قراءة في رواية نزيلة قصر وايلدفيل للكاتبة آن برونتي

تتحدث الرواية عن العصر الفيكتوري في إنجلترا وبالأخص أحوال المرأة في هذا العصر لكنها لا تصف المرأة فقط فمن خلال تلك السيدة التي تدور حولها الأحداث تكشف إنجلترا، الريف والمدينة، المجتمع المحافظ، والمدينة الماجنة، سلطة الأسرة والزوج ورجل الدين والمجتمع على النساء، ومن الطبيعي أن تصعب المقارنة بين ذاك الزمان وزماننا الحالي، لكن المقارنة مفيدة لنعرف أين كنا وإلى ما وصلنا إليه.

الرواية:

تتحدث الرواية عن سيدة تستأجر قصراً مهجوراً وتقيم فيه دون الإفصاح عن هويتها الحقيقية، وتبدأ معاناتها مع مجتمع القرية التي تعيش فيها، حيث إنهم يعتبرونها عنصراً مجهولاً، وكل مجهول هو مريب بطبعه، وخصوصاً إن كان ذلك العنصر سيدة جميلة وعزباء، ومن هنا نرى كيف ينظر المجتمع الإنجليزي المحافظ للمرأة، فهناك قوائم جاهزة للتهم والمطلوب فقط إسقاطها على شخصية المرأة لتكون وصمة عار تلازمها للأبد.

تنتقل الرواية من سرد الأحداث عن طريق رجل مُحب إلى مذكرات السيدة التي يحبها، يساعدنا هذا الأمر على أن نرى المشهد من زاويتين ومنظورين مختلفين، ونقارن بين القيم الصحيحة وتلك الخاطئة، ونجد الأخلاق مترسخة في الرواية من خلال شخصيات معينة وتضع لنا الكاتبة أيضاً شخصيات منحرفة، وكأنها تدعونا أن نشاهد انعكاس صورة الإنسان المشوه في مرآة الحياة.

العلاقة مع الله وتذبذبها وكيف يتعامل كل إنسان بشكل مختلف معه بحسب قناعاته وميوله، كيف يفسر الإنسان الحرام ويبرره، وكيف يخشاه ويتجنبه آخرون، سيعرف القارئ أن الرواية كاشفة وصادمة للمجتمع الإنكليزي في ذلك الوقت حيث إنها تطرقت لجوانب محرجة وأخرى محرمة ومسكوتٍ عنها.

شخصيات الرواية:

لن أكتب عن شخصية بعينها في الرواية حيث إني معجب بأسلوب الكاتبة في خلق الشخصيات وتكوينها وتأثيرها لكني رأيت أن الشخصيات البشرية لا تعطي الانطباع الصحيح عن المضمون مثلما تبينها الشخصيات الاعتبارية، مثل: الرجل، المرأة، مجتمع الريف، مجتمع المدينة الصاخبة الماجنة وأقصد هنا لندن.

شخصية المرأة في الرواية: تبدأ شخصية المرأة في الرواية من نهايات سن المراهقة وبدايات سن الزواج في ذلك العصر (العصر الفيكتوري) باعتبارها كائناً لطيفاً محترماً تعلمها الأسرة كل أساليب التعامل واللباقة والاحترام وتعتني بكل جوانب شخصيتها لتكون زوجة صالحة مطيعة لزوجها، وتحرص على إيجاد زوج مناسب لها اجتماعياً، ويفضل أن يكون غنياً أو صاحب لقب عائلي محترم، وبعد أن تتزوج تنتقل سلطة العائلة للزوج الذي يملكها ويسيطر عليها هي وما تملك من أموال وأصول وتكون سلطته عليها كاملة بحيث لا يقبل أن يناقشه أحد في نفوذه الذي حصل عليه بقوة المجتمع، لكن الرواية تبين لنا بعض الشخصيات الرجالية الضعيفة وبعض الشخصيات النسائية المنحرفة وقد ركزت الكاتبة على شخصية المرأة المتدينة المحترمة باعتبارها نموذجاً عاماً في الرواية.

شخصية الرجل في الرواية: يعتبر الرجل في الرواية هو الشخصية الطاغية والجبارة والمسيطرة وصاحبة القرار بحيث أن قراراته لا يتجرأ أحد على كسرها وأعني قراراته الأسرية، وهو أيضاً الشخصية التي لا تُحاسب على تصرفاتها المتهورة وغير الأخلاقية، وبالمعنى العام في الرواية نجد أن الكاتبة أرادت أن توضح صورة المجتمع الذكوري المسيطر على كل جوانب الحياة، وبهذا تعمّق عزلة المرأة وتصف ضعفها، وتبين مدى حاجتها للعدالة والإنصاف.

شخصية الريف البريطاني: للريف والقرية عاداتهما وقوانينهما، فالغرباء دائماً غير مرحب بهم، لكن المجتمع الريفي أكثر أخلاقية وتديناً من مجتمع المدينة، ونجد أن عناصر القرية مكتملة، الكنيسة ورجل الدين والشخصيات المسيطرة في القرية، العمل في الزراعة والعناية بالأملاك، حتى أساليب نقل الأخبار و خلق الأكاذيب له أساليبه المميزة، المجتمع النسائي الضيق، من حيث الأحداث والاهتمامات، كل تلك العناصر واضحة في العمل.

شخصية المدينة لندن بالتحديد: ونخص لندن لأنها المدينة الأكثر ذكراً، حيث أن أغلب الأحداث المؤثرة والمنحرفة وكذلك المناسبات السعيدة حدثت فيها، فالأمهات من الطبقة الراقية يحرصن على الذهاب للعاصمة لإيجاد أزواج لبناتهن، وتجد الفتيات رجالاً أنيقين لبقين يعرفون كيف يتعاملون مع النساء وراغبين في الزواج، ويجد الرجال كذلك الملاهي والبارات والأندية التي يشبعون فيها رغباتهم المنحرفة، ويمكنك أن تنظر للمدينة في الصيف على أنها موقع للهجرة الموسمية أو على أنها موسم التزاوج، حيث تحضر الأسر بفتياتها وتكون هناك زيارات عائلية وحفلات أسرية وعامة يتم من خلالها التعارف وتكوين العلاقات وعقد صفقات الزواج، إلا أن الكاتبة أبرزت مجون لندن وانحرافها بعكس الصورة الهادئة التي أبرزتها في المناطق الأخرى.

تقييم الرواية:

هنا يوجد كلام كثير بين ما قرأته وما تحققه الرواية من هدف، فالقُراء يختلفون من حيث تقبل التغيير في الأسلوب، حيث تبدأ الكاتبة بشخصية تسرد الأحداث عن طريق الرسائل في مجتمع معزول، ومن ثم تنتقل لمذكرات سيدة من طبقة راقية تجرب الحياة بشكل مختلف وتكتب مذكراتها التي تصف من خلالها المعاناة التي كابدتها، ورغم أن تلك السيدة موجودة من البداية إلا أن الانتقال للمذكرات يفصل القارئ عن الواقع الذي خلقته الكاتبة في بداية العمل وبما إن الرواية كبيرة والمذكرات طويلة حيث تشغل ما يقارب ثلثي العمل فإن القارئ سيشعر بانفصال عن الواقع الموجود في بداية العمل فيعيش الأحداث من المذكرات ثم تعيده الكاتبة لشخصية الرجل الذي يروي القصة عبر رسائله، وهنا يقع الخلل، ومن تتبع أخبار الرواية وما كُتب عنها وجدت أن هذه الملاحظة لم أقف عليها وحدي، بل تطرق لها الكثيرون وهو خلل أُخذ على الكاتبة وأنا أقر بما لاحظت وبما قاله السابقون لكني أجد أن الكاتبة اختارت الأسلوب الذي يوصل رسالتها بشكل أعمق وأدق للقارئ، وهذا لا يعني أني مقتنع بشكل كامل فيما سارت إليه، بل أوافقها بشكل جزئي. فأسلوب رواية البطل للأحداث سواء كانت البطولة لرجل أو امرأة عبر الرسائل والمذكرات بشكل مباشر، أكثر تأثيراً من أسلوب الراوي العليم، لكني أخالفها في طول المذكرات حيث إنّ الرواية تقع فيما يتجاوز 500 صفحة وتشغل المذكرات ما يتجاوز الـ 300 صفحة، فلو افترضنا أن القارئ يقرأ بشكل متواصل فلن يجد مشكلة في تذكر الأحداث ولن يشعر بفداحة المشكلة، وتقع المشكلة لدى القارئ البطيء الذي لا يجد الوقت للقراءة بشكل متواصل وبلا شك سيعاني في تذكر الأحداث وشخصيات الرواية من البداية حتى النهاية.

العمل جميل وممتع وفيه تجسيد قوي لمعاناة المرأة في ذلك العصر القديم، ونستطيع بسهولة من خلالها أن نعرف ملامح الزمن ونميزها، تقع الرواية في 515 صفحة من القطع المتوسط وهي من إصدار دار الرافدين، أنصح بقراءتها لمن يحب أن يقرأ الروايات التاريخية الطويلة، أما بخصوص الترجمة فهي جيدة جداً وقد أجادت الأستاذة فاطمة نعيمي في عملها بشكل يستدعينا لشكرها عليه.