
ما ستقرأه في هذه الرواية ليست أموراً يمكن تجاهلها، فأنت تقرأ عملاً يجعلك تنظر للواقع وتتأمله لترُكب شخصياته المجهولة على واقعك، وأنا أعرف زمن كتابة الرواية والأحداث التي وقعت فيه، لكني بسهولة أحلت الشخصيات والأحداث للواقع حالياً، فما قاله صنع الله إبراهيم، هو محاكاة لا لواقع مصر في زمن معين، بل حقيقة ما تعيشه الدول الدكتاتورية التي تنظر للمواطن أنه مجرم يجب التسلط عليه لكي لا يفكر مجرد تفكير في تغيير الواقع وعليه أن يقبله دون معارضة لما يُفرض عليه وأن يكون رقيبه الداخلي أعظم عليه من سلطة الجلاد ذاته، حتى يصل لمرحلة الطاعة التامة ولو كانت تلك الطاعة ستوصله لهلاكه.
الــروايــة:
شخص مثقف في زمن مجهول ودولة غامضة وأشخاص هم أقرب للوهم من الحقيقة، وقوانين مموهة، يقف أمام لجنة مشتركة مدنية وعسكرية، تدعي أن لا سلطة لها على الأشخاص ولا تجبرهم على فعل أي شيء، لكنها في الواقع تملك كل الأدوات والقوة لتنفيذ ما تريد، لكن الإطار النفسي هو الذي اتخذه الكاتب وسيلة تستخدمها تلك اللجنة للوصول لما تريد فعله، دون استخدام القوة والعنف الجسدي.
تمتزج الصفة العسكرية بالمدنية في الرواية، وكأن الكاتب يقول لنا إن من يصل إلى السلطة ويتمكن منها بطريقة غير شرعية، يتحول إلى كائن يمزج بين القوة والخبث، ويستطيع أن يستخدم الإيلام النفسي بقدر ما يستطيع فعله بالتعذيب وإيلام الجسد، وهذا معناه أن السلطة الغاشمة سواء مدنية أو عسكرية لن تختلف نظرتها للمواطن كمجرم محتمل يجب تخويفه ومراقبته باستمرار لتتم السيطرة عليه.
الجانب النفسي هو الأضخم، ومن خلاله يجسد بطل الرواية الصراع النفسي بين الكرامة والإهانة كواقع يجب أن يقبله، وعليه أن يعرف القوة ويعرف كيفية الاستسلام للقوي، ويتعلم أن يخلق رقيبه الذاتي الذي يلازمه كظله ويجب أن يخشاه كما يخشى السلطة، وعليه أن يعيش واقعاً مزيفاً مخيفاً يشترك فيه الجميع، ويقبله الجميع لكي يتجنبوا بطش الجلاد.
الشخصيات:
بطل الرواية: شخصيتان اندمجتا في شخصية البطل، ما يريد وما يجب أن يكون عليه، شخصيته حين يواجه الواقع السلطوي المخيف وهو يستسلم للأوامر ويقبل بها، وشخصيته وهو يراجع مبادئه وقيمه التي يريد أن يصل إليها، ويصل به الأمر في النهاية أن يخرج رقيبه الداخلي المتمثل في نفسه لواقعه الضيق في بيته لتعيش معه تحبسه وتراقبه، وحين يقتلها، يصبح متهماً أمام السلطة، وهذه قراءة شخصية مني أن الشخص الذي أبقته اللجنة في بيت البطل لم يكن إلا خوفه ورقيبه الذاتي، وحين تمكن من قتله، أصبح متهماً بشكل رسمي وما حالة العزاء التي أصبحت عليها اللجنة بعد موت تلك الشخصية إلى صورة أراد الكاتب أن يجسدها بأن السلطة الغاشمة زرعت في أنفسنا جزءاً منها لكي تخيفنا وترهبنا على الدوام، وحين نتخلص من هذا الجزء تخسر السلطة نفوذها الذاتي على المواطنين وتعتبر ذلك خسارة كبيرة وتعلن حالة العزاء.
شخصية السلطة: مجسدة في اللجنة التي لا يعرف من يقف أمامها القوانين التي تتبعها ولا يعرف ما تريد ولا يتوقع ما هي أحكامها، وهو تجسيد قوي للوضع في الدول الدكتاتورية عموماً حيث إن المواطن لا يأمن جانب السلطة مهما كان مستقيماً وصالحاً.
تقييم العمل:
بلا شك أنه عمل رائع ولا أريد أن أقارن بينه وبين أعمال قيل إن هذا العمل يحاكيها فالأساليب كثيرة والروائيون يستخدمون نفس الأسلوب كل واحدٍ منهم بطريقته الخاصة، إلا أني قرأت أن صنع الله إبراهيم تحدث عن رواية المحاكمة لـ كافكا لكنه قال نفس المعنى الذي تطرقت إليه.
من الجميل أيضاً حكاية الكوكاكولا التي كررها صنع الله إبراهيم في الرواية واستخدمها بتدرج تصاعدي ليكشف مدى تغول الرأسمالية وأساليب سيطرتها على واقع البشر، وهذه النقطة أعطت الرواية بعداً آخر وكأنه يقول: إن الواقع المحلي المتسلط مهما كان سيئاً سيبقى جاثماً على صدورنا ما دام يعطي الشركات الكبرى الفرصة للربح.
كثيرة هي الرمزيات والإسقاطات في الرواية، ورغم أن العمل نشر في 1981 إلا أن الواقع لم يتغير رغم أنه لبس ثياباً جديدة، فهو واقع مزري وخبيث يجعلك تشرب الكوكاكولا ساخنة وتدفع ثمنها.
العمل جميل وأنصح بقراءته والاستمتاع بأسلوب صنع الله إبراهيم الساحر، وهو يقع في 95 صفحة، صدر عن دار هنداوي بالقاهرة.