
لا عزاء ..
إن كان في القلب مساحاتٌ
للبكاء
للدموع
وأفكارٌ للرجوع
لا عزاء
لن ترفع الاقدار عن دربي البلاء
فأنا بين السطور .. حول نفسي ادور..
على خرائط الورق
وأشعل الأقلام
بين أرق وأرق
تنزل من عيني حروف
ومن قلبي حروف
لا تجد السطور
وتبقى تدور .. تدور

لا عزاء ..
إن كان في القلب مساحاتٌ
للبكاء
للدموع
وأفكارٌ للرجوع
لا عزاء
لن ترفع الاقدار عن دربي البلاء
فأنا بين السطور .. حول نفسي ادور..
على خرائط الورق
وأشعل الأقلام
بين أرق وأرق
تنزل من عيني حروف
ومن قلبي حروف
لا تجد السطور
وتبقى تدور .. تدور

إلى معلمتي تلك السيدة الجليلة التي جعلتني أنزع ثوب الخوف من على وجه الرواية حين سألتني: ماذا تريد أن تفعل في المستقبل؟ حينها كانت الفكرة الأولى تدور في رأسي حول الرواية ولم أستطيع أن اكسر حواجز التردد والرهبة التي خالطت تلك الفكرة الصغيرة فأجبت: أفكر أن أكتب رواية، فقالت: ما الذي تنتظره؟ وكأنها أستشف خوفي من التجربة وهي تقول: مال الذي ستخسره لو فشلت؟ كان هذا السؤال الأخير الذي اخترق كل الحواجز وجعلني أقف أمام نفسي متجرداً وأكرره حتى بدأت.
تلك السيدة الماهرة في قياس كفاءة فريق العمل الذي تديره لم تكسر حواجز التجربة حين كنت اتعلم تحت يديها طرق التدريب وأساليبه، بل استطاعت أن تكشف الجوانب التي لم أجربها وساعدتني أن اتعلم الكثير من المهارات التي لا زلت احتفظ بها رغم المسافة الزمنية البعيدة التي تفصلني الآن عن تلك المرحلة، فأصبح حاجز الخوف من التجربة شيء لا أتطرق إليه فكل عمل جديد اتقبله برضا واجتهد بأن انجزه بالشكل الأفضل دون تردد.
لا اقصد أن اشكر الدكتورة ميّ عيسى علي، على تشجيعها لي في فترة العمل ولا على تواصلها معي كشقيقتي الكبرى، فهي تستحق أكثر من ذلك، بل اقصد أن أوصل معني جعلتني أقتنع به قناعة تامة، أن الأنسان يبني الكثير من الحواجز بينه وبين آماله التي يريد تحقيقها، وهو نفسه قد يكون العقبة الأكبر التي تمنعه من الوصول لتطلعاته التي يصبوا إليها ، تعلمت منها الدرس الذي أعطاني أكبر قيمة في الحياة.
لم أخطط لأكتب هذه السطور فقط كنت أفكر في البدايات وعندها تكرر السؤال الذي جعلني أقف أمام نفسي وأكرره “مال الذي ستخسره لو فشلت؟” والآن أنظر لتلك البداية في عالم الرواية من بعيد وكأنها رحلة غريبه لكنها ممتعة جعلتني الدكتورة ميّ اخطو فيه الخطوة الأولى فزرعت ثلاث روايات في مسيرتي التي أتوقع أن استمر فيها حتى النهاية.

سأتحدث أولاً عن أسلوب الكاتب الذي يستطيع أن يوهمك أن كل ما هو حشو في الرواية مهم ومهم للغاية، وستقتنع بلا شك؛ لأن أسلوبه جميل ومقنع فرغم أن الرواية تقع في 351 صفحة، إلا أنها محشوة لأخرها بالفقرات المطولة التي تتناول جوانب فنية في الأفلام وشخصيات الرواية، ولو أن الكاتب كان غير متمكن لما استطاع أن يقنع شخصاً مثلي لا يهتم بالمجال السينمائي كثير من إتمام هذا العمل الذي اعتبره معقداً ومتداخلاً لأبعد الحدود، ونظرتي هذه لم تولد من فراغ؛ حيث إن الشخصية الرئيسية “أستاذ جامعي” تتحدث عن شخصية ثانوية، وتتابعها باهتمام لدرجة أنك تظن أن تلك الشخصية استلمت زمام الأمور في الرواية، وأن النهاية ستقع حين تختفي هذه الشخصية الثانوية، ثم يعود بك الكاتب للشخصية الرئيسية باندفاع يجعلك تعاود التفكير بأسلوب وفكر الشخصية الرئيسية.
تتحدث الرواية عن أستاذ جامعي يبحث في حياة ممثل قديم عمل في زمن الأفلام الصامتة واختفى فجأة، وهذه هي العقدة التي بنى عليها الكاتب كل أفكاره، ونسج حولها الأوهام التي اصطبغت بها الرواية، وستظن في وقت من الأوقات أن كل ما يقوله حقيقي، ثم يكشف لك الوهم الذي جعلك تتماهى معه وتصدقه.
لقد استمتعت بالرواية، وحرصت أن أتمها وأنا في كامل تركيزي، وهذا لا يعني أني لم ألاحظ الجوانب الأخرى السلبية ولا الأبواب التي مط فيها الكاتب الفصول على نحو معقد، وهو يتكلم عن تفاصيل أفلام بشكل مطول لبطله المفقود “هكتور مان” فكان من المقنع أن يشرح الكاتب فلماً واحداً لكي يوصل للقارئ مدى مهارة الممثل، لكنه استرسل أكثر وأكثر، وشرح أفلاما كثيرة بتفاصيلها الدقيقة، وقد شعرت بالملل في الفصول الأولى؛ بسبب هذا الشرح المستفيض.
نقطة أخرى تعتبر ميزة وعيباً في ذات الوقت فبطل الرواية الحقيقي هو أستاذ جامعي يبحث في حياة ممثل اختفى من الساحة في العشرينات من القرن الماضي، ومن كثافة البحث تعتقد أن البطل هو ذلك الممثل، وتنسى الأستاذ الجامعي، وتعتقد أن الكاتب دمج الشخصية الرئيسية بشخصية المتحدث “الراوي العليم” ولهذا الوجه ميزة وعيب فالميزة أن الأدوار تتبدل في الرواية والعيب أن بعد موت الشخصية الفرعية تشعر ببرود في الرواية، رغم أن الكاتب وضع الكثير من الأحداث المعقدة بعد موت الممثل، إلا أنه في اعتقادي كان يحاول أن يقنع القارئ بأن كل شيء تحقق منه في روايته لا دليل عليه، خلق الوهم في نهاية الرواية بشكل فج عبر سلسلة من الموتى الذين أنهى حياتهم بقلمه.
تقع الرواية في 351 صفحة من القطع المتوسط، جيدة في العموم أنصح بقراءتها.
لدي رسائل لا أستطيع أن أرسلها لأحد فكلهم رحلوا، تلك الوجوه التي عشتها وعايشتها قد اختفت منذ زمنٍ بعيد، لكنها لم تتلاشَ من مخيلتي، ولم تهدأ الفوضى التي خلفها الرحيل في صدري، فتلك الوجوه لا زالت تدور بين أفكاري المبعثرة وأوراقي المطوية، تنقب في الذكريات، وتنبش الماضي وتنظر إليّ في كل وقت، تتهمني، نظراتها تتهمني، وتذكرني بأخطائي التي ارتكبتها، تلك الأخطاء التي لم أقصدها، وقعت، ودمرت المحيطين ودمرتني.
أنا، ذنبٌ نبت في شكل بشر، ألبسته الحياة رداء المعصية، فتزين به وتأنق، وتلك الوجوه الراحلة قد أغرتها الذنوب، فجاءت إليّ تبحث عن الخطيئة، وحين وقعت فيها، اكتشفت حقيقتها فرحلت لمجهولها، وبقيت أنا في ردائي المتشح بالذنوب.
كيف لي أن ألقيه من على كتفي! وقد ثقل بمن علقوا فيه وتعلقوا به، وعليّ أن أحملهم وذنوبي، وأسير حتى النهاية، فلولاي لم يخطئوا ولم يعرفوا المعصية، أنا الذنبُ المرير الذي لطخهم وشوههم وعراهم من بشريتهم الطاهرة النقية، وألقى بهم في متون الرذيلة، أنا ذنبُ من أخطأ ومن لم يخطئ، ذنبُ القادمين والراحلين.
دعوني مع ذنوبي فإني رغم بغضي لها أرافقها فما لكم لا تتركوني؟ أيتها الأطياف أيتها الوجوه أيتها الذكريات أيها الماضي، أيها الطاهرون، أقر لكم بذنوبي وطهركم فرحلوا عني، كيف تجلسون معي وأنا أمثل الخطيئة، اتركوني أغرق في وحلي وحيداً .

أن تعودي إلي من جديد ليس معناه أن نعود كما كنا، فبين رحيلك وعودتك تقف فجوة المشاعر التي حفرها الغياب في نفسي، ربما أريد أن أقفز فوقها لكي أعود أنا ذلك اللطيف الذي تعرفين، لكني لم أتمكن حتى في خيالي أن أفعل ذلك دون أن أقف عند اللحظة التي دمرت فيها كلماتك المشهد الأخير، وتركتني أهوي في الفراغ الذي وجدته في كل المسافات، وأسأل نفسي عن الحقيقية كيف تحولت إلى وهم مر عبر الزمن لتلقيني في الهاوية التي أردتِ أن أكون فيها وحدي، وأنتِ توجهين تلك السهام المسمومة إلى أذني لتخترق كل ذكرياتك التي احتفظ بها وتحرقينها.
أنا أموت عندما أمنع نفسي، وعندما أشعر بالحنين، وحين أسمع صوتك، الشوق الذي يعصف بي يجعلني أقترب كثيراً حتى أشعر أن كل شيءٍ مؤلم قد اختفى، ثم ينبعث الخوف ليحرق الشوق، ويعيد كلماتك الأخيرة، وأسأل نفسي المجنونة، ماذا لو؟ عاودت الرحيل؟ وشوهت الذكريات؟ وألقتني في الهاوية؟.
كيف لي أن أتحمل صدمات الخوف المتتالية التي أنتجتها كلمات الرحيل؟ وألم الجحود؟ والفراغ الذي حل في قلبي بعد ذلك؟ فأنا لا شيء حين شعرت أن ماضينا أصبح تافهاً، وألبوم الصور التي تشغلينها في عقلي قد احترق، لم تحترق من تلقاء نفسها، بل أنتِ من أشعل فيها النار لكي تجعليني بلا هوية ولا وطن.
لا أنكر أنكِ أنتِ، الشهيةُ، البهيةُ، التي كنت معها، ولا أنكر مشاعري، وأيضاً لا أستطيع أن أنكر خوفي من تكرار المأساة، فما العمل؟ هل تملكين الحلول اللازمة لعلاجي منكِ، ومن سهامك التي جرحتني في لحظة ضعف.
لن أعود كما كنت، ولو أني أستطيع الاختيار لكنت مسحت الألم، ووضعتك في مكانك القديم قبل الرحيل، حين كنتِ أول الشوق، ومنتهاه وأعذب الحب ومبتغاه، حين كان لجام العواطف بين يديكِ تثيرينها كيفما شئتِ وأينما شئتِ، لا أعرف ما أقول، ليتني أستطيع، فجمال الماضي، أصبح ماضياً، وخوف اليوم أصبح مريباً، يمنعني من الاقتراب، فالحواجز لا تأتي من فراغ غاليتي، وأنتِ بنيتِ ذلك الحاجز المرعب في نفسي، لو أنكِ تقدرين، دمريه لأعود كما كنت.
عسى أن تكون بخير صديقي، مرني الشوق وأجبرني أن أسأله عنك حين راجعت بعض الذكريات الجميلة التي اعتقد أنها جمعتنا سوياً في فترة من الزمن، ورأيت روعة ما تركت في رأسي، أردت أن أرسل إليك التحية على ذلك، ورغم معرفتي أن التحايا لا تصل دائماً حرصت أن أتمنى لك الخير على أقل تقدير، الأمنيات أوهام جميلة نرسلها لمن نحب وهي لا تحقق لهم شيئاً سوى تصور نتركه في نفوسهم أن هناك في الطرف البعيد شخص يهتم بهم، وأنا مهتمٌ بذلك لا شك، وعلى استعداد أن أرسل الأمنيات باستمرار لتتأكد أن الذكريات لا زالت تنبض في ذاكرتي لتوقظ تلك الصداقة العتيق التي جمعتنا.
تعرف صديقي ما الوفاء الذي يتحدثون عنه جيداً بخلاف صديقك الذي يكتب هذه السطور فهو مذبذب في مقاييس الوفاء ومقاييس الإخلاص والحب، أما أنت فمقاييس تلك الأمور عندك تمشي في خط مستقيم، ولا تتأثر بتغييرات الحياة ولا شك لدي أن الحفاظ على هذه القيم مهم وضروري، لكننا بشر عزيزي حتى ثقتنا بأنفسنا تهتز وتتغير فكيف لي أن أخط كل القيم على مسطرة لا تتعرج مساراتها ولا ترتعش، أنا لا أستطيع أن أخط لنفسي طريقاً مستقيماً في الحياة، تعبت وأنا أحاول أن لا ترتعش يدي حتى لا يتحول الرسم لمنحنيات ومنعطفات ونبضات متقطعة.
هناك فرق بيننا لا شك في نظرتنا للقيم، فأنت أسمى حين تطرح تلك الشعارات لكني أصدق حين أفعل، أتمنى أن تقيس كل القيم على حياتك قبل أن تتحدث عنها باستقامة، وترسم خطوطها بناءً على أفعالك، وسترى حينها أنك كائن بشري لا يمكنك أن تحافظ على مستوى واحد يشكل خطاً مستقيماً طيلة حياتك.
هناك صديقٌ لنا قديم اعلك تذكره وتتذكر كمية الكره التي تحملتها له في قلبك، حين كنا أصدقاءٌ ثلاثة، انتقاداتك وحديثك عن مثالبه وأخطائه ونزواته ومغامرات وفشله، لا أظن أنك احتقرت إنساناً بقدر ما احتقرته، وهو في الطرف الآخر كان ينظر إليك بإجلال، فأنك صاحب مبادئ راسخة وقيم عُليا، وأن ما تقوله هو الصحيح، متصالح مع نفسه ذلك الصديق يعرف أنه يخطئ ويقر بذلك دون أن يدافع عن نفسه في أغلب الأحيان، يتركك تهاجمه وتتهكم عليه، وينظر إليك أحياناً والخجل يملئ تعابير وجهه، تعرف ما الذي فعله حين وجد أن انتقاداتك، وتهجمك لا ينتهيان، بكل بساطة رحل، تركك مع نفسك تقلب تاريخه لتثبت أنك الأستاذ الذي من حقه أن يقيم تلاميذ، ربما تخرج هو من مدرستك بعد أن حصل على أدنى مستوى ينقله للمرحلة التالية، لكنك بقيت في مستواك الثابت لم تستطع أن تقتني منه الجميل، وتأخذه لتحصل على علامة تأهلك للانتقال إلى مرحلتك التالية، صدقني حين رحلت أنا أيضاً حصلت على أقل تقييم منك بالكاد نقلني للخطوة التالية لأرتقي وتبقى في محلك، تنادي بما لا تفعل، وتنتقد الجميع لكي لا يسبقك أحد في توجيه السهام، تتهمهم لكي تضعف حججهم في إثبات جرائمك.
عزيزي ألا زالت خطوطك مستقيمة؟ أرجو أن تراجعها لتتأكد من سلامتها، عليك أن تعرف أن أرضك التي تقف عليها ليست مستوية، بل مدورة فلو سرت على خطك مستقيماً لا شك ستخرج من مجالها وكذلك الحياة منحنيان وفجوات، ونحن خلقنا في فجوة، وخرجنا من فجوة، ونستمر في الدوران حتى نسقط في النهاية في فجوة، فلا تنزه نفسك، فلم تخلق من زهرة، ولم تولد في خلية أحادية لا تنتمي لأحد، سلالة تاريخك مكتوبة عبر أسماء اشتركت في إنتاجك لتخرج بأصابع وسيقان وكفوفٌ وأكتاف، كاملاً في كل شيء إلى تلك الفجوة التي في رأسك التي ظلت فارغة.

تستطيع أن تخمن كل أحداث الرواية وأنت تقرأها، لكنك ستكتشف أنك مستمتع بالقراءة، ولا تريد تجاوز أحداثها عبر خيالك فسير الأحداث كان بشكل كلاسيكي منتظم كما هي الرواية الكلاسيكية في أحداثها لها بداية واضحة وشخصيات واضحة وأحداث أيضاً واضحة وتنتهي بالسعادة.
هي زهرة، لكنها كانت تختزل الحياة والعمل والإنجاز والأمل والحب والخوف، وهذه النقطة الكثيفة في الرواية التي جعلتني أسير بشكل سريع في قراءتها لكي أرى الصورة من خلال الكاتب، وكيف تمكن من أن يجعل لتلك الزنبقة كل تلك القيمة العالية في قلب شخصيات الرواية، فهناك حب بين رجل وامرأة وهناك خيانة وحسد، وكل تلك الأحداث تتبلور وتتضح حول تلك الزهرة الجميلة التي تخلق فيها الحياة يد جميلة حانية، وتخلق بدورها الحياة في الشخصيات.
شخصيات الرواية كثيرة، لكن الأساسية والتي تدور حولها الحكاية هي ثلاث شخصيات كانت واضحة المعالم، بحيث أن تكون الشخصية النقية نقية في كل تفاصيلها دون شائبة والشخصية الخبثة غارقة في عمل الرذيلة، دون أن يخالط القارئ أي شك أنه سيصدر منها فعل مخالف، أو تردد في مساعيها السيئة وقس على ذلك كل المشاعر في الرواية، فكل شيء حاد في الرواية الأحداث والشخصيات والمشاعر بحيث تشعر وأنت تقرأ كأنك ستلمسها بيدك.
هولندا هي المكان والسياسة، رغم بعدها عن جمال الزهور ونقائها، إلا أنها ألقت قذاراتها على تلك النفوس الطاهرة التي كانت تتحرك في المحيط لتحقق الأحلام، هكذا مزج الكاتب بين القذر والنقي والخبيث والطاهر ليحدث صراع حول زهرة استطاعت أن تجذب الجميع إليها، فكلهم داروا حولها وكأنها الحياة رغم سوادها، إلا أنها تحمل القدر الكافي من الجاذبة والسحر لتشغلهم وتخرج ما بنفوسهم
تقع الرواية في 337 صفحة من القطع المتوسط، أنصح بقراءتها.

لم تكن رواية عادية فهي في الحقيقة قصة واقعية حدثت على أرض الواقع، وجُمِّعَت أجزاءها أكثر من مرة، وهذا الإصدار حول القصة إلى رواية لتصل إلينا مع لمسات أدبية جميلة، وفي قالب روائي أنيق، وعندما أقول أنيقاً فقط فإني أظلم الرواية فهناك إبداع تمكنت الكاتبة منه، ووضعته عبر الفصول بشكل متسلسل عبر شخصياتها واحداثها التي جمعتها وخلقتها.
أما شخصيات الرواية فهي كثيرة، لكن الأساس لم يكن المدعوة غريس، بل كان الدكتور النفسي المعالج “سايمون جوردن” فشخصية غريس مرت من خلاله للمكان والحدث، ومرت من خلاله كل الرسائل والمخاطبات والتحليلات والتوقعات والتخمينات التي رأيناها في الرواية، أما غريس فكانت هي محور اهتمامه ومحور التفكير الذي أنتج تصوراته وهنا تدرك أن العمل تجاوز الحدث وشخصياته بالنمط الرسمي لتخلق لنا الكاتبة شخصية جذابة نراها من عين فاحصة تدقق في الأحداث، وتحاول جاهدة أن تصل لأعماق المتهمة وتقرأها.
شخصيات الرواية بها أيضاً أمر جميل حيث أنها رسمت على حجمها في الرواية، فلم أجد أي شخصية متجاوزة لحجمها الروائي، أو نالت اهتماماً أكبر من قدرها ضمن القصة، وهذا تحكم يحسب للكاتبة حيث استطاعت تحريك الشخصيات في الرواية بما يوافق صورتها وقدر فعلها في الحدث.
تنوعت فصول الرواية، فمنها من بدأ بالحديث المباشر للمدعوة غريس، ومنها ما كان يتحدث عن حياة الطبيب نفسه وبعضها كان عبارة عن رسائل كتبت من وإلى الطبيب “سايمون جوردن” من أشخاص أحياناً يطلب منهم النصيحة المهنية أو الشخصية، حتى حين غاب سايمون عن المشهد ظلت الأحداث تمر من خلاله في نهاية القصة.
ترسم الرواية الكثير من مشاهد الحياة في كندا في تلك الفترة؛ مما يجعلنا نتعرف على الزمن بشكل أنيق بتفاصيله النسائية التي اقتصرت على الخادمات، ومنهم المدعوة غريس التي كانت تعمل في هذا القطاع، فكان الزمن وتفاصيل الحياة فيه مشروحة بشكل جميل وأنيق.
تقع الرواية في 517 صفحة من القطع الكبير أنصح بقراءتها مع العلم بأنها تحولت لمسلسل على تطبيق النت فلكس

لا تستوي الأمور على ما نشاء فنحن بشر تتقاطع مصالحنا فما يسرني ربما يحزنك وما يضايقني من المحتمل أنه يفرحك فوزك بالمركز الأول دمر أمنية شخص طموح لم يحالفه الحظ، لا يجب أن نبتهج بالنصر على الدوام فالمعارك الكبرى والملاحم التي سطرتها بعض الإمبراطوريات في تاريخها كانت نكسات ومصائب على شعوب وأمم قتل رجالها ونهبت ثرواتها وفي الطرف الآخر كان الأبطال المنتصرون والأمجاد تسطر بحروف من ذهب.
دواليب الحياة تدور والنصر يتغير لهزيمة والكارثة التي نعتبرها مصيبة تستفز شعباً بأكمله لكي يقوم من تحت الأنقاض وينفض الغبار عن نفسه ويتألق والسبب الرئيسي الكارثة التي وجدوا فيها عاملاً محفزاً للعودة للحياة، كذلك كل قضية مهما بلغت من التعقيد تحمل في طياتها الحل المناسب لها وما يمنع الحلول ليست القضية أو المشكلة، بل الرغبات والأطماع التي تأخر الحلول بسبب رغبة أحد الأطراف في الحصول على المزيد من رصيد خصمه فيضغط لكي يتنازل الطرف الآخر عن بعض حقوقه.
الإنسان هو محور الدنيا وهو من صنعها، يقترن أحدهم بالآخر فحياة البشر كمعنى “ما يعيشه البشر وما يفعلونه في حياتهم يشكل دنياهم” وكل جنس من المخلوقات له دنياه التي ربما تتقاطع مع المخلوقات الأخرى ويتميز البشر هنا عن البقية أنهم عقلاء يمكنهم فرض السيطرة ووضع القوانين والأنظمة وكسب المعارف هذا ما جعلهم متمكنين وقادرين على قيادة البقية فطغى الجنس البشري على كامل الأجناس واستفاد منها ولم يكتفِ الإنسان بذلك، بل سخر بني جنسه الأقل منه في القوة والإمكانيات ووضعهم في إطار الخضوع والسيطرة.
لا أعرف متى تم أول استعباد لمخلوق بشري في التاريخ ولا أدري ما القناعات التي مكنت إنساناً من استعباد إنسان آخر يشبهه في الخلق والإمكانيات، ما يرجح أن القوة هي التي مكنت مجموعة من السيطرة على البقية وفرض نفوذها عليهم ثم تطور الأمر حتى وصل للاستعباد الذي أوصل الإنسان أن يصبح سلعة بيد شخص آخر يفعل به ما يريد كأي حيوان يمتلكه.

تبدأ الرواية في زمن الإقطاع في الصين، ثم تنتقل إلى النظام الشيوعي بأنظمته وتعاونياته، وفي المرحلة الأخير تنتقل للرأسمالية الشيوعية التي اعتمدتها الصين لتحاكي بذلك فترة زمنية طويلة من 1950 إلى 2000 ميلادي على ألسنة متعددة ومتنوعة وبعقول مختلفة أيضاً، فلم يكن العقل البشري وحده الذي يروي الأحداث، بل ينقل لنا الكاتب الأحداث على لسان البشر وعبر أجيال مختلفة، وعلى ألسنة حيوانات، نرى الأحداث في أبعاد مختلفة، ومن زاوية ضيقة أو واسعة حسب أهمية الأحداث، ورغم هذا التنوع فالأحداث تحكا لنا من روح واحدة هي روح “زيمن ناو” الإقطاعي، أو من أبنائه وأحفاده الذين يجسدون نفس المجتمع والبيئة، ويتأثرون بالتغيرات بشكل متساوِ في الأوقات كلها، ولنبدأ من البداية:
زيمن الإقطاعي: رجل يملك أرضاً واسعة، وزوجة نبيلة ومحظيتين، وكنوز يدفنها في أماكن مختلفة، ويتمتع بكل وسائل الترف، لكنه لا يستكين لكل ذلك، ولا يهمل العمل بيده، فنراه لا يمل هو يعمل بجد واجتهاد، ولم تؤثر فيه الثروة كثيراً، فنراه يساعد الكثيرين من مستأجرين الأراضي والمحتاجين وقت الكوارث، ورغم ذلك لم يسلم من سطوة الشيوعية التي لم تفرق بين إقطاعي جيداً وآخر سيئ، فحكم عليه بالإعدام رمياً بالرصاص، ومن نفذ حكم الإعدام رجل كان “لزيمن ناو” الفضل عليه، وعلى أسرته لكنه لم يتوان في تنفيذ الحكم في الإقطاعين الإمبريالي كما سمته الشيوعية.
زيمن الحمار: هنا حصل تحول كبير في الرواية فالحاكي الرئيسي أنتقل من لسان الإنسان للسان الحمار الذي يحمل روح بشرية، انتقلت ” زيمن ناو” إلى جسد يحتقره، لكنه مضطر أن يتعايش معه ويتأثر بغرائزه، ورغم ذلك تبقى المشاعر البشرية قوية لديه، حيث عاد إلى نفس قريته وعند الرجل الذي كان في يوم من الأيام يعتبر ابنه بالتبني “لأن ليان” والذي احتفظ له بالكثير من المشاعر الطيبة، وحافظ على استقلاليته، ولم يندمج في التعاونيات الشيوعية، كما أنه شعر بأن روح الحمار هي روح سيده وولي نعمته.
وعلينا أن نتخيل حماراً بذكاء بشري وبقوة حمار لا يمكنه الكلام، مشاعره تضطرب وتشتعل وهو يشاهد زوجته ومحظياته وخدمه وأبناءه، وكل أفراد المجتمع الذي كان سيداً مطلقاً عليه، وأرضه التي تقسمت لأفراد الشعب، ويستذكر مواقفه البشرية المؤلمة والجميلة وهو مقيد في ذلك الجسد الحيواني، ورغم ذلك تطغى عليه رغباته الحيوانية في الأكل والرغبة في التزاوج والتكاثر، وع ذلك كان يوثق مرحلة الانتقال من الإقطاعية إلى الشيوعية، وكيف تم دمج المجتمع في تجمعات تسلم كل ما تملك للتجمعات التعاونية، وكيف يُحَارَب المزارعون المستقلون وتفكك أسرهم ويسحب أبنائهم.
زيمن الثور: تعود الرواية بشكل مختلف أيضاً مع هذه الشخصية، لا على لسان زيمن الإنسان ولا زيمن الثور، بل على لسان ابن المزارع المستقل الوحيد في الصين “لأن جيفانج” الطفل الذي يرى مدى اجتهاد والده في أرضه وكفاحه للحفاظ على الأسرة التي تتكون منه وأمه التي كانت محظيته “زيمن ناو” الإقطاعي وأبناء الولد والفتاة، وتجسد هذه المرحلة تفكك الأسرة وانتقال الجميع إلى التعاونية الشيوعية وبقاء المزارع المستقل الوحيد في الصين وحيداً ليعاني كل أشكال الاضطهاد والتنمر والتعدي عليه وعلى أرضه الصغيرة التي تجاور أرض التعاونية.
حياة الثور لم تصور ذكاءه؛ لأنها لم تأتِ على لسانه كما في حياة زيمن الحمار، مما جعلنا نرى المشهد بشكل مختلف كل الاختلاف عن حياة يزمن الحمار؛ حيث إن الحاكي كان إنساناً يرى المشهد بشكل أكبر، وينقل المرحلة باتساعها للقارئ، لكن الكاتب لم يغفل أن الروح التي تسكن الثور روح نبيلة، فتكون المشاهد درامية وقاسية على روح نبيلة تتعرض لكل وسائل الإهانة حتى يصل لمرحلة الموت تحت قدمي صاحبه “لأن ليان” وعلى أرضه ليعطي قيمة للمستقلين.
زيمن الكلب: مزج الكاتب الحديث في هذه الشخصية بين لسان الإنسان ولسان الحيوان، فكان المتحدث صاحبه القديم هو “لأن جيفانج” الذي كبر وأصبحت له أسرة وعلى لسان الكلب الذي ولد في القرية نفسها، وانتقل إلى مكان آخر أكبر، فاستطاع الكاتب أن يرسم الصورة من زاويتين مختلفتين، الأكبر كانت على لسان الإنسان والضيقة على لسان الكلب، والمرحلة التي نقلها لنا كانت مرحلة انفتاح الصين على النظام الرأسمالي وتفكك التعاونيات الشيوعية ونقل لنا صورة صغيرة عن الخلافات بين وجهة النظر الشيوعية التي كانت تحتضر ووجهة النظر الرأسمالية المنطلقة في تلك الفترة.
زيمن القرد: كان الكاتب يظهر على لسان المتحدثين في الرواية في أجزاء صغيرة، لكن في هذا الباب والذي تلاه ظهر بصورته الكاملة، فأخذ ينقل لنا ما حول القرد وأحوال كل شخصيات الرواية وأحداث الواقع الذي عاشوه في تلك المرحلة ومالات الأحداث، واتسم هذا الفصل والذي بعده بنزعة دموية عند الكاتب في مشاهد تنوعت بين المرض وحوادث السيارات والتفجير وإطلاق النار ليخلط كل الأفكار التي يمكن أن يتوقعها القارئ، ولا أظن أنه بهذا تمكن أن يجعل القارئ مقتنعاً بتصوراته الشخصية التي بدت واضحة في الفصل الرابع والأخير، فقتل من قتل ودمر ما دمر لينهي المشهد بطفل له رأس كبير على حافة الموت لا يعرف أحد متى سيرحل.
اللورد ياما: هو إله الأرض السفلى، ولا أعرف الكثير عنه إلا ما قاله الكاتب مو يان في روايته فهو من بنزع الأرواح، ويعيدها في أجسام مختلفة بعد محاسبتها فالآثم يعيده في جسد خبيث والصالح يعيده في جسد صالح، لكن الكاتب لم يصوره بشكل حسن فهو لا يحكم بالعدل في أحيان، ويكذب في أحيان أخرى.
الرواية ضخمة، وتشمل مرحلة طويلة من الزمن شهدت تحولات كثيرة في الصين كدولة وكمجتمع وإنسان صيني مر بكل المراحل الحرب والإقطاعية والشيوعية والرأسمالية، رغم أن المساحة المستخدمة للرواية في مكان يعتبر ضيقاً بالمقارنة بالزمن إلى أن المكان كان يعكس الصين بأكملها على حد تصوري.
الرواية شيقة وممتعة تعرفنا بالكثير من تفاصيل الصين كدولة وثقافاتها ومجتمعها، حتى الأمور الصغيرة مثل معاني الأسماء الصينة ستعرف كيف يسمي الصينيون أبناءهم، وستعرف نوعيات العلاقات والكثير من الأمور وأنت تقرأ الرواية.
تقع الرواية في 550 صفحة من القطع الكبير “A4” أنصح بقراءتها.
كيف انتِ
اخبريني ..
كيف قلبك ..
كيف عينك ..
هل تريني؟؟
ام تركتي الذكريات
للضلوع الخاوية
والرفوف الخالية
لتدفينها
اخبريني
عزيزتي لا تهربي .. لا تتركيني
دون كلماتٍ ..
كافيه كي تقنعيني
فأجاباتك واهية
مثل الرياح ..
تعصفي ..
ولا تقتليني
وترحلي ..
كيف انتي .. تسمعين
تأكلي وتشربين
فوق جثمان الهوى
وتسكرين
وتشاهديني .. احترق

عند أطراف الزمن يقف شخص ينظر إلى الأسفل!!
على أطراف الزمن يقف لا ينظر إلى الخلف!!
على الحافة هناك كان يبكي.
توقفت ساعته لكنه حي، توقفت كل المشاهد، وما زال يتنفس، توقفت الأحلام والأماني والرغبات.
ولا زال موجوداً، بينه وبين الموت أن يرخي أعصابه، ويمد قدمه في الفراغ!
وقبل أن يسقط، انهارت أحلامه، وتوقفت مشاعره وتمردت عواطفه، ولعنته أفكاره.
قبل أن يسقط للهاوية انتحر قلبه.
اختنق ..
ولا جدوى ..
لكني أختنق
تجتمع بداخلي كل المشاعر..
أجمع قواي فأبعثرها… لا تتبعثر
تنفجر..
وانفجر..

أيها السجان!
(أنا بذرة لن تختفي، ضع كثيراً من التراب فوق رأسي، واغمرني بالظلام، سأنبتُ في الزنزانة، وأقتلعك، وأثمر نوراً يحرق كل فلاسفة القضبان).
بهذا المقطع استهل الأستاذ هاشم محمود روايته، عزيز تلك الشخصية التي شخصنة السجن والزنزانة، ثمن الصدق في وطن لا يعرف قيمة الإنسان وعزيز يعرف أنه سيدفع ثمناً غالياً لمجرد أنه رفض أن يغير مبادئه، ويحرف معنى الإخلاص للوطن ويحول الإخلاص للحاكم، عرف منذ البداية أنه سيدفع الثمن “ثمن وفق ما يحدده أولئك الذين منحوه حرية الاختيار بين الحديد والنار”.
تتسلسل الزنازين، وتتابع أيامها وما يعانيه السجين من بيئة قذرة ومعاملة سيئة وتعذيب لا يجعله يفرق بين الأيام، الألم ممنهج والإهانة تستمر، كل هذا يصب في اتجاه واحد، إهانة المعتقل لانتزاع اعترافات في قضايا لم يفعلها لإبقائه بعيداً عن الساحة العامة التي يؤثر فيها، فخوف النظام لا من أفكار المعتقل، بل من مدى تأثيره في الجماهير، فكلما زاد تأثيره وعلاقاته الداخلية والخارجية نظرت إليه السلطات الدكتاتورية بنظرة ريبة وشك، ووضعته موضع الاتهام حتى تحين الفرصة الملائمة لتلقي به في السجن لتغيبه عن مجال تأثيره الفعال.
إن حب الوطن الذي يشير إليه الكاتب لا ينطوي على السيطرة الجبرية فحب الوطن هو انتماء يفوق لغة القوة، ويتعداها لمجال أرحب لا يعرفه العسكر الذين سيطروا على البلاد في غفلة من أهلها بدباباتهم وسطوتم، وفرضوا عليهم الخضوع والذلة، ومن يرون أنه لا يبجل سلطتهم يجب أن يموت أو يختفي، فكل شيء لدى العسكر له طريق واحد، الرأي واحد والقرار واحد والحاكم واحد، ويجب أن يتبعه الجميع ويطيعوه، فهو العارف العليم القوي الأمين.
عندما يصبح الحكم مأوى لمجموعة معينة تضطهد الفئات الأخرى؛ وهذه المجموعة مؤمنة بأن تلك الفئات لا بد أن تطالب بحقوقها طال الزمان أو قصر، وبما أن بطل الرواية مسلم نشط له تلاميذ وأتباع، ويملك هو ووالده مؤسسة تعليم ديني يتضح اضطهاد السلطات الأريتيرية للمسلمين لا لكرههم، بل خوفاً منهم، وتتجلى الإهانة بتهميشهم والنظر إليهم على أنهم فئة دونية يجب أن تخضع وتستسلم للسلطات، وإلا تسلط عليها ألوان العذاب.
تتناول الرواية عناصر مهمة في السجن سواء للسجانين أو المساجين، فالسجان بلا قلب، ولم يكتسب هذه الصفة بين عشية وضحاها، لكنه تبلد مع الوقت، وأصبح سادياً لا يبالي بصراخ وألم الضحايا، هدفه فقط أن يحقق غايته في تلفيق التهم وانتزاع الاعترافات عن طريق التعذيب، لكي يحيل المتهم لقبر آخر يقضي فيه بقية عمره، أو يعلق على أثره على حبل مشنقة.
أما السجين فهو الحلقة الأضعف وصبره لا ينبعث من قوته البدنية، بل من إرادته التي تقاوم الاستسلام، أوضح الكاتب الجوانب النفسية القاسية التي يعانيها السجناء والطرق البسيطة التي يحاولون من خلالها التغلب على قهر السجان وعزلة الزنزانة، الخيال يلعب دوراً هاماً في تلك الوحدة والإيمان كذلك، إلا أن كثافة التعذيب وقسوته تكسر أحيانا إرادة بعض المساجين فيستسلمون لقدرهم، وبعضهم لا يتحمل ويرحل عن الدنيا، دون أن تعقد له محاكمة أو أن يقف أمام قاضٍ.
قضية اضطهاد المسلمين في أريتيريا وبعض القوميات الأخرى من قبل السلطات، على عكس التعايش الذي يحدث في المجتمع، والفتن التي تثور بين الطوائف والأديان أغلبها إن لم تكن كلها من صنع أجهزة الأمن لكي تحكموا سيطرتهم على المجتمع.
لا زلت ألوم الأستاذ هاشم محمود على بخله، ففي الرواية الكثير الذي لم يقله، ولو فعل لأعطى للرواية ألقاً أكثر، لكنها رواية جميلة تحكي الثورة والسجن والاضطهاد تقع في 237 صفحة من القطع الصغير أنصح بقراءتها.

تسير أحداث هذه الرواية الكثيرة بوتيرة باردة تصور المشاهد تحت غطاء من الـلا ندم واللا مبالاة، لكنها تنطلق من البدايات الأولى، قواعد القوة الكامنة في روح لاعب الكاراتيه الذي يطبق القواعد الخمسة بحذافيرها، فتكون كلمة “شتوتسه” هي الكلمة المحورية في الرواية بدايات الطفولة والشباب والحب، بدايات الموت والصمت والعزلة، وبدايات العجز والنهاية.
يتسلسل البطل في الحكاية، ويتدحرج خلال الزمن عبر كل المراحل بنفس الوتيرة الباردة، فتنعكس تلك البرودة على كل تصرفاته حتى في حالات العنف التي يرسمها تشعر أنه مشاهد ميتة وكأنه يقول لك: هذه المواقف لا تعني، إلا أنها ذكريات في سجل سيرمى في مكان ربما لا يطل على أحد فلا تهتم لها وواصل معرفة الحقيقة، دون أن تتألم لما حدث، فكل شيء يسير دون نظام ونحن وحدنا من يتصرف في هذه الحياة، نجلب السعادة والشقاء لأيامنا.
هذا الذي طرحته ربما يكون مجرد استنتاج، لكنه ترسخ لي وهو يروي كيف قتل جده، وكأنه إنسان يريد الجميع أن يتخلص منه، ولن يسأل أحد كيف مات؟ ومن قتله؟ مشهد موت بارد جداً، لا يشعر بعده البطل بأي تأنيب ضمير، وعلى العكس تماماً يشعر أنه أنجز شيئاً يجب إنجازه، يتكرر هذا المشهد في حالة موت صديقه الذي يطلب منه أ، ينهي حياته، فيقدم على قتله، لكن في مشهد موت صديقه كرس نضرة أن الإنسان الذي يعاني يريد الموت، وكأنه بذلك يبرر أن كل معتل صحياً لا يمانع أن يقتله أحدهم لينهي معاناته، وبذلك يكون هو في منزلة المتحكم والمسيطر على الضحية، ويقدم لها النهاية المرجوة.
في مشهد موت زوجته والطفلة التي سرقاها، كان المشهد أكثر احتداماً من سابقيه؛ حيث إنه شعر بالفراغ بعد رحيلهم وشيء من الندم، ربنا لأنهم ماتوا وهم بصحة جيدة، أو أنهم تركوا في حياته مساحة فارغة لم يستطع تجاوزها بعد رحيلهم الأبدي، ومن وجهة نظري أنه وضع القاعدة الأساسية لشخصية البطل في هذا المشد حيث أ، كل إنسان لا يعنيه لن يترك أثراً في ذاكرته، وإن كان يعنيه ستبقى ذكرياته موجودة، لكنها لن تؤثر في سير حياته، وسيتجاوزها في عبر مراحل.
أما المشهد الأخير مشهد الحافة والنهاية الهاوية للعدم، لم يخلقها الكاتب لكي نقف عندها ونتأمل، بل وضعها لنرى كيف تعيش شخصية البطل كل التناقضات والصراعات ببرود، حتى تكون نهايته بالوتيرة نفسها، والاعترافات التي كان من الواجب أن يقولها بصدق أمام محقق، تركها على الورق لتلقى مصيرها، دون أن يحدد ذلك المصير الغامض.
جميلة الرواية في ذكرى البدايات، وبليدة في ذكرى النهايات، وباردة في المشهد الأخير، لكنها رسمت شخصية البطل بتصورات صحيحة من وجهة نظري، فشخصية باهتة صامته قليلة التفاعل لا يمكنها أن تواجه العالم بأخطائها، فكانت النهاية على الحافة والحقيقة مدفونة في حقيبة تحت إحدى الصخور التي تجثم على صدرها.
جميلة الرواية ومشوقة أنصح بقراءتها تقع في 184 صفحة من القطع المتوسط.