حديث المرايا ..

أصبحت أحلم المرآة كثيرا، أرى المرآة أمامي، وأنا فيها مختلف، لست أنا، ليست ملامحي، كأن الشخص الذي يجلس خلف المرآة سجن منذ زمنٍ طويل وحرم من الكلام، حرم من النظر، يقول لي، أنا، هو أنت، لا توهم نفسك بأنك مختلف، فأنت تقبع في الجهة الأخرى من المرآة، وأنا أشاهدك كما تشاهدني.

أحقاً للمرآة وجهان، يسكنها في كل اتجاه شخص، ينظر كلاهما للآخر دون أن يتحدثوا، ويعكس كل منهما صورة الآخر، لكني لم أشاهد شبيهي في المرآة، بل إني شاهدت روحه، هي تشبهني، بعكس ملامحه، ذلك الشخص، هو أنا من الداخل، أصبحت لا أعرف من المسجون خلف تلك المرآة التي أحلم بها، هل هو أنا أم هو شخص آخر، أم كلانا مسجون في طرف

حديث النفوس ..

أين هو الحب؟ ذلك العالم الجميل، الذي تشعر فيه بتألق الأشياء، وذاك البريق المليء بالجنون والشجن، أجلس هنا أرى الأشياء التي كانت متألقة، كساها الغبار وخفت بريقها، سكن الجنون، ومات الشجن، ساد الصمت منذ شهور، أراجع الماضي وأعيشه وحدي، والاشياء الصغيرة، أشيائي التي كنت أحتفظ بها في داخلي، ذبلت وماتت، لا أدري ما السبب؛ لكنها لا تبرق، ولا ترقص ولا تثور ولا تنطق .

كساني الغبار، ولوث اشيائي الجميلة، ألقى عليها طلاسمه المظلمة فخلدت لنوم عميق لا تُفيق منه أبداً .

هي الحياة ..

طويلة هي الحياة

لدرجة ان اللحظات أصبحت ثقيلة ترفض أن تمر دون أن تطأ علينا.

طويلة هي الحياة

لدرجة أن الأيام أصبحت أحمال ننقلها ولا ندري أين نضعها.

طويلة هي الحياة

لدرجة أن الكلمات أصبحت بصمات في سجل التهم.

طويلة هي الحياة

لدرجة أننا نفشل حتى في الوصول إلى الموت.

الــحــيـــاة

أطول من حد السيف، وأشد حدة، تمر على رقابنا دون أن ننزف لكنها تترك فينا ألماً لا ينتهي. 

قراءة في كتاب رواية “قاربي سيعود” للشاعر محمد السادة

قرأت تاريخ البحر وأنا على مركب يتصابى بفعل الأمواج فيميل تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار وأنا أقلب صفحات هذه الرواية وأبحر مع السيد علي شرقاً وغرباً، استخرج اللؤلؤ مع الغواص وأشد الحبل مع السيب، أتناول التمر واشرب القهوة وانتظر وجبة العشاء مع البحارة، لفحتني الشمس معهم وترك الملح آثاره على جلدي، شعرت بكل ذلك وأنا على مكتبي أقرأ رواية “قاربي سيعود” فيها تتجسد التفاصيل الصغيرة التي يمكنها أن تعود بك لماضٍ قديم تشم فيه رائحة التاريخ وترى عرق الرجال وهم يكابدون المصاعب من أجل لقمة العيش.

الرواية تناقش حقبة زمنية ما بعد الحرب العالمية الأولى مروراً بالغوص للؤلؤ وحتى موت هذه التجارة والتحولات التي طرأت على الكثيرين بسب دخول الآلة في الحياة، والتطور السريع الذي غير حياة البحارة، فأصبح أغلب تجار اللؤلؤ يعانون المصاعب وتدهورت حياتهم.

اتبع الروائي محمد السادة أكثر من أسلوب في السرد منها الراوي الذاتي والراوي العليم، وفي بعض المواضع كانت الحكاية في الحوار الدائر بين السيد علي وابن أخيه، ولم أجد أي غضاضة في الانتقال بأسلوب السرد من شكل لشكل آخر فأحداث الرواية لم تتأثر باختلاف الراوي، وبما أنها الرواية الأولى التي يصدرها السيد محمد السادة فأنا أرفع له القبعة لعدة أمور أهمها كمية المعلومات والأحداث التاريخية التي تطرق لها في الأحداث، فلن تخرج من الرواية دون أن تعرف الكثير من مصطلحات البحر وأساليبه التي كانت متبعة في ذلك الزمان وستتمكن من معرفة بعض التفاصيل التاريخية التي دخلت على عالم السفن الشراعية في الخليج.

مرحلة واحدة في الرواية يمكن أن أقف عندها وأضع عليها ملاحظة وهي مرحلة الحوار بين السيد علي وابن أخيه إبراهيم، حيث إن شخصية إبراهيم أُدمجت في الحوار دون مقدمات تهيئ القارئ لتحول السرد من الراوي العليم إلى الحوار حيث دخلت الشخصية بعد مرحلة الذكريات التي كانت تمر بالسيد علي وأصبحت الأحداث تدور عبر الحوار الذي نلمس فيه التبسيط الشديد للأسئلة، والواضح أن الروائي أراد أن يبين كل مجاهل السفن والغوص عبر شخصية تريد أن تعرف التفاصيل.

الرواية ممتعة غلبت عليها روح الشاعر التي يحملها السيد محمد السادة بين جنباته، فزينت بصمته الشعرية لغة السرد بكل ما هو جميل في اللغة وجعلتني التهم الصفحات دون أن أشعر .

الرواية صغيرة لحدٍ ما تقع في 160 صفحة من القطع المتوسط أنصح بقراءتها .

مقابلة للكاتب جابر عتيق في مجلة هي و هو

https://www.raya.com/magazine-category/%D9%87%D9%8A-%D9%88-%D9%87%D9%88/

المشهد الثقافي 2021

حوارات جريدة الشرق القطرية

قراءة في كتاب رواية “ناريا” للكاتب حسن علي أنواري

عندما تقرأ رواية ناريا للكاتب حسن علي أنواري، تتصور لأول وهلة أنك تقرأ رواية خيالية، على عكس الحقيقة التي تكتشفها بعد بضع صفحات أنها تحاكي الواقع بمنطق الخيال، وأحداثها التي تجري تسقط بسرعة في مخيلتك على أحداث جرت من فترة قريبة، عايشها الكثيرون، تكتشف أن ظل الله في الأرض موجوداً بيننا وقادة جيشه ومخابراته يمثلون الحقيقة التي نحاول أن نتجنبها في الواقع.

النهر الفاصل، الهزائم والانتصارات، يستطيع القارئ أن يضع لها تواريخ ويسميها، لكنه يجد في النهاية الدرامية التي نسجها الكاتب تصورات أخرى، تنبت في عقله مع مشهد قتل “نحسو” بطل الرواية، أن الدكتاتور يمكنه أن يضع يده بيد عدوه لكنه لا يستطيع أن يضع يده بيد شعبه، وأن الكلمة التي يقولها العقلاء من الشعب هي مصدر القلق الأكبر لدي أي دكتاتور، وأن الدين أصبح لعبة يستخدمها الساسة للسيطرة على الشعوب، ورغم هذا التصور المتشائم، ستجد مبدأ مهماً،  أن الأفكار الصحيحة لا بد أن تصل للشعوب وتحقق أهدافها لا محالة، طال الزمان أو قصر.

الرواية سلسة بشكل كبير، لدرجة أنك تعتقد في بعض المراحل من القراءة أنها رواية للناشئة، لكنها تتعدى هذا التصور، حيث إن إسقاطات الأحداث على الواقع أعمق من أن توضع في نص يخاطب الناشئة وحدهم، بل يخاطب شرائح مستسلمة ومغيبة.

الفرق بين كتابة التاريخ والرواية الخيالية التاريخية، أن بها منطقاً أدبياً يستطيع أن يتسلل للقارئ نفسه بسلاسة تجعله ينظر إلى الحدث من ناحية أدبية أو درامية وتفتح له مجال الخيال ليعيش الأحداث أو ينقلها لواقعة، أو يسقطها على أحداث وقعت بالقرب منه منذ فترة، وهي أسلوب فعال يستخدمه الكتاب العرب للهرب من مقص الرقيب والأجهزة الأمنية.

صدرت عن دار أبجد

رواية الثقب الأعوج

الشكر لمجلة “هي وهو” الصادرة عن جريدة الراية القطرية على متابعة الجديد في عالم الرواية، كذلك الشكر للأستاذة / حنان بديع لما تقوم به من مجهود رائع وملموس في هذا المجال .

قراءة كتاب “في مهب الرواية” للكاتب سلمان زين الدين

كتاب قيم للناقد اللبناني سلمان زين الدين يتناول فيه الكاتب عدد من الروايات العربية لكتاب من شتى الدول وفي شتى المجالات، منها السياسي، التاريخي، العاطفي.

الكتاب جميل ومفيد حيث إنه يعطينا فكرة عن الإصدارات الجيدة في مجال الرواية العربية، ويناقشها بشكل احترافي يفكك عناصرها ويحلل الأساليب، ويبين جوانب القوة والضعف.

سلمان زين الدين هو شاعر، وكاتب، وروائي، وناقد لبناني، ويعمل أيضًا مفتشًا تربويًا صدرت له العديد من المؤلفات في الشعر والنثر والنقد الأدبي، وخاصة في مجال النقد الروائي حيث بلغ عدد الروايات التي تناولها في دراساته النقدية ما يزيد عن 260 رواية عربية حتى الآن، كما نشرت له العديد من المقالات بالصحف اللبنانية والعربية (ويكبيديا)

قراءة في كتاب رائحة الكتب للأستاذ حسن انواري”

قراءة في كتاب شرق غرب القلب ل أحمد العلوي

https://youtube.com/watch?v=SWDZP079KYw&feature=share

قراءة في كتاب “الآراء والمعتقدات” لـ غوستاف لوبون

كتاب فلسفي اجتماعي ، يتناول قضية المعتقدات الدينية ويبحث في سبل نقضها بأسلوب متدرج حيث يتعاطى الكاتب مع المسألة من نقطة البداية بطرق البحث في علم النفس وعوامل الحركة والحس وحياة المجتمع ، يسير من البداية لكي يثبت أن المعتقدات كلها وليدة تفكير بشري .

لا يهمني كثيراً ما يصبو له الكاتب في أن المعتقدات الدينية وليدة عقول البشر بقد ما يهمني التحليل الفلسفي والنفسي للآراء والمعتقدات وهذا ما أجاده الكاتب إجادة فاقت تصوري فعقد الكثير من المقارنات وحلل الكثير من العوامل وتناول هذا الجانب المهم في السلوك البشري من كل الجوانب تقريباً فقد قارن وبين الفرق بين المبادئ النفسية والعاطفية والعقلية ، ما يؤثر في البشر فرادى ومجتمعين ، كيف تُبنى المعتقدات؟ ما العامل الأهم الذي يرسخ المعتقد الديني لدى الجموع؟ وفي هذه النقطة بالتحديد يحلل الكاتب الكثير من الأمور ويصل بنا لنتيجة أن العاطفة هي التي تقود الجموع وهي التي تبني المعتقدات .

يقول لوبون ((مقاصد هذا الكتاب إثبات كون المعتقد غير عقلي وغير إرادي)) ومن هنا يبدأ لوبون صراعه لإثبات ذلك فيطرح السؤال : كيف تستقر الآراء والمعتقدات الدينية والسياسية في نفوس البشر؟ ولماذا لا تستطيع الآراء العقلية نقض الآراء الدينية والعاطفية وإقناع الجماهير بالرأي الصحيح؟ يبدأ الكتاب من هذا الجاني فيبحث في علم النفس والمنطق ويقارن بين تأثير المنطق العاطفي والديني والمنطق العقلي وتأثير كل منها على الجموع ، وما يرجح كل منطق على الآخر .

يتعامل لوبون مع النفس البشرية بشكل راقٍ لكنه يفرق بين النفس المنفردة والنفس الجماعية ، وأن القناعة الفردية مهما عظمت تصغر حين تصطدم بالقناعات والآراء العامة وتستسلم أمامها فالرأي العام هو الأقوى والأكثر تأثيراً بحسب تفسير لوبون وهو وسيلة الضغط الأكثر فعالية والأقوى ، يحلل كيف يتكون الرأي العام وكيف ينتشر وكيف يثور ، وكيف تُبنى المعتقدات الدينية وكيف تتغير وكيف تموت .

يتدرج الكاتب بتسلسل جميل وأسلوب مقنع ويفكك الكثير من العلل حتى يصل للنهاية التي يريد إثباتها ، فيتوه في المسألة ، ويبدأ يخلط الدين بالسحر ، ربما يجانب بعض كلامه الصواب فالكثير من الديانات سابقاً كان للسحر دور مهم فيها كآلهة الإغريق وغيرها من الحضارات التي تبنت معتقداً يقوم على الخرافات ، لكنه لم يستطع إبطال الديانات الإبراهيمية ولم يفككها بالشكل الذي كان يتحدث عنه في بداية الكتاب .

الكتاب شيق وبه الكثير من المعلومات والتحليلات والتفسيرات المفيدة ، بالإضافة إلى سلاسة الطرح ، توزيع الأبواب والفصول منظم يجعل القارئ يتسلسل في تتبع وجهات نظر الكاتب .

قراءة في كتاب “رسائل القمر” لـ أحمد العلوي ..

مئة ليلة خلف ضياء امرأة

مئة يوم ، يختزلها الرائع أحمد العلوي في رسائله للقمر لتكون رسائل مئة ليلة في ضياء امرأة، يبحث فيها وعنها ، يخرج ليعود إليها كل يوم، هي على الطرف الآخر، موجودة، تقرأ، ترى، تلتقيه بين السطور وتدور مراحل التيه خلف امرأة قررت أن تجعل نفسها ملهمة لشخص يبحث عن ذاته فيها، عن قلبه معها، عن حياته في تفاصيلها .

تتجاوز تلك الرسائل مرحلة الزمن فتتخيله مئة عام فالتفاصيل كثيرة والذكريات، لكل رسالة نغمة يختارها في أغنية تعيد مشاهد الشوق، تلامس أوتار القلب، ويعزف رسالته لتلك الغائبة بين الثنايا التائهة في الكلمات، موجودة ولا تراها، بل لا يجب أن تراها، يكفي أن تشعر بها في الرسائل فكلها كتبت بشوق يجعل البحث مستمراً حتى تؤمن أن للغياب جمالاً يفوق الألم .

جميلة تلك الرسائل تنقلك لعالم من الخيال ، وتبحث في تفاصيل امرأة، التفاصيل التي نعشقها في النساء، قد أبدع العلوي في تعميق المعاني ، فكل فاصلة لها معنا، تفصل بين جملتين وعالمين، وعليك أن تتخيل كل شيء، وتغيب في التصورات والألوان .

ليست نصوصاً بل رسائل، فهي موجهة لشخص وإن كان غائباً أو متخيلاً، قريباً أو بعيداً، كلها بعثت لتبث الإحساس الذي أراد الكاتب أن ينقل من خلالها مشاعره إلينا وإليها، جميلة الرسائل بها شيء من الضياع تشتشعره بين الفقرات والجمل، كأنها مشفرة وكأن هناك شخصاً يعرف أنها له ويستطيع أن يفك رموزها .

ممتعة تقع في 240 صفحة أنصح بقراءتها .

قراءة في كتاب ( رائحة الكتب ) لـ حسن علي أنواري ..

يجب أن نقف قبل أن نتحدث عن هذا الكتاب ، حيث إن خارطة الإنسان الزمانية تحثه على أن يسير في الدنيا ليكسب المعرفة والعلم ، يكتشف ، ينظر ، يتأمل ويتعلم ، حتى النهاية ، طبيعة المعرفة البشرية طبيعة تراكمية تنتقل فيها المعارف والعلوم من جيل إلى جيل وتتراكم لتصل لمستوى جديد في كل زمن .

ربما سيقول أي قارئ محب للكتب أن السيد حسن أنواري يمثله فما تطرق إليه في وصف طبيعة حبه للكتب والقراءة صورة تتكرر كثيراً عند محبي القارئة والمطالعة ، لكن ما يتطرق إليه الكتاب لا يعني كاتبه فقط فروح المعرفة التي تسيطر على الذات تدفع صاحبها للمزيد دون أن يشعر ، المزيد من العلم يتطلب المزيد من القراءة والاطلاع ، الثقافة أيضاً تتطلب التنوع المعرفي ، وحين تكون المطالعة للتعلم والمعرفة تكون القيمة مضاعفة .

سيرة قارئ هذا ما يمكنني أن أسميه ، فهو تحدث عن رحلته مع القراءة من نقطة الصفر وهي قراءة للكتاب الأول وحتى اليوم الأخير الذي كتب فيه آخر جملة في كتابه ، مروراً بكل المراحل الزمنية في حياته برفقة كتبه وقراءاته ، وهذه لمحة لا تعني الكاتب فقط بل يجب أن تنتقل هذه الرغبة للأجيال لكي يكون الكتاب هو وسيلة المعرفة الحقيقية والصديق الدائم ، الذي لا يجب الاستغناء عنه أبداً .

الكتاب جميل ومستفز يجعلك تضع نفسك في مجال المقارنة لتنظر إلى مكتبته وما تحويه وقراءاتك وما لفت انتباهك منها وما تعتز به من كتب .

فوضى بثينة العيسى ..

فوضى السرد في رواية “كبرت ونسيت أن أنسى” للروائية بثينة العيسى ..

كبرت ونسيت أن أنسى ، يسهل علينا أن نعرف من العنوان أن الرواية تتحدث عن فوضى مشاعر ، وحين تضطرب المشاعر لا تكون الذكريات مرتبة بحسب أحداث الزمن ، ولا تحمل منطقة، بل هي لمحات تمر دون ترتيب في الذاكرة وقد وظفت بثينة العيسى هذا المعنى بشكل جميل في روايتها ، وجعلته يحاكي واقع المشاعر في الفوضى وواقع الأحداث الفوضوي ، فكان الانتقال من حدث متأخر لحدث متقدم دون النظر إلى الترتيب ثم العودة لحدث وسطي ، ورغم كل هذه الفوضى في السرد كانت الصورة ترسم عشوائيا بحسب الذكريات ورواسبها في النفس .

من وجهة نظري التي أراها صحيحة وأضعها في مقاييس جودة الكاتب حين يستطيع الكاتب أن يرسم فوضى المشاعر بالكلمات ، ويشكل الاضطراب الذي يحدث في النفس عبر تعابير متكررة ومكسورة أحياناً لكي نرى مدى تصدع شخصية ما في الرواية ، فالروائي لا يرسم صوراً زيتية بل هو يسرد جملاً تجعلنا ننظر لتلك النفوس والشخصيات في الرواية فنعرف أن بها خللاً نفسياً أو عاطفياً أو تعاني ألم ما ، وهو بذلك يوصل رسالته عبر الكلمات ولا يحتاج إلى التصريح بالأمر بل يترك للقارئ قراءة الشخصية بناءً على السرد ، فيعرف من خلاله ما تعانيه فيجد الاضطراب ويجد التردد ويجد الحيرة والضياع ، ضمن الكلمات .

ربما لا يعجب هذا الأسلوب الكثير من المحررين ، وأعتقد أن المحرر المختص في الرواية يمكنه قراءة الشخصيات المتشكلة في السرد بشكل سهل ، ويا للأسف أغلب محررينا هم محررون صحفيون ، يفرضون شروطهم على عالم الرواية فيطالبونا أن نسرد الأحداث بشكل آلي وننمقه بشكل يخرج شخصيات الرواية عن واقعها النفسي .

مشوقة الرواية ، مشوقة الفوضى التي كتبتها بثينة العيسى تلك الفوضى التي تتخلل كل شيء في شخصية اخترقتها الظروف ودمرتها ، فالفكر لا يخرج مرتباً حين يمتزج بالألم ولا يمكن أن يتذكر الإنسان آلامه بشكل منظم ، المشاكل والأحزان لا تأتي بشكل منتظم بل بها عشوائية فمنها العميق ومنها السطحي ومنها ما يجرح ومنها المستقيم والمعترض ومنها الخطير ، وتمر في ذاكرتنا بحسب المحرك الذي يذكرنا بها ، وأظن أن بثينة العيسى بَنت روايتها على هذا الأساس الفوضوي لكن في مساحة نفسية واحدة جعلنا نجمع مكعباتها حتى وصلنا للصورة النهائية .

لم أجد أي اعتراض للبناء الروائي إلا حين تحدثت عن الحب ، فغابت الفوضوية وبدأت الأحداث تترتب وأظن أن لو سارت الفوضى للنهاية لكانت فوضى خلاقة فنسيج الرواية المموج في البداية أصبح منتظماً في النهاية ، وما كنا نجمعه كأجزاء أصبحنا نرصه رصاً في النهاية ، وهذا لا يعني أننا ننكر جمالية السرد بل جماليات السرد سارت للنهاية لكن فوضى الحدث توقفت عند نقطة معينة وسارت بتناغم مختلف .

من النادر أن تشدني رواية لهذه الدرجة ، ربما تكرر صدى الأحداث في رأسي ، أو أني عايشت الشخصية لدرجة أني شعرت برغبة في مد يدي إليها وملامسة آلامها والتخفيف عنها ، وهذه الحالة جميلة حين يستطيع الكاتب أن يزرعها في نفس القارئ فهي تثبت تمكنه من إيصال المشاعر بشكل صحيح وعميق .

أنصح بقراءة الرواية .