تضارب مشاعر

غريبة تلك المشاعر حين تتضارب بسبب الخوف، وقد جرب أغلبنا ذلك الشعور، حين نقف في نقطة معينة ننتظر خبراً إما أن يكون ساراً أو تعيساً، مثل انتظار نتيجة الامتحان، أمل في النجاح وخوفٌ من الرسوب، أو أن تنتظر نتيجة تحاليل طبية، بين الإصابة بمرض وعدم الإصابة، شعور يستطيع أن ينزعك مما هو حولك، يتحدث داخلك ويسيطر عليك ويلغي كل اهتماماتك.

الأمل هو الحياة، والخوف هو الانتظار الصعب لشيء أصعب نتوقعه، ربما يكون مقياس النجاح والرسوب هو الأقرب لكي أصف هذه النقطة، رغم اجتهاد البعض وترقبه لنتيجة جيدة، فإن هناك مستوى من الفشل يحذره ويخاف منه، كذلك الفاشل لديه أملٌ في النجاح أو قدرٌ بسيطٌ منه وإن كان متأكداً من الفشل.

المسائل معقدة حين تتعلق بالنفس البشرية، أستطيع أن أضع تصوراً وأنت تستطيع أن تضع آخر لنفس المسألة من دون أن نتفق، كل واحد منا يعبر عن وصف حالته في تلك النقطة التي عايشها.

قراءة في كتاب “الربيع الآتي” للدكتور محمد اليحيائي

يعتبر هذا الكتاب الأول الذي أقرأه لـ د. محمد اليحيائي، لكني أجزم أنه لن يكون الأخير فمدى إعجابي بطرحه وأسلوبه السلس وطريقة تعاطيه مع الأمور السياسية المعقدة في عمان والخليج والوطن العربي فاقت تصوري واعتقدت أني أقرأ لفيلسوف غربي تجرد من كل العقد النفسية والأمنية والسياسية والفكرية والثقافية المنتشرة في الشرق الأوسط، فككها وحللها وربط بين الواقع والأفكار وأصّل القواعد التي يجب أن توضع لتُبني القاعدة بشكل صحيح لتصبح واقعاً يعيشه الناس.

الكتاب خليط بين أوراق بحثية قُدمت في مؤتمرات دولة وبين مقالات تتعاطى مع حقيقة الثورات العربية، أسبابها وتطلعاتها والنظر إلى مستقبل الديمقراطية في المنطقة، لكنه خص عمان بالجانب الأكبر فقد حلل القوانين ودوافعها وتبريراتها، ونقض التسلط والاحتكار السياسي ليكشف أن القوانين توضع في الوطن العربي لتكريس الحكم في شخص يكون هو القائد والملهم والأب، بل هو الدولة.

“عن صخرة الاستبداد وكائناتها” في نظري هو المقال الأبرز رغم قصره فقد وضع الدكتور تصوراً صحيحاً للوضع القائم في الوطن العربي مشبهاً إياه بصخرة كبيرة تجثم على الأرض تعيش تحتها كائنات لا تعرف ما يدور حولها ولا تجد الهواء، وحين ترتفع الصخرة وتشم الكائنات الهواء تحدث الفوضى والتصادم لنيل أكبر قدر من النفوذ، في هذا المقال الصخرة هي نظام الحكم المستبد، والكائنات التي أسفلها الشعب، حين ترتفع الصخرة ويشم الشعب رياح الحرية لا يعرف التصرف، فقد غُيبت حقوقه، ومُسح صوته، وكُتمت أنفاسه السياسية والفكرية والاجتماعية على مدى أجيال، في المقال تفسير صحيح ومنطقي لحالة الفوضى التي حدثت بعد الربيع العربي، وما حدث لا يعني أن الديمقراطية شيء سيء، بل يعني أن النظم الحاكمة دمرت كل قواعد الفكر الصحيح لدى الشعوب، فكانت الفوضى هي الواقع.

فوضى في كل شيء، في السياسة، في القانون، والفكر والثقافة، كل تلك الأمور موجودة في الكتاب حتى فوضى العادات والتقاليد، القبيلة وما تشكله من انتماء يفوق الانتماء الوطني، النظرة إلى المواطن والوطن، من يسبق الآخر، الحاكم الإله الأب الملهم الزعيم القائد المبجل، أفكار كثيرة طُرحت في الكتاب تستحق النظر، وحلول واقعية يجدر أن ننظر إليها بعين الصدق والرغبة في التغيير، تغير نظرتنا إلى الأمور، وطريقة تعاملنا مع الواقع المر الذي يقبع فوق رؤوسنا.

تحية لـ د. محمد اليحيائي على هذا الإصدار، وتحية أكبر وأجل لما يقدمه من فكر يستحق الإشادة والتقدير ويستحق أن نأخذ به ونعمل على تطويره.

كتاب الآراء والمعتقدات للكاتب غوستاف لوبون

قراءة في كتاب ( التيارات الفكرية في الخليج العربي ) لـ مفيد الزيدي .

التيارات الفكرية.jpg

طرح الكتاب، حركة المجتمع في الخليج العربي والقوى الاجتماعية والبنى الاقتصادية والتركيبة السياسية وتطورها، والحركات التي قامت في الخليج العربي في الفترة المشار إليها في المقدمة ، وأشار الكاتب إلى أن هذه الدراسة مهمة لفهم أعمق وأوسع للخليج العربي ، في فترة شبه مجهولة للمنطقة .

تطرق الكاتب إلى فترة ما قبل النفط ومرحلة ما قبل ظهوره، حتى عهد الاستقلال، وقد شرح وضع الاقتصاد التقليدي قبل النفط، والتحول الاقتصادي الذي تم، وتحول دول الخليج العربي إلى دول ريعية، والقبيلة وحكم المشيخة، وطبيعة المجتمع والهجرة العكسية التي بدأت بعد اكتشاف النفط، وكيف نشأ الفكر السياسي، وأبرز الحركات التي قدمت الفكر الليبرالي، والقومي، والإسلامي، والماركسية .

الكتاب ممتع ، لأنه يتطرق لفترة مجهولة لدى الكثيرين، حيث إن الكثير يجهل مدى تأثر المنطقة بالأفكار السياسية والاقتصادية، ويجهل الكثير من جوانب المجتمع الخليجي ومراكز القوى ومراكز الفكر والثقافة في منطقة الخليج التي كانت البحرين والكويت الدولتين الأكثر وعياً، والأكثر تأثراً بالتعليم والأفكار المختلفة، البحرين لأنها كانت مركز الحكم البريطاني في الخليج، والكويت لقربها من العراق وإيران، لكن هذا لم يمنع أن تكون هناك حركات فكرية في مناطق أخرى من الخليج ولو بشكل أضعف .

    الحركات الفكرية الرئيسية التي تبلورت في الخليج العربي كما تطرق إليها الكاتب الليبرالية وهي الأقدم ولا تزال موجودة حتى الآن ثم القومية العربية التي بدأت في الانتكاس بعد موت الرئيس عبدالناصر ، والحركات الإسلامية ، والماركسية التي تأثرت، وما مدى تأثير تلك الحركات في المجتمع وما مدى تأثير المجتمع في تلك الحركات الفكرية .

الكتاب رسالة دكتوراه، تتناول التيارات الفكرية في الخليج العربي في الفترة من 1938 إلى عام 1971 ميلادي يقع الكتاب في 400 صفحة في خمسة فصول، الكتاب ممتع رغم أنها رسالة أكاديمية فإنه يحمل قيمة علمية وثقافية وتاريخية صيغت صياغة ممتعة.

 

قراءة في كتاب ( تاريخ الوجودية في الفكر البشري ) لـ المستشار سعيد العشماوي

IMG_20171016_173552.jpg

لست مختصاً في الفلسفة لكن يمكنني أن أضع بعض الإشارات عن هذا الكتاب في عدة جمل من واقع قراءتي، مع الأخذ في الاعتبار أن تاريخ الكتاب يعود لعام 1984م أي أنه توجد أفكار عدة طرحت بعده في نفس المجال .

يناقش الكتاب تاريخ الفكر الوجودي من عدة جوانب لغوي وتاريخية عبر الأمم وعبر الفلاسفة ونظرياتهم، وكذلك وضع لمسته على تلك المفاهيم والنظريات في نطاق إسلامي وربما من منظور صوفي في بعض الأحيان، بشكل جيد يمكن فهمه ببساطة .

     بعد أن شرح الكاتب معنى الوجودية لغوياً انتقل لتعريفها عبر العصور، ابتدأ من تاريخ الدولة الفرعونية، وهنا أسهب الكاتب كثيراً في تلك المرحلة، واختصر في حضارات أخرى لا تقل أهمية، بل يوجد لها مراجع قوية مثل الحضارة المصرية القديمة، ومثلاً أغفل حضارة ما بين النهرين، ثم انتقل إلى الحضارات تباعاً اليونانية والرومانية، والمسيحية والإسلامية، وأنا أرى لو أفرد باباً خاصاً لشرح الوجودية في الديانات لكان الأمر أكثر وضوحاً، فأغلب الفكر الوجودي ينقلنا إلى الإلحاد، والفكر الديني لم يلغِ الوجودية بل وضعها في منظور معين له حدود، وله منطق يختلف عن منطق الفلاسفة .

     أيضاً في الباب التاريخي للوجودية يسرد الكاتب التاريخ ويقارن الوجودية في الحضارات ومجدها وانهيارها ويربطها بالوجودية وهذا يخلط الفكر الوجودي بالتاريخ، وهنا أيضاً كنت أقرأ في هذا الباب تاريخاً يسري بالأحداث حتى أنسى الموضوع الأساسي، ثم أعود إلى فكرة الوجودية حين يذكرها الكاتب، أي إنه كان يركز على الحضارات وتاريخها أكثر من الفكر الوجودي (موضوع الكتاب الأساسي) .

    ثم انتقل الكاتب إلى أبواب أخرى، الوجودية في الفكر الوسيط، ثم في الفكر الحديث، وفي باب الفكر الحديث، كانت النظرة أوضح بكثير، وتسلسل الفكر بين نظريات الفلاسفة والمفكرين كان رائعاً ومنطقياً، فتدرج مع نظريات الفلاسفة المؤثرين في الفكر الوجودي من هيجل وكجارد وهوسل حتى وصل إلى سارتر، ثم وضع موجزاً للفكر الوجودي في تلك الفترة، ثم انتقل إلى قصدية الوجود ووضع شرحاً جيداً، وفي نهاية الكتاب لخص فكرته الأساسية، النابعة من قناعاته الإسلامية .

يعد الكتاب صغيراً بالنسبة لكمية الأفكار التي يطرحها، وعموماً هو جيد يقع في 153 صفحة، موزعة على أبواب، كما أنه مفيد لمن يحب أن يطلع على بعض جوانب الفكر الوجودي والفلسفي، صدر في عام 1984 .

قراءة في كتاب ( المساواة ) لـ مي زيادة ..

1157.jpg

الكتاب صغير في حجمه ثمين في مضمونه، فلم يتناول المساواة فقط في الحقوق والواجبات أو المساواة بين الرجل والمرأة ، بل تناول المسألة من جوانب أخرى، وبطرق مختلفة ، تتدرج معك مقالات الكتاب أو أبوابه من الطبقات الاجتماعية، ومنها الطبقة الأرستقراطية، ثم تعود بك للرق والعبودية وتاريخها، وتأثيرها ، ثم تتحدث عن الديمقراطية بمنظورها الواسع من بداية ما قاله الفلاسفة حتى الواقع الذي كتبت فيه الكتاب، ثم تتحدث عن الاشتراكية السلمية، وإمكانية تحولها، وتعود إلى الاشتراكية الثورية التي كانت الكاتبة نفسها تعايشها في أوجها ثم تعود إلى النظريات الفوضوية، وتميل بك إلى نظرية العدمية في أبواب متتالية .

تنقلك مي زيادة في هذا الكتاب في الواقع بين كل المذاهب المطبقة في ذلك الحين من الزمن، نقلاً سلساً بلغة قوية، وتدخل في جوانب وتفاصيل، وتضع تصورها في كل باب تطرقه ، لتخرجك من سيطرة الفكرة أو النظرية، ولتجعلك تنظر إلى جانب آخر لم تنتبه له، ومن المفارقات التي وردت في الكتاب أن الكاتبة تنبأت بانهيار الشيوعية رغم أن حياتها كانت في أوج الفكر الشيوعي الماركسي، إلا أنها تنبأت بأن الشيوعية ستكتسح العالم ثم تنهار، ولم يمتد بها العمر لترى أن صراع الشيوعية استمر مع الرأسمالية، وانهار دون أن ينتصر، ولكنها تميزت في بفكرة الانهيار، كما أنها تحدثت عن المساواة في حقوق المرأة، واستغلال العمال .

الفصل قبل الأخير من الكتاب كان نقاشاً بين أشخاص يمثل كل واحد منهم فئة أو طبقة اجتماعية، أو دور يقوم به في مجتمعه، ويدور الحوار بين المفكر والشيوعي والإنسان البسيط والإنسان الرأسمالي، ثم تختم كتابها برسالة أحدهم وهو أفضلهم في النقاش وطرح الأفكار فيتناول كل تلك المسائل من واقع مقالاتها التي كونت الكتاب، ويطرح تصوره وما يجب فعله .

يقع الكتاب في 163 صفحة، وهو كتاب شيق، بمنحك معرفة عامة من خلال أبوابه المتنوعة، أنصح بقراءته مع ملاحظة أن الزمن الذي كتب فيه الكتاب يختلف عن زماننا هذا، وأن الكثير من النظريات والأفكار قد عفا عليها الزمن، لكن متعة المعرفة في الكتاب قوية جداً .