صراخ ..

تتكرر الساعات .. وأجمل ما فيها .. الفراغ
والأيام .. وأجمل ما فيها .. الوحدة

وعندما أقف .. بين الأمس القريب
والحاضر .. البعيد

أرى الخطوات تبتعد .. أكثر
وتسير .. بثبات ..

لكن النهاية لم تأتِ بعد ..
فلكل ألم ..

صراخ ..

يجعل الجروح .. أعمق .. مما نتصور .

شجن ..

إن للنغم شجناً يهز الروح ويحرك ذكرياتها كشجرة يهزها الريح فتئن ألماً لكنها رغم ذلك تتمايل، لتجعل العصف روحاً تنبعث فتحرك النفس الميتة، تُحي آلامها وتعيد أصداء الماضي وتجسد مواقفه، لنعيش الشعور الذي تجسد في تلك اللحظات العتيقة.

لا نستطيع أن نضع للشجن وصفاً فهو يرتبط بالقلب وهذا المجنون حمال أوجه، فشجنه يُطرب ويضرب، يُفرح ويُحزن، شعورٌ عميق يغوص في النفس فيُخرج تلك الملفات الصغيرة التي نخبأها في صدورنا، يقرأها بصوت عالٍ لكي نسمع صدى الكلمات التي تهز كياننا وتوقظه.

سهامٌ ودروع

عن الرحيل أكتب ولم أصل إلى معنى واضح هل يعني رحيلي أم رحيلها؟ فكلٌّ منا رحل لما يريد وكلانا يحمل داخله سبباً يحميه ليدافع عن نفسه ويضع دروعه لتقيه السهام، تلك الأسئلة التي يلقيها من يعرفنا عند اللقاء تصيب مقاتلنا دون قصد وتُحيي فينا ضعفنا الذي نخفيه خلف الإجابات المترددة والغريبة التي نقولها، تهتز دروعنا ولا نتخلى عنها مؤمنين بأننا لا نريد أن نعود سوياً ويبقى السؤال الذي لا توجد له إجابة: من المخطئ؟

من تخلى عن الآخر ورحل، وهل للرحيل ملامح تصفه غير الأسئلة التي تضع حدود العلاقة بين سهمٍ ودرع؟ بين (لمَ) و (هكذا)؟ وتموت الرماح وتثقب الدروع عندما نجلس في وحدتنا نسترجع الذكريات التي تُطل علينا من ثنايا الذاكرة لتلك الكلمات واللمسات، حينها فقط ندرك أننا كاذبون نلبس ثياب النزاهة لنبرأ أنفسنا من الخطأ الذي نتج عن خطأ ومن الحب الذي نتج عن لقاء ومن الجرم المتمثل في الرحيل، كلانا طعن الآخر ورحل وعلينا أن نعالج أنفسنا منفردين هذه المرة وننسى أننا كنا نقف سوياً في كل المواقف السابقة.

أنا، حينما كنا سوياً كانت الأنا تجمعنا، أنتِ جزء منها أرسم نفسي فتوجدين بجواري دون أن أشعر أن رسْمي انعكاس لصورتك التي غرُست فيَّ، زُرعت معي في قلمي وفي عيني وفي تلك الضلوع التي تحن لتلك الملامح التي يحددها الجسد وذكرياته، حينها كنت أجد الطمأنينة تتدفق لضلوعي المرتعشة فتهدأ، ولذلك القلب الضعيف فيقوى، فأبدي بعد ذلك الاستقرار كل الشجاعة وأقتحم عوالمك المجهولة دون تردد.

الرحيل ينتزعنا وينتزع منا، يأخذنا بعيداً ويأخذ منا، ويضع النقطة في نهاية تلك الفقرة من حياتنا، لكن النقاط لا تعني النهاية والفواصل لا تعني الطعون، فالألم لا يرحل بالغياب والذكريات لا تمسحها المسافات، عند كل رحيل نفقد جزءاً ينتزعه الآخر ليحتفظ به في خزانات الزمن، وأنا انتزعت تلك القطعة ومعها مساحة من حياة عشناها لأستعيد منها الجميل والمؤلم.

لا تحزني ..

لا تحزني فما أنا إلا فُتات وشيءٌ من الذكريات وقليلٌ من الأمنيات، لا تحزني حين الرحيل وأرحلي حيث الوجود، فأنا السأم المضجر والملل الذي لا يطاق وأنتِ الحياة، كل الحياة، يكمن فيكِ لون الزهور وعطرها ورحيقها فلا تذبلي بين أناملي البائسة، انطلقي بعيداً وأشرقي في فضاءات الهوى والنعيم، ولا تنظري خلفك فهناك كمٌ من البؤس لا تستحقينه دعيه يأكل بعضه وينتهي.

لا تحزني فما أنا إلا طيفٌ غريب مر من أمامك وداعب عطر مشاعرك، فدعيني أمر وأحمل ذكرياتي معي، لا تقلقي فالأطياف لا تحمل الكثير من الماضي لكنها لا تترك حسرته، فلماذا تحملين معي الحسرات؟ دعيني وانطلقي لآفاق الخيال وروعة الجمال، ولا مانع حين تتذكرينني أن تبتهلي لأجلي قليلاً ولا تكثري من الابتهال فلا أستحق أن أنتزع منكِ الدقائق التي تزخرف وقتك وتزينه .

لا تحزني فأنا شيءٌ قليل لا يلبي طموحك، وشيءٌ ضئيل لا يملأ عينيك فأغمضيها وسأتلاشى دون جهد، احتفظي بكحلك الجميل وسحرك عينيكِ البهيتين، لا تغرقي روعتك في تعاستي وانطلقي لتقطفي الكثير في الحياة والأمل.

لا تحزني فلا يليق بكِ الحزن ولا الدموع فتلك اللآلئ الغالية التي تنحدر على وجنتيكِ مؤلمة لا أريد أن أراها، وصدّقي أني أحبك لذا أقول: ارحلي اهربي فعواطفي قيود ومشاعري أغلال وحبي سجنٌ مظلم يؤسفني أن تسكنيه ويصعب عليّ أن أراكِ تذبلين بين جدراني وأنتِ مكبلة بمشاعرك.

لا تحزني حبيبتي، إن كنت أستحق، يكفي أن تحملي معكِ بعض الذكريات الجميلة. رغم أني أعرف أنها ذكرياتٌ قليلة تذكّريها وابتسمي، لا تحزني لا تحزني.

كلمة..

ليست الكلمات مجرد حروف؛ صلتها بالنفس أكبر؛ هي تعبير عمّا نشعر به وما يدور في خواطرنا

فنكتبها لكي:

نعيش لحظة.

أو نمجّد لحظة.

نخلق بها اللحظة .. نعود بها إلى أشواقنا لنعيشها، وفي النهاية يقولون: إنّها كلمة .. وهي كل التعابير، هي الإحساس بالألم، هي الرسول، هي السهم، هي أنا وأنت.

أقدار ..

تلقي الأقدار مراسيها على شواطئ أيامنا فهي تعرف أين تنزل وماذا تفعل

ليس في مقدورنا أن نتصرف في أقدارنا .. لكننا نستطيع أن نتصرف مع أقدارنا .. فنحمد ما هو جيد .. ونعالج ما هو سيئ ونعايش ما استدام.

الحكمة تتولد من الرَوية .. والتفكر .. ولا تتولد من التهور والاستعجال.

لنتحدث عن السعادة..

ماذا سنجني من السعادة التي نسعى وراءها لاهثين؟ ما الذي سنحتفظ به من الحب والغنى؟ نحن إلى زوال، وكل هذه الأمور لا بد زائل، فما نحمل من ذكريات هو مخزون شخصي في أغلبه لا يحمل همه المحيطون بنا، يبقى في خصوصيتنا الشخصية، الأسرة تحمل جزءاً من هذه الذكريات لكنه أقل مما يحمله صاحب الذكرى والمحيط الاجتماعي يحمل جزءاً أقل مما تحمله الأسرة، وكلما اتسعت الدائرة زاد فراغ الذكريات وأصبحت ضعيفة لا تحمل قيمة مؤثرة.

الذكريات التي نحملها وتؤثر فينا ونحن أحياء تضعف تدريجياً في مسافات الحياة التي تبتعد عن نقطة الذاكرة وتضعف مع مرور الزمن، فكيف بها حين يتلاشى الكيان الجسدي لحامل الذكرى، لا أظن أنها تبقى مع الرفات ولا يستطيع التراب أن يخزن ذلك الكم الهائل من الذكريات التي تعود إلينا من المجهول أثناء حياتنا التي نعيشها تحت تأثيرات متغيرة، التفاصيل الصغيرة التي تستطيع أن تشعرنا بالألم والحب والشوق والندم وليدة تركيبات نفسية وفسيولوجية معقدة تحدث نتيجة التفاعل في الجسد الحي ويترتب عليها الكثير من التصورات المقتبسة من أعماق الذاكرة، وفي حالة الموت تنقطع تلك التفاعلات بشكل نهائي مع تحلل الجسد.

إذاً لماذا نلهث وراء السعادة في الدنيا؟ ونبحث عن البهجة والمتعة سوى أننا نريد أن نعيش شعوراً معيناً في لحظة معينة ووضع معين لنحصد لذة محددة أو شعوراً بعينه، أحياناً تنتكس محاولاتنا فتصدمنا وتنقلب الذكريات التي كنا نأمل أن تكون سعيدة إلى ذكريات تعيسة أو مؤلمة نحملها معنا طوال الحياة ولا نستطيع أن نتخلص منها.

لو فكرنا في اللذة بشكل عام أو حتى الألم الناتج عن المواقف سنجدها محدودة الزمن، لا محدودة التأثير حيث إنها لحظات أو دقائق تنتهي ويبقى الشعور المتولد عنها فترة أطول من زمن الواقعة التي عشناها بالفعل، مثلاً لحظات السعادة تجعلنا نسير في مسار أطول من مسار الشعور ذاته الذي عشناه، مثلاً: كأن نشعر بالسعادة بوجود إنسان معنا في لحظات معينة، يتولد من ذلك مسار زمني نكون فيه حريصين على أن نبقى مع الشخص بسبب تلك اللحظات التي تراكمت في ذاكرتنا كنقاط مبهجة تجعلنا نتمسك بالإنسان الذي فجر لدينا ذلك الشعور، حتى لو تغير ذلك الشخص تغييراً ملحوظاً لا يكون الاستغناء عنه بالسرعة التي مرت بها لحظات السعادة.

أيها المجهول..

أيها المجهول، تعبت أفكر في تفاصيلك لأجد لك كياناً يمكنني أن أتعامل معه دون حيرة، رسمتك في مخيلتي إنساناً لطيفاً وجشعاً، يجمع التناقضات، يخلق المحبة من لا شيء ويشعل النار في كل شيء، أردت أن أراك لكي أقتل الخوف من الجهل فأنا الجاهل الضئيل الذي ينظر إلى البعيد حتى يحترق بصره في أفق لا ينتهي يبحث عما رسم في عقله، يتوقع أن يرى ما يجهل ليطمئن ويكف عن التفكير وأنت تستمتع بحيرته وتخلق مجاهيل أكثر ليبقى بصره معلقاً في أفقك للأبد.

أيها المجهول، ها أنا ذا بين النار والجنة يسبقني اللهب حين أجري خائفاً وتبتعد الجنة حين آتيها راكضاً، فلا احترقتُ ولا تنعمت، بين رجاءٍ وأمل، أترقبك لتكشف لي المسافة بين النعيم والجحيم؟ وتعطيني أرضاً آمنة لأقف وألتقط أنفاسي دون خوف.

أيها المجهول، تعرف أني لا أكون إلى حين أبحث عنك في ثنايا الماضي ومساحات المستقبل، تلك الفراغات المطوية في سجلات التاريخ وتلك الصحائف البيضاء المنثورة في مستقبل الزمن، أنا بينهما بين ما كان وما سيكون، أردت أن أكشف المجاهيل وأفكك رموزها علّي أجد أحد الخيوط التي توصلني إليك فأمسكه بكلتا يدي وأسحبه لتراني أقف أمامك وأصرخ “لقد جئت إليك، لأكون أنا” بينك وبين الأفق أقف أحمل تلك الأسئلة الحائرة لأنثرها في وجهك وأقول لك “أجب”.

أيها المجهول، أنت كالسراب الجميل الذي يُعلق الظمآن عليه حين يراه كل آماله في الحياة فيلهث وراءه وهو موقن أنه سيروي ظمئه القاتل ولا يدري أنه يسير لحتفه بإرادته والأمل يملؤوه، هل رأيت إنساناً يسعى لموته بسعادة مثل ذلك العطشان، هل رأيته حين وصل إليك وعرف أنك وهم لا طائل منه إلا الموت، حينها يضحك حتى ينتهي مثل آماله التي احترقت في رحلة البحث عن الحياة.

أيها المجهول، يكفيني من غيابك أنك دمرت تلك الأحلام التي صنعتها من جهلي وغبائي، والأوهام التي علقت عليها صحف المجد الكاذبة، وتلك الأمنيات التي كنت أرعاها لكي تنمو في حدائق الخيال الخصبة. شيءٌ واحد جميل أحمله لك وأشكرك عليه، أنك ساعدتني على أن أحرق الأيام في رحلة البحث لتمر بلا ملل قبل أن أرحل.

رحيل ..

تكمن الحياة بين “المهد واللحد” وبينهما نحن البشر نعيش التفاصيل بكل جزئياتها: الواقع والماضي، الذكريات والنسيان، نحب ونكره، يملؤنا اليقين بالاستمرار إلى ما لا نهاية، والنهاية تكمن على بعد أمتار منا لا أكثر.

نتجاهل النهاية لكي نستمتع بالحياة، فيسيطر علينا الواقع وننسى النهاية التي تكمن خلف واقعنا، تعدّ اللحظات وتترصد الفرص لتنقضّ علينا، ثم يأتي الوداع بثوب الرحيل الأبدي ليخبرنا أننا لن نعود.

الغياب ..

كنت معي صاحباً ساحباً لي في الهوى حتى هويت فتركتني أهوي في هواك، قد رآيتني في رباك مثل الغيوم السابحة مثل الندى قد كسوت الريحَ عشقاً وغسلت العمرَ بوجدودك ولم أجد وجد الهوى في حضرته.

لم أعِ أني على أطراف الزمان أبكي، أياماً مضت لم تترك من الشَعر شيئاً أسوداً، وما زلت أمشي فيما مضى بخيالٍ خصب وأحلامٍ تزخرفه وكأني طفل قد لبس العيد ثيابه ليرقص معه فأخذ العيد ثيابه وهرب.

لم يبكِ الطفلُ ثيابَه، بكى الأمل في عيده الهارب، حتى ذبل ومضى في طريق الضياع يسكب خمر عينيه، فيُزهر شوكاً جارحاً بين الأماني فتمزقها أشلاءً.

لماذا يسحرنا الغياب بحزنه فنغيب بين الأنين والذكريات، لمَ يسحبنا من واقعنا حتى نصبح أطيافَ بشرٍ لا يعنيها الواقع؟ أشباحٌ نعيش خارج زماننا، كأننا جئنا من المجهول، لنُمضي ما تبقى لنا من الحياة.

قراءة في كتاب “ذات” للكاتبة فلونا عبدالوهاب

أنا في غرقٍ منذ أن قلت أحبك ..

غارقة في الأحلام ..

في عمق صحراء عينيه ..

في خطوط يديه البعيدتين ..

التي لا أتشبث بغيرها .. رغم الضياع .

هنا وقفت لأدرك أن ما أقرأه ليس خواطر يكتبها البعض ليفرغ شحنة عاطفية طغت على شعوره، بل معنى أعمق مما تصورت حين أمسكت ذلك الكتاب النحيف بصفحاته الثمانين فأصبحت أدقق في كل جملة وأعيد قراءة الفقرة أكثر من مرة وبصوت عالٍ، لم يعجبني الأسلوب وحده، بل وجدت شيئاً أجمل وهو عمق الشعور الذي كتبت به تلك الفقرات.

يذكُرها في ركن المقهى، يراها في كل كتابً أول صفحة، يحتضن نفسَه تحت المطر ليراقصها.. لا يتأخر عن جواب رسائلها .. 

تتدفق الصفحات بهذه السلاسة والعذوبة لتجرفك عبر أمواج المشاعر دون أن تشعر إلا بنهاية ذلك الكتاب الصغير في حجمه الجميل في معناه فهو يمثل عنوانه حرفياً “ذات” لذا أرفع تحية للأستاذة فلونا عبدالوهاب فمنذ زمن لم أقرأ هذا الشعور الجميل والمؤلم ..

غارقا في نفسي ..

لا شيء معنا نُكلل به نزق المساء ورتابة اللحظة، سوى الخيبة، والضحكات المنفلتة من هواجسنا اللاذعة”لم يبقَ سوانا يا جابر، لم تبقَ الزرقةُ معنا بعد هذا الغروب الشاحب؛ ذهبتْ حيث الليل، لترتاح  من يقظتنا، بقينا ننوس كسلًا على مسطبتنا؛ أين العابرون من هنا؟ كيف تواروا خلف الظلمة؟
 ولا شيء معنا نُكلل به نزق المساء ورتابة اللحظة، سوى الخيبة، والضحكات المنفلتة من هواجسنا اللاذعة.
هناك يا صاحبي خيط نوري، يُقسِّمُ الأفق، أنظر خيطَ خوفٍ وضياعٍ يُقسم مسطبتنا، نضحك، ونلف سجائرنا، نشعلها، وخلفها العالم يغور في عينك، تهتز من دخان الحروب، وتغضب من جلوسنا الطويل، الطويل. 
ألم تقل يا ابن عتيق: اللحظة المتشظية لا يعاد تشكيلها إلا على مسطبة، تُزاحم فيها رائحة التبغ سقفَ هذه الظلام؟ 
ها نحن هنا تحته نعدُّ خسائر المهزومين. كم مضى على الظلام؟ سألتكَ لكنك اتكأتَ وحدَّقتَ صوب أحلامك، تُعلق عينيك على صدر أيامنا، فوق مسطبة المتصوفة، وتسأل بعدها شاردًا: كم سيطول غيابُنا؟ وإلى أين تقودنا آمالنا الغريقة؟ 
نحن الذين اخترنا هذه البقعة، وهذا الانتظار الطويلَ الطويل الطويل، عبثًا نراقب الغيب، كما نفعل يومًا بعد يوم على مسطبتنا، عبثًا نُحملق نحو الأفق، ننتظر طلوع الذئب من قمرة اللاوعي؛ لنحاول استيعاب خيبة العالم، في آنية اللحظة.
تصرخ وتثور قفزًا، لستَ أنت وحدك ترمم الأيام، وتكتب وتعانق الأهواء، وتخسر؛ أصعدُ معك على ما تبقى من حجارة مسطبتنا، وأصرخ: “أنت معي”؛ مثل المتصوف يقاتل العُزلة بالنشوة؛ ليمضي إلى الوحدة.
أحمد العلوي 
AhmedAlalawi
الدوحة قطر، فبراير 2023

رد …
عزيزي، لا شيء يبقى، فكل شيء محكوم عليه بالعودة إلى العدم، لا ألوان هناك ولا أشخاص؛ فلا تستغرب أن تُجرب بعض الذي سيحدث في المستقبل قبل وقوعه، فما نحن إلا ماء نُثر على وجه الأرض ولا بد لنا أن نتبخر.

سنتذكر تلك الكلمات التي كنا نرسم بها المشهد كما كنا نرسم الحكايا، وكما نوجّه بها الجدل والنقاش في لقاءاتنا المتتالية، نخرجها من أنفسنا العميقة، التي تسكنها الظلمة لنلقيها في الواقع، فتصرعه أو يصرعها، فندفن إحداها، أو ربما تتصادم حين تخرج كلماتي من الأعماق، فتجابها كلماتك بدروعها وسيوفها، وتدور المعركة التي لا دم فيها، وتذكّر أن الموت بلا دم نازف هو أقسى موت يمكن أن يعيشه بشر.

 حين تثور الحروب بين الكلمات يصبح للسيجارة معنى آخر، نشعلها وننفث دخانها وكأننا نخلق عواصفاً وضباباً ودخاناً في ساحة المعركة، وحين تنزل الفوضى بعيوننا ننظر إلى بعضنا ونحن نرى المعركة، ثم نضحك على ذلك المشهد التراجيدي الذي خلقناه من العدم، سنتذكر كم من الكلمات ألقينا في فوهة الجحيم لنخلق بها واقعاً مختلفاً يمكننا أن نرسم من خلاله خيطاً من النور أو رائحة عطرٍ تغير الحاضر، وتجعل الجميع يلتفت إلينا.

تمدد عزيزي، على المذبح فلا خيار لك سوى أن تقدم نفسك قرباناً لآلهة لا تعرفها لكي تعبث بدمك، ستقول: تمدد أنت، سأخبرك حينها أني أعرف رائحة دمي فقد تمددت على مذابح كثيرة، لكنها للأسف لم تنجح في أن تخلق لي النهاية المحتومة وعليك أن تجرب الشعور حين ترى الدمَ ينزف ليشكل دائرة حولك وأنت لا تتحرك، والأكثر من ذلك هو أن تعرف أنك لن تموت، فالمذابح مثل الفاكهة المحرمة ما إن تذوقها مرة حتى تهوي إلى الجحيم وتستسلم لكل المذابح التي تجدها أمامك.

 عزيزي، لا أملك غير الأفق لأنظر إليه فالنظرات كلها غائبة عن الواقع وراء فكر مجنون يسيطر على عقل رجل بسيط، استطاع أن يخلق عالماً في داخله بشكل أعمق وذا أبعادٍ مختلفة، تحيطه أسوار وخنادق، ويقف أمامه جنودٌ لا حصر لهم ولا عدد، فيعود أدراجه لوهمه الجميل، لكنه في يوم من الأيام استيقظ ليجد أن كل أفكاره قد تحطمت وتهدمت الأسوار، ومات الجنود وأنه أصبح في الواقع، فرحٌ ورقصٌ وغناء، ثم اكتشف أن الواقع له أسوار أضخم وجنود أقوى وأقسى وأكثر، وأن الموت أخرج الشبح الذي يعيش بداخله ليسيطر عليه.

أغلق عينيك عزيزي، واستسلم لفكرة غبية واحدة لا تغيرها، الجمود رحمة لا ينالها إلا الأغبياء، لكنهم رغم غبائهم الذي يُلامون عليه تكون أمامهم الأمور أبسط، فيُقدمون ويبحرون، يخسرون ويضحكون كأن شيئاً لم يحدث.

لِتُصبحْ ابنَ العربيّ، وسألبس الصوف من أجلك، ونجوب العالم بأقدامٍ حافية فالعالم لا يستحق أن نلبس له أحذية، علينا أن نطأه كالخيول الجامحة لنترك أثرنا كندوب لا يستطيع أن يمحوها أحد.

jaberatiq

١٨ مايو ٢٠٢٣

ضـغـيـنـة ..

ضـغـيـنـة

أحياناً يحمل الأشخاص ضغينة أكبر مما نتوقع دون سبب …

لم تكن تلك الابتسامات التي كنا نتبادلها مصدر إعجاب، بل كانت تخفي وراءها الكثير من الضغينة، والكثير من الحقد، ربما لا أحقد عليه أنا، لكني دون شك أحمل له من الضغينة ما لا يمكنه أن يتصوره، وحين أعود إلى الواقع لا أجد من ذلك الرجل أي تصرف يثير الضغينة في نفسي، منذ اللقاء الأول كان انطباعي عنه سلبياً، نظراته الحادة، ونبرة صوته المقرفة، جعلتني لا أتقبله على الإطلاق، لذا سعيت منذ اليوم الأول إلى أن أدمره، افتعلت المشاكل في كل عمل يقوم به وأنا أجزم أنه يعلم بأني أقف خلف تلك العقبات المزعجة التي يواجهها، ومتأكد من أنه لو كان بمقدوره أن يدمرني لفعل، عدد الفخاخ التي نصبتها له أوقعته في الكثير من المشاكل التي خرج منها مشوهاً ولولا أن علاقاته لا تزال جيدة ببعض المسؤولين الكبار في المؤسسة، لتم طرده من العمل دون شك.

لا أعرف لماذا أبغضه ولا أعلم لماذا ينمو هذا الشعور في صدري ويكبر كلما رأيته، لا أجد في نفسي سبباً حقيقياً، ورغم ذلك أشعر بالسعادة حين أراه يقع في مشكلة افتعلتها له، إحساسي بالنشوة والرضا عن النفس يفوق شعوري بالسعادة ذاتها، فأكون راضياً كل الرضا عن نفسي في تلك المواقف .

الغريب في الأمر أن ذلك الشخص لم يتهمني بشكل مباشر ولم يقل أي كلمة سيئة في حقي رغم معرفته بمقدار البغض الذي أحمله، وفي يقيني أنه إنسان خبيث يخفي ما يريد ولا يصرح به، بل حين أراه في العمل أشعر بأنه يخبئ سكيناً خلف ظهره ليطعنني.

أخبرني السكرتير اليوم أنه طلب مقابلتي، تجاهلت حديثه لكنه بعد نصف ساعة أخبرني أنه عاود الطلب، فطلبت منه أن يؤخّره قدر المستطاع فأنا أتمنى أن يملَّ ويرحل عن مكتبي دون أن ألتقيه ، ورغم ما فعلت انتظرني ولم يغادر، اضطررت أن أستقبله ولم يكن لقاؤنا طويلاً لأنه جاء كما يقول ليسلّم عليَّ ويشكرني بعد أن قدم استقالته من العمل، وبقيت كلماته ترن في أذني إلى الآن “أشكرك لأني تعلمت منك ما لم أتعلمه من غيرك”

ما أغاضني ليس كلماته الملغزة ولا ملامحه التي لا أطيقها ولا نظراته الحادة المستفزة، ما أزعجني أنه سيرحل وسأفقد برحيله تلك المتعة التي أشعر بها في نفسي حين أؤذيه، وأغضبني أنه سيرحل قبل أن أدمره وأشفي غليلي وأنا أراه ينهار .

لم أدع له بالتوفيق ولم أتمنَّ له الخير حين أخبرني بأمر الاستقالة، حاولت استفزازه، كنت أريد أن تخرج من فمه أية كلمة لكي أصرخ في وجهه وأطرده من مكتبي، لكنه لم يمنحني الفرصة إلا حين صافحني قبل أن يخرج، حينها قال: أنت مريض نفسي ويجب أن تتعالج، سحبت يدي من يده وصرخت في وجهه: اخرج من مكتبي .

جلست على الكرسي واسترجعت كل ما افتعلته له من أذى ومشاكلات، وشعرت أن كل ما فعلته لا يصل إلى أثر كلماته الأخيرة التي جعلتني أتمنى أن أقتله قبل أن يخرج.

سيدتي .. لا أجد نفسي ..

سيدتي .. لا أجد نفسي .. فما بين لحظة سكينة تمر تأتي اللحظة التالية لتضج وتصرخ دون سبب، ولا تعود اللحظات لاستقرارها الذي أصبح يغيب طويلاً ويأتي قصيراً، قصيراً جداً.

سيدتي أقلب نفسي بين ماضٍ عشته في ألم وحاضر أعيشه ألماً، وما بين وبين أجد نفسي المضطربة تضج بماضيها وحاضرها، تحاول أن تتمرد لكنها تنكسر، تصرخ وتدفن صوتها في صدري فيئن معها في نوبة حزن عميقة، لا تنتهي سوى بنوم متقطع يزعجني أكثر من السهر.

تلك قهوتي التي تعرفينها سوداء كالليل، هي في الصباح أيضاً سوداء لا يتبدل لونها ولا يتغير مذاقها مع النور، تلك القهوة “أنا” بكل اختصار، لم يتغير فيّ شيء، ما زلت سيئ المزاج تائه الفكر مشتت.

سيدتي وأكررها دوما، أنت سيدتي، أحدثك كما أحدث نفسي، أحشو الكلمات في المفكرة التي أملكها بندائي لكِ، وأعرف أنك لن تسمعي تلك الصرخات الميتة، فلا يصل صوت الموتى إلى الأحياء.

اليوم أنت تتلبسين عقلي بذكرياتك، نظراتك، ذلك الفستان الأزرق وتلك الضفيرتان القصيرتان، لا تزال الصورة عالقة في ذهني لا تغيب، مثل قهوتي التي لا يتغير طعمها ولا لونها، كذلك فستانك وضفيرتاك لا تتغيران في نظري، البراءة التي جعلتني أخرج من كل شيء سيئ لتلقيني فيما هو أسوأ.

أعرف ومتأكد أنكِ تعرفين ما سأقوله حين أراكِ صدفة في أحد الأيام، أنا وأنت نعرف ما يقوله الصمت بين قلبين، كانا معاً في وقتٍ جميل، والتقيا صدفة، في وقت لن يحمل شيئاً من الجمال، أحدهما لا زال يحب، والآخر ربما كان كذلك، لكنهما لا يريدان أن يلتقيا في مشاعرهم كالسابق.

أنا والذكريات..

كانت تجلس هنا باستمرار، صغيرة الحجم بفستانها المشجر الأنيقة، تُلقي بها أمها كل يوم في نفس المكان، فتجلس تصفق بكفيها كلما علا صوت التلفاز بأغنية وتضرب بكعبيها بارتجال غير منتظم وتهمهم بكلمات لا تجيد نطقها، تزحف وهي تمسك أجزاءً حادةً تجرحني، أشعر بالألم وهي تستمتع بألمي حين ترى ذلك الخط يُرسم على الخشب ويشوهه، لا أنسى يوم وجدت أحمر الشفاه ملقى على الأرض كيف فعلت ذلك بي واللون الأحمر شوَّهني من الأسفل حتى المدى التي تصل إليه يديها الصغيرتين .

أما شقيقها فلا يعبث بي كثيراً إلا في أوقات نادرة لكنه يقوم بفعل يزعجني، يصفق الأبواب بقوة فترتج جدراني، ألا يعلم هذا الطفل العنيف، أني قديم، أَقدم من أسرته كلها، والده الغبي كان يفعل الفعل ذاته في صغره لكني في ذلك الوقت كنت أحمل الكثير من القوة وأستطيع التحمل أما الآن أشعر بأرجائي جميعها تهتز حين يصفق الأبواب بقوة، له تصرفات أخرى غبية لا يفعلها باستمرار كأنْ يحفر ثقباً في جداري أو أن يركلني بالكرة بعنف وبحركات متتالية حتى أشعر بالترنح.

الوحيدة التي أحمل لها ذكريات طيبة هي أمهم، لم أرها وهي صغيرة، جاءت بعد أن تزوجها والدهم، منذ وصلت كانت حانية، تتحرك في داخلي باستمرار إلا أنها تتحرك برفق ورغم كثرة مشاغلها لا تهملني وتهتم بي كثيراً خصوصاً بنظافتي وأناقتي، فتلمعني وتجملني وتزينني باستمرار، وُجدت لتشعرني بالراحة فزوجها الذي لا يكف عن الطرق والقطع في ورشته التي هي جزءٌ مني يسبب لي الكثير من الأذى وحين يعطب شيئاً فيّ يتكاسل ويتلكأ ولا يصلحه وحتى لو أصلحه لا يفعل ذلك بعناية كافية، بل ليسكت زوجته التي تلح عليه ليصلحني.

رغم كل ما تفعله هذه الأسرة من إزعاج وكل ما تتسبب من خراب وعطب في أركاني، إلا أني كنت أريدهم أن يبقوا معي، بمجرد أني أحتويهم أشعر بالدفء، وجودهم وأصواتهم وحركتهم يعطيني الأمل والشعور بأني أصلح للحياة ولم يحن وقت موتي، لم يمنحوني تلك الحياة الدائمة التي كنت أتمنى، في يوم من الأيام جهزوا حقائبهم، فقط حقائبهم، ظننت أنهم سيمكثون في الخارج يومين أو ثلاثة أو أسبوعاً على أكثر تقدير، أحصل خلالها على الراحة التي أريد، الأيام طالت ولم يعودوا، شعرت بالسكون يلفني والصمت المميت يحيط بي من كل مكان، طالت الفترة فبدأت أشعر بتلك الحشرات الصغيرة تتحرك في داخلي، تلك الحشرات التي تكاد أصواتها لا تُسمع تبحث عن الشقوق لتعيش فيها، تنخر عظامي بأنيابها الحادة، ورغم ذلك لم أتضايق كثيراً فقد بدأت أُحس بالأشياء تتحرك، رغم انتشار الغبار لم أشعر بالقذارة فما زلت نظيفاً.

الأيام مرت ولم يعودوا، لا نور يضاء ولا كعبٌ صغيرٌ يضربني ولا طفل أهوج يصفق أبوابي ولا رجل أرعن يتسلى حين يقطعني بآلاته الغريبة، بقيت هكذا حتى مر طفلٌ وألقى حجراً فانكسر زجاج أحد نوافذي كأنه فقأ عيني حينها، شعرت برعشة من البرد تلفح ضلوعي، بعدها مر طفلٌ آخر وألقى حجر كسر نافذةً أخرى وتوالت الأحجار، ثم بدأت أشعر بهم يتسللون داخلي، أعرف أنهم لا يأتون لكي يضعوا أكاليل الزهور، في إحدى المرات تسلل متعاطٍ للمخدرات مكث فيَّ أربعة أيام، كان لا يكلف نفسه أن يذهب للحمام لقضاء حاجته، يفعلها في أي زاوية قريبة منه، كنت أريد أن أصرخ في وجهه “أيها القذر” لكن لا جدوى، أحياناً يتسلل بعض العشاق أو بعض الأطفال، الآن أشعر بمدى قذارتي “أنا قذر” منذ أن حملت تلك السيدة الجميلة حقائبها هي وزوجها وأطفالها وخرجوا، لم أشعر بالنظافة، أبكي مما أنا فيه، كل شيء مهمل ومهشم، حتى ذلك الغبي الذي كان يصلحني بتثاقل أصبحت أشتاق إليه، فعلى الأقل كان يهتم بي حين أُصاب بحجر، ويا ليت تلك الصغيرة تعود وتضرب بكعبيها لتوقظني كل صباح، سأهديها أحمر شفاهٍ جديد لكي ترسم تلك الخطوط على أرضي وجدراني وكي أسمع صوت أمها وهي تصرخ بها وتأتي لتنظفني بلطف.

مات الأمل مع مرور الأيام ولم تتكسر نوافذي فقط، بل تكسرت أبوابي وأكثر من جدار، وأصبح الكثيرون يمرون وينظرون إلي باشمئزاز وخوف وريبة، لا أنتظر الآن إلا أن يلقي فيَّ أحدهم عود ثقاب ليكتب شهادة وفاتي.