شجن ..

إن للنغم شجناً يهز الروح ويحرك ذكرياتها كشجرة يهزها الريح فتئن ألماً لكنها تتمايل، رغم ذلك لتجعل العصف روحاً تنبعث فتحرك النفس الميتة، تُحي آلامها وتعيد أصداء الماضي وتجسد مواقفه، لحظاته، سكناته، آلامه، أحزانه، مآسيه، لنعيش الشعور الذي تجسد في تلك اللحظات العتيقة.

لا نستطيع أن نضع للشجن ملامح فهو يرتبط بالقلب وهذا المجنون حمال أوجه، فشجنه يُطرب ويضرب، يُفرح ويُحزن، شعورٌ عميق يغوص في النفس فيُخرج تلك الملفات الصغيرة التي نخبأها في صدورنا، يقرأها بصوت عالٍ لكي نسمع صدى تلك الكلمات التي تهز كياننا وتوقظه.

الأدب القطري الرؤية المعاصرة “الرواية”

أن الرواية تتميز أكثر من أي نوع أدبي آخر بعملية التأثير والتأثر في المجتمع الذي تنشأ فيه، فهي انعكاس لبنية المجتمع وتحمل بين أحداثها الأنساق الثقافية المختلفة، لذلك فإن الرواية لم تنعزل عن المجتمع، والرواية الخليجية والقطرية بشكل خاص تستقي مادتها من الحياة الاجتماعية والعلاقات الأسرية، وتجارب الحياة الواقعية والموضوعية في حياة الكاتب والروائيين، أو ما يجري حولهم.

تعتبر شعاع خليفة ودلال خليفة رائدات الرواية القطرية، حيث أصدرت شعاع خليفة روايتها الأولى “العبور إلى الحقيقة” عام 1993 ثم أصدرت في العام نفسه روايتها الثانية “أحلام البحر القديمة”، في حين كتبت دلال خليفة روايتها الأولى “أسطورة الإنسان والبحيرة” عام 1994، ويعتبر د. أحمد عبدالملك هو أول من كتب رواية من الرجال عام 2005 “أحضان المنافي.

الإطلالة النسائية للرواية كانت متوجهة لهذا الفن السردي تحديداً، دون غيره، وبعد هذا السبق النسائي في مجال الرواية، توالت بعده إصدارها العديد من الأعمال الروائية، التي أنتجها روائيون من الجنسين، فيما أدى زخم التجارب الروائية القطرية، إلى ترسيخ حضور هذا الجنس الأدبي على المستوى الإبداعي، بعدما كان فنًا متواريًا لفترة من الزمن على حساب الشعر والقصة القصيرة، ما يعني أن هذا الجنس الأدبي كان هو الأكثر استقطابًا للمبدعين القطريين، لدرجة دفعته إلى الاستحواذ على المشهد الإبداعي، بشكل يفوق غيره من أشكال الإبداع المختلفة.

الرواية القطرية شأنها شأن الرواية العربية، لم تخرج عن الأنماط التي درجت عليها، إلا فيما يتعلق بدور البيئة والجوار الجغرافي، نعني بوصفها مكونات البيئة ودورها في تشكل فكر وسلوك الإنسان، شاطئ البحر كان موطناً للعب الأطفال، ومحل ذكرياتهم، وهو مكان وداع البحارة في رحلة الغوص الشاقة والمحفوفة بالمخاطر، وأيضا مكان استقبال البحارة بعد انتهاء موسم الغوص. كما كان عرض البحر مسرحا للقتال والحروب ومقاومة المستعمر.

تقول الباحثة عفيف الكعبي في بحثها المقدم لجامعة قطر.

يلاحظ اتكاء الروائيين القطريين على مرجعية ثقافية في أعمالهم الروائية، ولعل من أبرز المرجعيات التي اعتمدوها المرجعية الواقعية، وهي الأكثر حضوراً منذ بدايات الرواية وحتى الوقت الحالي، حيث كان الواقع ميداناً أرحب لمناقشة الأفكار والمضامين التي تقلق الروائي في زمانه وما يحيط به من أحداث، ولما كان المجتمع القطري مجتمعاً محافظاً انتقل بفعل اكتشاف البترول ليكون مجتمعاً استهلاكي أصبحت الموضوعات الاجتماعية الأكثر حضوراً في مناقشة الواقع، ومع هذا الحضور اللافت للمرجعية الواقعية لم يمنع ذلك من توظيف مرجعيات أخرى، مثل المرجعية الأسطورية، ثم دخلت المرجعية التاريخية، مع الألفية الثالثة بدأت مناقشة قضايا ثقافية مثل قضايا المثقف أو قضايا الآخر ونبش المسكوت عنه مثل “اختلاف المذاهب الإسلامية وتعامل ” المسلمين مع المسيحيين”

وهذا يشير إلى وجود بعض المرجعيات في الأعمال الروائية في قطر، ولكن لا يمنع هذا من غياب مرجعيات أخرى ذات أهمية مثل: المرجعية الفلسفية ومرجعية التراث الأدبي وغيرهما، مما يصلح أن يكون مرجعية للأعمال التخيلية كالرواية.

وقد قال د. أحمد عبدالملك في كتابه (الرواية في قطر: قراءة في الاتجاهات)

وضح نقاط ضعف وقوة الرواية القطرية، حيث ذكر أن من نقاط ضعف الرواية القطرية ظهور بعد الروايات على شكل حوارات بين شخصيات تغلب عليها النمطية أو التصوير الفوتوغرافي، ومن ثم خلت من بلاغة السرد الذي هو عماد الرواية، ولكن في المقابل هناك نقاط قوة عديدة في بعض الروايات القطرية.

وقد حدد الكاتب الاتجاهات في الرواية القطرية في خمس نقاط:

أولاً الحدث: أغلب الروايات تتحدث عن الملامح العامة لحياة الناس قديماً على الأغلب وحديثاً بشكل أقل أو يتعلق بالتاريخ بشكل مباشر، أو الشكل الأسطوري (الفانتازي) وأحياناً يحمل الحدث قيمة فلسفية فيما يتعلق بالآخر، ، فإن الحدث في رواية “زبد الطين” يبدو أكثر إنسانية حيث يرتبط بالعلاقة مع الآخر الغريب.

ثانياً الزمان: الزمان في الرواية القطرية تحكمه القرية والمدينة في أغلب الأحيان كما تحكمه نوعية الرواية نفسها، وأحياناً يتلاشى الزمان ويغيب عن الأحداث، أو يبتكر الكاتب زماناً متخيلاً.

ثالثاً المكان: اختلف المكان في الرواية القطرية كما اختلف الزمان، منها ما ارتبط بالفضاء الخارجي حيث الانتقال من مدينة إلى أخرى، وأحياناً تقل كثافة المكان أو تزيد وتقوى لتكون ضمن شخصيات الرواية، أيضاً استخدم الكتاب القطريون تعتيم المكان أو محوه من الرواية فلا يكون هناك “مكاناً محدداً” وأحياناً أخرى يجمع الكاتب بين الأماكن الواقعية والأماكن الأسطورية.

رابعاً الشخصيات: ذهب د. أحمد عبد الملك إلى أن الشخصيات في الرواية القطرية تنقسم إلى نوعين: نوع متحرك ينمو مع الحدث، ونوع جامد لا يتأثر بالحدث ولا يتطور.

خامساً جماليات السرد: الرواية القطرية لم تخلُ من جماليات السرد واللغة البلاغية الراقية والتصوير الفوتوغرافي الجميل. وبهذا تكون الرواية القطرية حافظت على جمالها اللغوي وإضافة صور من الواقع من دولة قطر ومشاهد أخرى متخيلة.

وقد أشار الأستاذ مرسل خلف الدواس في بحثه

إن حداثة التجربة في الرواية القطرية جعلتها تدخل مباشرة في أجواء العصر، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الثقافة، والمحاذير والملابسات التي قد ترافق المصطلح والمنهج والعادات والتقاليد والدين، سواء أكان حداثياً أو ما بعد الحداثي وذلك بسبب أن الروائيين القطريين من مخرجات التعليم المعاصر ولا بد أن يكونوا قد تأثروا بمناهج التعليم الحديثة، وثقافة معلميهم سواء في المدارس أو الكليات والجامعات، لا سيما أن أغلب المعلمين في دولة قطر من البلدان العربية التي كان لها السبق في عالم الرواية.

وقال إن الرواية القطرية استطاعت في بعض ملامحها تجاوز القواعد المألوفة والتحرر من القيود التقليدية للرواية في أنماطها وفي نماذجها، أي أنها نتاج عصرها شكلا ومضمونا، بعيداً عن تقييم مضامينها التي تتفاوت درجة قوتها أو ضعفها بين روائي وآخر والسبب أنها ليست رواية سكونية، بل رواية حية، متحركة ومتفاعلة، والدليل مرور السرد الروائي فيها بمراحل عدة من المرحلة الوصفية إلى التجريبية إلى الرمزية، “وبهذا المنظار يصبح العمل الروائي أداة إيديولوجية تسعى إلى أن يكون لها موقعها من صيرورة الواقع.

وأضاف من خلال تتبع الرواية القطرية، نلحظ حضور البعد الأيدلوجي بشكل يجعله أحد المظاهر اللافتة في النص السردي القطري، مظاهر تعكس العمق الذي بلغه الروائي القطري، والرواية القطرية؛ فمنحهما القدرة على المنافسة، وتجاوز الواقع المحلي نحو آفاق أرحب من الانتشار والتوسع، وهو أمر تأكد من خلال ترجمة بعض الروايات القطرية إلى لغات أخرى.

استطاعت الرواية القطرية أن تتجاوز الظاهر وتنفذ إلى العمق، ولم تقف على الحياد في قضايا ذات صلة بالبنية العقائدية والثقافية والاجتماعية للمجتمع.

رغم ذلك توجد إشكالية أخرى في الرواية القطرية تطرق لها الباحث د. رامي أبو شهاب، حيث إن أول رواية قطرية تأخرت في الظهور حتى 1993 أوضح الباحث:

أن السرد القطري في سعيه للحاق بركب الكتابة السردية الخليجية والعربية، يبدو في بعض الأحيان مضطراً لحرق المراحل، مع محاولة السعي إلى تجاوز الانشغال بكشف التكوين العميق وإشكاليات الأنا القطرية التي تبدو متنافرة، وشديد التباين والتخالف نتيجة المبدأ التجاوزي في الكتابة، أو نتيجة التعبير عنها، ومع ذلك، فإن ثمة نماذج تحيل إلى وعي عميق بوحدة القضايا ضمن جمال الصورة الكلية على الرغم من الفوارق.

 ففي بعض الأحيان نجد السعي نحو تكوين هوية خاصة بالأدب القطري، لتكوين معطى ما زال ملتبساً وغامضاً ، وهذا يبرز عبر أسئلة تتعلق بالمنظور القيمي وجدلية المعاصرة بوصفها رياحاً تحمل التغيير.

الرواية القطرية عامة تسعى للكشف عن عميق المكون النفسي للشخصية، وعدم القدرة على التأقلم، فالشخصيات في العديد من الروايات تبدو مرتبكة نتيجة ماضٍ منجز، ومستقبل طارئ حملته تحولات الحداثة الجديدة، وعصر النفط، وهذا ينسجم مع العديد من الروايات التي تتسم بالارتداد نحو الداخل، أو إلى معاني الماضي، والتوجس من العوامل الطارئة، والحرص على القيمي، والأخلاقي وهيمنة الذكورة.

بوجه عام نستطيع أن نقول إن الرواية القطرية تطورت وانتشرت بشكل سريع ونالت اهتمام فئة القراء في المجتمع ومع ذلك فإنها تعاني في بعض الجوانب من أهمها:

• صغر حجم البيئة الثقافية في قطر نظراً لعدد السكان.

• غياب بيئة نقدية جادة يمكنها أن تمييز الأعمال الروائية الجيدة.

• قلة عدد المنتديات الأدبية والثقافية التي تهتم بالرواية (وهنا نقول إن مواقع التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة أوجدت بيئة جديدة ومتنفساً للكتاب القطريين ووفرت لهم الالتقاء ومناقشة كُتاب ومهتمين من ثقافات متعددة).

• غياب المجلات الأدبية المتخصصة في مجال الرواية والقصة.

• ندرة الدراسات والأبحاث التي تفكك وتحلل وتنقد الرواية القطرية.

ويقف كاتب الرواية في قطر عند خطوط حمراء ومحاذير، فالخطوط الحمراء تضعها أجهزة الرقابة على الأعمال الأدبية، والمحاذير يضعها المجتمع والدين، فيقف عاجزاً في أغلب الأحيان أمام مشاهد روايته حين يرغب في التحدث عن الجنس مثلاً أو الدين أو العادات والتقاليد ورغم أن هناك أعمالاً تجاوزت هذا التفكر بنسبة محدودة إلا أنها لم تتجرأ وتكسر الحاجز حيث أن كل المعطيات المضادة لنقاش الأمور الحساسة لا تزال قائمة في المجتمع ولم تتأثر رغم التطور العلمي والعمراني السريع الذي نقل المجتمع لحياة تختلف عن الماضي الذي أسس تلك الخطوط الحمراء وتلك المحاذير، مما يضطر الكاتب للترميز والاختزال لكي يجعل الأفق مفتوحاً أمام المتلقي.

ورغم ذلك الرواية القطرية تتطور وتنتشر بشكل جيد وسريع ومن أهم ميزاتها أن هناك جيلاً شاباً يكتب مما يتيح له فرصة اكتساب الخبرات والتطور التدريجي عبر مراحل الكتابة المختلفة.

كذلك تقوم المؤسسات الثقافية في الدولة سواء كانت وزارة الثقافة أو غيرها من الجهات بجهود حثيثة في دعم المشهد الروائي القطري والعربي من خلال الجوائز والورش والتدريبات والدعم المستمر للكتاب والمبدعين واستقطاب الشباب أصحاب المواهب المتميزة إلى حقل الإبداع الروائي والقصصي.

قراءة في كتاب رواية “ليلة الأمس” للكاتب أحمد العلوي

لم تكن ليلة عادية تلك التي مرت على أبطال هذه الرواية فبين أغلال تكبل الأيادي وأخرى تكبل النفوس ينتقل المشهد السوداوي بين السطور ليرسم لنا ليلة تحمل من التعاسة المفروضة على البشر في مكان محدد لتدمرهم جسدياً ومعنوياً ونفسياً، تجعلهم مسوخ لا يفكرون إلا في اتجاه واحد، ويمجدون شخصاً واحداً، ويجب أن يؤمنوا بنظام واحد. من تحميه السلطة يعيش مكبلاً في قيود الوضع الوظيفي، ومن لا تحميه السلطة يعيش مكبلاً بالخوف، ومن لا علاقة له بشيء فهو متهم دون تهمة.

تسير أحداث الرواية بشكل راقٍ يحمل من الفلسفة الكثير، مما يعقد المشهد ويجعلك تفكر كثيراً، لكن الصورة الحقيقية التي أراد الكاتب أن ينقلها لنا هي أنه مهما بلغت من فكر وثقافة وعلم لن تستطيع أن تقنع سجانك أنك بريء فالمحقق وإن حمل الثقافة والمعرفة فهو يحملها لكي يصيغ تهم الإعدام والسجن والتعذيب بشكل أنيق يقنع به الآخرين أنه أحسن العمل لا لكي يقيس الأمور بشكل صحيح.

توجد طبقية في الرواية تجعلك تفكر ما الذي يجعل أستاذاً جامعياً يخضع لرجل أمن، ويجعل صحفياً مرموق يخضع لشخصية مستغلة، تجد القيمة للقوة والمنصب والعلاقات، ولا تجد قيمة للإنسان مهما علا علمياً أو ثقافياً، فلا قيمة له ضمن مناصب الطبقية التي تحدد قيمتك بنسبك أو بعلاقاتك وسلطتك، فإن لم تملك تلك الأشياء الثلاث فأنت رهن مزاج سجانك ومستغلك.

تحمل الرواية الكثير من الحوارات ربما اختلف مع الكاتب في هذه النقطة رغم أني لم أعانِ وأنا أقرأها من شتات ولم ألحظ شذوذاً في النص بسببها لكنها كثيرة في الرواية، ربما لأن الحوارات الموجودة وضعت لترينا تصورات معينة وأفكار يريد الكاتب أن ينسبها لشخصياته لنميز بين شخصية المتكلم والمتلقي دون أن نعطي الأفكار المطروحة أكثر من الحجم الذي أراده الكاتب.

لفتت انتباهي شخصية سلطان بثقافته وسيطرته على أفكاره، لكن افتقدت شخصية عاصم الحاضر الغائب في كل الأحداث فهو محورها رغم حضوره، وبقي كذلك بعد غيابه، تمنيت لو أن الكاتب أعطى هذه الشخصية عمقاً أكبر ليرينا تفاصيل مشهد الغياب والحضور في الرواية ومدى تأثيره، ومدى إغراء الحياة حين تجري شخص رفض العودة طويلاً ويوافق على العودة لكي يستلم “كرسي” اقصد منصباً مهماً، نظرت إلى هذه الشخصية باهتمام لكني لم أجدها بالقوة التي توقعت في الرواية.

تحرير الرواية جيد وأسلوبها رائع وممتع تقع في 183 صفحة من القطع المتوسط أنصح بقراءتها بشدة.

قراءة في رواية (القَسم) للكاتب خلف ال خلف

رواية بوليسية لضابط تقع له أحداث غريبة تجعله يدور حول نفسه ليكتشف أنه كان ضحية عقول جبارة استطاعت أن تسيطر عليه وتتحكم في تصرفاته وتصوراته وتبعده عن القصد الحقيقي الذي يريد الوصول إليه، ينتقل مع الأحداث عبر خيوط متصلة يظن أنها تقربه من الحقيقة إلا أن الخيوط كانت تلتف حول عنقه لتجره لمصير مجهول.

تتميز هذه الرواية في ثلاثة جوانب مهمة للرواية القطرية:

أولاً: أنها رواية بوليسية وهذا النوع من الروايات غائب عن المشهد الثقافي في قطر حسب علمي ووجود عمل روائي في هذا الجانب مهم لكي نحقق التنوع ونخرج من نمط الرواية الكلاسيكية والتاريخية والبيئية التي تحاكي الماضي مما جعلها النمط السائد في المشهد الروائي القطري.

ثانياً: مساحة الخيال الواسعة في الرواية التي تجاوزت الحدث ولعبت فيه بشكل غير مسار الرواية من التصور الوهمي لقوى ما فوق الطبيعة إلى التحليل الحقيقي للأحداث عبر سلسلة أفكار تفند الوهم وتحقق للقارئ رؤية مدهشة في النهاية.

ثالثاً: كمية الأحداث الكبيرة في والتي تجعل القارئ يتتبع الحدث بشكل متواصل ليصل إلى حل اللغز المتشعب الذي وضعه الكاتب بشكل تسلسلي جيد جداً وربط الأحداث عبر، الشهد الآني، العودة إلى الماضي، الخيال، وهذه الأمور كفيلة أن تربط القارئ بالرواية بشكل جيد.

إلا أن هناك ملاحظات مهمة في هذه الرواية يجب أن نضعها في الاعتبار منها مثلاً:

  • تجاوز الكاتب لتفاصيل بعض الأحداث التي لا تتطابق مع الواقع لكنها تخدم الرواية في تسلسل أحداثها، ورغم أنه يجوز للروائي ما لا يجوز لغيره إلا أن من المهم في هذا النوع من الأعمال الأدبية أن يكون هناك واقعية أكبر للحدث لترسم مشهداً مقنعاً أكثر للقارئ.
  • تكرار بعض المشاهد في الرواية منها مثلاً كلام يعقوب الذي تتكرر على لسان أمه في أخر الرواية بشكل متطابق لحد كبير.
  • كثرة شخصيات الرواية المؤثرة على الحدث ورغم ذلك هناك وضوح في توزيع الأدوار لكن هذا لا يلغي أن عدد الشخصيات الكبير يشتت القارئ.

تمنيت وأنا أقرأ الرواية أن تكون أحداثها في قطر لكن الكاتب وضعها في مكان متخيل وهذا الشيء أفضل من أمنيتي فقد أتاح له مساحة أكبر لخدمة الأجزاء المتخيلة للزمان والمكان والشخصيات بحيث يستطيع القارئ أن يرى المشهد بشكل يفوق التصور المحلي للأحداث ويتماهى مع الفنتازيا والخيال.

تحرير الرواية ممتاز وإخراجها جيد وتويع فصولها وأبوابه سلس تقع الرواية في 289 صفحة من القطع المتوسط، أنصح بقراءتها.

قراءة في رواية “حوض الشهوات” للدكتور محمد اليحيائي.

لن أتحدث عن بداية الرواية، بل سأتحدث من الفصل السادس عن ليلى فهي التي يبدها كل الخيوط وهي التي تتحكم فيها ربما يختلف معي صاحب الرواية لكن ليلى هي التي تحكي تلك القصص وتلك الأحجيات الغرائبية عن عالم منسوخ من عقول الكثيرين الذي لم يعرفوا واقع عمان وما مر من تاريخها.

محمد اليحيائي الماضي البعيد والحاضر المأمول، والماضي القريب والحيرة، الداخل والخارج وصدام العقل العماني الذي لا ينتهي ولا ينسلخ عن ماضيه سوءً القريب أو البعيد وانتماؤه الضارب في أعماق عمان فمهما سافر وتنكر تبقى في أعماقه تستدعيه حين تشاء فيعود بكل ما يحمل من آمال ليرى أحلامه الميتة على واقع صنع بشكل لا يتصوره.

ينقلنا اليحيائي لعالم متشظِ من الداخل والخارج ليرينا كيف ننظر إلى عمان من الجهتين لنرسم صورة ثلاثية الأبعاد بوجود الإنسان العماني الذي رسم البعد الثالث في حكاية أرضه ليشاهد وجهه في مرآة الحياة ويحدثها يصدمها وتصدمه، يخدعها وتخدعه وكأن كل طرف يصدر للآخر صورة يريدها بين أن تكون فاعلاً في الحياة أو أن تنكفئ على نفسك في محيط ضيق.

الكثير من الشخصيات في الرواية والهدف واحد والتصورات كثيرة تتأرجح بين القناعة بالواقع وبين التمرد عليه، وفي أحسن الحالات الصمت وابتلاع الآراء وطمس الأفكار في رفوف الذاكرة لكيلا تنتحر في واقع لا يشارك فيه أحد، عقل واحد وفأسٌ واحدة وأحلام تنتحر على الطرقات.

لا تكتفي هذه الرواية من خلق الأفكار المتمرة والهادئة، وجهتا النظر التي يعيشها المجتمع كأي مجتمع خليجي يدعي أن الحياة تسير والأمور تتحسن والكل راضٍ، بينما في الضفة الأخرى تقف العقول المتمردة عاجزة أن تخرج أفكارها وتطلعاتها، بل حتى أحلامها، فخلف الأحلام تقف العساكر لتحبسها في قمقم التمرد والمعارضة.

ربما أجد مجالاً لأنتقد الرواية في تشظيها وكثرة شخصياتها لكني أجد مبرراً لتلك الشخصيات أما التشظي فعلاجه الوحيد إعادة قراءة الرواية مرة أخرى لكي تجتمع الصورة كاملة في عقل القارئ.

تقع الرواية في في 204 من الصفحات من القطع المتوسط أنصح بقراءتها بتمهل وتركيز فخلف كل شخصية تقف قضية وحياة.

جلسة أدبية

سأتشرف بتقديم رواية ” أن تعودي فلسطين” ضمن فعاليات الصالون الأدبي لبيت الراوي، الرواية من أدب المهجر للكاتبة لينا مرواني

سهامٌ ودروع

عن الرحيل أكتب ولم أصل لمعنى واضح هل يعني رحيلي أم رحيلها؟ فكلنا رحل لما يريد وكلانا يحمل داخله سبباً يحميه ليدافع عن نفسه ويضع دروعه لتقيه السهام، تلك الأسئلة التي يلقيها من يعرفنا عند اللقاء تصيب مقاتلنا دون قصد وتحيي فينا ضعفنا الذي نخفيه خلف الإجابات المترددة والغريبة التي نقولها، تهتز دروعنا ولا نتخلى عنها مؤمنين بأننا لا نريد أن نعود سوياً ويبقى السؤال الذي لا توجد له إجابة من المخطئ؟

من تخلى عن الآخر ورحل، وهل للرحيل ملامح تصفه غير الأسئلة التي تضع حدود العلاقة بين سهمٍ ودرع؟ بين لما وهكذا؟ وتموت الرماح وتثقب الدروع عندما نجلس في وحدتنا نسترجع الذكريات التي تطل رغماً عنا من ثنايا الذاكرة لتلك الكلمات واللمسات، حينها فقط ندرك أننا كاذبون نلبس ثياب النزاهة لنبرأ أنفسنا من الخطأ الذي نتج عن خطأ ومن الحب الذي نتج عن لقاء ومن الجرم المتمثل في الرحيل، كلانا طعن الآخر ورحل وعلينا أنا نعالج أنفسنا منفردين هذه المرة وننسى أننا كنا نقف سوياً في كل المواقف السابقة.

أنا، حينما كنا سوياً كانت الأنا تجمعنا فأناتي أنتِ جزء منها أرسم نفسي فتوجدين بجواري دون أن أشعر أن رسمي انعكاس لصورتك التي زرعت فيني، زرعت معي في قلمي وفي عيني وفي تلك الضلوع التي تحن لتلك الملامح التي يحددها الجسد وذكرياته، حينها كنت أجد الطمأنينة تتدفق للضلوع المرتعشة فتهدئ ولذلك القلب الضعيف فيقوى، فأبدي بعد ذلك الاستقرار كل الشجاعة واقتحم عوالمك المجهولة دون تردد.

الرحيل ينتزعنا وينتزع منا، يأخذنا بعيداً ويأخذ منا، ويضع النقطة في نهاية تلك الفقرة من حياتنا، لكن النقاط لا تعني النهاية والفواصل لا تعني الطعون، فالألم لا يرحل بالغياب والذكريات لا تمسحها المسافات، عند كل رحيل نفقد جزءاً ينتزعه الآخر ليحتفظ به في خزانات الزمن، وأنا انتزعت تلك القطعة ومعها مساحة من حياة عشناها لأستعيد منها الجميل والمؤلم.

وقت قصير للهلع (قصص) للكاتب العماني يحيى سلام المنذري ..

هي قصص لشخص واحد ينتقل من قصة لقصة كما ينتقل الإنسان بين الليل والنهار بنفس شخصيته وقلقه مما يراه ويعايشه بتلك المشاعر التي تعبر التصورات وتخلق الأفكار ليقيس ما كل شيء بتجرد ويضع المقارنات والتساؤلات الحقيقية كإنسان طبيعي يعرف ميزان العدالة، يصارعه الخوف من فكرة متمردة على الواقع .. تطارده .. يتخيلها كما لو كانت حقيقة.. وهذه هي لحظة الهلع التي نجدها في شخصية البطل الذي يروي لنا أيامه في قصص.

تتحدث القصص عن العمالة الوافدة كيف نراهم نحن وكيف يرون أنفسهم، ما هي دوافعهم؟ ورغباتهم؟ وإمكاناتهم؟ التي لم نفكر يوماً أنهم يمتلكونها.. لأننا ببساطة ننظر إليهم إما بدونية أو أنهم جاؤوا ليعملوا في تلك الأعمال الوضيعة التي ندفع مقابلها أموالاً ولا يمكننا أن نجد من ينجزها في الوطن، عمال وعاملات بعضهم متعلم يستطيع الكتابة ومنهم من يملك قدرات رائعة، لا ننظر إليها لأنها لا تهمنا، ما يهمنا فقط هو أن تكون الخدمات في أعلى مستوى وفي أقل أجر ممكن.

إلا أن هناك مقارنة بين حالة الرعب التي يعيشها بطل القصص وبين الشخصيات الأخرى، تتجلى في الخوف من الغريب، المواقف التي عايشها اقترنت بالغرباء “العمالة الوافدة” يربطهم بالجرائم والانتقام والقتل والسرقة ويربطهم بتصوراته وخيالاته ويبني مواقف مزعجة لفترة وجيزة، تتلاشى ثم يستحضر مواقف أخرى، هكذا خلق الكاتب شخصية تنظر إلى الواقع بعين متجردة لكنها لم تستطع أن تترك القلق الطبيعي لدى البشر، فكل غريب هو مصدر شك، ولا يحصل على الثقة إلا بعد أن يجربه أكثر من مرة.

تلك العمالة الوافدة منهم من يحمل الشهادات الجامعية ومنهم من يكتب ومن يغني ومن يملك تجارته، وبطل القصص يأخذ الخدمات كلها منهم فهم من يدير الأمور ويوفع للمواطنين العمالة الرخيصة، وافد يشرف على وافدين ويسيطر عليهم ويمنحهم الرواتب، لا يهمه إن كان وجودهم شرعياً أم متجاوزاً القوانين التي تنظم العمل.

الكثير من التساؤلات تنتج في عقلك حين تقرأ هذه القصص الصغيرة وتلك المشاعر والمواقف القصيرة، لكنها علامات استفهام ستنتج في تفكيرك لتقف وتبحث عن إجابتها.

أسلوب الكاتب جميل ومشوق وطرحه راقِ، يقع العمل في 86 صفحة من القطع الصغير من إصدارات دار عرب.

لا تحزني ..

لا تحزني فما أنا إلا فُتات وشيءٌ من الذكريات وشيءٌ من الأمنيات، لا تحزني حين الرحيل وارحلي حيث الوجود، فأنا السأم المضجر والملل الذي لا يطاق وأنتِ الحياة، كل الحياة، يكمن فيكِ لون الزهور وعطرها ورحيقها فلا تذبلين بين أناملي البائسة، انطلقي بعيداً وأشرقي في فضاءات الهوى والنعيم، ولا تنظري خلفك فهناك كمٌ من البؤس لا تستحقينه دعيه يأكل بعضه وينتهي.

لا تحزني فما أنا إلا طيفٌ غريب مر من أمامك وداعب عطر مشاعرك، فدعيني أمر وأحمل ذكرياتي معي، لا تقلقي فالأطياف لا تحمل الكثير من الماضي لكنها لا تترك حسرته، فلما تحملين معي الحسرات، دعيني وانطلقي لآفاق الخيال وروعة الجمال ولا مانع حين تتذكرين أن تبتهلِ لأجلي قليلاً ولا تكثري من الابتهال فلا أستحق أن أنتزع منكِ الدقائق التي تزخرف وقتك وتزينه .

لا تحزني فأنا شيءٌ قليل لا يلبي طموحك وشيءٌ ضئيل لا يملأ عينيك فأغمضيها وسأتلاشى دون جهد، احتفظي بكحلك الجميل وسحرك عينيكِ البهية، لا تغرقي روعتك في تعاستي وانطلقي لتقطفي الكثير، الكثير من الحياة والأمل.

لا تحزني فلا يليق بكِ الحزن ولا الدموع فتلك اللآلئ الغالية التي تنحدر على وجنتيكِ مؤلمة لا أريد أن أراها وصدقي أني أحبك لذا أقول: أرحلي أهربي فعواطفي قيود ومشاعري أغلال وحبي سجنٌ مظلم يصعب علي أن تسكنيه ويصعب أن أراكِ تذبلين بين جدراني مكبلة.

لا تحزني حبيبتي، إن كنت أستحق يكفي أن تحملي معكِ بعض الذكريات الجميلة رغم أني أعرف أنها قليلة تذكرينها وابتسمي، لا تحزني لا تحزني.

رواية الحرب للدكتور محمد اليحيائي

قدمت هذه الورقة في جلسة توقيع رواية الحرب في مكتبة الحي الثقافي “كتارا” بتاريخ 13/9/2023

تحكي الرواية بصورة عامة عن حرب ظفار التي تبنى فيها الثوار الفكر الشيوعي السائد في ذلك الوقت لكن الرواية متجوزة لهذا الحدث في الكثير من جوانبها حيث خلق الكاتب مجتمعاً عماني بكل عناصره تقريباً في الولايات المتحدة تجاوز من خلاله قيود الداخل وفتح الآفاق لنظرة متحررة من كل عقبات وعقد المجتمع والسلطات المحلية، وأعطانا نظرة متفتحة لتصور يطرح لعمان بشكل مغاير ومن زوايا مختلفة عبر شخصياته المتحررة.

هناك حروب كثيرة في الرواية فحرب ظفار رغم ثقل وطأتها إلا أنها ليست الحرب الوحيدة فهناك حروب الأئمة والسلاطين وحروب مع المحتل الأجنبي لكن الكاتب وضع الثقل لحرب ظفار لأنها الحرب الأخيرة ولأنها استغرقت الكثير من الوقت والجهد والفكر لكي تنتهي ويمكننا أن نشاهد تأثيرها في الواقع الحالي لو دققنا النظر.

الحرب ليست هدف الرواية إنما الهدف الأسمى هو عُمان الوطن الذي ترغب كل شخصيات الرواية في رسم صورته بشكل جميل وأحداث التغيرات التي تنقل الوطن من مجرد أرض لمعنى متجاوز تلك الصورة النمطية التي تُفرض على العقول بشكل إجباري في أوطاننا العربية دون أن يكون للمواطن إسهام في وضع ملامحها، ولهذا كان المجتمع العماني في الولايات المتحدة هو الصورة الأقوى الأنجع لوضع تصور صحيح للوطن دون خوف أو ريبة.

لعبت الشخصيات دور هام في الرواية بحيث أن كل شخصية كانت تعكس شريحة من المجتمع منهم المناضل المحارب الذي دمرته الحرب ومنهم اللامبالي الذي لا يكترث إلى بشؤونه اليومية وعمله، وآخر تضرب عروقه في التاريخ العماني ويتذكر عهد الإمامة وانهيارها لكنه  منفصل عن القيم ويعيش في تفسخ رغم اعتزازه بتاريخ الوطن والأسرة، ومنهم الموظف الذي يعيش واقع الوطن لكنه انتقل إلى الخارج لفترة قصيرة ومكنه ذلك من خلق المقارنات واكتساب المعرفة الناقصة التي يحتاجها، ومنهم الفتاة المتفتحة بنت المناضل التي تحيا حياة غربية في شكلها وتحمل معها عمق عُمان وحنينه لكنها ترفض أن تعود إليها.

كرستينا سعيد تلك الفتاة الجميلة البهية الشهية الناجحة في عملها التي تربط بين كل شخصيات الرواية وتجمعهم حولها وتهتم بشؤونهم وتراعي مشاعرهم فهي كالأم في احتوائها لأبنائها وهي كالوطن الذي يجمعهم، ورغم أنها فتاة جميلة يحبها الجميع إلى أنها ترسم لنا أكثر من صورة في الرواية فلو تجاوزنا المشاعر العاطفية بين البشر سننظر إلى كرستينا على أنها عُمان الوطن الذي من الواجب أن يأوي إليه الجميع وعليه أن يحتويهم، أو ننظر إليها بمعنى آخر يرسمها كالحلم الذي يتمنى الجميع أن تكون عليه عُمان جميلة بهية أنيقة ناجحة يحبها الجميع وتحتوي جميع أطياف المجتمع دون تمييز أو عنصرية.

في واقع الرواية كرستينا هي الرابط بين أجزاء الرواية وشخصياتها فهي ابنة المناضل سعيد علي الذي عاد للوطن بعد أن اقتنع أن المبادئ التي قامت عليها ثورة ظفار لا يمكن أن تتحقق في منطقة الخليج ثم اقتنع أن القيادة الجديدة في البلاد تريد أن تبني مستقبلاً يشارك فيه الجميع، عاد للوطن وأصبح ذا منصب رفيع يرتبط مباشرة مع السلطات العليا ليعيش في ترف القيادة ويبقى هاجس التغيير الذي يعود به للماضي موجوداً في خفايا نفسه حتى يكتب مذكرات الحرب لابنته، وهذه الشخصية تحمل رمزية خاصة في الرواية فهي التي تقع عليها كل مسؤولية التاريخ القريب وحرب ظفار.

سعيد قيصر لا يمثل شخصية عادية في الرواية فقد وضعه الكاتب ليخط مسار الرواية والاتجاه الذي تسير فيه وهو الشخصية الوحيدة في الرواية التي خرجت من الوطن تحمل الآمال المدمرة ونظر إلى الصورة من الخارج وعاد للوطن ليسحق كل طموحه ويسترجع ذكرياته العاطفية الميتة ومن خلاله وضع الكاتب المشاهد المنعزلة في  كمشاهد سينمائية منفصلة يلقى الضوء من خلالها على حدث معين كنقطة تركيز يقف عندها القارئ ويتخيل المشهد ويستنتج من خلاله ما حدث وما يمكن أن يحدث، وسعيد قيصر يعتبر هو الأكثر ارتباطاً بالوطن ينظر إليه من خلال معالمه ويزرع فيه آماله التي يريد من خلالها أن يحقق ذاته، دون جدوى، وتبقى في المخيلة كرستينا كما آماله المعلقة في الوطن البعيدة المنال، وبه ختم الكاتب روايته أن يتركه يكتب “الحرب” دون أن يحدد نوع الحرب ولا زمنها، وتنتهي الرواية والقارئ يفكر حرب التي سيكتب عنها سعيد قيصر.

سعيد زاهر التاريخ والحاضر، وجدت في ملامح شخصيته الكثير من التناقض المناسب للعمل من حيث وضعه الاجتماعي وثرائه ونسبه العريق الذي يتصل بنسل الأئمة، ورغم أنه يعشق كل شيء عريق إلا أنه لا يريد عراقة الوطن وأيضاً لا يريد أن يتخلى عن عراقة النسب، وهذه الشخصية لا تأتي من انفصام لكم في معتقدها أن الوطن مما كان جميلاً فهو لا يعطيها مستوى الحرية والانفتاح اللامحدود التي تصبو إليه فتبنى الهرب من فكرة العودة وتمسك بأصالة الوطن في غربته، والتناقض يكمن في تصرفاته التي لو حدثت في الوطن لأصبحت شاذة أو مستنكرة.

سهيل محاد، يمثل الأغلبية الصامتة التي لا ترغب في الحديث يعمل ويلهو بأي شيء ليضيع وقت الفراغ دون أهداف زائدة أو طموحات جارفة، نمطية الحياة تملؤه فلا يفكر في المزيد وهو مقتنع أنه بخير، ومن وجهة نظري هو يمثل الشعب البسيط الذي يسير خلف رزقه ولا ينظر لأكثر من ذلك فإن حصل له خير ولا يطمح بالمزيد وإن حصل شر أوى إلى جحره ليتقيه.

عيسى صالح، كل تراكمات الوطن بحروبه ونزاعاته وتصادماته ومعاركه، تحمل كل تبعات الهزيمة فاختلطت كلها فيه معنويا وعاطفياً ونفسياً حتى فقد قيمة الإحساس وأصبح يضع الحب في مكان مخالف لحقيقته، يحب كرستينا وفي أعماقه تسكن امرأة أقدم وأعرق منها كانت في البعيد هي الأمل والدافع وهي الرجاء، شخصية مدمرة لا تستطيع أن تحمل تلك الشظايا المتبعثرة من التاريخ والأزمات فتتناثر نفسه في كل الاتجاهات ولا يجد وطنناً يأويه، فيعيش في الضياع يبحث ويبحث حتى يكتشف أنه وحيد.

عندما تناقشت مع الدكتور محمد اليحيائي ذكرني بشخصية هامشية في الرواية كانت تعمل في الظل كان لها تأثير في شخصيتي الرواية المهمين زوجها سعيد قيصر وبنتها كرستينا سعيد، أخبرت الدكتور أنه وضعها كشخصية متوارية في الرواية وكأنه لا يريد أن يلتفت لها أحد، فلم يخالفني الرأي لكنه لفت انتباهي إلي تأثيرها فملامح التغيير التي أحدثها على تلك الشخصيات التي عايشتها كان يحمل التغيير ويحمل أيضاً نظرة المستقبل.

لا أستطيع مهما حاولت أن أكون فكرة واحدة صلبة في الرواية فكل شخصية وكل حدث في الرواية حين أنظر إليه يتشظى في مخيلتي ويخلق تفسيرات كثيرة لحدث أو شخصية في العمل، وواقع الرواية يدفع بهذا الاتجاه فتشظي السرد الذي نثره الدكتور بين دفتي الكتاب يساعد على خلق تفسيرات متعدِ لكل شخصية، ونتائج متباينة لكل حدث، فكرستينا نظرت إليها أنها وطن بينما لا يعتبرها الدكتور اليحيائي كذلك، ولنقس على هذا الأمر الرواية كلها.

قراءة في كتاب “رواية تغريبة القافر” للكاتب العماني زهران القاسمي

هي عُمان بكل ما تحويه من عجائب وأساطير وغرائب مثلها الإنسان العماني الذي لا يختلف كثيراً عن شعوب المنطقة ورغم خصوصية عمان بواقعها الجغرافي إلا أنها تبقى مكوناً أساسياً في شبه الجزيرة العربية، ربما تختلف الأساطير من مكان لآخر وتتلون بألوان مختلفة.

في عمان ارتبطت الأسطورة بمعتقدات أكثر تعقيداً، بينما في الجوار كانت الأساطير تنمو حول الأشخاص ورجال الدين نمت في عمان في قوى ما وراء الطبيعة فتزخرفت وتطورت حتى رسخت في عقول الناس على أنها حقائق، وهذه المسألة حاول السيد زهران أن ينقضها في الرواية بأسلوب جميل حيث يضع الأسطورة أو المعتقد في حدث وينقضه بحدث حقيقي، ورغم ما فعل إلى أن صورة المجتمع في الواقع انعكست على الرواية فالبشر يعودون إلى الأسطورة رغم أنهم عرفوا أنها وهم.

الرواية باختصار هي قرية في عمان تحوي كل الأساطير والتاريخ، فيها القوي والضعيف، الغني والفقير، المنبوذ والمرعب، تبدأ بحالة موت امرأة تنبت منها حياة طفل يكون أسطورة بحد ذاته، وقد وظف السيد القاسمي بأسلوب جميل الأحداث لتحقق أسطورة القافر “سالم بن عبدالله” فتتحرك الأحداث بمرونة ويتحول سالم من شخص منبوذ لشخص مميز يملك قدرة لا يملكها الجميع لكن قدرته لا تتصل بعالم الأرواح والأشباح بل تتصل برهافة سمعه فأذنه التي كان يضعها على الأرض ويظن المحيطون به أنه يسمع أصوات ساكنيها كانت تسمع صوت المياه صوت الحياة، فالماء هو الحياة وهو الأيقونة المستمرة في الرواية من بدايتها لنهايتها ارتبط بالموت واتفق مع الحياة لتستمر في المسير.

توجد في الرواية الكثير من الأحداث والأساطير المحلية ويوجد بها أيضاً نظام القوى التي تحكم وتتحكم فيمن حولها وفي داخل الرواية أحاديث المجتمع ما يخافه الناس ويخشونه ومن يتجرؤون ويعتدون عليه دون رحمة، فللمجتمع في تصور الكاتب سلطة على الضعفاء لا يستخدمها أبداً ضد الأقوياء والأغنياء، الضعيف هو من يتحمل كل جنون المجتمع وضغوطه وجبروته.

أيضاً ارتباط الإنسان العماني بالأرض بمواشيها وزروعها وافلاجها التي شكلت العصب الأساسي للزراعة وأقوات الناس، وقد استخدم الكاتب هذا الارتباط ليوضح أهمية الحفاظ على قيمة الفلج ووضع الصور التي عاناها البشر حين جفت السماء وكيف أنقذتهم الأفلاج وإعادتهم للحياة من جديد.

قيمة الرواية لا تكمن في المتناقضات والمترادفات التي تحويها من حياة وموت وجفاف ومطر وشقاءٌ وسعادة، وخيال وأساطير، بل تكمن قوتها في نسيجها الذي سار بشكل جيد ليرسم عبر شخص واحد صورة مجتمع مصغر متمثل في قرية عمانية تتلخص فيها النظرة العامة وتتكون فيها أسطورة “القافر” الذي رحل للمجهول.

تقع الرواية في 228 صفحة من القطع المتوسط أنصح بقراءتها.

اقدار ..

تجد الأقدار مراسيها على شواطئ أيامنا فهي تعرف أين تنزل وماذا تفعل

ليس في مقدورنا أن نتصرف في أقدارنا .. لكننا نستطيع أن نتصرف مع أقدارنا .. فنحمد ما هو جيد .. ونعالج ما هو سيئ ونعايش ما استدام.

الحكمة تتولد من الرَوية .. والتفكر .. ولا تتولد من التهور والاستعجال.

أيها المجهول..

أيها المجهول، تعبت أفكر في تفاصيلك لأجعل لك كياناً يمكنني أن أتعامل معه دون حيرة، رسمتك في مخيلتي إنسان لطيف وجشع يجمع التناقضات يخلق المحبة من لا شيء ويشعل النار في كل شيء، أردت أن أراك لكي أقتل الخوف من الجهل فأنا الجاهل الضئيل الذي ينظر إلى البعيد حتى يحترق بصره في أفق لا ينتهي يبحث عما رسم في عقله، يتوقع أن يرى ما يجهل ليطمئن ويكف عن التفكير وأنت تستمتع بحيرته وتخلق مجاهيل أكثر ليبقى بصره معلقاً في أفقك للأبد.

أيها المجهول، ها أنا ذا بين النار والجنة يسبقني اللهب حين أجري خائفاً وتبتعد الجنة حين آتيها راكضاً، فلا احترقت ولا تنعمت، بين رجاء وأمل أترقبك لتكشف لي المسافة بين النعيم والجحيم؟ وتعطيني أرضاً آمنة لأقف وألتقط أنفاسي دون خوف.

أيها المجهول، تعرف أني لا أكون إلى حين أبحث عنك في ثنايا الماضي ومساحات المستقبل، تلك الفراغات المطوية في سجلات التاريخ وتلك الصحائف البيضاء المنثورة في مستقبل الزمن، أنا بينهما بين ما كان وما سيكون، أردت أن أكشف المجاهيل وأفكك رموزها عللي أجد أحد الخيوط الذي يوصلني إليك فأمسكه بكلتا يدي وأسحبه لتراني أقف أمامك وأصرخ “لقد جئت إليك، لأكون أنا” بينك وبين الأفق أقف أحمل تلك الأسئلة الحائرة لأنثرها في وجهك وأقول لك “أجب”.

أيها المجهول، أنت كالسراب الجميل الذي يعلق الظمآن عليه كل آماله في الحياة حين يراه فيلهث ورائه وهو موقن أنه سيروي ظمئه القاتل ولا يدري أنه يسير لحتفه بإرادته والأمل يملئه، هل رأيت إنساناً يسعى لموته بسعادة مثل ذلك العطشان، هل رأيته حين وصل إليك وعرف أنك وهم لا طائل منه إلا الموت، حينها يضحك حتى انتهى مثل آماله التي احترقت في رحلة البحث عنك.

أيها المجهول، يكفيني من غيابك أنك دمرت تلك الأحلام التي صنعتها من جهلي وغبائي، والأوهام التي علقت عليها صحف المجد الكاذبة، وتلك الأمنيات التي كنت أرعاها لكي تنمو في حدائق الخيال الخصبة. شيءٌ واحد جميل أحمله كل وأشكرك عليه، أنك ساعدتني على أن أحرق الأيام في رحلة البحث لتمر بلا ملل قبل أن أرحل.

الغياب ..

لا تكن معي كالذي كان صاحباً ساحباً لي في الهوى حتى هوية فتركني أهوي في هواه، قد رآني في رباه مثل الغيوم السابحة مثل الندى قد كسوت الريح عشقي وغسلت العمر بوجدي ولم أجد وجد الهوى في الهاوية.

لم أعي أني على أطراف الزمان أبكي أياماً مضت لم تترك من الشَعر أسوداً، قد مضت وما زلت أمشي فيما مضى بخيالٍ خصب وأحلام تزخرفه وكأني طفل قد لبس العيد ثيابه ليرقص معه فأخذ العيد ثيابه ورحل.

لم يبكِ الطفل ثيابه، بكى الأمل في عيده الراحل، بكى حتى ذبل ومضى في طريق الذبول يسكب خمر عينيه، فتزهر شوكا جارحا بين الأماني فتمزقها أشلاءً.

لماذا يسحرنا الغياب بحزنه فنغيب بين الأنين والذكريات، يسحبنا عن واقعنا حتى نصبح أطياف بشر لا يعنيها الواقع؟ أشباحٌ نعيش خارج زماننا كأننا جئنا من المجهول، لنُمضي ما تبقى لنا من الحياة.

قراءة في رواية ” امرأة الضابط الفرنسي” للكاتب جون فاولز ..

لن أتحدث عن الأسلوب السردي في هذه الرواية ولن أتحدث عن الحبكة الروائية ولن أتحدث عن القصة التي تحتويها، فهذه الرواية نوع مختلف من الروايات التي قرأتها، نوع يقع بين التخمين والتوقع والمفاجأة والكاتب السيد جون فاولز، عرف كيف يضع القارئ في تصور مشهد ثم يقلب الطاولة رأساً على عقب فيعيد المشهد بشكل آخر تماماً.

توجد قصة في الرواية ويوجد زمن وتوجد شخصيات، والشخصيات هي العنصر الأهم في في الروايات لكن في هذه الرواية لهم أهمية خاصة حيث تشعر بتأثير الشخصيات على الكاتب بشكل قوي وحضور مؤثر في تصورات الكاتب لروايته التي يطرحها، فالشخصيات تلعب دوراً مختلفاً عن دورها في الروايات النمطية، فالكاتب كما يقول ويقول غيره من الكتاب أن الشخصيات يخلقها الكاتب لكنها حين توجد تظل في رأسه ويصبح تأثيرها فيه أقوى مما نتصور، لكن الكاتب لم يجعل ذلك التأثير خفياً بل صرح به في مشاهد كثيرة في الرواية وخصص الفصل(13) يتحدث فيه بالكامل عن هذه النقطة بالتحديد ورغم أنه أخرجني من صلب حكايته إلا أنه رسم لي صورة التأثير القوي للشخصيات فيها وأنه سيجعلها ترسم أدوارها دون تدخله، وإن تدخل ستمسح ما كتب لتكتب هي النهاية التي تراها مناسبة.

وهذا بالفعل الذي حدث فكثيراً ما يقف الكاتب ويقول إن هذا الحدث تصورته هكذا لكن الذي حدث مختلف تماماً وكأنه يرى مشاهد أمامه لشخصيات تتحرك وتخلق واقعها بمنأى عنه، ينهي الرواية في الفصل (44) بشكل كلاسيكي إلى أنه يتهكم علينا ليضع أحداثاً أخرى وتصورات أخرى ثم يعود ويضع المشهد الأخير في الفصل (60) لكنه يضع التصور الأكثر إيلاماً في الفصل الذي تلاه ليرسم المشهد الأخير بشكل مختلف.

لعب الروائي لعبة التصورات والتخمينات، فما فعله كان يجبرني على أن أخمن ما سيحدث، ويجعلني أيضاً لا أصدق ما يقوله حتى يقول لي أن هذا ما حدث، فتدخله بشخصه وسط السرد جعلني أنظر إليه كشخصية موجودة في الرواية لكنها غير مرئية.

تحاكي الرواية نهايات العصر الفيكتوري وتوضح الاختلاف المجتمعي المتباين بين الريف والمدينة وقدرة الريف على الحفاظ على النمط وتكريسه بشكل يجعله إلاه لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه، وما يحدث في المدينة ومن محاولات تغيير متكررة، كما تصف الشخصيات الفيكتورية وصفاً دقيقاً وقوياً بحيث أن الكاتب يضع حدثاً ثم يقول لك إن نمط التفكير الفيكتوري لا يسير في هذا الاتجاه وهذا يدل على أن الكاتب حضر جيداً للرواية ودرس العصر والمجتمع بشكل جيد.

ربما يكون هذا التصرف من السيد جون، ناتجاً عن تركيبات وأحداث كثيرة، فحين يعشق الكاتب روايته ويتعمق فيها تصبح هناك تقاطعات في أفكاره فيكون لديه أكثر من تصور لكل فعل فيقارن بين التصور وواقع الرواية وهنا تكون مهارة الروائي بحيث يختار المشهد الذي يواكب نمط الشخصيات وظروف الزمن، ورغم أن الكاتب لجأ في أكثر من موضع لحدث ثم غيره بشكل مختلف فقد أقحمنا بشكل قوي لا في الرواية والشخصيات فقط بل في نوع تفكيره وتصوره لذا طرحت فكرة أنه موجود ضمن شخصيات الرواية لكنه شخصية مختفية تظهر حين تسير الأحداث بشكل مخالف لعصرها.

رواية ممتعة جداً بالنسبة لي لكنها ربما لا تستهوي البعض الذين يريدون أن يقرأوا رواية نمطية، تقع الرواية في 488 صفحة من القطع الكبير أنصح بقراءتها.