قراءة في رواية “الحاج مراد” للأديب الروسي ليف تولستوي

الحاج مراد زهرة لم تستفد منها القيادة في روسيا الإمبراطورية، لا أقول هذا من فراغ، اقتبسته من كلام تولستوي نفسه الذي ذكرته نبتة اللفت المزهرة والتي يسمونها في روسيا “التتري” بالحاج مراد فتذكره حين رأى الزهرة وأعاد نفس المعنى في آخر جملة في الرواية حين قال: هذه الميتة التي ذكرتني بها نبتت اللفت المسحوقة وسط الحقل المحروث.

نقطة أخرى أريد التنويه إليها أن تولستوي لم يقل أن ما كتبه عن الحاج مراد رواية، بل ذكر أن نبتة اللفت بزهرتها ذكرته بقصة كان هو شاهداً على جزء منها واستمع لجزء من شهود العيان، وذكر أيضاً أن خياله شكل جزء من القصة، ثم بدأ يحكيها لنا.

الرواية:

تحكي قصة الحاج مراد الذي تمرد على المجاهدين في إقليم القوقاز ولجأ للروس والقصة الحقيقية حدثت في عصر روسيا القيصرية “القيصر نيقولا الأول” يرجح أنها في الفترة من 1825-1855 وكتبها تولستوي في أواخر القرن التاسع عشر أي في الفترة من 1896-1904 وهي من أواخر ما كتب في حياته.

لا ترسم القصة المشاهد القوقازي بوضوح لكنها تضع ملامح الصراع الدائر بين الإمبراطورية الروسية ودول إقليم القوقاز من جهة والصراع بين القوقازيين أنفسهم بين الجهاد والعودة للدين أو الخضوع لروسيا،  كما يوضح تولستوي أن من يحمل راية الدين لقتال الروس أساء لسكان تلك المناطق فقتل وأسر ومثل بالجثث، لكن لم يغفل ما فعله الروس بسكان القوقاز، بل أشار إليه في أكثر من موضع وبتلميحات قوية أن ما يفعله الروس يصل لحد الإجرام.

هناك الكثير من الوصف في الرواية سواء للوقائع أو الأماكن أو الشخصيات والهيئة والزي “الملابس” كما أن تولستوي لم يغفل العناصر القوقازية المتعاونة مع الروس لكن لم يكثر في الحديث عنهم.

ما يهم في الرواية نظرة الاستخفاف التي تلمحها في ما كتبه تولستوي عن شعوب القوقاز والثقة المعدومة لدى الروس تجاههم، فالحاج مراد لم يكن شخصاً عادياً في ذلك الصراع الدائر، فهو القائد الثاني في المرتبة بعد “شامل” قائد الجهاد باسم الدين، ومع ما يحمله الحاج مراد من سمعة مرعبة للروس حاولوا احتواءه لكنهم لم يستفيدوا منه الاستفادة الحقيقية التي تقلب الموازين، وظل على الهامش تحت المراقبة ولم تنفذ طلباته حتى حاول الهروب وقُتل بشكل انتقامي في النهاية التي تدخل فيها خيال تولستوي كثيراً، واستمر الروس في نهجهم العسكري المتمثل في التدمير والقتل.

لا أستطيع أن أقول أني استمتعت بالرواية بقدر ما استفدت من مضمونها، فمن الجيد أن نجد كاتباً عظيم بحجم تولستوي يتطرق لذلك الصراع العنيف الذي أستمر لجيل كامل، وجعلني هذا الأمر استرجع صراع الشيشان مع روسيا إبان انهيار الاتحاد السوفيتي وأتعرف على خلفياته التاريخية.

لن أتطرق للشخصيات في الرواية لأنها كثيرة ومتشعبة ولم تكن ثابتة، والشخصية الوحيدة التي كانت حاضرة هي شخصية الحاج مراد وحده، توالت الشخصيات حولها لكن تولستوي جعل الإعجاب بشخصية الحاج مراد حاضرة بوضوح لدى الجميع.

الترجمة جيدة لكن هناك بعض الملاحظات عليها، حيث أن بعض الجمل كتبت بالفرنسية أو الروسية، والمعنى باللغة العربية كتب في الهامش، وكان الأجدر أن تكتب الترجمة بالعربية وتوضع الجمل الأصلية في الهوامش، كما يجب الإشارة لدقة المترجم التاريخية في بيان صحة الرسائل مثل رسالة “فورنتشوف” إلى “تشيرتشيف” والتي ذكر أنها مزيفة وأن تولستوي ترجمها من الفرنسية.

أظن لو أن تولستوي كتبها في وقت مبكر من حياته لوضع شرح أوسع وأعمق للأحداث، الرواية كما يسمونها جيدة وأنصح بقراءتها، ، لكنها كتبت كما هي الآن، تقع في 206 من القطع المتوسط صادرة عن دار التنوير للطباعة والنشر.