قراءة في رواية “عصا مقديشو” للكاتب هاشم محمود

نحن أفريقيا، الصرخة الأعلى لدى الكاتب هاشم محمود حيث إن جميع أعماله تصب في هذا الاتجاه ولا يُعد هذا العمل استثناء من هدفه الذي يتمحور حول أفريقيا أو بالأخص القرن الأفريقي فهو يكتب باسم السودان والصومال وإثيوبيا وأريتريا، بل يمكنني القول بأن هذه الرواية تُبلر فكر هاشم محمود في هذه المسألة بشكل واضح، لذا فهذه الرواية هي تسلسل طبيعي لفكر كاتب يبحث في أخطاء القارة ويضع تصورات للنهوض بناءً على حلم يملكه.

الرواية:

الرواية تحكي الواقع بين عالمين مختلفين من حيث الشكل والمضمون فالصومال بحروبها ومذابحها وفوضاها التي عاشتها الشخصيات، تختلف كل الاختلاف عن الولايات المتحدة، الرأسمالية الجادة الهادئة، والمجتمع المنعزل، إلا أن الشخصيات تتعامل مع بيئتها في المكانين، مع الاحتفاظ بالعمق الذي ترسخ لدى الفرد الأفريقي نحو وطنه الأصلي، وتجاوزت هذه الحدود عبر نقل ذلك العمق للجيل الأصغر الذي عرف انتمائه من خلال الأسرة أكثر من كونه واقع يعيشه، وتمثل العودة إلى الإيمان الحقيقي بأهمية الوطن.

في الرواية، إسقاطات كثيرة ورمزية واضحة أولها اختيار اسم الشخصية الرئيسية “موسى” تيمنناً بسيدنا موسى عليه السلام الذي جاء ليخرج بني إسرائيل من العبودية للحرية، وعصاه التي شقت الطريق نحو الحرية والتمكين، ربما كان اسم موسى أقوى في الرواية لكننا لا يمكننا إهمال دور العصا فهي تمثل الأدوات، وهذا ما أوحاه الكاتب حين عاد في النهاية ليشير بهذا المعنى للعصا.

الإسقاطات كثيرة، وفي أحيان تستطيع أن تسقط شخصية معينة على دولة، مثل إيميلي التي تشبه في تهورها تهور السياسة الأمريكية وصديقتها بروكلين على إسرائيل فتهور إيميلي تهور ساذج مثل الولايات المتحدة، وعصاها في المنطقة هي إسرائيل مثل صديقتها، إلى أني وجدت إسقاط آخر على شخصية إيميلي في نهاية الرواية ولا أدري أهو مقصود، أم أنه استنتاج من الكاتب، أن أمريكا يمكن أن تغير من أولوياتها وتعيد ترتيب صداقاتها مع دول المنطقة، أو أن الكاتب لا يعني شيئاً خمنته، وبهذا يعتبر هذا استنتاج شخصي من بنات أفكاري.

 شخصيات الرواية:

موسى: الشخصية الرئيسية وهو صاحب الحلم والرؤيا، كلما كبر زاد تمسكه بحلمه حتى يعود إلى وطنه ويبدأ بتحقيقه، وهي شخصية تقيس وتقارن بين عالمين، بدائي ومتطور، وترى المزايا والعيوب.

الأب: يمثل الأصالة والصبر والجلد، كأي أب عربي أو إفريقي أو مسلم لا يترك المسلمات التي آمن بها مهما تغير الزمان أو المكان.

 الأم: تمثل الانتماء والجذر الذي يكره ترك أرضه وإن عانا وتعب، ومثلت الأم هذا الدور في الرواية بكل معناه المتوقع، دون أن تخرج من ثوبها المحلي رغم انتقالها لمجتمع مختلف.

إدوارد: يجسد العنجهية العسكرية الأمريكية التي تبرر الحروب، وقد عبر من خلاله الكاتب عن تأثير الحرب على نفسية الجندي وأثرها على الأسرة.

إيميلي: شخصية تُعبر عن الإنسان الأمريكي المفقود وسط حضارة انتزعت منه إنسانيته وجعلته ينظر للأمور بشكل سطحي، إلى أنها تمثل الإنسان الذي يحب الاكتشاف والبحث وتكمن فيها الرغبة في التحول حين ترى الحقيقة.

بروكلين: شخصية فرعية صديقة إيميلي وهي الشخصية المتحفزة العدوانية، وشكلت مشهد العداء في الرواية.

عثمان وجوليا: يمثلان الامتزاج بين الثقافات مع حفاظ كل طرف على انتمائه رغم أن جوليا غيرت دينها إلى أنها لم تهاجر لبلد زوجها، وزوجها رغم تمسكه بدينه إلا أنه بقي في الولايات المتحدة، إلا أن تأثير عثمان في الرواية كان طاغياً على جوليا في أغلب الأحيان.

الأسلوب: اعتمد الكاتب على أسلوب الراوي العليم في روايته إلا أن صوته كان خافتاً مقارنة بصوت الشخصيات، كما أنه اعتمد أسلوب الإسقاط والترميز واستخدم عدداً كبيراً من الشخصيات، وبذلك نستطيع أن نقول أنها رواية كلاسيكية تسير في خط واحد.

 تقييم العمل: رواية كلاسيكية بأسلوب جميل ومشوق وسرد جيد، إلا أني أقف عند نقاط معينة في الرواية يجب النظر إليها بشكل جاد، منها كثرة الحوارات في الرواية، القفز من مشهد إلى مشهد آخر، أو قطع الحدث والعودة لمشاهد من الذكريات، ولا زلت أقول للأستاذ هاشم محمود أن هناك أجزاء في روايته تحتاج مزيداً من السرد حيث إن بعض المشاهد لا يجب الاختصار فيها وتستحق الإسهاب.

عموماً الرواية مشوقة وتحمل قيمة معنوية عالية تقع في 186 صفحة من القطع المتوسط صدرت عن دار النخبة في القاهرة.

قراءة في كتاب “رواية عزيز” للكاتب هاشم محمود

أيها السجان!

(أنا بذرة لن تختفي، ضع كثيراً من التراب فوق رأسي، واغمرني بالظلام، سأنبتُ في الزنزانة، وأقتلعك، وأثمر نوراً يحرق كل فلاسفة القضبان).

بهذا المقطع استهل الأستاذ هاشم محمود روايته، عزيز تلك الشخصية التي شخصنة السجن والزنزانة، ثمن الصدق في وطن لا يعرف قيمة الإنسان وعزيز يعرف أنه سيدفع ثمناً غالياً لمجرد أنه رفض أن يغير مبادئه، ويحرف معنى الإخلاص للوطن ويحول الإخلاص للحاكم، عرف منذ البداية أنه سيدفع الثمن “ثمن وفق ما يحدده أولئك الذين منحوه حرية الاختيار بين الحديد والنار”.

تتسلسل الزنازين، وتتابع أيامها وما يعانيه السجين من بيئة قذرة ومعاملة سيئة وتعذيب لا يجعله يفرق بين الأيام، الألم ممنهج والإهانة تستمر، كل هذا يصب في اتجاه واحد، إهانة المعتقل لانتزاع اعترافات في قضايا لم يفعلها لإبقائه بعيداً عن الساحة العامة التي يؤثر فيها، فخوف النظام لا من أفكار المعتقل، بل من مدى تأثيره في الجماهير، فكلما زاد تأثيره وعلاقاته الداخلية والخارجية نظرت إليه السلطات الدكتاتورية بنظرة ريبة وشك، ووضعته موضع الاتهام حتى تحين الفرصة الملائمة لتلقي به في السجن لتغيبه عن مجال تأثيره الفعال.

إن حب الوطن الذي يشير إليه الكاتب لا ينطوي على السيطرة الجبرية فحب الوطن هو انتماء يفوق لغة القوة، ويتعداها لمجال أرحب لا يعرفه العسكر الذين سيطروا على البلاد في غفلة من أهلها بدباباتهم وسطوتم، وفرضوا عليهم الخضوع والذلة، ومن يرون أنه لا يبجل سلطتهم يجب أن يموت أو يختفي، فكل شيء لدى العسكر له طريق واحد، الرأي واحد والقرار واحد والحاكم واحد، ويجب أن يتبعه الجميع ويطيعوه، فهو العارف العليم القوي الأمين.

عندما يصبح الحكم مأوى لمجموعة معينة تضطهد الفئات الأخرى؛ وهذه المجموعة مؤمنة بأن تلك الفئات لا بد أن تطالب بحقوقها طال الزمان أو قصر، وبما أن بطل الرواية مسلم نشط له تلاميذ وأتباع، ويملك هو ووالده مؤسسة تعليم ديني يتضح اضطهاد السلطات الأريتيرية للمسلمين لا لكرههم، بل خوفاً منهم، وتتجلى الإهانة بتهميشهم والنظر إليهم على أنهم فئة دونية يجب أن تخضع وتستسلم للسلطات، وإلا تسلط عليها ألوان العذاب.

تتناول الرواية عناصر مهمة في السجن سواء للسجانين أو المساجين، فالسجان بلا قلب، ولم يكتسب هذه الصفة بين عشية وضحاها، لكنه تبلد مع الوقت، وأصبح سادياً لا يبالي بصراخ وألم الضحايا، هدفه فقط أن يحقق غايته في تلفيق التهم وانتزاع الاعترافات عن طريق التعذيب، لكي يحيل المتهم لقبر آخر يقضي فيه بقية عمره، أو يعلق على أثره على حبل مشنقة.

أما السجين فهو الحلقة الأضعف وصبره لا ينبعث من قوته البدنية، بل من إرادته التي تقاوم الاستسلام، أوضح الكاتب الجوانب النفسية القاسية التي يعانيها السجناء والطرق البسيطة التي يحاولون من خلالها التغلب على قهر السجان وعزلة الزنزانة، الخيال يلعب دوراً هاماً في تلك الوحدة والإيمان كذلك، إلا أن كثافة التعذيب وقسوته تكسر أحيانا إرادة بعض المساجين فيستسلمون لقدرهم، وبعضهم لا يتحمل ويرحل عن الدنيا، دون أن تعقد له محاكمة أو أن يقف أمام قاضٍ.

قضية اضطهاد المسلمين في أريتيريا وبعض القوميات الأخرى من قبل السلطات، على عكس التعايش الذي يحدث في المجتمع، والفتن التي تثور بين الطوائف والأديان أغلبها إن لم تكن كلها من صنع أجهزة الأمن لكي تحكموا سيطرتهم على المجتمع.

لا زلت ألوم الأستاذ هاشم محمود على بخله، ففي الرواية الكثير الذي لم يقله، ولو فعل لأعطى للرواية ألقاً أكثر، لكنها رواية جميلة تحكي الثورة والسجن والاضطهاد تقع في 237 صفحة من القطع الصغير أنصح بقراءتها.

قراءة في كتاب “رواية الكتيبة 17” للروائي هاشم محمود ..

قراءة في كتاب “رواية الكتيبة 17” للروائي هاشم محمود ..

في بعض الأحيان تكشف لنا الرواية واقعاً لم نكن نعرفه أو تطلعنا على حقبة زمنية معينة لنكتشف من خلالها تلك المرحلة بأحداثها وشخوصها ، وهذا بالفعل ما وجدته في هذا العمل الجميل حيث كشفت بعض الأمور التي أجهلها عن إرتيريا كأرض وشعب وتاريخ .

تتحدث الرواية عن حقبة زمنية محددة وهي السنوات الأخيرة من الاحتلال الإيطالي لإريتريا وبداية انكماش النفوذ الإيطالي وتمدد النفوذ البريطاني ويبين الكاتب من خلالها الكثير من الجوانب المهمة في تلك المرحلة كالمقارنة بين أساليب الاحتلالين ، والمقارنة بين التسامح الديني السائد في تلك الفترة بين أطياف المجتمع الأريتيري والنفور الحاصل حالياً في هذه المسألة . 

تعتمد الرواية الأسلوب التقريري في أغلب الأحيان ويصبح تتبع المعلومة هو الأهم لدى القارئ ولا نجد صدى للعاطفة أو العوامل النفسية إلى في موضعين ، الأسرة والحبيبة ، في مشهدين متباعدين في البداية والنهاية ، المسألة الدينية كان من الممكن أن يوظفها الكاتب بأسلوب نفسي وعاطفي أفضل .

العمل جميل يحمل الكثير من المعلومات المفيدة ، لأي قارئ لا يتجاوز الكتاب 167 صفحة أي أنه من الأعمال الصغيرة نسبيا  إلا أن المرحلة الزمنية التي يعالجها مرحلة مهمة وغائبة عن المجتمع العربي .