قراءة في رواية ذئب البراري للروائي هيرمان هيسه

كتبت تعليقي عن الرواية منذ ما يزيد عن الشهر من الآن، ورغم أني كنت مقتنعاً بما كتب، لم أنشر التعليق؛ لأن ضجيج الرواية بقي في رأسي، فتلك الفوضى التي خلقها “هيسه” لم ترحل بعد، ربما تغيرت بعض الأفكار بعد تلك الفترة من التفكير في العمل، وبعض التصورات أيضاً، لكني أفضل أن أنشر الانطباع الأول للرواية كما شعرت به، دون أي تغيير.

قرأت الرواية بتركيز وليتني لم أفعل فحين تصب اهتمامك على عمل تتكشف لديك جوانب لا تتوقعها سواء في النص أو شخصية الكاتب، وأنا اعتبر ما فعلته خطأ جسيماً لا في حق هسه أو عمله، بل في حق نفسي.

توجد جوانب كثيرة في الرواية يمكننا أن نقف عليها، أو نضع عندها علامات استفهام، أو تعجب دون أن نهمل العمل، التعتيم المتعمد في رواية ذئب البراري لا يربك القارئ، لكنه يخرجه من تركيزه الطبيعي لمرحلة يشعر فيها بالضياع وكأن هسه يقول لك يجب أن تتوه لأضعك في المكان الذي أريد، لا أتكلم عن جهل فمجرد تتبع سير الرواية من راوٍ يشرح قصة مستأجر إلى كتاب يصف شخصية إلى شخصية تتحدث عن نفسها، إلى استسلام للوضع الذي ينتج عنه معجزة، وتنقل صاحبها للخلود.

 ومن الغريب أني اكتشفت جوانب في شخصية هسه لم أكن أعرفها مثل نزعته الدينية وفكرته عن الخلاص

الفردي، وكأنه يشرح في هذه الرواية تصادماته الداخلية ومرحلة انتقاله النفسية من الماضي إلى الواقع المعتقد.

الرواية:

قصة شخص خرج من البرجوازية بعد الحرب العالمية الأولى وهو مصدوم بالواقع، وبعد أن راجع التغير الذي حصل في المجتمع، يتجه إلى العزلة التي يعتبرها عالمه ومنقذته ممن حوله، تتأزم حالته حتى يفكر في الانتحار، ثم يحدث انقلاب في مفاهيمه بسبب منشور يتحدث عن حالة نفسية مشابهة. يحللها، يشرحها ويفسر الجوانب الخفية فيها، ورغم ذلك لا يغير البطل نظرته للحياة ويقف على حافة العالم لينتحر، لكنه فجأة يجد ملاكاً ينقله يأخذه بعيداً عن تلك الفكرة، ويجعله يغير من نفسه، ويرى الأمور بمنظور مختلف حتى الخلود رآه على ما يعتقد بعد التغيير بشكله الصحيح الذي كان غائبا عنه، فيجرب الرقص والعلاقة العاطفية والجنس، يغير رأيه في الموسيقى الصاخبة، ويعيش فوضى صنعت لأجله حتى ينتقل عبر موت غير معلن للخلود الذي رآه في موزارت وغيره في الموسيقيين والفلاسفة والشعراء.

 شخصيات الرواية:

هاللر: الشخصية الرئيسية مضطرب يعيش في عالمه الخاص ينظر إلى العالم بريبة وينظر لنفسه أنه يحمل أكثر من شخصية، إنسان وذئب، جزء بشري وجزء حيواني، ويستمر الصراع الداخلي بين الشخصيتين، حتى تنقلب كل الموازين، ويرى الأمور بشكل مختلف.

 هرمينه: شخصية نسائية أو لنقل هي الملاك الذي أرشد بطل الرواية لكي يجتاز محنته، ويعرف كيف ينتقل من الحياة الفانية لحياة الخلود الأبدي، ورغم أنها أدت دور الملاك تموت ويخلد البطل.

الأسلوب:

أسلوب الرواية غريب ينتقل الكاتب من الراوي العليم، ثم يسرد معلومات نفسية عبر منشور، ثم يتحدث البطل عن نفسها، وفي النهاية تخرج هرمينه بصوتها لتفلسف نظرتها للحياة وتريد البطل، لكن هذا الأسلوب به الكثير من التعقيد بحيث تكتشف أنه تعقيد مصطنع أي بمعنى أن الكاتب يضع القارئ في الوضع الذي يريد لا الذي يجب أن تكون عليه الرواية، وعادةً ما يستخدم الكتاب هذا الأسلوب لزرع فكرة معينة أو تصور مختلف عن الحياة الواقعية.

 ولا يقف الأسلوب عند هذا الحد، مزج الفوضى والفنتازيا في الأحداث خلق مشاهد متباينة، وعلى القارئ أن يقفز للحاق بها، وعند هذه النقطة تذكرت المقدمة التي مهد بها هسه لروايته إنه يتوقع أن يتعرض في هذا الكتاب لنقد أشد مما تعرض له في كتابه السابق.

 تقييم العمل:

لا أحكم على هسه من خلال شخصيته ولا قلمه ولا أسلوبه فالزمن أصدر أحكامه على مخرجات هسه لكن هذا العمل يجب أن يقرأ بتركيز عالٍ، وعلى القارئ أن يستعد للقفز مع هسه من حالة لأخرى دون أن يعترض، واعتقد أنه عمل معقد لا يمكن أن يقرأه الجميع، رغم أني استمتعت بقراءته إلا أني لا أوافق هسه في آرائه.