تختبئ خلفي ..

لا أدري من أين أبدأ وأنا أكتب هذه المشاعر التي تسكن في خاطري، أأبدأ من ضيق نفسي أم من سعته، فإن بدأت بما يضايقني سأختنق وإن بدأت بما يسرني عدت إلى زمن لم أتمنَ أن أغادره أبداً.

    تلك الأيام مضت دون عودة على كل حال، ولن تعود، وأصبحت ذكرى، أشعر بها واسترجعها، وقد هدأت وتحولت إلى لحظات تمر بالخاطر تسره أو تحزنه، ثواني لا أكثر.

ما أعانيه في الحقيقة هو وخز الألم الكامن في الذكريات فهو أقسى وأطول، لا أسترجعه بشيء من الشجن، بل بكثيرٍ من الحزن الذي لا أتخلص منه بسهولة حتى مع مرور الأيام، وإن خفت وقعه، يبقى مزعجاً.

نعيش في السعادة فترة طويلة ولا نتذكرها إلا للحظات ونعيش الألم لحظات ونتذكرها طويلاً، نظلم السعادة بنسيانها ونرفع من قدر الألم ليسيطر علينا، نستسلم لذلك الشعور المحبط ونترك الإحساس الذي ينقلنا للنشوى والفرح، نقتل الابتسامة لنضع مكانها العبوس، نجرح أنفسنا بلحظات لا نريد أن ننساها.

لا أدري هل السرور شيء سطحي يُنسى بسهولة؟ وهل الألم عميق ويستطيع أن يبقى للأبد؟ سألت نفسي فلم أجد لديها ما يفسر تلك الفوارق، سألتها لماذا أتألم؟ ولماذا أفرح؟ ولمَ لا أتذكر السعادة وأغيب في شعور الألم؟ فلم تجبني، ولم تحاول مساعدتي.  

هي نفسي لكن أنا من وضع تلك التراكمات وتركها تترسب بداخلها، بحثت عن إسعاد تلك النفس بما يسرها، وربما بحثت هي عن أيضاً إسعادي وبهجتي، نحن الاثنان مخطئان أنا أتألم وأشعر بها تتألم أكثر، هي في الداخل وأنا في الخارج، أنا من يراني الناس ومن يخاطبونه، جبانة تلك النفس تختبئ خلفي، أحاول أن أختبئ مثلها فلا أستطيع، ليتها تخبرني كيف لي أن أفعل؟ فربما أجد شيئاً من الراحة أو الهدوء لعلّي أفهمها أو أكتشفها لو فعلتُ مثلها، لكنها ستبقى خلفي للأبد وسأبقى أبحث فيها عن كل شيء.

تحدْث …

نحتاج إلى الحديث، نعيد الكلمات على الكلمات ونعيد القصص، نعرف أنها مكررة، لكننا نعيدها هي ذاتها على مسامع أشخاص مختلفين، نكررها لأنفسنا آلاف المرات، قصصنا قيمة بالنسبة لنا، نجمعها في الذاكرة ونستدعيها وقت ما نشاء، لنُضحك الآخرين أو نلفت انتباههم، نتحدث عن أنفسنا، عن واقعنا وعما عايشناه وعانيناه، وعما سمعناه أو رأيناه.

حاجتنا إلى الحديث هي حاجتنا إلى أن نشعر بأهمية وجودنا، المسألة مهمة كالطعام والشراب، مع اختلاف الشعور في كل جانب، حاجتنا الجسدية غريزة ظاهرة، وحاجتنا النفسية باطنية، لكنها حاجة تقع في النفس وتخرج منها، الصوت بحد ذاته رسالة للآخرين، الحديث بصوت مسموع رسالة، أنا موجود، أحتاج إلى كذا، أريد أن تعرفوني بهذا الشكل الذي أخبركم به.

تضارب مشاعر

غريبة تلك المشاعر حين تتضارب بسبب الخوف، وقد جرب أغلبنا ذلك الشعور، حين نقف في نقطة معينة ننتظر خبراً إما أن يكون ساراً أو تعيساً، مثل انتظار نتيجة الامتحان، أمل في النجاح وخوفٌ من الرسوب، أو أن تنتظر نتيجة تحاليل طبية، بين الإصابة بمرض وعدم الإصابة، شعور يستطيع أن ينزعك مما هو حولك، يتحدث داخلك ويسيطر عليك ويلغي كل اهتماماتك.

الأمل هو الحياة، والخوف هو الانتظار الصعب لشيء أصعب نتوقعه، ربما يكون مقياس النجاح والرسوب هو الأقرب لكي أصف هذه النقطة، رغم اجتهاد البعض وترقبه لنتيجة جيدة، فإن هناك مستوى من الفشل يحذره ويخاف منه، كذلك الفاشل لديه أملٌ في النجاح أو قدرٌ بسيطٌ منه وإن كان متأكداً من الفشل.

المسائل معقدة حين تتعلق بالنفس البشرية، أستطيع أن أضع تصوراً وأنت تستطيع أن تضع آخر لنفس المسألة من دون أن نتفق، كل واحد منا يعبر عن وصف حالته في تلك النقطة التي عايشها.

حديث الجنون ..

عندما تشعر أن كل ما حولك عبارة عن كذبة لا تريد أن تنتهي، حينها ستكتشف أن الحقيقة هي الصمت، وأن الصمت قد غزا كل ما حولك، كساه بتلك الطبقة التي تعبر عنه في السكون، فتنثر الغبار فوق كل شيء ليصمت وتكتشف أن الغبار قد كساك كباقي القطع من الأثاث التي لم يزرها أحد منذ أمدٍ طويل، وأنت تشعر برهبتها تتسلل إليك، هذا هو شعور الخوف الذي يخلقه الصمت في المكان، تكتشف أنك لم تكن موجوداً في تلك الأماكن التي كنت تظن نفسك موجوداً فيها .

الأماكن التي كنت تشعر فيها بالدفء والحب والشجن، لم تكن موجوداً فيها من الأساس، وأن الغبار قد كساك أنت أيضاً، فتحولت إلى قطعة باردة، عليها طبقة من الغبار السميك، لا أحدٌ يريد أن يقترب منك.

حديث المرايا ..

أصبحت أحلم بالمرآة كثيراً، أرها أمامي وأنا فيها مختلف، لست أنا، ليست ملامحي، كأن الشخص الذي يجلس خلف المرآة، سُجن منذ زمنٍ طويل وحرم من الكلام والنظر، يقول لي: أنا هو أنت، لا توهم نفسك بأنك مختلف، فأنت تقبع في الجهة الأخرى من المرآة، وأنا أشاهدك كما تشاهدني.

أحقاً للمرآة وجهان، يسكنها في كل اتجاه شخص، ينظر كلاهما للآخر دون أن يتحدثا، ويعكس كلٌ منهما صورة الآخر، لكني لم أشاهد شبيهي في المرآة، بل إني شاهدت روحه، هي تشبهني، بعكس ملامحه، ذلك الشخص هو أنا من الداخل، أصبحت لا أعرف من المسجون خلف المرآة التي أحلم بها، هل هو أنا أم إنه شخص آخر، أم كلانا مسجونٌ في طرف.

حديث النفوس ..

أين الحب؟ ذلك العالم الجميل، الذي نشعر فيه بتألق الأشياء، وذلك البريق المليء بالجنون والشجن، اختفى منذ زمن، وأنا أجلس هنا أرى الأشياء التي كانت متألقة، قد كساها الغبار وخفتَ بريقها، سكنني الجنون، مات الشجن وساد الصمت منذ مدة.

 أراجع الماضي وأعيشه وحدي، والأشياء الصغيرة، أشيائي التي كنت أحتفظ بها في داخلي، ذبلت وماتت، لا أدري ما السبب؛ لكنها لا تبرق، ولا ترقص ولا تثورُ ولا تنطق .

كساني الغبار، ولوث أشيائي الجميلة، ألقى عليها طلاسمه المظلمة فخلدت في نومٍ عميق لا تُفيق منه أبداً .

قراءة في كتاب رائحة الكتب للأستاذ حسن انواري”

قراءة في كتاب شرق غرب القلب ل أحمد العلوي

https://youtube.com/watch?v=SWDZP079KYw&feature=share

قراءة في كتاب “رسائل القمر” لـ أحمد العلوي ..

مئة ليلة خلف ضياء امرأة

مئة يوم، يختزلها الرائع أحمد العلوي في رسائله للقمر لتكون رسائل مئة ليلة في ضياء امرأة، يبحث عنها وفيها، يخرج ليعود إليها كل يوم، فهي موجودة على الطرف الآخر، تقرأ، ترى، تلتقيه بين السطور وتدور مراحل التيه لدى السيد العلوي خلف امرأة قررت أن تجعل نفسها ملهمة لشخص يبحث فيها عن ذاته، عن قلبه، عن حياته في تفاصيلها .

تتجاوز تلك الرسائل الزمن فتتخيلها أنها مئة عام فالتفاصيل والذكريات كثيرة، لكل رسالة نغمة يختارها في أغنية تعيد مشاهد الشوق، تلامس أوتار القلب، ويعزف رسالته لتلك الغائبة بين الثنايا التائهة في الكلمات، موجودة ولا تراها، بل لا يجب أن تراها، يكفي أن تشعر بها في الرسائل فكلها كتبت بشوق يجعل البحث مستمراً حتى تؤمن أن للغياب جمالاً يفوق الألم .

جميلة تلك الرسائل تنقلك لعالم من الخيال ، وتبحث في تفاصيل امرأة، التفاصيل التي نعشقها في النساء، قد أبدع العلوي في تعميق المعاني ، فكل فاصلة لها معنا، تفصل بين جملتين وعالمين، وعليك أن تتخيل كل شيء، وتغيب في التصورات والألوان .

ليست نصوصاً بل رسائل، فهي موجهة لشخص وإن كان غائباً أو متخيلاً، قريباً أو بعيداً، كلها بعثت لتبث الإحساس الذي أراد الكاتب أن ينقل من خلالها مشاعره إلينا وإليها، جميلة الرسائل بها شيء من الضياع تشتشعره بين الفقرات والجمل، كأنها مشفرة وكأن هناك شخصاً يعرف أنها له ويستطيع أن يفك رموزها .

ممتعة تقع في 240 صفحة أنصح بقراءتها .

قراءة في كتاب بين المد والجز لـ مي زيادة …

IMG_20170510_234744.jpg

الكتاب مكون من عدة مقالات تتناول فيها الكاتبة جوانب متقاربة في اللغة والفن والأدب والحضارة وتطرقت إلى جوانب اللغة العربية من حيث التحديث والتطوير في بعض الجوانب، وما دخل على اللغة من كلمات في ذلك العصر الذي يعد عصر نهضة في مصر في مجال اللغة والشعر، وتناولت التيارات الشعرية والمجامع الأدبية، وطرحت بعض الأفكار ، وتناولت بالنقد جوانب أخرى.

تسلسلت رؤيتها للغة العربية من القديم حتى الحديث واستشهدت بلغات أمم وحضارات سابقة، مثل اليونان والرومان، ودافعت بشكل جيد عن اللغة العربية، وقد تطرقت في بعض الجوانب للحديث عن الإسلام، وقد أثارت فضولي وإعجابي نظرتها المنفتحة على الدين الإسلامي حيث إنها أرجعت حفاظ اللغة العربية على شعبيتها إلى القرآن الكريم وهذا مسلم به عند أغلب الباحثين في هذا المجال، لكنها أرجعت الكثير من العلوم التي برع فيها المسلمون إلى القرآن والدين، فمثلاً حين تحدثت عن الرحالة العرب أوردت أن الرحالة بدأوا الاستكشاف وتسجيل ملاحظاتهم في رحلاتهم لأداء فريضة الحج التي كانت تستغرق وقتاً طويلاً، وتأتي البعثات من مناطق بعيدة، وأرجعت البراعة في علوم الفلك وحساب التوقيت لأهمية مواقيت الصلاة عند المسلمين، لذلك اجتهدوا لمعرفة المواقيت ومنازل النجوم، وجوانب أخرى ذكرتها في إحدى مقالاتها ضمن الكتاب.

تطرقت في كتابها إلى الأدب والفن، الرسم والموسيقى، ومن وجهة نظري أن ما قالته أفكار تُحترم وأسلوب راقٍ في النقد ، وأفكارها تحمل الكثير من الصواب، أسلوب مي زيادة شيق في طرح المواضيع لغتها قوية لدرجة أنك تعجب بالكثير من التراكيب اللغوية والمعاني في مقالاتها ، أسلوبها يمر من باب الأدب واللباقة، فتنتقد، بأسلوب سلس لكن لباقتها لا تمنعها من إبداء رأيها وتحليل ما تتطرق إليه من مشاكل بمنهج واضح ومقنع في أغلب الأحيان.

هذا رأيي ومن المؤكد أنها تستحق أكثر مما ذكرت.