ كل شيء في وجهها وهو يتحول من الإشراق إلى الذبول ، ذبلت ملامح سارة البريئة وبدت ملامحها التعيسة وانكسرت نفسها المرحة التي كانت ترقص طرباً ولا تستطيع أن تقاوم وجودي معها ، فأصبحت تفعل ما يرضيني كأنه روتين فرض عليها وكأنه عمل يجب أن تؤديه حتى نهايته تغيرت سارة كثيراً ، لكن شيئاً واحداً لم يتغير رغم كل ذلك حبي لها ورغبتي الجامحة في أن تكون معي للأبد أذكرها دائماً بما بيننا من حب لكي لا تنسى أو لكي تراجع قراراتها التي تتخذها دون أن تستشير أحداً .

تسألني بين فترة وفترة متى ؟ وأنا أحاول جهد استطاعتي أن أبقيها معي لأطول فترة ممكنة وأحاول أن أجد الحلول فخاطبت أكبر المستشفيات والمختبرات المتخصصة في مجال العقم والخصوبة ولم تأتني نتيجة تبشر بخير وأن أعلى نسبة وضعوها لكي تنجب سارة لا تتجاوز العشرين بالمئة وفي النهاية عندما سألتني متى ؟ طلبت منها أن نـحـاول ولا نيأس فربما ننجح في مسعانا وافقتني لكن خوفي من أن تفشل كل محاولاتنا ، فتطلب سارة الرحيل كان يؤرقني فحاولت أن أؤخر رحلة العلاج لأطول فترة ممكنة ، ورغم ذلك ، لم أستطع تأجيلها لأكثر من شهرين ثم غادرنا لبيروت ، لنبقى فيها قليلاً ، ونأخذ والدتها معنا في رحلة العلاج المقررة .

بقينا في بيروت لمدة أسبوع ، رفضت أن نتحدث خلالها عن ما سيجري في العلاج وما سيجري بعده ، كانت سارة متفائلة أكثر مني أو ربما أحيت بيروت في نفسها شيئاً من الشجن القديم ، فعادت ترخي رأسها على كتفي حين ترقص معي وعاد لي شيء من سارة التي أحببت ، كانت الذكريات الجميلة تحيط بنا في بيروت من كل جانب حتى ألمنا كنا نتذكره بشيء من الحب ، فلا يضايقنا ولا ينغص علينا تلك اللحظات الحميمة التي عشناها قبل مرحلة العلاج .

بعدها غادرنا بيروت لبريطانيا ، وبدأنا الفحوصات ، وبدأنا معها الخطوات الأولى من العلاج الطويل الذي تقرر لستة أشهر ، كنت أترك سارة أحياناً مع والدتها وأعود لأنهي بعض الأعمال في الدوحة ثم أعود لهم مجدداً كانت مراحل العلاج مملة ، في كثير من الأحيان يفقد الإنسان فيها رغبته في لحظات الحب الحميمة على الفراش ، لأنها لم تكن ليستمتع الحبيب بحبيبته بل ليجرب نتيجة العلاج فتكون الحبيبة كوعاء تجارب نشغلها كل مرة لنرى نتيجة تجاربنا عليها ، ورغم ذلك لم تنجح كل المحاولات التي جربناها في بريطانيا ، وبدأ اليأس يتسلل لنفس سارة وبدأت تطالبني بأن نتوقف عن العلاج ، لكني كنت أرفض طلبها في كل مرة وأقترح عليها حلولاً جديدة .

اقترحت عليها أن نذهب للولايات المتحدة ونجرب العلاج هناك وأخبرتها بأني خاطبت أحد المراكز المتخصصة هناك من قبل وأفادني بأنهم يستخدمون أساليب علاج جديدة للحمل ، وافقتني على مضض ، وافقتني لكي لا تقطع الأمل شعرت بذلك الشعور وهو يسري في ملامحها وهي تحدثني وشعورها بأني متمسك بها لآخر لحظة وآخر أمل يبقينا سوياً ، ذهبنا لأمريكا وأخذنا كل الفحوصات والتحاليل ونتائج المحاولات السابقة وبدأنا مرحلة جديدة من العلاج الطويل الممل دون جدوى .

تحملت سارة خلال هذه السنة ما لم تكن تستطيع تحمله من أدوية وعلاجات غريبة لم نألفها في عالم الطب من قبل فقد قابلنا في أمريكا بعض الأطباء الذين كانوا يجرون اختبارات لأنواع علاجات جديدة في طور الاختبار ورغم تحذيري لها من أن العواقب ربما تكون كارثية قبلت سارة دون تردد أن تخوض تلك التجارب لكنها لم تنجح في النهاية وقررنا العودة لبيروت والبقاء فيها لأسبوع .

عدت لبيروت مع سارة ، وأنا أعرف أننا يجب أن نقرر ما يجب أن نفعله ، فسارة مصرة على أن لا تبقى معي إن لم تستطيع الإنجاب وأنا مصر على أن تبقى معي رغم كل الظروف ، كان كلانا يفكر في مصلحة الآخر دون أن نشعر بأننا نضحي من أجل بعضنا فهي تريدني أن أسعد بوجود أبنائي وأن لا تكون هي سبب حرماني منهم وأنا لا أريد أن أستغني عنها بعد أن عرفت أنها لا تنجب .

لم تفتح معي سارة موضوع انفصالنا وأنا في بيروت لكنها طلبت مني أن تبقى هناك لبعض الوقت فلم أمانعها لمعرفتي حاجتها أن تبقى بجوار أسرتها ولمعرفتي بمدى حاجتها أن تبقى بعيدة عني بعض الوقت لتفكر فيما ستفعل بعد عام كامل من  العلاج المرهق والممل .

عدت للدوحة ، ولم ينقطع اتصالي بها ،ولم تتوانَ هي بالاتصال بي والاطمئنان على حالي ، لكنها كانت تؤجل عودتها للدوحة كل مرة وتقول إنها محتاجة لمزيد من الوقت ولا أعرف ما المدة التي تحتاجها وهي بعيدة عني ؟ .

زارتها نورا في تلك الفترة وكانت تحمل لها حلاً غريباً كنت أعرف أن سارة لن تقبله بأي شكل من الأشكال فقد اقترحت نورا اقتراحاً غريباً عندما عرفت حرمة أن تبقى المسيحية مع زوج مسلم يتزوج من امرأة ثانية فقد اقترحت أن تعلن سارة إسلامها وكنت أعرف ردها على هذا الاقتراح قبل أن تطرحه نورا عليها فسارة لن تقدم على شيء هي غير مقتنعة به فما بالكم لو كان هذا الشيء يتعلق بعقيدتها التي تعتز بها ، نعم هي معجبة بكثير من تعاليم الإسلام إلا أنها لم تقتنع أن تعتنقه .

جاء ردها قاطعاً في هذا الجانب بل قالت : لنورا إنها حتى لو أسلمت فلن تقبل أن تعيش معي وأنا مرتبط بزوجة غيرها ، وتحدثت معي في هذا الجانب ، فأخبرتها أني أبلغت نورا بمعرفتي المسبقة بردها تقبلت الأمر لكنها بعد هذه المحاولة بدأت تبتعد عني أكثر فأكثر فبدأت تغلق هاتفها كثيراً مما اضطرني أن أذهب إلى بيروت لحل هذه المشكلة ، وطلبت من والدها ووالدتها أن يكونوا متواجدين في الحوار لعلهم يقنعونها بالعدول عن قرارها الذي تصمم عليه .

تحاورنا كثيراً وتجادلنا كثيراً ، وكان والد سارة مرناً معنا لأبعد الحدود على عكس ما كان عليه سابقاً ، فكان يضغط عليها لكي تغير رأيها أو تؤجل قرارها لكنها كانت مصممة على الانفصال ، عدت للدوحة بعد رحلتي القصيرة لبيروت ، لكن لم يطب لي العيش وسارة بعيدة عني ، فعدت لها بعد يومين من سفري تفاجأت حين رأتني فطلبت منها أن نتحدث في موضوع انفصالنا وحاولت أن أحيي في نفسها ما تحمله لي من حب وقد نجحت في هذا الجانب لكن ليس نجاحاً كاملاً نجحت في أن تؤجل سارة قرارها لشهر ننفصل بعده فقبلت ما اتفقنا عليه واشترطت عليها أن لا تتركني في تلك الفترة أبداً فقبلت .

سارة

     كان ما مررت به خلال العام الأخير مرهقاً جداً فخالد كان مصمماً على أن يبذل كل جهده معي وأن لا يكون مقصراً في شيء ، لاحظت هذا جلياً في كل تصرفاته كان يحاول أن يطيل مدة العلاج وكنت مسرورة بذلك وربما خفف عني اهتمام خالد الكثير من همومي وضيقي ، لكني رغم المحاولات الجادة التي بذلت كان لدي شعور أن هذه المحاولات لن تنجح أبداً لكن أردت أن أستمر للنهاية لأثبت لنفسي ولخالد أن لا فائدة من المحاولات الوهمية التي نقوم بها وأن الأمور بدت محسومة خصوصاً بعد مغادرتنا لندن متجهين لأمريكا .

تكبد خالد الكثير من العناء في تلك الفترة فقد كان بين نارين نار متابعة علاجي وحالتي النفسية السيئة وعمله الذي تركه لمدة عام لكنه كان يغادر في كل شهر لمدة أسبوع تقريباً ويعود مجدداً ليبقى معي أعجبني إصراره على العلاج وتحمله كل هذه المشقة لأجلي وتمنيت أن أتمكن من إسعاده لكن كنت عاجزة عن ذلك فالأمر ليس بيدي ، ولو كنت أستطيع لما بخلت عليه بشيء يحتاجه أبداً .

وفر خالد كل وسائل الراحة لي ولوالدتي في تلك الفترة العصيبة لم يبخل علي ولا على أمي بأي شيء كما رفض أن أصرف درهماً واحداً من أموالي لأي سبب من الأسباب حتى لو كان أمراً شخصياً أرغب في اقتنائه ، كانت والدتي كذلك مهتمة كثيراً وكانت تنظر لخالد ليس بعين الرضا فقط بل كانت تشفق عليه لما كان يفعله من أجلي وتذكرني بمدى حبه لي .

بقينا عاماً كاملاً خارج الدوحة ، وعندما استنفدنا كل السبل قررنا العودة فطلبت من خالد أن نعود لبيروت لأني محتاجة أن أبتعد عن أي شيء يذكرني بمسؤوليتي كزوجة لم تستطع أن تحقق حلم الأسرة السعيدة لزوجها ، عدت لبيروت بقيت في منزل أبي ورفضت أن أعود مع خالد وأظنه فهم أني المسألة في مراحلها الأخيرة ، وأن انفصالنا بات مسألة وقت لا أكثر ، فلم يعارضني في مسألة بقائي في بيروت بل تركني أستريح هناك ولم يضغط علي لأعود للدوحة .

كنا نتحدث كثيراً عن طريق الهاتف وعبر وسائل الاتصال الأخرى حاول خالد بعد فترة أن يقنعني بالعودة للدوحة دون فائدة فلم أستجب لكل توسلاته بل فضلت البقاء بعيداً عنه حتى تنتهي المسألة ، إلى أن جاءت السيدة/نورا لبيروت وتحدثت معي كان الأمر مضحكاً عندما طلبت مني أن أعتنق الإسلام فلا يضطر خالد أن يتركني لو أراد الزواج بأخرى ولم تفكر نورا كيف لي أن أقبل حتى لو اعتنقت الإسلام أن يتزوج خالد امرأة أخرى وأنا على ذمته ، فرفضت طلبها من واقع أني أرفض أن يكون لي شريكة في زوجي وليس لدي مشكلة مع الإسلام كدين فكثير من مبادئ الإسلام تعجبني لكن أن أسلم لأن خالد يريد أن يتزوج بامرأة أخرى تنجب له أطفال فهذا لا يعتبر قناعة بالدين بل يعتبر تحايلاً للوصول لرغبات وأهواء شخصية نـحـققها بشكل ديني .

مر بي الشك في أن خالد طلب منها ذلك الأمر لكن خالد إنسان متفتح ، ولم يرغمني منذ أن عرفته على أي شيء لا أقتنع به فكيف يريد أن يرغمني على أن أسلم وأغير ديني الذي أقتنع به ، أردت أن أقطع الشك باليقين ، فاتصلت بخالد وأخبرته بما جاءت نورا من أجله ، فأخبرني أنه عرف بالموضوع وأخبرها بأني لن أقبل هذا الاقتراح أقنعني حديثه ، لأني أعرف طريقة تفكيره ومبادئه التي يتمسك بها فخالد محاور ممتاز وصاحب أسلوب مقنع لو أراد أن يقنعني بالإسلام ، لحدثني في وقت مناسب أكثر للحديث في هذا الموضوع دون أن يجعل بيننا وسيطاً يتحدث باسمه .

حاولت بعد ذلك أن أبتعد عنه أكثر فأخذت أقلل من عدد اتصالي ثم بدأت أغلق هاتفي المحمول لفترات فلم يعجبه هذا الأمر وجاء لبيروت وطلب أن يتحدث معي بحضور والدي ، وكان الأمر المثير أن أبي كان يدافع عنه باستماته لدرجة أنه رجاني ذات ليلة أن أبقى مع خالد وقال : إنه لا يستحق كل هذا الألم الذي سببته له ولم أستجب لتلك الدعوات بل كانت الأمور واضحة لدي .

غادر خالد بيروت لكنه فاجأني بعودته بعد يومين وطلب مني أن أجلس معه وكان لقاؤنا في منزلنا بعيداً عن أسرتي ، تحدثنا كثيراً عن حياتنا وما جرى بها وعن قراري ، لم أستطع مقاومته في ذلك اللقاء رغم أني لم أتركه يقترب مني منذ عودتنا من الولايات المتحدة كنت مشتاقة إليه كثيراً أقنعني بعد أن قضينا وقتاً ممتعاً في الفراش أن ننهي علاقتنا بوقت سعيد نقضيه سوياً ، لكي لا يكون افتراقنا مصدر ألم وحزن بل تكون خاتمته بشهر نقضيه سوياً كما لوكنا في شهر العسل الأول ، لم أستطع أن أعارضه فوجوده بقربي أثار بي كل شجون الحب والعواطف التي يملكها في قلبي فقبلت فاشترط أن لا أتركه في تلك الفترة أبداً فقبلت وهذه أمنيتي أن لا أتركه أبداً ، ولأني أحبه وأريده أن يحقق كل أحلامه وأن يرزق بالطفلين اللذين حلم بهما طوال عمره ، ولم يتحقق حلمه مع زوجته السابقة ولا معي .

عدت معه في اليوم التالي للدوحة لينجز بعض الأعمال هناك وغادرنا بعد يومين زرنا دولاً كثيرة وكانت الرحلة بمجملها مغامرة جميله عدنا بعدها لبيروت لم يحاول أن يثنيني عن رأيي ولم يطلب مني التأجيل أكثر بل تركني أفعل ما أريد فذهبنا وأنهينا كل الإجراءات المتعلقة بالطلاق وعاد للدوحة .

إن قلت لكم لا أشعر بغصة من فراقه فأنا كاذبة ، وإن قلت لكم إني لا أحبه فلا يجب أن تصدقوني لأني حين غادر خالد بيروت غادر قلبي مع ذلك الحبيب الذي لو حلمت أن يحبني شخص بقدر حبه الذي رأيت لكانت أحلامي وأمنياتي كلها عاجزة فما أعطاني إياه خالد أكبر وأكثر مما تتمناه أي امرأة على وجه الأرض .

أردته أن يرحل بسلام دون قيود ، أردته أن يكون حراً في كل شيء وهو بعيد عني ، أعرف أنه سيعاني بعد فراقنا ربما أكثر مما سأعاني أنا لكنه في النهاية سيجد ما يشغله عني وعن الجميع سيجد أبناءه الذين تمناهم وسأبقى أنا وحدي تحيطني الوحدة والذكريات من كل جانب ، فذكرياته على قدر ما حاولت أن أمحوها لم أستطع فهو في منزلي وعملي وقلبي ، وحتى جسدي الذي لم أرغب في أن يمسه إنسان بقدر ما رغبت أن يمسه خالد الذي أحببته من كل قلبي .

عذاب للمرأة أن تحب من كل قلبها وعذاب لها إن وجدت رجلاً يحبها من كل قلبه إن افترقا يصبح الجرح مضاعفاً فلا تستطيع أن تحمل من تحب مسؤولية ذلك ولا تستطيع أن تتنكر لحبه ولا أن تمحوه ولا أن تتجاهله بقيت أماني كما هي أتمنى مقابلته ولو بالصدفة ، وتدفعني نفسي لأن أحدثه ، وهو كذلك كان يحدثني باستمرار بل ويزورني ويخرج معي حين يكون في بيروت ، وقد عرفت في لقائنا الأخير أنه رزق ببنت سماها عائشة على اسم زوجته الأولى سرني ذلك كثيراً وهنأته بقدومها .

خالد

     عادت معي سارة للدوحة كانت سعادتي لا توصف ، أعرف أنها سعادة محدودة ستنتهي بعد شهر ، لكني كنت محتاجاً لأن تكون بجواري ولو ليوم واحد ، فمنحتني شهراً تقضيه معي سافرت معها في جولة حول العالم وامتد الشهر ليكون شهراً ونصف الشهر مرت كأنها يوم واحد عادت بي الذكريات لأيامنا الأولى التي كنا لا نفكر في شيء سوانا أنا وهي ، كانت الأيام الأولى من الإجازة ممتعة وكانت الأيام الأخيرة يشوبها الحزن ورغم ذلك كان كلانا حريصاً على أن يبقى مع الآخر وبعد نهاية الرحلة عادت سارة لبيروت وبدأنا إجراءات الطلاق ، حاولت قدر استطاعتي أن يكون انفصالنا سلساً وأن تبقى علاقتنا طيبة بعد الانفصال ، وكان ما أردت ومن ناحيتها كانت سارة حريصة على أن تبقى علاقتي بها طيبة التقينا عدت مرات في بيروت قضت سارة أحياناً النهار كاملاً معي طبعاً لم يكن بيننا بعد الانفصال تلك العلاقة الحميمة بين العشاق لكننا بقينا أصدقاء .

أحبها لا أستطيع أن أنكر ذلك ولم أستطع الزواج بعد أن انفصالنا مباشرة بل استغرق الأمر سنتين كانت نورا هي التي اختارت لي زوجتي الحالية وكنت صريحاً معها فأخبرتها بكل شيء ومدى حبي لزوجتي السابقة وسبب انفصالي كما كنت صادقاً معها بأني لن أقطع علاقتي بسارة حتى لو تزوجتها كان الأمر ملتبساً عليها في العام الأول ، لكنها تقبلت ذلك فيما بعد وقد قابلنا سارة في باريس وعرفتها بها فلم تبدِ اعتراضاً مع بعض الغيرة . وتأكدت خلال لقائنا أن ما بيني وبين سارة الآن لا يتعدى الصداقة والإخوة ، حين طلبت منها أن أسمي ابنتي عائشة على زوجتي الأولى  كانت حكيمة ، فوافقت ، لكنها قالت : تحيطني بذكرياتك السابقة لكني أتمنى أن تحبني كما كنت تحب زوجتك الأولى .

رغم أني لم أستطع أن أكون مع زوجتي كما كنت في السابق مع سارة ، ولم أستطع أن أنزع ذكرى محبوبتي السابقة من قلبي إلا أني احترمت زوجتي وأخلصت لها لكن قلبي لم يتمكن أن ينسى ما مر به من تلك العلاقة العنيفة التي جمعتني بسارة فكنت أحياناً أذهب لبيروت لكي أبقى معها لبعض الوقت تقول كل مرة : ستدمر حياتك ، لكني لم أكن أصغي لما تقول وأعيد الكرة في العام مرة أو مرتين ، وعندما تعاتبني كعادتها أقول لها : لم يبقَ بيننا إلا لقاءاتنا البريئة فلا تحرميني من بقايا حبك ، كانت تضحك وأعود للدوحة من جديد لبيتي وزوجتي وابنتي .