ضجيج ..

ضجيج، كل ما في رأسي ضجيج، لا يَنتج عنه سوى الإزعاج، لا أفكار جديدة، ولا أحلام، ولا خيال، مجرد ضوضاء، تجعلني أنغمس فيها حتى الغرق، ثم أفيق ليخرج كل ما في رأسي من صراخ، وتعود التروس لتعمل من جديد، وتُنتِج أصواتاً مزعجة، فأهوي إلى القاع وأغرق.

الصدى يتكرر والأصوات، البشر يتغيرون والفلك ثابت، يدور حوله من يدور ويخرج منه من يخرج فلا فرق بين الآتي والغادي وبين المولود والميت، إلا مسافة الحياة، ذلك الخط الفاصل . ________ . بين نقطة ونقطة مثل الثقاب يشتعل بقوة، ثم يموت في صمت.

فضول ..

أنا كالماء أجري في مساري فلا تقف أمامي كحجر لكي أغيره، يجب أن يكون لك مسارك الخاص لتمضي فيه.

وقوفك يجعلك جماداً، ويعطل كل المسارات الجارية، لمجرد أن لديك فضولاً، وتريد أن تنظر في داخل البشر..

في النهاية ستنجرف.. من أحد التيارات القوية.. ثم سيلقيك في مكان لا يلتفت لك فيه أحد.

الـمـوت ..

إن للموت هيبة، فتجد الإنسان يقف عند مشهد الموت عاجزاً، فلا حركة بعده ولا قضاء يعلو عليه، وإنه يضع الرعب في القلوب قبل وصوله، والاستسلام حين يحل، فلا شيء يقف في طريقه، والكل يجمع على ذلك، لذا فهو الأمر الأخير في شأن كل إنسان، موقن بحدوثه، ولا يستطيع أن يمنعه.

الموت شأنٌ عجيب، لا نعرف له سبباً يقينياً، يصيبنا المرض، أو نموت في حادث سيارة، وأحياناً ننتظر وفاة رجل كبير يعاني المرض، فيموت ابنه الصغير في فراشه دون مقدمات، نسير لا نتوقع الموت ولا يتوقعه لنا أحد، لكننا نسير لذلك القضاء المحتوم، تصدق توقعاتنا أو تخطئ، جميع الاحتمالات واردة لا يستطيع أحد أن ينفي شيئاً منها.

الموت هو نهاية، وبدايته هي الحياة، فما وُجد من عدم، يعود إلى العدم، وكل شيء يُخلق ينتهي لا محالة، ولا يكون الإنسان استثناءً من ذلك، بل مهمته تنحصر في تحسين الحياة، التي ستصل به إلى الموت، ولو عرف متى يموت، لما عمل لذلك ولا اجتهد، فحين يكون الموت غيباً، يترك مساحة الأمل قائمة، لا ينهيها، فيكون الأمل بالحياة هو الدافع للاستمرار.

الموت ربما يكون مرحلة نهاية، ربما، وربما، وربما، قالوا عنه كل شيء، ولم يقولوا عنه شيئاً، هو رحلة، نهاية الرحلة، وقالوا: إنه بداية لرحلة جديدة، وهو الذهاب للعدم، ولا حياة بعد الموت، والحياة الحقيقية بعد الموت، وقالوا، وقالوا، وقالوا، والناس في هذا مذاهب، وكل ديانة تفسّره بطريقتها، لكنهم جميعاً متفقون على شيء واحد، وهو أن الموت سيقع لا محالة، فالجميع يُسلم بحقيقة الموت، مهما اختلفت المذاهب في الخلق أو النشوء والتطور وغيرها، يبقى هو الحقيقة التي يسلم بها الجميع دون جدل، فيختلفون فيما كان قبله، وما سيحدث بعده، ويتفقون على أنه الحقيقة الواجبة الحدوث.

قال تعال: ((نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ))

الحب ..

أجمل ما في الحب أنه يلغي العقل ومنطقه، ويخرجنا من حواجز التفكير، فنجد لذة النظر ورحابة الحياة.

لا متعة في العقل؛ فالعقل منطقهُ آليٌّ، والقلب منطقهُ لذيذٌ رغم ألمه، نخاف منه ونريده، يؤلمنا ونشتاق إليه، يتعبنا ونسعى وراءه؛ تناقضاتٌ لا منطق فيها، لكن اللحظات التي نعيشها في العاطفة تفوق الزمن، فهي تغوص في السنين، وتسافر معنا، ترحل وتعود، كأنها مجدٌ يلازمنا.

ماذا أقول؟ لا أدري، مضى الزمن، والذكريات تربطني بتلك العواطف، مضى الزمن، وما زلت أتوق لأن أجد مساحة تخرجني من أسوار العقل لرحابة العاطفة.

متاهات ..

لا تعرف الحروف دروب المنافي، لكنها تصف التفاصيل بعناية لدرجة أنك تتوه فيها، ولا تستطيع الخروج، فالمنفى ليس طريقاً واحداً، تمشيه وتجتازه بعد فترة، هو تلك الغربة التي تحجبك عن الواقع والحياة، وعن أولئك الذين يدعون أنهم معك والموجودون حقاً معك، ويرسلك بعيداً هناك عند الذين نسوا أنهم تركوك في منفى لن تعود منه أبداً.

عليك أن تصف تلك الدروب جيدً فربما، ربما تجد الطريق الذي تظن أنه يوصلك لهم، انثر حروفك على خرائط الورق، ومرر أصابعك لترسم مساراتها التي لا تنتهي، ثم أحرق كل أوراقك، واكتب الحروف من جديد، على جدران التيه، وأرض المنفى، وعلى غبار الزمن، وتأكد أنها ستبقى في مخيلتك، لك أنت فقط.

تجلس بين الحاجز والوطن، لا تستطيع أن تسكن الأرض، ولا أن تعبر الجدار، فتمشي دون توقف، وتكتب دون شعور، بين جدارٍ وآخر، لا ترى ما خلفه، لا لأن الجدار يعزلك، بل لأن نفسك عشقت أن تبقى خلف خيالك، خارج الحقيقة.

المنفى وطن الضياع، له من المجهول حظٌ، ومن الغياب جزءٌ، ومن الرحيل نصيبٌ، ومن التيه دروبٌ، يجمع تلك المعاني التي تزرع الرغبة في البقاء خلف جدار رُسمت عليه الخرائط، ونُثرت فوقها الألغاز، وعليك أن تجمع شتات الحروف، وتتبع الطريق ليوصلك إلى طريق آخر وآخر، ومن جديد عليك أن تضيع في الوهم، وتنثر نفسك في الدروب، وتدوس الحروف، وتحرق كل أوراقك.

إلى .. ميّ

إلى معلمتي تلك السيدة الجليلة التي جعلتني أنزع ثوب الخوف من على وجه الرواية حين سألتني: ماذا تريد أن تفعل في المستقبل؟ حينها كانت الفكرة الأولى تدور في رأسي حول الرواية ولم أستطيع أن اكسر حواجز التردد والرهبة التي خالطت تلك الفكرة الصغيرة فأجبت: أفكر أن أكتب رواية، فقالت: ما الذي تنتظره؟ وكأنها استشف خوفي من التجربة وهي تقول: ما الذي ستخسره لو فشلت؟ كان هذا السؤال الأخير الذي اخترق كل الحواجز وجعلني أقف أمام نفسي متجرداً وأكرره حتى بدأت.

تلك السيدة الماهرة في قياس كفاءة فريق العمل الذي تديره لم تكسر حواجز التجربة حين كنت أتعلم تحت يديها طرق التدريب وأساليبه، بل استطاعت أن تكشف الجوانب التي لم أجربها وساعدتني أن أتعلم الكثير من المهارات التي لا أزال أحتفظ بها رغم المسافة الزمنية البعيدة التي تفصلني الآن عن تلك المرحلة، فأصبح حاجز الخوف من التجربة شيئاً لا أتطرق إليه فكل عمل جديد أتقبله برضا واجتهد أن انجزه بالشكل الأفضل دون تردد.

لا أقصد أن أشكر الدكتورة ميّ عيسى علي، على تشجيعها لي في فترة العمل ولا على تواصلها معي كشقيقتي الكبرى، فهي تستحق أكثر من ذلك، بل أقصد أن أوصل معنى جعلتني أقتنع به قناعة تامة، أن الإنسان يبني الكثير من الحواجز بينه وبين آماله التي يريد تحقيقها، وهو نفسه قد يكون العقبة الأكبر التي تمنعه من الوصول لتطلعاته التي يصبو إليها، تعلمت منها الدرس الذي أعطاني أكبر قيمة في الحياة.

لم أخطط لأكتب هذه السطور فقط كنت أفكر في البدايات وعندها تكرر السؤال الذي جعلني أقف أمام نفسي وأكرره “ما الذي ستخسره لو فشلت؟” والآن أنظر لتلك البداية في عالم الرواية من بعيد وكأنها رحلة غريبة لكنها ممتعة جعلتني الدكتورة ميّ اخطو فيها الخطوة الأولى فزرعت ثلاث روايات في مسيرتي التي أتوقع أن أستمر فيها حتى النهاية.

رداء المعصية ..

لدي رسائل لا أستطيع أن أرسلها لأحد فكلهم رحلوا، تلك الوجوه التي عشتها وعايشتها قد اختفت منذ زمنٍ بعيد، لكنها لم تتلاشَ من مخيلتي، ولم تهدأ الفوضى التي خلّفها الرحيل في صدري، فتلك الوجوه ما زالت تدور بين أفكاري المبعثرة وأوراقي المطوية، تنقب في الذكريات، وتنبش الماضي، وتنظر إليّ في كل وقت، تتهمني، نظراتها تتهمني، وتذكرني بأخطائي التي ارتكبتها، الأخطاء التي لم أقصدها، وقعت، ودمّرت المحيطين بي ودمّرتني.

أنا، ذنبٌ نبت في شكل بشر، ألبسته الحياة رداء المعصية، فتزين به وتأنق، وتلك الوجوه الراحلة قد أغرتها الذنوب، فجاءت إليّ تبحث عن الخطيئة، وحين وقعْت فيها، اكتشفت حقيقتها فرحلت لمجهولها، وبقيت أنا في ردائي المتشح بالمعاصي.

كيف لي أن ألقيه عن كتفي؟ وقد ثقل بمن علقوا فيه وتعلقوا به، وعليّ أن أحملهم وذنوبي، وأسير حتى النهاية، فلولاي ما أخطأوا وما عرفوا المعصية، أنا الذنبُ المرير الذي لطخهم وشوههم وعرّاهم من بشريتهم الطاهرة النقية، وألقى بهم في متون الرذيلة، أنا ذنبُ من أخطأ ومن لم يخطئ، ذنبُ القادمين والراحلين.

دعوني مع ذنوبي فإنني رغم بغضي لها أرافقها فما لكم لا تتركوني؟ أيتها الأطياف، أيتها الوجوه، أيتها الذكريات، أيها الماضي، أيها الطاهرون، أُقِرّ لكم بذنوبي وبطهركم فارحلوا عني، كيف تجلسون معي وأنا أمثل الخطيئة، اتركوني أغرق في وحلي وحيداً.

إن استطعتِ

أن تعودي إلي من جديد ليس معناه أن نعود كما كنا، فبين رحيلك وعودتك تقف فجوة المشاعر التي حفرها الغياب في نفسي، ربما أريد أن أقفز فوقها لكي أعود أنا ذلك اللطيف الذي تعرفين، لكني لم أتمكن حتى في خيالي أن أفعل ذلك دون أن أقف عند اللحظة التي دمَّرت فيها كلماتك المشهد الأخير، وتركتني أهوي في الفراغ الذي وجدته في كل المسافات، وأسأل نفسي عن الحقيقة لماذا تحولت إلى وهم؟ مرَّ عبر الزمن لتلقيني في الهاوية التي جلست فيها وحدي، وأنتِ توجهين تلك السهام المسمومة إلى أذني لتخترق كل ذكرياتك التي احتفظتُ بها.

أموت عندما أمنع نفسي، وحين أشعر بالحنين، وعندما أسمع صوتك؛ يتحرك الشوق الذي يعصف بي ويجعلني أقترب كثيراً حتى أشعر أن كل شيءٍ مؤلم قد اختفى، ثم ينبعث الخوف ليحرق ذلك الشعور، ويكرر كلماتك الأخيرة، وأسأل نفسي المجنونة، ماذا لو؟ عاودتِ الرحيل؟ وشوَّهتِ الذكريات؟ وألقيتِني في الهاوية؟

كيف لي أن أتحمل صدمات الخوف المتتالية التي أنتجتها الكلمات والألم؟ والفراغ الذي ملأ قلبي بعد ذلك؟ فأنا لا شيء حين اكتشفت أن ماضينا أصبح تافهاً، وألبوم الصور التي تشغّلينه في عقلي قد احترق، لم يحترق من تلقاء نفسه، بل أنتِ من أشعل فيه النار لكي تجعليني بلا هوية ولا وطن.

لا أنكر أنكِ أنتِ، الشهيةَ، البهيةَ، التي كنت معها، ولا أنكر مشاعري، وخوفي من تكرار المأساة، فما العمل؟ هل تملكين الحلول اللازمة لعلاجي منكِ ومن سهامك.

لن أعود كما كنت، ولو أنني أستطيع الاختيار، لكنت مسحتُ الألم، ووضعتك في مكانك القديم قبل الرحيل، حينها كنتِ أول الشوق ومنتهاه وأعذب الحب ومبتغاه، والعواطف بين يديكِ تثيرينها كيفما شئتِ وأينما شئتِ، لا أعرف ما أقول! جمال الماضي، أصبح ماضياً، وخوف اليوم أصبح مريباً، يمنعني من الاقتراب، فالحواجز لا تأتي من فراغ، وأنتِ بنيتِ ذلك الحاجز المرعب، لو أنكِ تقدرين، دمِّريه لأعود كما كنت.

عساكَ بخير..

عسى أن تكون بخير صديقي، مرّ بي الشوق وأجبرني أن أسأله عنك حين راجعت بعض الذكريات الجميلة التي أعتقد أنها جمعتنا سوياً في فترة من الزمن، ورأيت روعة ما تركته في رأسي، أردت أن أرسل إليك التحية على ذلك، ورغم معرفتي أن التحايا لا تصل دائماً حرصت أن أتمنى لك الخير على أقل تقدير، الأمنيات أوهام جميلة نرسلها لمن نحب وهي لا تحقق لهم شيئاً سوى تصور نتركه في نفوسهم أن هناك في الطرف البعيد شخصاً يهتم بهم، وأنا مهتمٌ بذلك لا شك، وعلى استعداد لأن أرسل الأمنيات باستمرار لتتأكد أن الذكريات ما زالت تنبض في رأسي لتوقظ تلك الصداقة العتيقة التي جمعتنا.

تعرف صديقي ما الوفاء؟ ذلك الذي يتحدثون عنه دائماً، بخلاف صديقك الذي يكتب هذه السطور فهو متذبذب في مقاييس الوفاء ومقاييس الإخلاص والحب، أما أنت فمقاييس الأمور لديك تمشي على خطٍ مستقيم، ولا تتأثر بتغييرات الحياة ولا شك لدي في أن الحفاظ على هذه القيم مهم وضروري، لكننا بشر، عزيزي، حتى ثقتنا بأنفسنا تهتز وتتغير فكيف لي أن أخط كل القيم على مسطرة لا تتعرج مساراتها ولا تميل، أنا لا أستطيع أن أخط لنفسي مساراً مستقيماً، تعبت وأنا أحاول ألا ترتعش يدي حتى لا يتحول الرسم لمنحنيات ومنعطفات ونبضات متقطعة.

 هناك فرق لا شك في نظرتنا للقيم، فأنت أسمى حين تطرح تلك الشعارات، لكني أصدق منك حين أفعل، أتمنى أن تقيس كل القيم على حياتك قبل أن تتحدث عنها باستقامة، وترسم خطوطها بناءً على أفعالك، وسترى حينها أنك كائن بشري لا يمكنك أن تحافظ على مستوى واحد يشكل خطاً ثابتاً طيلة حياتك.

كان لنا صديقٌ قديم لعلك تذكره وتتذكر كمية الكره التي تحملها له في قلبك، حين كنا أصدقاءً ثلاثة، كانت انتقاداتك وأحاديثك عن مثالبه وأخطائه ونزواته ومغامراته وفشله، لا أظن أنك احتقرت إنساناً بقدر ما احتقرته، وهو في الطرف الآخر كان ينظر إليك بإجلال، ويراك صاحب مبادئ راسخة وقيم عُليا، وأن ما تقوله هو الصحيح، كان متصالحاً مع نفسه ذلك الصديق، يعرف أنه يخطئ ويقر بذلك دون أن يدافع عن نفسه في أغلب الأحيان، يتركك تهاجمه وتتهكم عليه، وينظر إليك والخجل يملأ تعابير وجهه، تعرف ما الذي فعله حين وجد أن انتقاداتك وتهجمك لا ينتهيان، بكل بساطة رحل، تركك مع نفسك تقلب تاريخه لتثبت أنك الأستاذ الذي من حقه أن يقيّم تلاميذه، ربما تخَرّج هو من مدرستك بعد أن حصل على أدنى مستوى ينقله للمرحلة التالية، لكنك بقيت في مستواك الثابت لم تستطع أن تقتبس منه الجميل، وتأخذه لتحصل على علامة تؤهلك للانتقال إلى مرحلتك التالية، صدقني حين رحلت أنا أيضاً حصلت على أقل تقييم منك، بالكاد نقلني إلى الخطوة التالية لأرتقي وتبقى في محلك، تنادي بما لا تفعل، وتنتقد الجميع لكي لا يسبقك أحد في توجيه السهام، تتهمهم لكي تضعف حججهم في إثبات جرائمك.

عزيزي أما زالت خطوطك مستقيمة؟ أرجو أن تراجعها لتتأكد من سلامتها، عليك أن تعرف أن أرضك التي تقف عليها ليست مسطحة، بل مدوّرة؛ فلو سرت على خطٍ مستقيم لا شك ستخرج من مجالها وكذلك الحياة منحنيات وفجوات، ونحن خلقنا في فجوة، وخرجنا من فجوة، ونستمر في الدوران حتى نسقط في النهاية في فجوة، فلا تنزه نفسك، فلم تُخلق من زهرة، ولم تولد في خلية أحادية لا تنتمي لأحد، سلالة تاريخك مكتوبة عبر أسماء اشتركت في إنتاجك لتخرج بأصابع وسيقان وكفوف وأكتاف، كاملاً في كل شيء إلا تلك الفجوة التي ظلت فارغة في رأسك.

دواليب الحياة..

لا تستوي الأمور على ما نشاء، فنحن بشر تتقاطع مصالحنا فما يسرني ربما يحزنك، وما يضايقني من المحتمل أنه يفرحك، فوزك بالمركز الأول دمر أمنية شخص طموح لم يحالفه الحظ، لا يجب أن نبتهج بالنصر على الدوام، فالمعارك الكبرى والملاحم التي سطرتها بعض الإمبراطوريات في تاريخها كانت نكسات ومصائب على شعوب وأمم قُتل رجالها، ونهبت ثرواتها، وفي الطرف الآخر كان الأبطال المنتصرون، والأمجاد تُسطّر بحروف من ذهب.

دواليب الحياة تدور، والنصر يتحول إلى هزيمة، والكارثة التي نعتبرها مصيبة تستفز شعباً بأكمله لكي يقوم من تحت الأنقاض، وينفض الغبار عن نفسه، ويتألق، والسبب الرئيسي هو الكارثة التي وجدوا فيها عاملاً محفزاً للعودة إلى الحياة، كذلك كل قضية مهما بلغت من التعقيد تحمل في طياتها الحل المناسب لها، وما يمنع الحلول ليس القضية أو المشكلة، بل الرغبات والأطماع التي تؤخر الحلول، بسبب رغبة أحد الأطراف في الحصول على المزيد من رصيد خصمه، فيضغط لكي يتنازل الطرف الآخر عن بعض حقوقه.

الإنسان هو محور الدنيا وهو من صنعها، يقترن أحدهم بالآخر فحياة البشر كمعنى “ما يعيشه البشر وما يفعلونه في زمانهم يشكل دنياهم” وكل جنس من المخلوقات له دنياه التي ربما تتقاطع مع المخلوقات الأخرى ويتميز البشر هنا عن البقية أنهم عقلاء يمكنهم فرض السيطرة ووضع القوانين والأنظمة وكسب المعارف، هذا ما جعلهم متمكنين وقادرين على قيادة البقية فطغى الجنس البشري على كامل الأجناس واستفاد منها ولم يكتفِ الإنسان بذلك، بل سخر بني جنسه الأقل منه في القوة والإمكانيات ووضعهم في إطار الخضوع والسيطرة.

لا أعرف متى تم أول استعباد لمخلوق بشري في التاريخ ولا أدري ما القناعات التي مكنت إنساناً من استعباد إنساناً آخر يشبهه في الخلق والإمكانيات، ما يُرجح أن القوة هي التي تمكِّن مجموعة من السيطرة على البقية وفرض نفوذها عليهم ثم تطور الأمر حتى وصل إلى الاستعباد الذي أوصل الإنسان إلى أن يصبح سلعة بيد شخص آخر يفعل به ما يريد كأي حيوان يمتلكه.

معاناة حرف ..

تلك الآلام العميقة
بين معاناة الحروف وقذارة القلم
حين يصبغ البياض
ويسمم الورق
وحين تبكي الحروف
وهي تموت
بين شفرة قلم وحضن ورقة

أعزائي..

أعزائي..

المخمورين والمغمورين


لا تشربوا الحب سكراً

فالهوا خمرٌ رديء..

فيه آفاتٌ وجنون..

تسكن بين النون والنون..

ما هي الرواية ؟

يقولون إن الرواية قصة طويلة بها أحداث كثيرة وشخصيات متنوعة، تختلف أساليب كتابها بحسب نوعية الأحداث وهي بالفعل كذلك لكنها لا تعني أن تحكي قصة فالقصص كثيرة، أما الرواية فهي: مجموعة انفعالات تلازم الشخصيات التي تمر بأحداث معينة، يتجسد من خلالها الحدث وما حوله من محيط مكاني وزماني ونفسي.

إذاً الرواية: شخصيات، حدث، زمان، مكان، عوامل نفسية وعاطفية، هذه العناصر تكون موجودة في كل رواية نقرأها سواء رفع الكاتب أفق أحد العناصر أو خففه تبقى موجودة، حتى لو لم تُكتب فالزمن أحياناً لا يذكر في الرواية ومع ذلك يستشعره القارئ أو يُسقط الأحداث على زمنٍ معين.

إذاً الرواية تتكون من عدة عناصر نسيجها السرد، قالبها الحبكة، مكونها الأساسي الشخصية سواء تفرعت لشخصيات أو تكتلت في شخصية واحدة، الشخصية هي التي ترسم الحدث، تحلله وتفسره وتظهر جوانبه غير المرئية من ألم وفرح وخوف وعاطفة، كل المشاعر التي تلامس النفس البشرية.

شجن ..

إن للنغم شجناً يهز الروح ويحرك ذكرياتها كشجرة يهزها الريح فتئن ألماً لكنها رغم ذلك تتمايل، لتجعل العصف روحاً تنبعث فتحرك النفس الميتة، تُحي آلامها وتعيد أصداء الماضي وتجسد مواقفه، لنعيش الشعور الذي تجسد في تلك اللحظات العتيقة.

لا نستطيع أن نضع للشجن وصفاً فهو يرتبط بالقلب وهذا المجنون حمال أوجه، فشجنه يُطرب ويضرب، يُفرح ويُحزن، شعورٌ عميق يغوص في النفس فيُخرج تلك الملفات الصغيرة التي نخبأها في صدورنا، يقرأها بصوت عالٍ لكي نسمع صدى الكلمات التي تهز كياننا وتوقظه.

عاجزون..

ماذا تملكين.. من حلول؟

وماذا أملك من .. القَدر؟

ففي البعد تتعبنا .. الفصول.
وفي القرب .. ترهقنا الفّكر.