دراسات وأبحاث أدبية ..

قراءة في بعض الدراسات التي تنقد وتحلل الاعمال الروائية .

اقرأ دراسات في تحليل الروايات وبالتأكيد تتناول هذه الدراسات بناء الرواية واسلوبها وعناصرها ، وتتطرق للكثير من التفاصيل والمقارنات التي بين العمل الذي تقوم عليه الدراسات واعمال أخرى مشابهة أو قريبة وتحمل نفس العناصر ، وكل الدراسات التي قرأتها تذكر المدارس التي ينتمي إليها بعض الكتاب كمرجعية ، وهذا شيء جيد يمنهج العمل الروائي ويضع له قوالب متنوعة ومختلفة ومتطورة بل قابلة للتطور في المستقبل .

وتتناول الدراسات المكان والزمان والشخصيات والأساليب والتفاصيل واللغة والحبكة ، تتناولها بأسلوب تحليلي دقيق ، والجيد في هذه الدراسات أنها تتناول الأعمال الأدبية التي بها مضمون قوي وصحيح ككتلة روائية مبنية بشكل سليم ، ولا اختلف مع الباحثين في هذه الجوانب ولا انكر عليهم عملهم بل إني استفيد شخصياً من هذه الأعمال فهي تبين الكثير من الجوانب الخفية في الرواية محل الدراسة وتفكك عناصرها بشكل يثير الاعجاب .

لكن لدي ملاحظات لا تمس الدراسات بل تعني الكاتب وكيفية تشكيله للرواية ، فالكاتب إنسان له ثقافته وله مرجعيات ولغة ، وحين يبدأ السرد تكون الأهمية الأولى هي العمل الروائي الذي يشتغل عليه ، فحبكة الرواية وشخوصها واحداثها تفرض على الكاتب أن يخرج أحياناً عن السياق الذي أطر فيه الأفكار الأساسية قبل البدء في الكتابة ، فأسلوب التعاطي مع الزمن يختلف لدى الكاتب من عمل لآخر ففي بعض الأعمال يكون الزمن عنصر واجب الحضور وفي بعض الأعمال يكون الزمن مموه او مائع ، وكذلك المكان أحياناً يكون فقط محيط يحدد موقع الحدث أو القضية واحياناً يحمل الكثير من التفاصيل ، ويحدد هذه الأهمية العمل نفسه ومدى خدمة تلك العناصر للرواية ، فلو افترضنا عمل ادبي توثيقي يتناول مرحلة في الحرب العالمية الثانية سيكون الزمان والمكان واضحي العناصر ، بعكس لو كان العمل يناقش قضايا اجتماعية فيخف وضوح الزمن .

كذلك اللغة ، فلغة الرواية البسيطة تجعل القراءة تنساب بشكل سلس ، لكنها تخضع لمعايير في العمل الأدبي ، منها مثلاً المجتمع الذي يعيش فيه الكاتب ويريد أن يوصل فكرته لهذا المجتمع فعليه أن يجعل اللغة سلسة بعيدة عن التقعير والكلمات الغير مستخدمة والمصطلحات الغريبة ولو اضطر الكاتب لاستخدامها عليه أن يضع لها تفسير في الهامش ، كذلك تخضع اللغة لدرجة اجادة الكاتب للغة المستخدمة ، وتخضع أيضاً لأسلوبه هو شخصياً هل هو سلس أم عميق أو مبتذل ، فالرواية تعكس شيء من الكاتب حتى لو أراد أن يخفيه ، واستخدام اللغة مهم في الرواية لأنه الأساس الذي ينقل من خلاله الكاتب أفكاره للقارئ فحين نكون اللغة ضعيفة لن تصل الفكرة وحين تكون اللغة مبتذلة يصبح العمل ممل ، والتوازن يضعه الكاتب بناءً على تصوراته الشخصية فيما يرى أنه يخدم العمل .

بعض مشاكل الرواية العربية ..

تعتبر مشكلة الرواية العربية مشكلة مركبة ، فالقصة بحد ذاتها قديمة وتطورت بأساليبها المختلفة عبر  القصص المروية والمكتوبة حتى وصلت لشكلها الحالي كقصة كبيرة تسمى رواية ، لم تولد في المنطقة العربية ولا يوجد نهج خاص بالروائيين العرب ، ولا اعني بهذا الكلام الأسلوب بل اعني ان لا مدارس فكرية او فلسفية عربية خرجت في اطارها الرواية أو مدارس فكرية وفلسفية عربية مستقلة تأثر بها الروائيين العرب ، بل كل التصورات والأفكار غربية ولولا الفكرة المحلية في الرواية العربية لكنا متلبسين بالكامل بالمدارس الفكرية والفلسفية الغربية .

وهذا ليس عيباً في الرواية ، بل تكمن المشكلة في فقر المخرجات الفكرية والفلسفية العربية التي تحاكي الغرب في كل اتجاهاتها ولا تعمل على اخراج فكر يحمل قدر من الاستقلالية بل تكرس الفكر الغربي وتتبناه بقوة ، ما عدا الفكر الوحيد الذي يقاوم الغرب وهو الفكر الإسلامي ، وحتى هذا الفكر لا يوجد به مفكرين يستطيعون محاكات الأجيال الشابة .

حتى نتمكن من اخراج فكر عربي يوثر في الأدب علينا ان نجتهد في مسائل أهمها جودة الكتاب المادة الفكرية المؤثرة ، المادة التي تجعل الفكر العربي يخرج من التبعية للغرب ويخرج من النظرة العميقة للماضي ، ويواجه الحاضر بنظرة فكرية تستطيع أن تحلله وتفكك اجزائه المعقدة وتضع حلول يقتنع بها المجتمع العربية .

لنعود للرواية ، ومشاكلها العربية ، فالرواية قصة لا تحاكي مراحل زمنية فقط ، بل تحاكي فكر يعتبر عميق في النفس يحاكي المشاعر ، المشاكل ، وينقل كل صور الحياة التي يعيشها الإنسان دون أن يكون هناك قيود تحدد فكر الكاتب أو ابعاد لروايته ، لذا تكون جودة الرواية مهمة لأنها حين تقرأ ستصل لمسافة عميقة في نفس القارئ وتمس مشاعره ، فإن كانت تحمل فكر ، فسوف تؤثر في القارئ بشكل جيد ، وستنقل إليه أفكار الكاتب ، وعلى القارئ التمييز بين الغث والسمين في هذا الجانب .

المعضلة التي يعانيها الكِتاب العربي انه لا يُقرأ ولا يعني هذا أن كل الكتب سيئة بل يعني أن القارئ العربي قد فقد ثقته في الكُتاب العربي لأسباب كثيرة ولو نظرنا لهذه الزاوية في الرواية ستتضح لنا الصورة بشكل شبه كامل ، فالرواية العربية تعاني من مشاكل كثيرة ، التفاصيل التي تخرج عن سياق الرواية ، الفكرة المطاطة للرواية ، الروتين في الرواية وتكرار المشاهد والوصف الذي يجع القارئ يهتم بالمكان لا بشخوص الرواية ، حتى تقييم الرواية نفسه يرتبط باسم الكاتب ولا يقيم العمل بذاته ، فحين يكتب أحد الكتاب الكبار رواية ضعيفة ، نجد المديح مستمر ، دون ان يوجه له نقد يقيم العمل ، وحين يصدر روائي صغير رواية جيدة يعاني من الاهمال لأنه أسم غير معروف .

كذلك هناك مشاكل يعانيها الكُتاب العرب ، فالمحاذير العربية والإسلامية كثيرة ، بدعوة المجتمع المحافظ ، ونتجاهل أن المجتمع المحافظ في المنزل العربي يعاني من انفلات غير محدود في الشارع ، ومطلوب من الكُتاب العربي أن يسيروا على النهج المنزلي المحافظ ولا يتطرقوا إلى الانفلات الذي وصل إليه الشارع العربي .

التطرق للجنس مثلاً ، والدين ايضاً ، والشذوذ ، وغيرها من المشاكل التي تعقد الفكر العربي وتحدده ، ولا تريد أن يقترب احد من هذه المشاكل ويطرحها ويناقشها بل كل الأمور تحبس وتترك للقدر فإما تتطور تكتسح أو تموت وتدفن دون تدخل فكري ولا اجتماعي عميق يحلل المشاكل ويدرسها ويفككها ويضع الحلول الممكنة لكي يحجمها على اقل تقدير ، وعلى الكاتب العربي أن يسير على نفس النهج لكي يكون مقبولاً .

لدي مشكلة شخصية في هذه النقطة بالتحديد ، مشكلة التطرق للجنس في الرواية وكأن الغريزة شيء غير موجود في الأنسان العربي ، فحين نشرت روايتي الأخيرة اختلفت اختلافاً كبيراً مع دار النشر في بيروت ، ورغم أن دار النشر في بيروت تحمل قدر من التفتح إلا أن احد افراد تلك الدار وصفني بأني كاتب بورنو للأسف ، ثم شرح لي احد افراد الدار المشكلة بشكل بسيط فقال : حين نصدر رواية جريئة تحبس على رفوف الرقابة ولا يمكننا تسويقها في دول الخليج ، وأضاف أن لو تم منع رواية واحدة سيتم التدقيق في كل إصدارات الدار مما سيؤثر على المبيعات .

ربما يحمل هذا الرأي قدر من الوجاهة لكنه أيضاً رأي محدود فوسائل التسويق حالياً اكبر من رقابة الدول وضوابطها ، فالإنترنت فتح افاق لم تكن متوفة للكاتب العربي في السابق ، كما أن هذا الرأي يحدد الصورة التي يرسمها الأعلام عن الإنسان العربي بأنه انسان شريف نقي لا يرتكب أي فعل شاذ أو محرم ، بعكس الواقع الذي نرى فيه الإنسان العربي أبعد ما يكون عن تلك الأفكار ، بل اصبح يتقبل أمور ربما لا يتصورها المفكرون ولا الكُتاب ولا دور النشر المحافظة .

علينا أن نطرح المشاكل ، ونعالجها سواء بالرواية أو غيرها من الوسائل الأدبية والفكرية ، وعلينا أن ننظر للواقع كما هو دون أن نجمله ونرسم له صورة خيالية بعيده عنه ، فالاقتراب من الواقع يجعلنا حقيقيين أكثر ويجعنا مؤمنين أن لدينا مشاكل ملحة تحتاج لحلول ، الغريزة الالحاد الشذوذ وغيرها مسائل موجودة في كل المجتمعات ونرى أنها نمت وتطورت بشكل سريع بسبب اننا نتجنب الحديث عنها .

متعة القراءة ..

متعة القراءة ..

من الجميل في الرواية أنها تعزل القارئ عن كل شيء فهي تنقله من عالمه الواقعي إلى عالم افتراضي لم يعشه ولم يعرف شخوصه من قبل ، لكنهها تجعله يطلع على كل شيء من زاوية تجعله يشعر بالرغبة في المتابعة وكأن حياة اشخاص اخرين فتحت امامه ويستطيع أن يطلع على اسرارها ، ويستطيع أن يتعاطف معهم أو يحبهم ، يحتقرهم أو يكرههم ، فالرواية تعطي القارئ الشعور انه مطلع على كل شيء فيغادر زمانه ومكانه ويتحد شعوريا مع الرواية في زمانها ومكانها وشخوصها لكنه يطلع دون ان يؤثر في احد ، فقط هو من يتأثر ويعيش مرحلة افتراضية .

لا يكمن السر في الرواية مهما كانت جميلة ، بل يكمن السر في رغبة القارئ أن يحصل على رواية تشده لعالمها ، فلا معنى لرواية جميلة عند شخص لا يقرأ لكن قيمة الرواية الجيدة تكون أكبر عند قارئ مهتم يستطيع أن يصل لروح الرواية فإما أن يتحد معها ويكمل القراءة أو يهجرها ، او يضع رأيه فيها .

في أحيان كثيرة نمسك بكتاب لا نستطيع أن نتركه ، فإما أن يكون موضوع الكتاب شيق ويقع ضمن اهتماماتنا  أو أن أسلوب الكاتب في الطرح والسرد راقياً وجذاباً جعلنا نكمل القراءة ، وفي كلا الحالتين نحن نتجه في القراءة “لما يهمنا” أو “لما يشدنا” وفي الحالة الأخيرة التي يمكن أن تجعلنا نقرأ كتاب هي “البحث عن معلومات” لكني لا أتكلم عن هذه النقطة بل أتكلم عن الكتب التي تجعلنا ننسلخ من الواقع ونغوص في أفكار الكاتب سواء لموضوع أو قصة أو رواية ، فنستمتع بالقراءة متعة لا نريدها أن تنقطع ، ولو فكرنا قليلاً نعرف ما الذي يوصلنا لمرحلة الاهتمام والاستمتاع ، فأسلوب الكاتب في السرد وتوزيع الأحداث أو الأبواب على الكتاب تجعل القارء يصل لمرحلة تسلسل ذهني يجعله مندفع للمادة التي بين يديه بشكل لا يتوقف حتى يصل للنهاية .

الرواية .. قيود المنهج ..

الرواية .. قيود المنهج ..

في اعتقادي اليقيني أن أي شيء يقيد الكاتب فكرياً يكون ممقوت لكن في الواقع يجب أن نقيد أنفسنا في بعض الأحيان عن أمور تثير الرأي العام أو تثيرنا نفسياً كأمور الدين والأخلاق والمجتمع مثلا ، ولا أقصد فيما أعتقد هذه الأمور بل أقصد المنهج في كل المجالات الأدبية وخاصة أدب الرواية ، ومن المعروف أن المنهج الذي ندرسه لكي نكتب يعطينا من الخبرات والنماذج والقواعد ما يثري أفكارنا وينمي بعض القدرات لدينا ، لكنه أيضاً يقيدنا في حدوده “حدود المنهج” وكأننا نعمل على فورمات جاهزة نعيد تعبئتها كل مرة بصيغة مختلفة .

ولو نظرنا للواقع نجد أن النقد والمنهج التعليمي يخرج بعد العمل الأدبي ، أي أن الرواية الأولى خرجت دون منهج ودون نقد ، ثم بدأ النقد والتحليل ، ثم أصبح لتلك الرواية منهج يحتذى به ، وكذلك في الرواية الثانية والثالثة حتى تراكمت المناهج والخبرات ، وتعمق النقد والتحليل لأقصى درجة .

والابداع هو الخروج عن المنهج بما هو جديد وجميل ، فنكسر المنهج لنضيف إليه صورة أخرى لم تكن موجودة فيه لكن بعد فترة من الزمن تصبح تلك الرواية المبدعة منهج جديد يضاف للمناهج الموجودة ، وتدخل في النقد والتحليل ، والرواية في هذا الجانب كسائر الفنون الأدبية ، تخرج منها مدارس تتلمذ مجموعة من البشر عليها .

لا اقصد فيما ذكرت أن المناهج الأدبية في فن الرواية بها قصور أو شذوذ أو أني أرفضها البته ، لكني أرى أن التقيد الزائد عن الحد بالمنهج الأدبي للرواية يفقدها لحظات الأبداع التي تميز بين الكاتب والآخر ، بحيث يعمل المبدع وغير المبدع ضمن أطر لا يمكنهم أن يتجاوزوها نفسياً بسبب تأثرهم بالمنهج الذي يتبعونه في أدب الرواية .

الأبداع هو ما يمنح التميز لأي عمل ، سواء أُكتشف هذا الأبداع في بدايات الكاتب أو بعد فترة من حياته أو بعد رحيله ، فالأعمال المميزة لا بد لها أن تكتشف وتبرز وتأخذ مكانها الصحيح في على رفوف المكتبات وفي العقول .

الرواية .. الشخصية الرئيسية ..

الرواية .. الشخصية الرئيسية ..

جابر عتيق ..

هي المحور الأهم في الرواية ، ورغم أن الكاتب يمكنه أن يضع  اكثر من شخصية رئيسية في العمل الروائي إلا أن القليل يتمكنون من عدم تضخيم احد الشخصيات لتطغى على البقية ، أو يكون لها حضور لافت في الرواية بحيث يكون تأثيرها فاعل في الرواية ، ويمكن الملاحظة بسهولة أن الكاتب يضع لتلك الشخصية الخارطة الأقوى في العمل .

محورية الشخصية الرئيسية ليست فقط لأن الأحداث تدور حولها أو أنها تحرك أحداث الرواية بل هي مكون رئيسي في بنية الرواية وتكوينها ، بحيث أن الخلل في الشخصية الرئيسية يؤثر على الرواية بشكل عام ، وكلما تمكن الكاتب من تجسيد الشخصية التي تلعب دور البطولة بشكل صحيح نجح في تكوين الجزء الأهم من الرواية ، لأن الشخصية الرئيسية تقع في المحور وأي خلل فيها يسبب الارتباك .

مسار الرواية التي تكون فيها البطولة لشخص واحد يمشي على خط شبه مستقيم ، فالأحداث تقع إما بفعل الشخصية الرئيسية أو بجانبها ، فيستمر التسلسل على نمط واحد تقريباً ، مع تشكيل الاحداث وتأثيرها .

البطولة المشتركة في الرواية تكون متعبة للكاتب أكثر من البطولة المفردة ، ففي حال البطولة المفردة ينظر الكاتب للأحداث بعين البطل فقط ، لكن عندما تكون بطولة الرواية مشتركة بين أكثر من شخصية ، تختلف نظرة كل شخصية للأحداث التي تدور في الرواية ، ويختلف التحليل ، وعلى الكاتب أن ينتبه للعوامل المؤثرة مثل العوامل النفسية والاجتماعية والمالية لكل شخصية .

في البطولة المشتركة تكون للرواية مسارات إما تبدأ وهي ملتقية مع بعضها أو تكون متفرقة ، ثم تجتمع ، ومن الممكن أن تلتقي مرة أخرى بحسب التقاء الاحداث وتنافرها في الرواية ، ومدى تأثيرها على الشخصيات ، وهذا النمط له ميزة انه يعطي الرواية تفاصيل أكثر ويعمق الفكرة فيمكن للكاتب أن يطرح قضية واحدة ويضع لها أكثر من تصور بحسب الشخصيات الموجودة في الرواية .

من الضروري للكاتب مراعات الشخصيات النسائية في أدوار البطولة ، حيث أن النساء يختلفن كل الاختلاف عن الرجال في الحالة النفسية والانفعالية ، والتأثر بالمشاعر وحالة الصدمة ، وردة الفعل ، فمن الضروري أن يؤمن الكاتب الرجل بأنه لا يكتب عن نفسه بل يكتب عن جنس آخر له تكوينه الفيسيولوجي المختلف ، وكذلك الكاتبة المرأة يجب أن تراعي تلك الملاحظات عندما تكتب عن البطل الرجل ، فالتفاصيل للأجناس البشرية تميز الشخصية وتميز الحدث أحياناً .

الرواية .. نقد الرواية ..

الرواية .. نقد الرواية ..

جابر عتيق ..

من الأمور التي تزعج الكاتب “النقد” وهو بالفعل أمر مزعج سواء لكاتب الروايات أو لغيره من الكتاب ، فالنقد من شأنه أن يرفع العمل الأدبي أو أن يشوهه ، وللنقد عدة أوجه في مجال العمل الروائي ، بنية الرواية الاحداث الشخصيات ، زمان ومكان الرواية ، ومجالات فرعية كثيرة ، ويستخدم النقد أيضاً في عدة أوجه ، إما لرفع أسهم الرواية أو للتحقير من العمل أو لتشجيع كاتب أو أن يكون النقد بناء ومنهجي .

ومن المفروض للنقد أن يكون نقداً بناءً ، ليضع نقاط الضعف أمام الرأي العام ، وأمام كاتب الرواية ليتجنب تلك المواضع الضعيفة في عمله الروائي ويعمل على تحسين مستوى أعماله المستقبلية .

كل ما سبق مهم في العمل الأدبي والروائي لكن علينا أن نعرف أمراً مهماً للغاية أن العمل الأدبي هو الأساس ، بمعنى أن لا نقد إن لم يكون هناك عمل ، فالعمل الروائي يصدر ثم ينتقد ، لا لكي ينتقد بل يعتبر النقد أسلوب من أساليب تقييم العمل الروائي ووضعه في موضعه المناسب بين القمة والقاع ، فحين يكون الرأي العام للنقاد بنجاح عمل روائي فهم بذلك يضعونه في المراتب العليا ، ثم يأتي نقد أعلى قيمة ليفاضل بين الأعمال التي تشترك في المراتب العليا لنعرف أيها أكثر جودة وأيها يبقى لزمن أطول وأيها يخلد كعمل إبداعي لا يمكن تجاوزه .

على الناقد حين ينتقد عمل روائي أن لا يلتفت لأسم المؤلف ، ولا تاريخه الأدبي ، وهذا يجعله حيادية ، وأكثر مصداقية ، فالعمل الروائي لا يتكون من عنصر أدبي واحد بل له عناصر كثير في مجال الأدب ، ولو أهتم الناقد باسم المؤلف أو دار النشر ، ستدفعه خلفيته الثقافية أن يقف عند نقاط من الضروري أن لا يقف عندها ، وذلك لأسباب مختلفة ، منها أنه الناقد نفسه ربما يتعرض للنقد بسبب موقفه من عمل أدبي معين لكاتب معين ، لذا عليه أن يهتم بالعمل الأدبي ويقيمه كنص منفرد .

وهناك نوعيات كثيرة للنقاد ، كأي مجال إعلامي منهم المخلص ومنهم المسوف ومنهم المأجور ، لذا على الكاتب حين يستمع للنقد أن لا يتأثر إلى بما يستحق النظر والتمعن من النقد الذي يحلل العمل الروائي ويخرج عيوبه بشكل صحيح دون تشويه ودون مزايدة ودون نفاق ، فحين يتعدى الناقد حدود النقد ويصبح الهجوم على الكاتب وليس على العمل ، هو لا يشوه عمل واحد بل يشوه كل أعمال الكاتب ويترك بصمة سوداء في ذهن القارئ فينظر حينها بريبة لأي كتاب يحمل أسم ذلك المؤلف .

وحين يتعدى النقد حدوده في الإطراء ، يكون الخطر أكبر على الكاتب ، الذي من الممكن أن يتأثر نفسياً وينظر لأعماله بشكل مختلف فيؤثر ذلك على جودة اعماله المستقبلية . النقد عملية مهمة جداً ويحتل مساحة جيدة في الساحة الثقافة ، وكما يجب أن يكون العمل الروائي ذو مستوى من الجودة يجب أيضاً أن يكون النقد على مستوى مرتفع من الجودة لأن النقد لا يقوم به إلى اشخاص محترفون ، بينما العمل الروائي يمكن أن يخرج من أناس عاديون لا علاقة لهم بالساحة الأدبي لكنهم يملكون القدرة على الكتابة والتعبير بشكل جيد