هناك حلم ..

كان هناك حلم

وكان هناك واقع

وكأنك بين الاثنين..

واقع..

أتعرف.. ما يحدث في.. الواقع..

زالت الأحلام.. وارتحلت..

وظل ذاك الشخص واقع ..

ضجيج ..

ضجيج، كل ما في رأسي ضجيج، لا يَنتج عنه سوى الإزعاج، لا أفكار جديدة، ولا أحلام، ولا خيال، مجرد ضوضاء، تجعلني أنغمس فيها حتى الغرق، ثم أفيق ليخرج كل ما في رأسي من صراخ، وتعود التروس لتعمل من جديد، وتُنتِج أصواتاً مزعجة، فأهوي إلى القاع وأغرق.

الصدى يتكرر والأصوات، البشر يتغيرون والفلك ثابت، يدور حوله من يدور ويخرج منه من يخرج فلا فرق بين الآتي والغادي وبين المولود والميت، إلا مسافة الحياة، ذلك الخط الفاصل . ________ . بين نقطة ونقطة مثل الثقاب يشتعل بقوة، ثم يموت في صمت.

فضول ..

أنا كالماء أجري في مساري فلا تقف أمامي كحجر لكي أغيره، يجب أن يكون لك مسارك الخاص لتمضي فيه.

وقوفك يجعلك جماداً، ويعطل كل المسارات الجارية، لمجرد أن لديك فضولاً، وتريد أن تنظر في داخل البشر..

في النهاية ستنجرف.. من أحد التيارات القوية.. ثم سيلقيك في مكان لا يلتفت لك فيه أحد.

الـمـوت ..

إن للموت هيبة، فتجد الإنسان يقف عند مشهد الموت عاجزاً، فلا حركة بعده ولا قضاء يعلو عليه، وإنه يضع الرعب في القلوب قبل وصوله، والاستسلام حين يحل، فلا شيء يقف في طريقه، والكل يجمع على ذلك، لذا فهو الأمر الأخير في شأن كل إنسان، موقن بحدوثه، ولا يستطيع أن يمنعه.

الموت شأنٌ عجيب، لا نعرف له سبباً يقينياً، يصيبنا المرض، أو نموت في حادث سيارة، وأحياناً ننتظر وفاة رجل كبير يعاني المرض، فيموت ابنه الصغير في فراشه دون مقدمات، نسير لا نتوقع الموت ولا يتوقعه لنا أحد، لكننا نسير لذلك القضاء المحتوم، تصدق توقعاتنا أو تخطئ، جميع الاحتمالات واردة لا يستطيع أحد أن ينفي شيئاً منها.

الموت هو نهاية، وبدايته هي الحياة، فما وُجد من عدم، يعود إلى العدم، وكل شيء يُخلق ينتهي لا محالة، ولا يكون الإنسان استثناءً من ذلك، بل مهمته تنحصر في تحسين الحياة، التي ستصل به إلى الموت، ولو عرف متى يموت، لما عمل لذلك ولا اجتهد، فحين يكون الموت غيباً، يترك مساحة الأمل قائمة، لا ينهيها، فيكون الأمل بالحياة هو الدافع للاستمرار.

الموت ربما يكون مرحلة نهاية، ربما، وربما، وربما، قالوا عنه كل شيء، ولم يقولوا عنه شيئاً، هو رحلة، نهاية الرحلة، وقالوا: إنه بداية لرحلة جديدة، وهو الذهاب للعدم، ولا حياة بعد الموت، والحياة الحقيقية بعد الموت، وقالوا، وقالوا، وقالوا، والناس في هذا مذاهب، وكل ديانة تفسّره بطريقتها، لكنهم جميعاً متفقون على شيء واحد، وهو أن الموت سيقع لا محالة، فالجميع يُسلم بحقيقة الموت، مهما اختلفت المذاهب في الخلق أو النشوء والتطور وغيرها، يبقى هو الحقيقة التي يسلم بها الجميع دون جدل، فيختلفون فيما كان قبله، وما سيحدث بعده، ويتفقون على أنه الحقيقة الواجبة الحدوث.

قال تعال: ((نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ))

الحب ..

أجمل ما في الحب أنه يلغي العقل ومنطقه، ويخرجنا من حواجز التفكير، فنجد لذة النظر ورحابة الحياة.

لا متعة في العقل؛ فالعقل منطقهُ آليٌّ، والقلب منطقهُ لذيذٌ رغم ألمه، نخاف منه ونريده، يؤلمنا ونشتاق إليه، يتعبنا ونسعى وراءه؛ تناقضاتٌ لا منطق فيها، لكن اللحظات التي نعيشها في العاطفة تفوق الزمن، فهي تغوص في السنين، وتسافر معنا، ترحل وتعود، كأنها مجدٌ يلازمنا.

ماذا أقول؟ لا أدري، مضى الزمن، والذكريات تربطني بتلك العواطف، مضى الزمن، وما زلت أتوق لأن أجد مساحة تخرجني من أسوار العقل لرحابة العاطفة.

وداعاً ..

نقول وداعا ..


وهو لم يغادرنا

فكلماته باقية معنا

مثلت احلامنا واشواقنا

وستظل كذلك رغم رحيله..
وداعا شاعر الجمال …
شاعر الخيال ..
شاعر الإحساس..
شملك الله بواسع رحمته ..
‎#بدر_بن_عبدالمحسن

متاهات ..

لا تعرف الحروف دروب المنافي، لكنها تصف التفاصيل بعناية لدرجة أنك تتوه فيها، ولا تستطيع الخروج، فالمنفى ليس طريقاً واحداً، تمشيه وتجتازه بعد فترة، هو تلك الغربة التي تحجبك عن الواقع والحياة، وعن أولئك الذين يدعون أنهم معك والموجودون حقاً معك، ويرسلك بعيداً هناك عند الذين نسوا أنهم تركوك في منفى لن تعود منه أبداً.

عليك أن تصف تلك الدروب جيدً فربما، ربما تجد الطريق الذي تظن أنه يوصلك لهم، انثر حروفك على خرائط الورق، ومرر أصابعك لترسم مساراتها التي لا تنتهي، ثم أحرق كل أوراقك، واكتب الحروف من جديد، على جدران التيه، وأرض المنفى، وعلى غبار الزمن، وتأكد أنها ستبقى في مخيلتك، لك أنت فقط.

تجلس بين الحاجز والوطن، لا تستطيع أن تسكن الأرض، ولا أن تعبر الجدار، فتمشي دون توقف، وتكتب دون شعور، بين جدارٍ وآخر، لا ترى ما خلفه، لا لأن الجدار يعزلك، بل لأن نفسك عشقت أن تبقى خلف خيالك، خارج الحقيقة.

المنفى وطن الضياع، له من المجهول حظٌ، ومن الغياب جزءٌ، ومن الرحيل نصيبٌ، ومن التيه دروبٌ، يجمع تلك المعاني التي تزرع الرغبة في البقاء خلف جدار رُسمت عليه الخرائط، ونُثرت فوقها الألغاز، وعليك أن تجمع شتات الحروف، وتتبع الطريق ليوصلك إلى طريق آخر وآخر، ومن جديد عليك أن تضيع في الوهم، وتنثر نفسك في الدروب، وتدوس الحروف، وتحرق كل أوراقك.

لا عزاء

لا عزاء ..
إن كان في القلب مساحاتٌ

للبكاء
للدموع
وأفكارٌ للرجوع


لا عزاء
لن ترفع الأقدار عن دربي البلاء


فأنا بين السطور .. حول نفسي ادور..

على خرائط الورق


وأشعل الأقلام
بين أرق وأرق

تنزل من عيني حروف
ومن قلبي حروف
لا تجد السطور
وتبقى تدور .. تدور

إلى .. ميّ

إلى معلمتي تلك السيدة الجليلة التي جعلتني أنزع ثوب الخوف من على وجه الرواية حين سألتني: ماذا تريد أن تفعل في المستقبل؟ حينها كانت الفكرة الأولى تدور في رأسي حول الرواية ولم أستطيع أن اكسر حواجز التردد والرهبة التي خالطت تلك الفكرة الصغيرة فأجبت: أفكر أن أكتب رواية، فقالت: ما الذي تنتظره؟ وكأنها استشف خوفي من التجربة وهي تقول: ما الذي ستخسره لو فشلت؟ كان هذا السؤال الأخير الذي اخترق كل الحواجز وجعلني أقف أمام نفسي متجرداً وأكرره حتى بدأت.

تلك السيدة الماهرة في قياس كفاءة فريق العمل الذي تديره لم تكسر حواجز التجربة حين كنت أتعلم تحت يديها طرق التدريب وأساليبه، بل استطاعت أن تكشف الجوانب التي لم أجربها وساعدتني أن أتعلم الكثير من المهارات التي لا أزال أحتفظ بها رغم المسافة الزمنية البعيدة التي تفصلني الآن عن تلك المرحلة، فأصبح حاجز الخوف من التجربة شيئاً لا أتطرق إليه فكل عمل جديد أتقبله برضا واجتهد أن انجزه بالشكل الأفضل دون تردد.

لا أقصد أن أشكر الدكتورة ميّ عيسى علي، على تشجيعها لي في فترة العمل ولا على تواصلها معي كشقيقتي الكبرى، فهي تستحق أكثر من ذلك، بل أقصد أن أوصل معنى جعلتني أقتنع به قناعة تامة، أن الإنسان يبني الكثير من الحواجز بينه وبين آماله التي يريد تحقيقها، وهو نفسه قد يكون العقبة الأكبر التي تمنعه من الوصول لتطلعاته التي يصبو إليها، تعلمت منها الدرس الذي أعطاني أكبر قيمة في الحياة.

لم أخطط لأكتب هذه السطور فقط كنت أفكر في البدايات وعندها تكرر السؤال الذي جعلني أقف أمام نفسي وأكرره “ما الذي ستخسره لو فشلت؟” والآن أنظر لتلك البداية في عالم الرواية من بعيد وكأنها رحلة غريبة لكنها ممتعة جعلتني الدكتورة ميّ اخطو فيها الخطوة الأولى فزرعت ثلاث روايات في مسيرتي التي أتوقع أن أستمر فيها حتى النهاية.

قراءة في رواية “كتاب الأوهام” للكاتب بول أوستر.

سأتحدث أولاً عن أسلوب الكاتب الذي يستطيع أن يوهمك أن كل ما هو حشو في الرواية مهم ومهم للغاية، وستقتنع بلا شك؛ لأن أسلوبه جميل ومقنع فرغم أن الرواية تقع في 351 صفحة، إلا أنها محشوة لأخرها بالفقرات المطولة التي تتناول جوانب فنية في الأفلام وشخصيات الرواية، ولو أن الكاتب كان غير متمكن لما استطاع أن يقنع شخصاً مثلي لا يهتم بالمجال السينمائي كثير من إتمام هذا العمل الذي اعتبره معقداً ومتداخلاً لأبعد الحدود، ونظرتي هذه لم تولد من فراغ؛ حيث إن الشخصية الرئيسية “أستاذ جامعي” تتحدث عن شخصية ثانوية، وتتابعها باهتمام لدرجة أنك تظن أن تلك الشخصية استلمت زمام الأمور في الرواية، وأن النهاية ستقع حين تختفي هذه الشخصية الثانوية، ثم يعود بك الكاتب للشخصية الرئيسية باندفاع يجعلك تعاود التفكير بأسلوب وفكر الشخصية الرئيسية.

تتحدث الرواية عن أستاذ جامعي يبحث في حياة ممثل قديم عمل في زمن الأفلام الصامتة واختفى فجأة، وهذه هي العقدة التي بنى عليها الكاتب كل أفكاره، ونسج حولها الأوهام التي اصطبغت بها الرواية، وستظن في وقت من الأوقات أن كل ما يقوله حقيقي، ثم يكشف لك الوهم الذي جعلك تتماهى معه وتصدقه.

لقد استمتعت بالرواية، وحرصت أن أتمها وأنا في كامل تركيزي، وهذا لا يعني أني لم ألاحظ الجوانب الأخرى السلبية ولا الأبواب التي مط فيها الكاتب الفصول على نحو معقد، وهو يتكلم عن تفاصيل أفلام بشكل مطول لبطله المفقود “هكتور مان” فكان من المقنع أن يشرح الكاتب فلماً واحداً لكي يوصل للقارئ مدى مهارة الممثل، لكنه استرسل أكثر وأكثر، وشرح أفلاما كثيرة بتفاصيلها الدقيقة، وقد شعرت بالملل في الفصول الأولى؛ بسبب هذا الشرح المستفيض.

نقطة أخرى تعتبر ميزة وعيباً في ذات الوقت فبطل الرواية الحقيقي هو أستاذ جامعي يبحث في حياة ممثل اختفى من الساحة في العشرينات من القرن الماضي، ومن كثافة البحث تعتقد أن البطل هو ذلك الممثل، وتنسى الأستاذ الجامعي، وتعتقد أن الكاتب دمج الشخصية الرئيسية بشخصية المتحدث “الراوي العليم” ولهذا الوجه ميزة وعيب فالميزة أن الأدوار تتبدل في الرواية والعيب أن بعد موت الشخصية الفرعية تشعر ببرود في الرواية، رغم أن الكاتب وضع الكثير من الأحداث المعقدة بعد موت الممثل، إلا أنه في اعتقادي كان يحاول أن يقنع القارئ بأن كل شيء تحقق منه في روايته لا دليل عليه، خلق الوهم في نهاية الرواية بشكل فج عبر سلسلة من الموتى الذين أنهى حياتهم بقلمه.

تقع الرواية في 351 صفحة من القطع المتوسط، جيدة في العموم أنصح بقراءتها.

رداء المعصية ..

لدي رسائل لا أستطيع أن أرسلها لأحد فكلهم رحلوا، تلك الوجوه التي عشتها وعايشتها قد اختفت منذ زمنٍ بعيد، لكنها لم تتلاشَ من مخيلتي، ولم تهدأ الفوضى التي خلّفها الرحيل في صدري، فتلك الوجوه ما زالت تدور بين أفكاري المبعثرة وأوراقي المطوية، تنقب في الذكريات، وتنبش الماضي، وتنظر إليّ في كل وقت، تتهمني، نظراتها تتهمني، وتذكرني بأخطائي التي ارتكبتها، الأخطاء التي لم أقصدها، وقعت، ودمّرت المحيطين بي ودمّرتني.

أنا، ذنبٌ نبت في شكل بشر، ألبسته الحياة رداء المعصية، فتزين به وتأنق، وتلك الوجوه الراحلة قد أغرتها الذنوب، فجاءت إليّ تبحث عن الخطيئة، وحين وقعْت فيها، اكتشفت حقيقتها فرحلت لمجهولها، وبقيت أنا في ردائي المتشح بالمعاصي.

كيف لي أن ألقيه عن كتفي؟ وقد ثقل بمن علقوا فيه وتعلقوا به، وعليّ أن أحملهم وذنوبي، وأسير حتى النهاية، فلولاي ما أخطأوا وما عرفوا المعصية، أنا الذنبُ المرير الذي لطخهم وشوههم وعرّاهم من بشريتهم الطاهرة النقية، وألقى بهم في متون الرذيلة، أنا ذنبُ من أخطأ ومن لم يخطئ، ذنبُ القادمين والراحلين.

دعوني مع ذنوبي فإنني رغم بغضي لها أرافقها فما لكم لا تتركوني؟ أيتها الأطياف، أيتها الوجوه، أيتها الذكريات، أيها الماضي، أيها الطاهرون، أُقِرّ لكم بذنوبي وبطهركم فارحلوا عني، كيف تجلسون معي وأنا أمثل الخطيئة، اتركوني أغرق في وحلي وحيداً.

إن استطعتِ

أن تعودي إلي من جديد ليس معناه أن نعود كما كنا، فبين رحيلك وعودتك تقف فجوة المشاعر التي حفرها الغياب في نفسي، ربما أريد أن أقفز فوقها لكي أعود أنا ذلك اللطيف الذي تعرفين، لكني لم أتمكن حتى في خيالي أن أفعل ذلك دون أن أقف عند اللحظة التي دمَّرت فيها كلماتك المشهد الأخير، وتركتني أهوي في الفراغ الذي وجدته في كل المسافات، وأسأل نفسي عن الحقيقة لماذا تحولت إلى وهم؟ مرَّ عبر الزمن لتلقيني في الهاوية التي جلست فيها وحدي، وأنتِ توجهين تلك السهام المسمومة إلى أذني لتخترق كل ذكرياتك التي احتفظتُ بها.

أموت عندما أمنع نفسي، وحين أشعر بالحنين، وعندما أسمع صوتك؛ يتحرك الشوق الذي يعصف بي ويجعلني أقترب كثيراً حتى أشعر أن كل شيءٍ مؤلم قد اختفى، ثم ينبعث الخوف ليحرق ذلك الشعور، ويكرر كلماتك الأخيرة، وأسأل نفسي المجنونة، ماذا لو؟ عاودتِ الرحيل؟ وشوَّهتِ الذكريات؟ وألقيتِني في الهاوية؟

كيف لي أن أتحمل صدمات الخوف المتتالية التي أنتجتها الكلمات والألم؟ والفراغ الذي ملأ قلبي بعد ذلك؟ فأنا لا شيء حين اكتشفت أن ماضينا أصبح تافهاً، وألبوم الصور التي تشغّلينه في عقلي قد احترق، لم يحترق من تلقاء نفسه، بل أنتِ من أشعل فيه النار لكي تجعليني بلا هوية ولا وطن.

لا أنكر أنكِ أنتِ، الشهيةَ، البهيةَ، التي كنت معها، ولا أنكر مشاعري، وخوفي من تكرار المأساة، فما العمل؟ هل تملكين الحلول اللازمة لعلاجي منكِ ومن سهامك.

لن أعود كما كنت، ولو أنني أستطيع الاختيار، لكنت مسحتُ الألم، ووضعتك في مكانك القديم قبل الرحيل، حينها كنتِ أول الشوق ومنتهاه وأعذب الحب ومبتغاه، والعواطف بين يديكِ تثيرينها كيفما شئتِ وأينما شئتِ، لا أعرف ما أقول! جمال الماضي، أصبح ماضياً، وخوف اليوم أصبح مريباً، يمنعني من الاقتراب، فالحواجز لا تأتي من فراغ، وأنتِ بنيتِ ذلك الحاجز المرعب، لو أنكِ تقدرين، دمِّريه لأعود كما كنت.

عساكَ بخير..

عسى أن تكون بخير صديقي، مرّ بي الشوق وأجبرني أن أسأله عنك حين راجعت بعض الذكريات الجميلة التي أعتقد أنها جمعتنا سوياً في فترة من الزمن، ورأيت روعة ما تركته في رأسي، أردت أن أرسل إليك التحية على ذلك، ورغم معرفتي أن التحايا لا تصل دائماً حرصت أن أتمنى لك الخير على أقل تقدير، الأمنيات أوهام جميلة نرسلها لمن نحب وهي لا تحقق لهم شيئاً سوى تصور نتركه في نفوسهم أن هناك في الطرف البعيد شخصاً يهتم بهم، وأنا مهتمٌ بذلك لا شك، وعلى استعداد لأن أرسل الأمنيات باستمرار لتتأكد أن الذكريات ما زالت تنبض في رأسي لتوقظ تلك الصداقة العتيقة التي جمعتنا.

تعرف صديقي ما الوفاء؟ ذلك الذي يتحدثون عنه دائماً، بخلاف صديقك الذي يكتب هذه السطور فهو متذبذب في مقاييس الوفاء ومقاييس الإخلاص والحب، أما أنت فمقاييس الأمور لديك تمشي على خطٍ مستقيم، ولا تتأثر بتغييرات الحياة ولا شك لدي في أن الحفاظ على هذه القيم مهم وضروري، لكننا بشر، عزيزي، حتى ثقتنا بأنفسنا تهتز وتتغير فكيف لي أن أخط كل القيم على مسطرة لا تتعرج مساراتها ولا تميل، أنا لا أستطيع أن أخط لنفسي مساراً مستقيماً، تعبت وأنا أحاول ألا ترتعش يدي حتى لا يتحول الرسم لمنحنيات ومنعطفات ونبضات متقطعة.

 هناك فرق لا شك في نظرتنا للقيم، فأنت أسمى حين تطرح تلك الشعارات، لكني أصدق منك حين أفعل، أتمنى أن تقيس كل القيم على حياتك قبل أن تتحدث عنها باستقامة، وترسم خطوطها بناءً على أفعالك، وسترى حينها أنك كائن بشري لا يمكنك أن تحافظ على مستوى واحد يشكل خطاً ثابتاً طيلة حياتك.

كان لنا صديقٌ قديم لعلك تذكره وتتذكر كمية الكره التي تحملها له في قلبك، حين كنا أصدقاءً ثلاثة، كانت انتقاداتك وأحاديثك عن مثالبه وأخطائه ونزواته ومغامراته وفشله، لا أظن أنك احتقرت إنساناً بقدر ما احتقرته، وهو في الطرف الآخر كان ينظر إليك بإجلال، ويراك صاحب مبادئ راسخة وقيم عُليا، وأن ما تقوله هو الصحيح، كان متصالحاً مع نفسه ذلك الصديق، يعرف أنه يخطئ ويقر بذلك دون أن يدافع عن نفسه في أغلب الأحيان، يتركك تهاجمه وتتهكم عليه، وينظر إليك والخجل يملأ تعابير وجهه، تعرف ما الذي فعله حين وجد أن انتقاداتك وتهجمك لا ينتهيان، بكل بساطة رحل، تركك مع نفسك تقلب تاريخه لتثبت أنك الأستاذ الذي من حقه أن يقيّم تلاميذه، ربما تخَرّج هو من مدرستك بعد أن حصل على أدنى مستوى ينقله للمرحلة التالية، لكنك بقيت في مستواك الثابت لم تستطع أن تقتبس منه الجميل، وتأخذه لتحصل على علامة تؤهلك للانتقال إلى مرحلتك التالية، صدقني حين رحلت أنا أيضاً حصلت على أقل تقييم منك، بالكاد نقلني إلى الخطوة التالية لأرتقي وتبقى في محلك، تنادي بما لا تفعل، وتنتقد الجميع لكي لا يسبقك أحد في توجيه السهام، تتهمهم لكي تضعف حججهم في إثبات جرائمك.

عزيزي أما زالت خطوطك مستقيمة؟ أرجو أن تراجعها لتتأكد من سلامتها، عليك أن تعرف أن أرضك التي تقف عليها ليست مسطحة، بل مدوّرة؛ فلو سرت على خطٍ مستقيم لا شك ستخرج من مجالها وكذلك الحياة منحنيات وفجوات، ونحن خلقنا في فجوة، وخرجنا من فجوة، ونستمر في الدوران حتى نسقط في النهاية في فجوة، فلا تنزه نفسك، فلم تُخلق من زهرة، ولم تولد في خلية أحادية لا تنتمي لأحد، سلالة تاريخك مكتوبة عبر أسماء اشتركت في إنتاجك لتخرج بأصابع وسيقان وكفوف وأكتاف، كاملاً في كل شيء إلا تلك الفجوة التي ظلت فارغة في رأسك.

قراءة في رواية “الزنبقة السوداء” للكاتب ألكسندر دوما

تستطيع أن تخمن كل أحداث الرواية وأنت تقرأها، لكنك ستكتشف أنك مستمتع بالقراءة، ولا تريد تجاوز أحداثها عبر خيالك فسير الأحداث كان بشكل كلاسيكي منتظم كما هي الرواية الكلاسيكية في أحداثها لها بداية واضحة وشخصيات واضحة وأحداث أيضاً واضحة وتنتهي بالسعادة.

هي زهرة، لكنها كانت تختزل الحياة والعمل والإنجاز والأمل والحب والخوف، وهذه النقطة الكثيفة في الرواية التي جعلتني أسير بشكل سريع في قراءتها لكي أرى الصورة من خلال الكاتب، وكيف تمكن من أن يجعل لتلك الزنبقة كل تلك القيمة العالية في قلب شخصيات الرواية، فهناك حب بين رجل وامرأة وهناك خيانة وحسد، وكل تلك الأحداث تتبلور وتتضح حول تلك الزهرة الجميلة التي تخلق فيها الحياة يد جميلة حانية، وتخلق بدورها الحياة في الشخصيات.

شخصيات الرواية كثيرة، لكن الأساسية والتي تدور حولها الحكاية هي ثلاث شخصيات كانت واضحة المعالم، بحيث أن تكون الشخصية النقية نقية في كل تفاصيلها دون شائبة والشخصية الخبثة غارقة في عمل الرذيلة، دون أن يخالط القارئ أي شك أنه سيصدر منها فعل مخالف، أو تردد في مساعيها السيئة وقس على ذلك كل المشاعر في الرواية، فكل شيء حاد في الرواية الأحداث والشخصيات والمشاعر بحيث تشعر وأنت تقرأ كأنك ستلمسها بيدك.

هولندا هي المكان والسياسة، رغم بعدها عن جمال الزهور ونقائها، إلا أنها ألقت قذاراتها على تلك النفوس الطاهرة التي كانت تتحرك في المحيط لتحقق الأحلام، هكذا مزج الكاتب بين القذر والنقي والخبيث والطاهر ليحدث صراع حول زهرة استطاعت أن تجذب الجميع إليها، فكلهم داروا حولها وكأنها الحياة رغم سوادها، إلا أنها تحمل القدر الكافي من الجاذبة والسحر لتشغلهم وتخرج ما بنفوسهم

تقع الرواية في 337 صفحة من القطع المتوسط، أنصح بقراءتها.

قراءة في رواية “المدعوة غريس” للكاتبة مارغريت آتوود

لم تكن رواية عادية فهي في الحقيقة قصة واقعية حدثت على أرض الواقع، وجُمِّعَت أجزاءها أكثر من مرة، وهذا الإصدار حول القصة إلى رواية لتصل إلينا مع لمسات أدبية جميلة، وفي قالب روائي أنيق، وعندما أقول أنيقاً فقط فإني أظلم الرواية فهناك إبداع تمكنت الكاتبة منه، ووضعته عبر الفصول بشكل متسلسل عبر شخصياتها واحداثها التي جمعتها وخلقتها.

أما شخصيات الرواية فهي كثيرة، لكن الأساس لم يكن المدعوة غريس، بل كان الدكتور النفسي المعالج “سايمون جوردن” فشخصية غريس مرت من خلاله للمكان والحدث، ومرت من خلاله كل الرسائل والمخاطبات والتحليلات والتوقعات والتخمينات التي رأيناها في الرواية، أما غريس فكانت هي محور اهتمامه ومحور التفكير الذي أنتج تصوراته وهنا تدرك أن العمل تجاوز الحدث وشخصياته بالنمط الرسمي لتخلق لنا الكاتبة شخصية جذابة نراها من عين فاحصة تدقق في الأحداث، وتحاول جاهدة أن تصل لأعماق المتهمة وتقرأها.

شخصيات الرواية بها أيضاً أمر جميل حيث أنها رسمت على حجمها في الرواية، فلم أجد أي شخصية متجاوزة لحجمها الروائي، أو نالت اهتماماً أكبر من قدرها ضمن القصة، وهذا تحكم يحسب للكاتبة حيث استطاعت تحريك الشخصيات في الرواية بما يوافق صورتها وقدر فعلها في الحدث.

تنوعت فصول الرواية، فمنها من بدأ بالحديث المباشر للمدعوة غريس، ومنها ما كان يتحدث عن حياة الطبيب نفسه وبعضها كان عبارة عن رسائل كتبت من وإلى الطبيب “سايمون جوردن” من أشخاص أحياناً يطلب منهم النصيحة المهنية أو الشخصية، حتى حين غاب سايمون عن المشهد ظلت الأحداث تمر من خلاله في نهاية القصة.

ترسم الرواية الكثير من مشاهد الحياة في كندا في تلك الفترة؛ مما يجعلنا نتعرف على الزمن بشكل أنيق بتفاصيله النسائية التي اقتصرت على الخادمات، ومنهم المدعوة غريس التي كانت تعمل في هذا القطاع، فكان الزمن وتفاصيل الحياة فيه مشروحة بشكل جميل وأنيق.

تقع الرواية في 517 صفحة من القطع الكبير أنصح بقراءتها مع العلم بأنها تحولت لمسلسل على تطبيق النت فلكس