حديث النفوس ..

أين هو الحب ، ذلك العالم الجميل ، ذلك العالم الذي تشعر فيه بتألق الأشياء ، وذلك البريق والجنون والشجن ، أجلس هنا أرى تلك الأشياء التي كانت متألقة، كساها الغبار، البريق خفت، والجنون قد صمت، ومات الشجن، ساد الصمت منذ شهور، كنت أراجع الصمت وأنا أعيشه وحدي ويعيشني وحده، الصمت وأنا والاشياء الصغيرة، أشيائي التي كنت أحتفظ بها في نفسي، ذبلت، ماتت، لا أدري؟ لكنها لا تبرق ولا ترقص ولا تثور ولا تنطق .

الغبار في كل مكان، كساني الغبار، ولوث اشيائي الجميلة، ألقى عليها طلاسمه المظلمة فخلدت لنوم عميق لا تفيق منه أبداً .

هي الحياة ..

طويلة هي الحياة

لدرجة ان اللحظات أصبحت ثقيلة ترفض أن تمر دون أن تطأ علينا.

طويلة هي الحياة

لدرجة أن الأيام أصبحت أحمال ننقلها ولا ندري أين نضعها.

طويلة هي الحياة

لدرجة أن الكلمات أصبحت بصمات في سجل التهم.

طويلة هي الحياة

لدرجة أننا نفشل حتى في الوصول إلى الموت.

الــحــيـــاة

أطول من حد السيف، وأشد حدة، تمر على رقابنا دون أن ننزف لكنها تترك فينا ألماً لا ينتهي. 

قراءة في كتاب رواية “قاربي سيعود” للروائي محمد السادة

قرأت تاريخ البحر وأنا على مركب يتصابى بفعل الأمواج فيميل تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار وأنا أقلب صفحات هذه الرواية وأبحر مع السيد علي شرقاً وغرباً، استخرج اللؤلؤ مع الغواص وأشد الحبل مع السيب، أتناول التمر واشرب القهوة وانتظر وجبة العشاء مع البحارة، لفحتني الشمس معهم وترك الملح آثاره على جلدي، شعرت بكل ذلك وأنا على مكتبي أقرأ رواية “قاربي سيعود” فيها تتجسد التفاصيل الصغيرة التي يمكنها أن تعود بك لماضٍ قديم تشم فيه رائحة التاريخ وترى عرق الرجال وهم يكابدون المصاعب من أجل لقمة العيش.

الرواية تناقش حقبة زمنية ما بعد الحرب العالمية الأولى مروراً بالغوص للؤلؤ وحتى موت هذه التجارة والتحولات التي طرأت على الكثيرين بسب دخول الآلة في الحياة، والتطور السريع الذي غير حياة البحارة، فأصبح أغلب تجار اللؤلؤ يعانون المصاعب وتدهورت حياتهم.

اتبع الروائي محمد السادة أكثر من أسلوب في السرد منها الراوي الذاتي والراوي العليم، وفي بعض المواضع كانت الحكاية في الحوار الدائر بين السيد علي وابن أخيه، ولم أجد أي غضاضة في الانتقال بأسلوب السرد من شكل لشكل آخر فأحداث الرواية لم تتأثر باختلاف الراوي، وبما أنها الرواية الأولى التي يصدرها السيد محمد السادة فأنا أرفع له القبعة لعدة أمور أهمها كمية المعلومات والأحداث التاريخية التي تطرق لها في الأحداث، فلن تخرج من الرواية دون أن تعرف الكثير من مصطلحات البحر وأساليبه التي كانت متبعة في ذلك الزمان وستتمكن من معرفة بعض التفاصيل التاريخية التي دخلت على عالم السفن الشراعية في الخليج.

مرحلة واحدة في الرواية يمكن أن أقف عندها وأضع عليها ملاحظة وهي مرحلة الحوار بين السيد علي وابن أخيه إبراهيم، حيث إن شخصية إبراهيم أُدمجت في الحوار دون مقدمات تهيئ القارئ لتحول السرد من الراوي العليم إلى الحوار حيث دخلت الشخصية بعد مرحلة الذكريات التي كانت تمر بالسيد علي وأصبحت الأحداث تدور عبر الحوار الذي نلمس فيه التبسيط الشديد للأسئلة، والواضح أن الروائي أراد أن يبين كل مجاهل السفن والغوص عبر شخصية تريد أن تعرف التفاصيل.

الرواية ممتعة غلبت عليها روح الشاعر التي يحملها السيد محمد السادة بين جنباته، فزينت بصمته الشعرية لغة السرد بكل ما هو جميل في اللغة وجعلتني التهم الصفحات دون أن أشعر .

الرواية صغيرة لحدٍ ما تقع في 160 صفحة من القطع المتوسط أنصح بقراءتها .

مقابلة للكاتب جابر عتيق في مجلة هي و هو

https://www.raya.com/magazine-category/%D9%87%D9%8A-%D9%88-%D9%87%D9%88/

المشهد الثقافي 2021

حوارات جريدة الشرق القطرية

قراءة في كتاب “الربيع الآتي” للدكتور محمد اليحيائي

يعتبر هذا الكتاب الأول الذي أقرأه لـ د. محمد اليحيائي، لكني أجزم أنه لن يكون الأخير فمدى إعجابي بطرحه وأسلوبه السلس وطريقة تعاطيه مع الأمور السياسية المعقدة في عمان والخليج والوطن العربي فاقت تصوري واعتقدت أني أقرأ لفيلسوف غربي تجرد من كل العقد النفسية والأمنية والسياسية والفكرية والثقافية المنتشرة في الشرق الأوسط، فككها وحللها وربط بين الواقع والأفكار وأصل القواعد التي يجب أن توضع لتبني الأفكار بشكل صحيح لتصبح واقع يعيشه الناس.

الكتاب خليط بين أوراق بحثية قدمت في مؤتمرات دولة وبين مقالات تتعاطى مع حقيقة الثورات العربية أسبابها وتطلعاتها والنظر إلى مستقبل الديمقراطية في المنطقة، لكنه خص عمان بالجانب الأكبر فقد حلل القوانين ودوافعها وتبريراتها، ونقض التسلط والاحتكار السياسي ليكشف أن القوانين توضع في الوطن العربي لتكريس الحكم في شخص يكون هو القائد والملهم والأب، بل هو الدولة.

“عن صخرة الاستبداد وكائناتها” في نظري هو المقال الأبرز رغم قصره فقد وضع الدكتور تصور صحيح للوضع القائم في الوطن العربي مشبهاً إياه بصخرة كبيرة تجثم على الأرض تعيش تحتها كائنات لا تعرف ما يدور حولها ولا تجد الهواء، وحين ترتفع الصخرة وتشم الكائنات الهواء تحدث الفوضى والتصادم لنيل أكبر قدر من النفوذ، في هذا المقال الصخرة هي نظام الحكم المستبد، والكائنات التي أسفلها الشعب، حين ترتفع الصخرة ويشم الشعب رياح الحرية لا يعرف التصرف، فقد غيبت حقوقه، ومسح صوته، وكتمت أنفاسه السياسية والفكرية والاجتماعية على مدى أجيال، في المقال تفسير صحيح ومنطقي لحالة الفوضى التي حدثت بعد الربيع العربي، وما حدث لا يعني أن الديمقراطية شيء سيئ بل يعني أن النظم الحاكمة دمرت كل قواعد الفكر الصحيح لدى الشعوب، فكانت الفوضى هي الواقع.

فوضى في كل شيء، في السياسة، في القانون، فوضى الفكر والثقافة، كل تلك الأمور موجودة في الكتاب حتى فوضى العادات والتقاليد، القبيلة وما تشكله من انتماء يفوق الانتماء الوطني، النظرة إلى المواطن والوطن، من يسبق الآخر، الحاكم الإله الأب الملهم الزعيم القائد المبجل، أفكار كثيرة طرحت في الكتاب تستحق النظر، وحلول واقعية يجدر أن ننظر إليها بعين الصدق والرغبة في التغيير، تغير نظرتنا إلى الأمور، وطريقة تعاملنا مع الواقع المر الذي يقبع فوق رؤوسنا.

تحية لـ د. محمد اليحيائي على هذا الإصدار، وتحية أكبر وأجل لما يقدمه من فكر يستحق الإشادة والتقدير ويستحق أن نأخذ به ونعمل على تطويره.

قراءة في كتاب رواية “ناريا” للكاتب حسن علي أنواري

عندما تقرأ رواية ناريا للكاتب حسن علي أنواري، تتصور لأول وهلة أنك تقرأ رواية خيالية، على عكس الحقيقة التي تكتشفها بعد بضع صفحات أنها تحاكي الواقع بمنطق الخيال، وأحداثها التي تجري تسقط بسرعة في مخيلتك على أحداث جرت من فترة قريبة، عايشها الكثيرون، تكتشف أن ظل الله في الأرض موجوداً بيننا وقادة جيشه ومخابراته يمثلون الحقيقة التي نحاول أن نتجنبها في الواقع.

النهر الفاصل، الهزائم والانتصارات، يستطيع القارئ أن يضع لها تواريخ ويسميها، لكنه يجد في النهاية الدرامية التي نسجها الكاتب تصورات أخرى، تنبت في عقله مع مشهد قتل “نحسو” بطل الرواية، أن الدكتاتور يمكنه أن يضع يده بيد عدوه لكنه لا يستطيع أن يضع يده بيد شعبه، وأن الكلمة التي يقولها العقلاء من الشعب هي مصدر القلق الأكبر لدي أي دكتاتور، وأن الدين أصبح لعبة يستخدمها الساسة للسيطرة على الشعوب، ورغم هذا التصور المتشائم، ستجد مبدأ مهماً،  أن الأفكار الصحيحة لا بد أن تصل للشعوب وتحقق أهدافها لا محالة، طال الزمان أو قصر.

الرواية سلسة بشكل كبير، لدرجة أنك تعتقد في بعض المراحل من القراءة أنها رواية للناشئة، لكنها تتعدى هذا التصور، حيث إن إسقاطات الأحداث على الواقع أعمق من أن توضع في نص يخاطب الناشئة وحدهم، بل يخاطب شرائح مستسلمة ومغيبة.

الفرق بين كتابة التاريخ والرواية الخيالية التاريخية، أن بها منطقاً أدبياً يستطيع أن يتسلل للقارئ نفسه بسلاسة تجعله ينظر إلى الحدث من ناحية أدبية أو درامية وتفتح له مجال الخيال ليعيش الأحداث أو ينقلها لواقعة، أو يسقطها على أحداث وقعت بالقرب منه منذ فترة، وهي أسلوب فعال يستخدمه الكتاب العرب للهرب من مقص الرقيب والأجهزة الأمنية.

صدرت عن دار أبجد

http://www.ebjed.com/single.php?view=1091