وتحدثت عني ..

meditation_3555_advice_32463

     تأرجح الأفكار وتدور في رأسي اجمعها فتميل بي إلى الذكريات والآلام فأبكي ثم أقوم لأصرخ من جديد .. كفى .. كفى .. كفى ، متى ينتهي الألم ؟ متى يرحل ؟ لتستقر روحي  وتتنفس الهواء باردً أو ساخنً  أو جافاً ، كما يكون فقط أريد أن تشعر بالواقع الذي يحيط بها فتعيشه جميلاَ أو تعيساً ، وأن لا تتمادى في الذكريات فتموت في الماضي الذي تعيش فيه فربما يكون الواقع اجمل لا بل يجب أن يكون الواقع اجمل .

     كتمت هذه الكلمات في نفسي لكي اسردها إذا انتابتني نوبة الحزن مع عودة الذكريات لكي اصمد واقف في وجهها وأصرخ كفى لن أبكي مجددا لن ابكي أبدا ، مرت بي الأيام بعد ذلك الشعور متشابهة وأنا اطرد الذكريات لا أريد أن أعود إليها فلا حزن فيها ولا فرح بل وجوم يكسوا ما حولي من أشياء فتمتزج في نفسي وتصبغها بلونها الرمادي الكئيب .

     ذات ليلة بينما كنت متكأ على الكرسي غالبني النعاس بشكل مفاجأ ورأيت أني اتكأ على الكرسي نفسه وأغط في نوم عميق وفجأة شعرت بيد تلامس وجهي وقبله هادئة على جبيني وصوت شفاف يناديني .. أستيقظ .. فتحت عيناي فإذا بفتاه جميلة الوجه جذابة الملامح تسر الناظر فيما اشتهى النظر منها .

     عاودت الحديث : هل استيقظت ؟ نظرت إليها بريبه ولم اجبها فقالت : لقد قضيت ليلتك نائم على الكرسي وقد اشرق الصباح ، وتوجهت إلى النافذة وأزاحت الستارة وهي تتكلم بصوت هادئ : انظر كم هو النور جميل يكشف ما خبأ الليل فيكسوه حلة البهاء .

     خرجت حينها الكلمات من فمي ثقيلة وانا اضع يدي امام عيني لأحجب اشعة الشمس : ذلك النور لا يصل إلى النفس لكي تشرق كما تشرق الدنيا به ، نظرت إلى بتمعن وارتسمت على وجهها تعابير الكلمات ثم مشت بهدوء وجلست على الكرسي المقابل وقالت : نعم لا يصل إلى النفوس فالنفس كائن غريب عن النور لا تحبه ولا تشتهيه ولا تفهمه لكي تفتح له النوافذ ، سألتها : هل تفتح الدنيا نوافذها للنور أم إنه يغزوها شاءت أم أبت ؟ ابتسمت وقالت : بل يفتح لها النوافذ ألم تحط بيتك بالستائر ؟ فقلت : بلا .

     حركت يدها ووضعت اصبعها السبابة على صدري وهي تقول : كذلك نفسك بها نوافذ وستائر تحجب النور فلا ترى ما يكون خارجها ولا تستمتع به ، صرخت في وجهها : لا بل ترى وتسمع لكن لا تشعر بشيء ، ارتسمت علامات الانزعاج على وجهها قبل ان تتحدث : عزيزي بل تستطيع إن شئت أن تشعر تلك النفس بما يحيط بها لماذا تفصلها عنك أليست جزءاً منك تعيش بداخلك تتحرك معك ، قلت : بلا ، فقالت : أذن لماذا تفصلها لماذا تعيش أنت بداخلها ؟ لماذا تتركها مهملة لا ترى النور الذي حجبته عنها بالنوافذ والستائر والعوازل التي تضعها  في كل جوانب حياتك .

     هاجت مشاعر الغضب شعرت باتهامها يكشفنِ فصرخت مجدداً : لم اعزلها ، لم اعش بداخلها اتسمت ، وقالت : أهدئ عزيزي أنت تكذب ،صرخت بوجهها بكل قوتي : انا لا اكذب ولا احتاج للكذب ، عادت وابتسمت ابتسامتها الجميلة المستفزة وقالت : لا بل تعيش به وتتهم الحزن والذكريات بما لا يناسبها ولا يليق بها ، أنت ترتدي ثياب الماضي وتلف حولك الذكريات فتحجب عن نفسك النور والجمال .. كما البيت تماماً تمسه الشمس من الخارج وإن لم تفتح النوافذ يبقي الداخل كئيباً يلفه الظلام .

     نظرت إليها وأخذت اقلب كلماتها الواثقة في رأسي وفكرت بها برهه من الزمن ثم تناهى إلى فكري سؤال من هي ؟ وكيف دخلت إلى هنا ؟ أنا متأكد أني أغلقت الباب بعد أن دخلت إلى غرفتي فشعرت بشيء من الريبة ولكنها لم تدم طويلا فمثل هذا الوجه الجميل والكلمات الواثقة لا تثير في النفس الخوف بل الأمل ، كنت انظر إلى وجهها وقد غبت في أفكاري وهي كذلك تبادلني النظرات ثم هزت رأسها وقالت بهدوئها المعتاد : اسألني من أنا ؟ وكيف دخلت إلى غرفتك ؟

     ارتسمت الدهشة على وجهي وبادلتها الحديث : كأنكِ قرأتِ ما يجول بخاطري  ، فقالت : نعم حتى ذلك الخوف والريبة التي مرت بك ومسحها منظر وجهي الجميل وكلماتي الواثقة ، جمدت ملامحي ونظرت إليها بذهول فنطقت بنفس الهدوء : هل تريد أن تعرف من أنا ؟ وكيف دخلت ؟ هززت رأسي لكي اسمع الإجابة فقالت : أنا لم ادخل من الخارج بل خرجت من الداخل .

     استغرب من أجابتها وسألتها : خرجتِ من أين ؟ ابتسمت ووضعت سبابتها على صدري وقالت : من داخلك ، فصرخت في وجهها : من أنتِ ؟ قالت بتأفف : ارجوك عزيزي لا تنفعل فأنا محتاجة للهدوء ، تمالكت أعصابي وسألتها بهدوء : من أنتِ ؟ فقالت : أنا نفسك التي حبستها في داخلك ولففت حولها كل أنواع الظلام واعدت عليها كل مشاهد الألم والحزن فأصبحت كئيبة حزينة تنظر بعينيك فلا تستشف الجمال ولا تستمتع به ، أنا نفسك التي حبستها بداخلك وكأنها فتاه جميلة حجبتها عن الظهور خوفا على جمالها فقتلت بها كل أمل ومسحت مشاهد الحياة عنها فأصبحت مظلمة تنظر إلى سواد الحزن وسواد الألم وسواد الظلام فلا ترى جميلا أبداً ، وتتشابه كل المشاهد في عينها ، صرخت قائلاً : لا لم أفعل .

     عزيزي لا تنفعل فقد بذلت جهداً كبيرا كي أتمكن من الخروج من أعماقك ولو أنني عدت ثانية لن أستطيع الخروج أبداً ، أنا كما هذا البيت الذي لم تشرق به الشمس منذ زمن بعيد كئيب حزين لا يدخله سواك ولا يملك مفاتحه أحداً غيرك ، أنا نفسك صدقني ، انظر اللي كم أنا جميلة بهية تختال حولي الزهور إذا رأتني وتشرق من وجهي ملامح السرور .

     سكتت ونظرت إلى نظرت يملئها العطف فسالت دمعه من عيني فقالت لي وهي تواسيني : ابكِ عزيزي فرحاً كما تبكيحزناً ، استرجع من الذكريات ما يفرحك وأطرد ما يحزنك لقد عشت بالألم كثيراً فلماذا لا تغير ملابس الأسى ، فقلت : لا استطيع ، نظرت إلي وابتسمت وهي تقول : حان رحيلي وداعاً .

نظرت إليها مجدداً وسألتها في هدوء خالطه التأثر بما قالت : اكملي حديث ، فعادت تحدثني : أنا نفسك وأنت الوحيد الذي تملك مفاتيح الدنيا التي أريد ، افتح النوافذ والأبواب المغلقة لكي اشعر بالدفء بعد برد الظلام ، أنا نفسك انظر اللي لقد اشرق وجهي لأنك حاولت فقط أن تطرد الذكريات الحزينة وأن لا تبكي فما بالك لو خرجت أنت للنور .

     أردت أن امنعها أو أن اصرخ في وجهها أو أتوسل إليها لكي لا ترحل ولكن ، النعاس غلبني فجأة ثم استقضت بعد فترة  توجهت إلى النافذة مباشرة فأزلت عنها عازل النور وفتحت الستار ورأيت الشمس تكسوا الدنيابنورها وتنشر الجمال على الأرض وتطرد ما ترك الليل من ظلمة وأخذت أتأمل ذلك المنظر الجميل الذي امامي ، وأسترجع ما حدث ليلة أمس ولا أدري أكان حلماً أم واقعاً ، لكني عرفت أن نفسي مظلومة فأنا من تجنى عليها ، عاودت النظر إلى الخارج لأستمتع بالنور وابتسمت .