الأدب ..

الكلمات متشابهة، فأنا أملك الحروف والمفردات التي تملكها، وهي هي الحروف نفسها، كلٌ منا يوظفها فيما يريد، ومنا من تخونه الكلمات في بعض المواقف، لذلك فلا فرق بيني وبينك سوى المهارة التي استعملها أو تستعملها أنت في تشكيل تلك الكلمات والجمل لنجعلها مقنعة، مؤثرة، حزينة أو مفرحة، يشاركنا فيها الخيال ونقرأ تعابير الوجه ونكتبها.

لنتفق على شيء، أن الكلمات موجودة لدى الجميع!! فما الذي يجعل الجملة التي تقولها أنت مؤثر أكثر من الجملة التي أقولها أنا، أظن أنه الذوق والأسلوب هما اللذان يحددان شكل ومعنى الجملة، الفقرة، القصة، المقال أو الموضوع، فهي مسألة ذوق وتَمكن، كما هي الأزياء أحدهم ذوقه راقٍ، والآخر جميل، وغيرهم لا يحسن اختيار ملابسه.

الذوق مهم، فهو الذي يعطي اللمسة الجذابة، لكننا لا نطلق كلمة ذوق على الجملة، بل نقول جملة متناسقة، أو فقرة محكمة، أو بيت شعر بديع، أو خطاب رائع، وكل هذه المواضيع استطاع أصحابها أن يشدوا انتباهنا بأسلوبهم الجميل في اختيار الكلمات المناسبة ليوصلوا ما يريدون دون أن ننفر منه، فهم أصحاب ذوق رفيع في اختيار الكلمات وترتيبها وتنسيقها وحبكها لذا فهم مبدعون ، أو ماهرون في الكتابة.

لا أريد أن أشبه الإبداع الأدبي بالأزياء أو أي نوع آخر من الفنون ذات الذوق الرفيع، أريد أن أرسخ فكرة بسيطة أنه يمكننا أن نوظف الكلمات بالشكل الذي يعجب الجمهور لكي نلفت انتباهه، والكثيرين يمكنهم فعل ذلك، والمعضلة لا تكمن في تبني تصورات الجماهير الأدبية، بل تكمن الصعوبة في أن أوصل الفكرة التي لا ترغب فيها أنت بشكل يجعلك تتقبلها أو يجعلك تفكر فيها من جديد بشكل مختلف عما كان عليه تفكيرك قبل أن أطرح تلك الفكرة بمنظوري الخاص.

الكثير من الوسائل يمكننا تعلمها في مجال الأدب، والكثير من المهارات أيضاً، كل شيء ممكن، الفرق أن المهارات التي تكون وليدة إبداع مترسخة بشكل أكبر وأعمق من المهارات التي تكتسب دون وجود سابقة لها في النفس، وكذلك التي نكتسبها دون تعلم حين نخضعها لوسائل التعلم تنتظم وتترسخ بشكل عميق يجعلنا نستخدمها بمهارة أكبر.

الأدب كالبحر، مهما أخرجنا من بطنه من كلمات وإبداع يستطيع غيرنا أن يستخرج منه كلمات أجمل وأروع مما أخرجنا، والمهم أن نتقبل ما يكتبه الآخرون، وننظر إلى جماله وما يحمل من إبداع، فالأدب لا يقف عند قلم واحد، ولا شخص واحد، ففي كل حفرة في الأدب ألم وجمال، نجاح وفشل، نتعلم ونعود لنكتب من جديد، ويعود الآخرون ليقيموا أعمالنا، ونقيم أعمالهم ونصفق جميعاً للعمل المبدع الجميل دون النظر إلى الأشخاص فقيمة العمل الأدبي تكمن فيه، وهي التي تميز صاحبه، أسماء الكُتاب لا تميز الأعمال الأدبية، بل الأعمال الأدبية هي التي تميز الكُتاب.

هيا نلعب …

هيا نلعب، حتى يسقط الضعفاء، فنقتسم الغنائم، ونرقص على جثثهم، هيا نلعب بعقول الشعوب، لكي نسيطر على ما يملكون، فنحن كنا المحتلين، ونحن الحاضر ونحن من صنع تاريخ تلك الدول الغارقة في التفاهة وتظن أنها مستقلة، نلعب بهم لكي يروا أننا لا زلنا نسيطر عليهم، وننقلهم كالبيادق بين الرقع السوداء والبيضاء، فنحكم على من نشاء بالإعدام، ونولي من نشاء الحكم.

سنشعل لهم السماء بألعابنا، وتضل أعناقهم عالقة تراقب المشهد، في خوفٍ خاضعين، لكي يتجنبوا ألعابنا الخطرة التي كانوا يظنون أنهم يحسنون استخدامها.

هيا نلعب اللعبة التي نكررها كل عشر سنوات، فنشعل الفتيل، ونتركه مشتعلاً، ولا أحد يستطيع أن يقطعه سوانا، فإما أن نأخذ ما نريد عن طيب خاطر، أو نتركه يصل للبارود، فإن أطاعونا وأخذنا ما نريد، سنعطيهم بعض الألعاب النارية ليحرقوا بعضهم، ولن نتدخل، سنتركهم يتسلون بتلك اللعب حتى يملوا الموت.

هيا نلعب لعبة الأمم التي باعت كل شيء في الخفاء، وخزنت أموالها في البنوك، وحاكت مؤامراتها في الغرف المغلفة، نلعب لكي نكرس السيطرة، ونصنع قوانين جديدة، يعيدون من خلالها بيع ما تبقى من الأوطان، ودعهم يجمعون أموالاً أخرى غير تلك التي أصبحوا لا تعرفون مكانها، وسنساعدهم على نسج الأكاذيب الجميلة من أجل تمجيد العروش.

هيا نلعب، فلا إله في اللعب، ولا مساجد، ولا كنائس، فالألعاب لا يضع قوانينها الرب، ولا يبعث الرسل من أجلها، فتركوا الآلهة بعيداً عن ألعابنا، ألا تروا أن لا إله في الشطرنج، بل هناك ملك، ألا تعرفون أن الرسل جاءوا برسائل، ولم يأتوا بقنابل، ألم تقولوا أن الملائكة لا تحب الكلاب.

هيا، هيا، فكلما تأخرتم، تكون إمكانيات خصومك أكبر، فعليكم أن تلعبوا معنا من البداية، فربما تصلون للأدوار المتقدمة، وأنتم تعرفون بالتأكيد أنكم في النهاية ميتون، لكننا سنخلد أسماءكم “كأفضل اللاعبين الأغبياء”

صدمة العاطفة ..

لا توجد حدود للمشاعر، ولا قوانين، الشعور شيء غير ملموس لا يمكننا قياس مدى فاعليته من شخص لآخر ولا تأثيره في الأشخاص، فأحدنا تؤثر فيه دموع طفل بشكل بالغ وآخر تؤثر فيه تلك الدموع بشكل سطحي ولكل شخص تبريره الذي يستند إليه ولكل منا نظرته الخاصة للدموع، ممن تصدر ولما صدرت، أمور كثيرة تجعلنا نعطي لتلك الأحاسيس قيمة، أو نقلل من شأنها.

هي مشاعر تتفاعل في مساحة من أنفسنا لا يمكننا أن نصل إليها، كتلة كامنة لا ندري متى تنفجر، عاطفة الحب، لا نعرف متى تتملكنا، والحنين، وتأثير الذكريات، نقف أمامها عاجزين في أحيان كثيرة، ولا نجد تفسيراً منطقياً يبرر أو يفسر ردة الفعل على المشاعر المقابلة.

لو أخذنا عاطفة واحدة مثلاً: الحب لا نعرف متى نتخلص من تأثيره حين نقع فيه، أو متى نفيق من غيبوبته التي نتفاعل معها، دون أن نضع لها حدوداً ولا مدى وفي أحيان كثيرة تكون نتائجها كارثية، توصلنا لمرحلة الصدمة العاطفية أو الانهيار، نصاب بالصدمة في البداية والنهاية، في البدايات غيبوبة والنهايات ضياع، وفي كل منهما لا نتحكم في مشاعرنا سواء بالسرور أو الضيق.

يعترف العالم بأجمعه أن هناك مشاعر، لكنهم لا يعطوا تفسيراً واضحاً لتلك الأمور التي لا يمكننا التحكم فيها ربما يكتشفون إفرازات الغدد بعد حدوث ثورة الشعور، لكنهم لا يستطيعون أن يصنعوا شعوراً واحداً دون اكتمال عناصره.

إلى متى أحبك …

عندما نتحدث عن العلاقات الشخصية، أو نفكر بها لا نسأل أنفسنا في أغلب الأحيان لماذا؟ ولا أعني بماذا؟ أن أفكر في الفائدة المرجوة من العلاقة بحث أن تصبح العلاقة تبادل مصالح، وهي بالفعل تبادل مصالح، لكن المصالح المالية والسوقية هي الوحيدة التي تأخذ في الاعتبار في هذا الجانب، لكننا لا ننظر إلى الجزء المعنوي والعاطفي على أنه فائدة أو مصلحة، والعكس هو الصحيح من وجهة نظري فالفائدة المعنوية من العلاقة هي التي تعززني وترفع من شأني كإنسان حقيقي بعكس القيمة المادية التي تنمي النظرة المصلحية المتمحورة فيما لدي وما أملك.
لكننا في الحقيقة لا نقيم احتياجاتنا النفسية بشكل صحيح لكي نعرف ما هي الجرعة الصحيحة التي يجب أن نتلقاها من الأشخاص المحيطين بنا وهل ما يعطونا إياه من مشاعر حقيقي أم هو غاية يستخدمونها للوصول لهدف يصبون إليه، فالإنسان مركب غريب يختفي جزء منه بمكر ليحقق الجزء الآخر أهدافه، بمعنى أن الماكر يظهر لك الود، لكنه يخونك في النهاية، ويعتبر هذا انتصاراً، وهنا تكمن مشاكلنا مع الآخرين ثقتنا المفرطة في بعضهم، ونفورنا من آخرين تتولد لدينا قناعات بأن من نثق بهم هو الصادقون المخلصون، ونحن لا نملك في الحقيقة ما يثبت ذلك في أغلب الأحيان، لكننا نقيس بعواملنا النفسية، ولو نظرنا بعين مجردة لقياساتنا في هذا الجانب سنكتشف الكثير من القصور، وسنشك في أقرب المقربين لنا.
المسألة معقدة، أحياناً تكتشف أن من تحبه وتدنيه يستغلك بفعل عاطفتك الحميمة نحوه، فنقطة ضعفك التي يمكنه أن يستفيد منها هي مشاعرك التي تغمره بها وبسببها تمنحه الرعاية والاهتمام، بعكس ما يفعل هو؛ بحيث إنه يستفيد منك، ثم يعطيك الرعاية والاهتمام بقد استفادته المادية، هنا تتحقق المصلحة بشكل مقلوب، لكنها تتحقق في مستوى معين غير حقيقي، فالحقيقي لا يتغير وإن شابه بعض العيوب أو التغيير فالقيمة الكامنة فيه نقية.
بعد فترة من الزمن، وبعد أن نكتشف حقائق المحيطين بنا ربما لا نستغني عنهم؛ لأننا بحاجة إلى وجودهم في حياتنا، ولو كلفنا ذلك الكثير من الأضرار النفسية والمعنوية.

بين لحظتين ..

لا أدري هل أحمل قلمي لأكتب أم يحملني قلمي على الكتابة فالدوافع كثيرة والقلم واحد، وكلنا نكتب بعضنا لديه غاياتٌ سامية وبعضنا لديه أهداف كبيرة وبعضنا أحلامهُ صغيرة، ربما أكون الأخير، وربما أكون الأول لكني أكتب لأملأ ذلك الفراغ المتنامي في نفسي بين الواقع الميت والفراغ، بين ما أريد وما أنا عليه فعلاً، فهناك نقطة يبحث عنها الإنسان طوال حياته، ولا يدركها وإن أدركها شارف على النهاية؛ لأن الكمال يعني النهاية التي لا تأتي قبل أن نصل إلى قمة معينة نستطيع أن نسقط من فوقها.
الفكرة التي تأتي لا ترحل فهي تخرج من تلك الصراعات الغريبة في نفوسنا التي تُصدر أشيائها من اللا شيء لتزعجنا وتعكرنا أو تسعدنا، وفي الحالتين النفس تشغلنا بتلك الأشياء التي تتولد من لا شيء، ومن كل شيء فالذكريات فينا، لكنها لا تستطيع الحركة والنفس تلعب لعبة المكعبات تجمع تلك القطع في لحظات لتشكل لنا الصورة، ثم تعود وتبعثرها؛ ثم تشكلها من جديد وتنسفها وتنسفنا معها وكأن الفراغ الكامن فينا يتجمع ليصدر لنا ما يريد وأحيانا تخدعنا لتوهمنا بما نريد، ونحن البشر نسير خلف دوافعنا الداخلية، غاياتنا وأهدافنا وأحلامنا، لا ندري ما الذي سيحدث في الغد فقط، بل في الدقيقة التالية، التالي مجهول والراحل ذكريات، ونحن نعيش لحظتنا فقط بقناعتنا أو رغماً عنا سنعيشها.
الزمن ليس أنا وأنت الزمن هو التراكم الذي نُحدثه خلفنا لنرسم الماضي المختفي من لحظاتنا، فأكون أنا كما رأيتموني، ونكون نحن كما رأونا ونكون دولة، ونكون أمة بين لحظتين فائتة وقادمة ونحن فقط اللحظة الوسطى التي تجمع بينهما، بين الماضي المحتشد بالذكريات والمستقبل الفارغ، وكأننا صفحات تكتب فالصفحة التي تمتلئ تُقلب لتخرج لنا صفحة جديدة فارغة ونحن الأقلام التي تملؤها.
لا أدري هل هي فوضى مشاعر أم فوضى أفكار، وأظنها الفراغ المتصارع مع المحسوس، الفراغ الذي ينصب لنا الكمائن من الذكريات لننطوي على أنفسنا، وننكفأ ثم نتلاشى.

لا روابط .. لا روابط ..

لا روابط .. لا روابط ..
ليس بين الموت والاشواق رابط
لا ولا بين العيون الدامعة
والاحساس رابط
ولا العواطف
ولا المشاعر والاحبة .. أي رابط
ولا الأماني والدروب
ولا بين القلوب
التي ماتت مشاعرها وذابت
بين التجاهل والهروب
لا روابط لا روابط
فالحب كان المبدأ المفقود دوماً
بين ازهار اللقاء
واشواك الرحيل
وتلك العيون الرقصات
الباكيات
بين ضحكات الهوى
وصرخات الضياع
لا روابط لا روابط

الرواية بين النقد والرأي، ومشاعر الكاتب.

حين يفرغ المؤلف من روايته، ويطرحها للعامة لا يحق له تقييم العمل، فمهما كانت قناعته بالعمل لا يحق له أن يحكم عليه، حيث إن العمل صدر منه، وتقمص شخصية أبطاله، وفي هذه الحالة يكون حكمه منحازاً للعمل دون أدنى شكل، فأي رأي سيمتدح فيه روايته، يكون رأياً سلبياً، حتى لو كان العمل رائعاً بالفعل، مجرد أن يسلب الكاتب حق الجمهور في إبداء الرأي أو تقييم العمل يكون قد تدخل في قرارهم بالحكم على الرواية.
القرار المهم الذي يجب على الكاتب اتخاذه في تقييم العمل هو مدى ملائمته للنشر، وهل يصلح للقراءة، أو لا يصلح، والعمل والجهد كله الذي يقوم به الكاتب، من كتابة وتدقيق وتصحيح ومراجعة، يفعلها لكي يخرج العمل في أفضل صورة ممكنة، وبعد النشر ينتظر رأي النقاد والقراء في العمل، ويجوز له إبداء رأيه فيما يقال ويجوز له أن يدافع عن عمله، ويبرر كل شيء طُرِح من قبل النقاد والقراء دون حرج، فإيمان الكاتب بالعمل وما بذله من مجهود يعطيه الحق أن يدافع عن عمله الأدبي دون رفض النقد بشكل عام، ودون أن يعترض على نقاط الضعف التي يصل إليها النقاد في العمل، فالنقد لا يجرح العمل إلا إذا كان العمل سيئاً، أما إن كان العمل جيداً أو مميزاً، فإن النقد بين للكاتب نقاط الضعف التي لم يلمسها هو شخصياً، لذا يجب أن يستمع الكاتب لرأي الناقد بحرص، ويرد عليه بإتقان بما لا يخرج عن صورة العمل، أو يحول الصدام مع النقاد من صدام فكري إلى صدام شخصي.
من المؤكد أن العمل الأدبي يتجاوز صاحبه كما في باقي الأعمال الفنية، ورغم أنه يحمل اسم صاحبه، إلا أنه يصبح مشاعاً بعد طرحه في السوق، ويملك كل ناقد أو قارئ نظرته الخاصة في التقييم، الآراء التي تطرح تناقش ذلك العمل من زوايا مختلفة وفئات مختلفة، فالنقد مثلاً له مدارس كثيرة تحمل كل واحدة منها وجهاً مختلف في قراءة النص الأدبي، وكذلك أذواق القراء تختلف بحسب اهتماماتهم وثقافتهم، واستمتاعهم بالعمل، وللقراء ميزة على النقاد يجب أن لا يتجاهلها الكاتب، لأن القراء هم الجمهور الذي يخاطبه الكاتب في روايته، فحين يقول قارئ هذا عمل ممتاز، أو هذا عمل ضعيف، لا يستدعي ذلك الإحباط أو الغرور، بل يستدعي أن ينتبه الكاتب لجوانب عمله القوي منها والضعيف، فرأي الجمهور رغم أنه غير احترافي إلا أنه الرأي الذي يجعل للكاتب مقبولاً أو مرفوضاً من قبل الجمهور.
الكاتب يعيش مع شخوص الرواية ويتقمصها، ومهما ظن الكاتب بعد زمن أن تلك الشخصيات التي كتبها زالت من تفكيره فهو مخطئ؛ لأن تأثير الشخصيات ينطبع في عقله ومشاعره هكما انطبع على الورق، ومهما طال الزمن يبقى تأثير تلك الشخصيات فعالاً، حين يستمع الكاتب لنقد أو رأي يمس روايته، لذا يجب أن يتعامل الكاتب بحذر حين يتلقى الآراء المختلفة وعليه أن يراجع قدراته لكي يُوصل الصورة الصحيحة التي يريدها أن تصل للجمهور، وهذه النقطة تسبب الكثير من القلق لدى الكُتاب، فحين تكون الصورة واضحة في عقل الكاتب ولا يستطيع أن يوصلها كما يتخيلها للقارئ، تصبح هناك فجوة بين الفكرة والسرد، بمعنى مهما كانت الفكرة صحيحة لدى الكاتب ولم يوصلها للقارئ بالشكل السليم ستشكل صورة مختلفة في خيال القارئ عما هو في خيال الكاتب، فيسير التفكير في اتجاه مختلف عما أراد الكاتب أن يوصله للجمهور في عمله الأدبي.

الأفكار ..

هناك جملة تجمع كلماتها بصعوبة لتكمل المعنى وهناك قصة تُكتب كاملة دون توقف، لا يعني هذا أن الجملة صعبة أو أن القصة سهلة، بل يعني أن كثافة الجملة تجعلك تحتار في اختيار الكلمات المناسبة لتُوصل المعنى الذي تريد .
هي أفكار عليك أن تجيد ترتيبها عبر السطور، تحاول توصيل فكرة معينة كما تخيلتها دون أن يخرج المتلقي عن اطارها، لو وصلت لهذه اللحظة تكون قد حققت ما تريد. .

فواصل ..

الخط الفاصل بين الظلام والنور . هو نفسه الفاصل بين الخيال والواقع

هذيان ..

لا اعرف للذكرى مقراً ..
ولا وطناً .. ولا دوله ..
ولا اسماً .. ولا عنوان ..
وهي .. تعرف عنواني ..
وأحزاني ..
وتعرفني .. من الماضي ..
أنا إنسان ..
يعيش الدهر في أمسه ..
ويغني العمر في همسه ..
ويعود .. لسالف الازمان ..
يعود لذكرى .. يعايشها
على وقعه .. يعشقها .. ويسحقها ..
ويرغمها .. على العصيان …
ويا طاقتها .. على صبره ..
وقوتها .. على أسره ..
تعيش لتأكل الايام .. من طبقه ..
ويسكر منها .. الفكر في … راسه
واعود .. أنا الإنسان ..
أبكي في هدوئي .. صمت ..
واشكي .. من عذابي ..
ليت ..
للذكري .. قلبٌ فاقتلها ..
وفم .. لأخرسها
واعود لتاريخي .. بلا هذيان

من الأرشيف

صخب ..

قليلاٌ من الهدوء لا أكثر هذا ما أحتاجه، ورغم أني أعيش في محيط هادئ، إلا أن الصخب ينتشر في داخلي، فتلك الأفكار والمشاعر والأحلام والخيالات لا تترك لي مجالاً لأن أنفرد بنفسي في هدوء، دون أن يقطع الانفراد حلماً أو شعوراً أو فكرةً أو خيالاً، الصخب لا يكون في الخارج دائماً أحياناً يكمن في داخلنا نحن، باضطراب أفكارنا ومشاعرنا وأمانينا التي نتمنى أن تتحقق، الصخب هو أن تتضارب كل تلك الأمور في داخلك، دون أن تستطيع السيطرة عليها.

ليست مرحلة الضيق التي تمر بالإنسان نتيجة حدث حزين فقط، هذا الأمر حاصل لا شك، لكن الاستمرار في الحزن هو دليل على كمون ذلك الحزن في النفس، دون أن نقاومه أو نتجاهله أو نخلق أموراً تعطينا الشعور بالسكينة، فيبقى الحزن هو ديدن الإنسان، وإن ضحك أو تكلم وجامل، ويعود ليسيطر عليه بمجرد أن يختلي بنفسه، شأن الحزن في هذا شأن الأحلام والأمنيات والأهداف التي لم تتحقق وترك فينا أشياء تخرج ما أن نستكين لأنفسنا.

الصخب الداخلي، الذي تتصارع فيه كل الأشياء الموجودة في النفس، وهو الذي لا يترك لنا مجال لكي نقاومه، ولا أن نمحوه، يحتاج منا الكثير من الوقت والتغاضي والتجاهل، وأن نقتل أحلامنا، ونوقف الأفكار الطارئة، ونبتعد عن كل أمور الدنيا، وربما لا يجدي ما نفعل ويستمر رغماً عنا.

يستغرب الكثيرون من رغبة البعض في الوحدة والانفراد بأنفسهم ظنّاً منهم أن الوحدة حالة مرضية إذا استمرت لفترة طويلة، ولهم الحق في ذلك فالإنسان اجتماعي بطبعه، لكنه يحتاج أن يترك لنفسه مجالاً لكي يرتب ملفاته والأوراق المتناثرة في رأسه، يريد أن يستمع لذلك الصوت الذي في داخله، ليفهم تلك الأفكار الثائرة والخيالات، ويعيد ترتيب أمانيه المدمرة وأحلامه الآفلة، فلا مجال لديه أن يعطي البشر الكثير من وقته، ولا أن يسمح لهم أن يدخلوا مجاله النفسي، فهذه المنطقة محرمة عند من يؤمن بالعزلة والانفراد، ورغم ما يشعر به من راحة حين يكون وحيداً، إلا أنه يواجه ذلك الصخب الذي في داخله ويستسلم له، في الكثير من الأحيان.

بين الترف والحضيض ..

على ماذا نريد أن نمشي، هل نختار أن نمشي على الحرير؟ أم الشوك؟ سنختار الحرير بلا شك، لكننا لا نسأل أنفسنا ما الذي سنتعلمه ونحن مترفون؟ وماذا سنعرف ونحن متعبون؟ هناك فرق كبير بين الترف والشقاء، بين التعب والراحة، هناك قيمة مفقودة في كلا الطرفين لا يمكننا أن نعرفها إن لم نجرب.
اختر الحرير، عزيزي، فالحياة المترفة تعطيك ألقًا وبريقًا، لا تجدهما في حياة التعب والعناء، بل يجعلك تفكر في اظافرك، ولون بشترك، ومزاج عطرك، وستركب الفاخر، وتجلس على الوسائد، لتنعم بكل الراحة وتشرق، فتتكلم عطراً، وتتحرك كأنك في ماء بسلاسة، وكل هذا من حقك فأنت مترف .
اختر الشقاء عزيزي، فالشقاء كدٌ وتعب، وأيادٍ خشنة، ورائحة عرق، وتفكير مستمر لا ينقطع في الغد، الرغيف له قيمة، والماء له طعم، والعطر يخبرك أن أحدهم مر بجوارك ولم يلتفت لك أو يقترب منك، التعب يلقي بك على الفراش فتنام كأنك في غيبوبة لا تستيقظ إلا بعد أن يسكبوا على رأسك الماء، أو تنفجر السماء فوقك، وتأكل كأنك لم تذق طعاماً قط، وكل شيء له قيمة في نظرك، وكل شيء له جهد في نظرك .
لم تولد الأمجاد من الترف، ولا تولد من الحضيض ومن يخرج من الحضيض، يكون طامعاً في الدنيا ، ومن يعيش في الترف، يرسم الدنيا على هواه، من يأكل وهو متعب ينهم الأكل لكي يسد جوعه لا يفكر فيما يحتويه، همه الوحيد أن يجد طعاماً، ومن يأكل وهو مترف، يتذوق أجزاء الطعام، ويعكر مزاجه نكهة زادت عن الحد، من يمشي في تعب لعمله يصل مجهداً ليعاقبه مديره، ومن يركب الفاخر، يصل على مزاجه، وفي الوقت الذي يريد، ليرحب به الجميع .
المجد يولد حين تتزن الأمور، بين الترف والحضيض، في هذه المساحة الضيقة، تولد مجموعة، تعرف قيمة الدنيا ، وتدرك قيمة العلم، وتعلم أن الحضيض مقبرة، وأن النعيم مفسدة ، مساحة بها أناس متزنون، حين يفكرون في الرقي يكون العلم وسيلتهم، وحين يفكرون في الربح تكون القيمة ميزانهم، تعيش هذه المجموعة بين الحضيض والترف، يسمونهم الوسطى، الطبقة الوسطى، غيابها يعني التدهور ونموها يعني التقدم.

القهوة ..

الاكواب تتغير .. وربما يتغير مذاق القهوة في بعض الأماكن .. وما يستمر هو بحثنا عن شيء اسود مر نستسيغه ونحبه ، فاللذة والجمال ليست كلها سكر ابيض هناك أشياء يكون سعرها اعلى بكثير من مجرد قيمة ، فالمعنى اعلى شأناً من الشكل ، والمال الذي نشتري به فنجان القهوة لا يوازي لحظات الاستمتاع التي نعيشها ونحن نحتسيها .

دراسات وأبحاث أدبية ..

قراءة في بعض الدراسات التي تنقد وتحلل الأعمال الروائية.

قرأت دراسات في تحليل الروايات وبالتأكيد تتناول هذه الدراسات بناء الرواية، أسلوبها وعناصرها، وتتطرق للكثير من التفاصيل والمقارنات بين العمل الذي تقوم عليه الدراسات وأعمال أخرى مشابهة أو قريبة وتحمل العناصر نفسها، الدراسات التي قرأتها تذكر المدارس التي ينتمي إليها بعض الكتاب كمرجعية، وهذا شيء جيد يُمنهج العمل الروائي ويضع له قوالب متنوعة ومختلفة ومتطورة، وقابلة للتحول في المستقبل.

تتناول الدراسات المكان والزمان والشخصيات والأساليب والتفاصيل واللغة والحبكة، بأسلوب تحليلي دقيق والجيد في هذه الدراسات أنها تتناول الأعمال الأدبية التي بها مضمون قوي وصحيح ككتلة روائية مبنية بشكل سليم، ولا اختلف مع الباحثين في هذه الجوانب، ولا أنكر عملهم، بل أستفيد شخصياً من هذه المواد القيمة، فهي تبين الكثير من الجوانب الخفية في الرواية محل الدراسة وتفكك عناصرها بشكل يثير الإعجاب.

فقط لدي ملاحظات لا تمس الدراسات، وهي تعني بالكاتب وكيفية تشكيله للرواية، فهو إنسان له ثقافة ومرجعيات ولغة، وحين يبدأ السرد تكون الأهمية الأولى هي العمل الذي يشتغل عليه، حبكة الرواية وشخوصها وأحداثها تفرض على الكاتب أن يخرج أحياناً عن السياق الذي أطر فيه الأفكار الأساسية قبل البدء في الكتابة، مثلاً التعاطي مع الزمن يختلف من عمل لآخر، في بعض الأعمال يكون الزمن عنصراً واجب الحضور، وأخرى يكون الزمن فيها مموهاً أو مائعاً، وكذلك المكان أحياناً يكون محيط يحدد موقع الحدث أو القضية وأحياناً أخرى يحمل الكثير من التفاصيل، ويحدد هذه الأهمية العمل نفسه ومدى خدمة تلك العناصر للرواية، فلو افترضنا عملاً أدبياً توثيقي يتناول مرحلة في الحرب العالمية الثانية سيكون الزمان والمكان واضحي المعالم، بعكس لو كان العمل يناقش قضايا اجتماعية، فيخف وضوح الزمن.

كذلك اللغة، فلغة الرواية البسيطة تجعل القراءة تنساب بسلاسة، لكنها تخضع لمعايير واعتبارات، منها مثلاً المجتمع الذي يعيش فيه الكاتب ويريد أن يوصل فكرته له، عليه أن يجعل اللغة سلسة بعيدة عن التقعير والكلمات الغير مستخدمة والمصطلحات الغريبة، ولو اضطر الكاتب لاستخدامها عليه أن يضع لها تفسيراً، كذلك تخضع اللغة لدرجة إجادة الكاتب للغة المستخدمة، وتخضع أيضاً لأسلوبه هو شخصياً، هل هو سلس أم عميق أو مبتذل، الرواية تعكس شيئاً من الكاتب حتى لو أراد أن يخفيه، واستخدام اللغة مهم في الرواية؛ لأنه الأساس الذي ينقل من خلاله الكاتب أفكاره للقارئ فحين تكون اللغة ضعيفة لن تصل الفكرة وحين تكون اللغة مبتذلة يصبح العمل مملاً، التوازن يضعه الكاتب بناءً على تصوراته الشخصية فيما يرى أنه يخدم العمل.

على هوامش الرواية ..

لا توجد هوامش مكتوبة في الرواية إلا لتفسير أمر أو شرح معنى لكلمة، فالرواية لا تعتمد على الهوامش، لكن حين تدقق النظر في هذه المسألة تجد أن كل شخصية هامشية في الرواية هي هامش للرواية، وكل فكرة جانبية هامش أيضاً فهوامش الرواية غير مكتوبة على حواشيها، بل متضمنة داخل الرواية يبين الكاتب من خلالها نقطة واحدة، أو يأصَّل فكرة.

الرواية نسيج يبدأ من أصغر نقطة ويسير بشكل منتظم حتى يكتمل، فتلك الأمور التي أسميها هوامش غير مكتوبة على الأطراف تدخل ضمن نسيج الرواية لتكمله أو تزينه، فيستخدمها الكاتب بشكل غير منتظم في الرواية ليكمل الصورة.