الراحلون ..

إن للدموع طعماً مالحاً، وللجروح طعمٌ مر، فإن شربت من كأس الهوى يوما، ستعرف مرارة الجرح، وملح العيون.

لا تفرح بنشوة الهوى، ولا تسعد بصحبة حبيب، الزمان كما السجل يطوي أوراقه كل يوم ويأخذ معه أناساً كثر، فإن كنت سعيدا سترحل أنت أولا، وإن كنت شقيا، ستكون آخر الراحلين.

حيره ..

عندما تقف الأسئلة دون إجابات في رأسي .. أعرف أن هناك حلقة مفقودة في سلسلة أفكاري .. لم أكتشفها بعد …

رحيل ..

أرحل أذا حددت موعداً للرحيل فبقائك لن يغير شيء، لو بقي جسدك ستكون الروح قد رحلت بالفعل

أرجوك فكر معي ..

أنت لا تعرف المستحيل حين أتحدث معك ولا تقر بخطئك ولو لمرة واحدة ولا تتوقف عن الجدال، يا عزيزي لا توجد ملائكة تمشي على الأرض، وإن وجدت فأنت لست منها، عليك أن تضع احتمالاً ولو بسيطاً أن رأيك به شيء من الخطأ، وأن رأيي به شيء من الصواب، القاعدة تقول: لا صواب كامل ولا خطأ كامل، الأمور نسبية، اترك لي جزءاً بسيطاً تضع فيه رأيي ضمن النسبة الصحيحة وسأمنحك إن شئت أكبر نسبة للصواب، لكني دون شك لن أمنحك العلامة الكاملة .

     أنا وأنت بشر نتمتع بالصفات نفسها، فتأكد يا عزيزي، أن لا شيء سيمنحك القوة مثل الاستماع، وألا شيء سيمنحك الحكمة مثل التفكير، تمهل حين تسمعني أتحدث حتى أنهي كلامي، وخذ من الزمن دقيقة واحدة لتفكر، فقط دقيقة لا أكثر، تفكر فيها قبل أن تجزم بأن ما أقوله خطأ، مثلما تتجمع الأفكار في رأسك، هي تجتمع أيضاً في رأسي، وكما تتولد النتيجة لديك، أخرج أنا بنتيجة أفكاري، ولي الحق أن أطرح ما فكرت فيه فربما يكون صواباً.

ألغِ كل الاعتبارات، عزيزي، حين تستمع إليّ فلا المال ولا النسب مقياس للذكاء والنباهة، هناك موازين وقيم نلجأ إليها لنفكر بشكل صحيح ونقيس مدى صحة أفكارنا وجدواها، كما في قيادة السيارات، القواعد الأساسية ثابته لدى الجميع والإبداع يكون في الأداء، قف لحظة قبل أن تحكم على أفكار شخص بسبب شكله أو لونه أو جنسيته، صدقني ستجني الكثير من الفوائد بمجرد أن تتمهل وتترك الاستعجال، فالحكمة في التمهّل والمكاسب في الصبر .

     عزيزي لو جمعت النعم كلها، ستجدها أصفاراً أمام العقل، لا قيمة لها ولا هدف بلا عقل يوجهها، نحن نملك ذلك الميزان في عقولنا، نفكر ونُخرج الأفكار لكي تواجه الأفكار الأخرى الصالح منها والطالح، والمفيد منها والضار،  والخبيث منها والحسن، لا نناطح البشر برؤوسنا، بل الأفكار تتصادم فتستقيم أو تموت، تصمد أو تنتهي، أو تتحد فتُخرج أجمل فكرة بين عقول مشتركة تجمعها الأهداف النبيلة في أغلب الأحيان .

عن الرفوف والذكريات ..

عندما جاءت الأمنيات كنا معاً وعندما ضاعت بقيت وحيداً، أتذكرين تلك الخطى التي مشيناها سوياً، تلك الأصابع التي تشابكت في المسافات، لم تكن تعني أننا نمشي معاً، بل تعني أننا ربطنا الحياة والمصير بعهود لا تكتبها أقلام ولا تعرف الورق، لا حِبر لها ولا أفق، لا يعرفها إلا من عاشها، وأظن أني عشتها وحدي.

حين تصبح الذكريات مجرد ماضٍ، تفقد قيمتها وتتخلى عن كل معانيها الجميلة، المشاعرالتي تجعلنا نشتاق، وتزرع الأمل واللهفة في نفوسنا، وتبني معنا الغد، الأحلام الصغيرة، تلك الزاوية التي كنا سنضع فيها الزهور، وتلك التي ستحوي ألبوم الذكريات، وعلى الرفوف ستكون ملابسنا منسجمة ومتناغمة.

لم تعد أحلامنا كما كانت، لم نعد نحلم، الزهور ذبلت وتعفنت، وألبوم الذكريات تخلى عن الصور، وجدت إحداها على الأرض، التقطتها فشعرت بالسم يسري في عروقي، تذكرتك حينها مع الألم وهو يمزقني، كادت أصابعي أن تيبس لكني تمكنت من أن أمزق آخر صورة تجمعنا، حينها فقط شعرت أن سم الذكريات قد تلاشى، فهيا لنكنس الماضي معاً، فما دمرناه خلّف الكثير من الشظايا التي تمزقنا كلما دسنا عليها.

شجن ..

توقفت تلك الأحاسيس الشابة في صدري، لم أعد أشعر بإغراء العواطف كما في السابق، العمر يتقدم ويمسح تلك الانفعالات التي كنت أشعر بها في الماضي، يطويها ببطء، حتى يأتيها وقت تزول ولا تبقى سوى الذكريات، لتزورنا بين حين وحين، ربما لم أصل إلى تلك المرحلة بعد لكني أسير باتجاهها، فالعمر يتقدم ولا يتوقف.

عندما كنا صغاراً، كانت انفعالاتنا قوية وغرائزنا عنيفة، واندفاعنا نحو الأمام، لدرجة أننا لا نتوقف عند المشهد الجميل، بل نريد أن نقفز من مكان إلى آخر، وآخر، وآخر، نريد أن نرى كل الأشياء ونفعل كل ما نقدر عليه، وفي النهاية يتقدم بنا العمر فنكتشف أننا كنا نضيع الأوقات الجميلة في حياتنا بالاستعجال.

الآن أصبح كوب القهوة ممتعاً، الوحدة ممتعة، والكتاب كذلك، النظر إلى وجوه البشر في شارع مزدحم مُغرٍ، مراقبة طفل يقفز ويلعب في مكان عام مثيرٌ للاهتمام، تفاصيل الأشياء التي كانت لا تتضح لنا في شبابنا ونحن مستعجلون، صارت أوضح وأجمل مع تقدم العمر، لكن تراكم الماضي في عقولنا يشوش على الواقع، وأحياناً يدمره.

طفلٌ كبير ..

لو أردت أن أوصل معنى: كيف يجب أن تنظر المرأة للرجل؟ ما وجدت أبلغ مما قاله نزار قباني في هذا المقطع من قصيدة أغضب :

اغضبْ كما تشاءُ.. واجرحْ أحاسيسي كما تشاءُ

حطّم أواني الزّهرِ والمرايا .. هدّدْ بحبِّ امرأةٍ سوايا..

فكلُّ ما تفعلهُ سواءُ .. كلُّ ما تقولهُ سواءُ..

فأنتَ كالأطفالِ يا حبيبي .. نحبّهمْ.. مهما لنا أساؤوا.. 

أن يعود طفلاً حين يكون مع امرأة، هذا الأمر الذي لا يعترف به الرجل ، يواجه الرجل الدنيا بقوته وعنفوانه، لكنه يحتاج أن يعود طفلاً في حضن امرأة يحبها، يلقي بكل همومه وضيقه ويخلع لباس القوة ويتجرد من كبريائه ليستسلم في أحضانها كطفل في حضن أمه، يجب أن يعترف الرجل بأنه طفل أمام المرأة، وبعد ذلك يواجه العالم بكل قوة وعنف ويبرز كبرياءه لمن يشاء.

صباح الخير

هل أشرقت الشمس اليوم؟ أم تنتظر خبراً جديداً يخرجها من الصمت

ذكريات

يجب ألا نشوه الذكريات

فهي الشيء الوحيد الذي يبقى من الأشخاص الذين أحببناهم

في الهاوية ..

لم تكن تلك الكلمات لتسقط في الهاوية لو وجدت الكفوف التي تلتقطها في ظلام الشوق، لتحتضنها بشوق وتعانقها بشوق، سقطت لأنها لم تجدك في المكان المناسب والوقت المناسب، سقطت لتموت تحت قدميك.

لم تنتبهي إلا لنفسك، لم تشعري أنكِ تدوسين على قلب حبيب سقطت في كلماتهُ من أجلكِ، ليس مهمّاً الهوى، أو مَن هوى للهاوية، ليس مهمّاً أن رحل أو إن بقي، ليس مهمّاً أن تسهري، أن تنظري له، فهو مجرد كلمات تسقط تحت قدميكِ لتشعري بالفخر وترفعي هامتك عالياً.

تختبئ خلفي ..

لا أدري من أين أبدأ وأنا أكتب هذه المشاعر التي تسكن في خاطري، أأبدأ من ضيق نفسي أم من سعته، فإن بدأت بما يضايقني سأختنق وإن بدأت بما يسرني عدت إلى زمن لم أتمنَ أن أغادره أبداً.

    تلك الأيام مضت دون عودة على كل حال، ولن تعود، وأصبحت ذكرى، أشعر بها واسترجعها، وقد هدأت وتحولت إلى لحظات تمر بالخاطر تسره أو تحزنه، ثواني لا أكثر.

ما أعانيه في الحقيقة هو وخز الألم الكامن في الذكريات فهو أقسى وأطول، لا أسترجعه بشيء من الشجن، بل بكثيرٍ من الحزن الذي لا أتخلص منه بسهولة حتى مع مرور الأيام، وإن خفت وقعه، يبقى مزعجاً.

نعيش في السعادة فترة طويلة ولا نتذكرها إلا للحظات ونعيش الألم لحظات ونتذكرها طويلاً، نظلم السعادة بنسيانها ونرفع من قدر الألم ليسيطر علينا، نستسلم لذلك الشعور المحبط ونترك الإحساس الذي ينقلنا للنشوى والفرح، نقتل الابتسامة لنضع مكانها العبوس، نجرح أنفسنا بلحظات لا نريد أن ننساها.

لا أدري هل السرور شيء سطحي يُنسى بسهولة؟ وهل الألم عميق ويستطيع أن يبقى للأبد؟ سألت نفسي فلم أجد لديها ما يفسر تلك الفوارق، سألتها لماذا أتألم؟ ولماذا أفرح؟ ولمَ لا أتذكر السعادة وأغيب في شعور الألم؟ فلم تجبني، ولم تحاول مساعدتي.  

هي نفسي لكن أنا من وضع تلك التراكمات وتركها تترسب بداخلها، بحثت عن إسعاد تلك النفس بما يسرها، وربما بحثت هي عن أيضاً إسعادي وبهجتي، نحن الاثنان مخطئان أنا أتألم وأشعر بها تتألم أكثر، هي في الداخل وأنا في الخارج، أنا من يراني الناس ومن يخاطبونه، جبانة تلك النفس تختبئ خلفي، أحاول أن أختبئ مثلها فلا أستطيع، ليتها تخبرني كيف لي أن أفعل؟ فربما أجد شيئاً من الراحة أو الهدوء لعلّي أفهمها أو أكتشفها لو فعلتُ مثلها، لكنها ستبقى خلفي للأبد وسأبقى أبحث فيها عن كل شيء.

تحدْث …

نحتاج إلى الحديث، نعيد الكلمات على الكلمات ونعيد القصص، نعرف أنها مكررة، لكننا نعيدها هي ذاتها على مسامع أشخاص مختلفين، نكررها لأنفسنا آلاف المرات، قصصنا قيمة بالنسبة لنا، نجمعها في الذاكرة ونستدعيها وقت ما نشاء، لنُضحك الآخرين أو نلفت انتباههم، نتحدث عن أنفسنا، عن واقعنا وعما عايشناه وعانيناه، وعما سمعناه أو رأيناه.

حاجتنا إلى الحديث هي حاجتنا إلى أن نشعر بأهمية وجودنا، المسألة مهمة كالطعام والشراب، مع اختلاف الشعور في كل جانب، حاجتنا الجسدية غريزة ظاهرة، وحاجتنا النفسية باطنية، لكنها حاجة تقع في النفس وتخرج منها، الصوت بحد ذاته رسالة للآخرين، الحديث بصوت مسموع رسالة، أنا موجود، أحتاج إلى كذا، أريد أن تعرفوني بهذا الشكل الذي أخبركم به.

تضارب مشاعر

غريبة تلك المشاعر حين تتضارب بسبب الخوف، وقد جرب أغلبنا ذلك الشعور، حين نقف في نقطة معينة ننتظر خبراً إما أن يكون ساراً أو تعيساً، مثل انتظار نتيجة الامتحان، أمل في النجاح وخوفٌ من الرسوب، أو أن تنتظر نتيجة تحاليل طبية، بين الإصابة بمرض وعدم الإصابة، شعور يستطيع أن ينزعك مما هو حولك، يتحدث داخلك ويسيطر عليك ويلغي كل اهتماماتك.

الأمل هو الحياة، والخوف هو الانتظار الصعب لشيء أصعب نتوقعه، ربما يكون مقياس النجاح والرسوب هو الأقرب لكي أصف هذه النقطة، رغم اجتهاد البعض وترقبه لنتيجة جيدة، فإن هناك مستوى من الفشل يحذره ويخاف منه، كذلك الفاشل لديه أملٌ في النجاح أو قدرٌ بسيطٌ منه وإن كان متأكداً من الفشل.

المسائل معقدة حين تتعلق بالنفس البشرية، أستطيع أن أضع تصوراً وأنت تستطيع أن تضع آخر لنفس المسألة من دون أن نتفق، كل واحد منا يعبر عن وصف حالته في تلك النقطة التي عايشها.

حديث الجنون ..

عندما تشعر أن كل ما حولك عبارة عن كذبة لا تريد أن تنتهي، حينها ستكتشف أن الحقيقة هي الصمت، وأن الصمت قد غزا كل ما حولك، كساه بتلك الطبقة التي تعبر عنه في السكون، فتنثر الغبار فوق كل شيء ليصمت وتكتشف أن الغبار قد كساك كباقي القطع من الأثاث التي لم يزرها أحد منذ أمدٍ طويل، وأنت تشعر برهبتها تتسلل إليك، هذا هو شعور الخوف الذي يخلقه الصمت في المكان، تكتشف أنك لم تكن موجوداً في تلك الأماكن التي كنت تظن نفسك موجوداً فيها .

الأماكن التي كنت تشعر فيها بالدفء والحب والشجن، لم تكن موجوداً فيها من الأساس، وأن الغبار قد كساك أنت أيضاً، فتحولت إلى قطعة باردة، عليها طبقة من الغبار السميك، لا أحدٌ يريد أن يقترب منك.

حديث المرايا ..

أصبحت أحلم بالمرآة كثيراً، أرها أمامي وأنا فيها مختلف، لست أنا، ليست ملامحي، كأن الشخص الذي يجلس خلف المرآة، سُجن منذ زمنٍ طويل وحرم من الكلام والنظر، يقول لي: أنا هو أنت، لا توهم نفسك بأنك مختلف، فأنت تقبع في الجهة الأخرى من المرآة، وأنا أشاهدك كما تشاهدني.

أحقاً للمرآة وجهان، يسكنها في كل اتجاه شخص، ينظر كلاهما للآخر دون أن يتحدثا، ويعكس كلٌ منهما صورة الآخر، لكني لم أشاهد شبيهي في المرآة، بل إني شاهدت روحه، هي تشبهني، بعكس ملامحه، ذلك الشخص هو أنا من الداخل، أصبحت لا أعرف من المسجون خلف المرآة التي أحلم بها، هل هو أنا أم إنه شخص آخر، أم كلانا مسجونٌ في طرف.